×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

لاهوت المسيح في المسيحية والإسلام دراسة مقارنة / الصفحات: ٤١ - ٦٠

تعاليم وروايات كانت تنقل شفاها طيلة عشرات السنين من فم إلى فم حتّى دوّنها كتّاب الأناجيل، فإذا قلنا أنهم كتبوا اناجيلهم نقلا عن شهود عيان كانوا مع المسيح(عليه السلام) والتلاميذ الاثني عشر، فأين الوحي والالهام الالهي إذ كانوا قد اعتمدوا في نقلهم على افواه الناس ؟، وهذا ما يؤكده لوقا في بداية انجيله حيث يقول: "إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الاُمور المتيقنة عندنا كما سلمها إلينا الذي كانوا منذ البدء معاينين وخداماً للكلمة، رأيت أنا أيضاً إذ قد تتبعت كل شيء من الأوّل بتدقيق أن اكتب على التوالي إليك ايها العزيز ثاوفيلس لتعرف صحة الكلام الذي عُلّمت به" انجيل لوقا (١:١).

وإذا كان الكتّاب انفسهم يؤكدون أنهم يكتبون ما وصل إليهم من التعاليم عن طريق الناس فما هذا الاصرار من قبل الكنيسة على أن هذه الكتب هي وحي الهي سماوي!؟، فهذا لوقا في انجيله ـ وغيره في رسائله يؤكدون ـ أنه يكتب بدافع شخصي بحت إلى صديقه ثاوفيلس، ولا يدّعي انه يكتبها بإلهام أو عن طريق روح القدس، والكنيسة تعترف أنه لم يكن يعلم وقت كتابتها بانه كان ملهماً وأن الروح القدس هو الذي اوحى بها إليه، ولكنها تؤكد أن الروح القدس هو الذي اوحى إليه المعنى الذي اراده الله أن يثبته في كتابه من دون أن يخبر لوقا والكتّاب الاخرين بذلك!.

ونتساءل ونقول إذا كان الأمر كذلك وأن هذه الكتب هي من وحي سماوي، فلماذا هذا التأخير في كتابة هذه الأناجيل المقدسة إلى المؤمنين المسيحيين مع شدة احتياجهم إليها،وخصوصاً مع انتشار العشرات من الكتب والرسائل والتأليفات وكلها تدّعي أنها تنقل تعاليم المسيح(عليه السلام)الحقة وهي كاذبة ومحرفة؟، ولكننا نرى علماء الكتاب المقدّس انفسهم يعزون ذلك إلى اسباب وعوامل عديدة هي التي أدت إلى التأخير في كتابة الأناجيل ومنها:

٤١

١ ـ أن المسيحيين الاوائل لم يكونوا ـ أو الغالبية العظمى منهم ـ طائفة مثقفة أو متعلمة، بل كانوا من السذج والفقراء والاميين.

٢ ـ العادة السائدة في فلسطين في زمان ظهور دعوة المسيح(عليه السلام) هي أن التعاليم الدينية تنقل شفاهاً.

٣ ـ ثمن التكاليف والمواد اللازمة للكتابة كان عائقاً بالنسبة للمسيحيين، الذين كانوا من الطبقات الفقيرة والمعدومة (الاكثرية الساحقة على الاقل).

٤ ـ تفشّي فكرة المجي الثاني للمسيح(عليه السلام) بين أتباعه، أي عودته إلى الأرض، وهذا عامل نفسي مهم ومؤثر في عدم الاهتمام بالكتابة.

٥ ـ الصعوبة في جمع البيانات والمعلومات اللازمة للكتابة، ولا سيما في فترة المسيحية الاُولى التي عانت من الاضطهاد الشديد من قبل اليهود وغيرهم(١).

وهذا يدلل على أن التأخير في فترة الكتابة لم يكن لحكمة ومشيئة الهية كلياً، بل هناك عوامل وظروف مادية قاهرة هي التي أدت إلى التأخير في كتابة هذه الاسفار إلى فترة تتجاوز ما لا يقل عن نصف قرن بعد رفع المسيح(عليه السلام).

واما إذا القينا نظرة إلى محتويات هذه الأناجيل فسوف نصل إلى حقيقة لا تقبل الشك وهي أن هذه الكتب ليست وحياً الهياً ولا ترجع إلى مصدر واحد، للاختلافات والتناقضات الكثيرة التي توجد فيها، التي يعترف بها علماء الكتاب المقدّس أنفسهم، ولكنهم يحاولون قدر المستطاع الإجابة على هذه التناقضات ولكن دون طائل، وأيضاً هي لم تنقل إلينا الكثير من الاُمور عن شخصية المسيح(عليه السلام)وحياته، وهذا ما دفع البعض من العلماء إلى القول: "أن الأناجيل لم تكن سيرة للمسيح أو مذكرات عن حياته، او حتّى حوادث تستحق التدوين سطرها أشخاص لتمكين تعاليمه، انما الأناجيل عبارة عن تجميع لموضوعات متواترة تناقلتها الكنيسة شفاها في اول الأمر،

١- المسيح في مصادر العقائد المسيحية : ٤٩.

٤٢

ثم كتبت فيما بعد وصنفت لتحقيق مطالب الكنيسة في التهذيب والعبادة والدفاع عن معتقداتها"(١).

وأخيراً فإن قبلنا بأن هذه الاسفار (على ما فيها) هي اسفار الهية موحاة من قبل الله تعالى، فانّه تبقى هناك مشكلة أيضاً، وهي; ان العهد الجديد الذي بين ايدينا اليوم يختلف كثيراً عن النصوص الاصلية له، إذ تعتبر مخطوطات سيناء أقدم كتاب مقدّس في العالم وتتضمن الاجزاء الكاملة للعهد الجديد، وبعد أن فحص علماء الكتاب المقدّس هذه المخطوطات التي اكتشفت في جبل سيناء ظهر أن هناك فرقاً شاسعاً بينها وبين العهد الجديد الذي بين ايدينا، يقول جيمس بنتلي بهذا الصدد: "الفرق بين المخطوطة السينائية والعهد الجديد كما يراها المسيحيون في يومنا هذا أمر يدعو للدهشة، ومع أن العلماء قد فحصوا ودرسوا المخطوطة، إلاّ أن قلة من المسيحيين يدركون الاختلاف، وقلة اخرى تقبل الاعتراف بتلك النصوص"(٢).

ويقول جي. اج. سي برنستن: "ليدرك علماء الكتاب المقدّس جيداً اننا بعيدون اليوم كل البعد عن امتلاك المخطوطات الاصلية التي كتبها مؤلفو العهد الجديد" ويضيف قائلا: "ومن الجدير بالذكر أن جميع المخطوطات الانجيلية التي بحوزتنا تحتوي اخطاء، قد يكون السبب وراءها ضعف في سمع الخطاط أو بصره أو ضعف في التهجئة أو عدم الانتباه، وهناك أخطاء اخرى متعمدة لتغيير النص وفقاً للتغييرات في المعتقدات اللاهوتية والعقائدية"(٣).

فالامر المسلّم به هو أن هذه النصوص التي بين ايدينا من اسفار العهد الجديد قد شهدت تغييرات كثيرة جداً سواءً كانت تلك التغييرات متعمدة أو غير متعمدة،

١- المسيح في مصادر العقائد المسيحية : ٤٤.

٢- اكتشاف الكتاب المقدّس قيامة المسيح في سيناء : ٢٠.

٣- محمد، حسين نجيب، حياة السيد المسيح في القرآن الكريم، ط ١، بيروت، دار الهادي، ٢٠٠٢ م.

٤٣

والظاهر أن للكنيسة المسيحية اليد الطولى في هذه التغييرات التي طرأت على أسفار العهد الجديد لتجعلها تتلائم ومعتقداتها وافكارها.

٤٤
٤٥

الفصل الثاني

حياة المسيح وشخصيته في الأناجيل
ويتضمن المباحث التالية:

المبحث الأول: حياة المسيح في الأناجيل

 أولا: ولادته.

 ثانياً: طفولته وصباه.

 ثالثاً: معموديته وتجربته من قبل الشيطان.

 رابعاً: بدء دعوته العلنية.

 خامساً: اختياره للتلاميذ.

 سادساً: إلقاء القبض عليه ومحاكمته وصلبه.

المبحث الثاني: شخصية المسيح في الأناجيل

 أولا: يسوع المسيح.

 ثانياً: ابن الإنسان.

 ثالثاً: ابن الله.

 رابعاً: ابن داود.

 خامساً: النبي.

 سادساً: رسول الله.

 سابعاً: الراعي الصالح.

 ثامناً: المعلم.

٤٦
٤٧

المبحث الأول: حياة المسيح في الأناجيل

يمكننا القول أن المسيحية بالحقيقة تدور حول محورية شخصية المسيح(عليه السلام)، فهي ليست مجموعة من التعاليم والوصايا والمؤسسات، بل هي قبل ذلك يسوع المسيح(عليه السلام) والشركة معه، فالمسيحي هو الذي يؤمن بيسوع المسيح(عليه السلام) ويحيا به وله، ويؤمن أن ملأ الزمان قد ظهر في يسوع المسيح(عليه السلام) وانه ابن الله الوحيد الذي جاء ليخلص البشرية ويعقد المصالحة بين الله الخالق والإنسان الخاطي.

ولهذا فأن البحث عن شخصية المسيح(عليه السلام) وحقيقته يعتبر من المسائل المهمة جداً في الديانة المسيحية، فهو الإنسان والإله في آن واحد، وانكار أي طبيعة وشخصية له (الانسانية أو الإلهية) يعتبر خروجاً عن تعاليم الكنيسة والإيمان المسيحي الموجب للخلاص، فالمسيح(عليه السلام) انسان ولد من أم بشرية ونما وكبر وتعلم صنعة، وهو يجوع ويعطش ويتعب ويفرح ويتألم، فهو انسام شبيهٌ لنا في كل شيء ما خلا الخطيئة، وهو بالاضافة الى هذه الجنبة الانسانية له جنبة الهية فهو اله حقيقي كما هو انسان حقيقي، وهو ابن الله الحبيب الذي أرسله الله الى البشرية لخلاصها، ولابد هنا اولاً الاشارة الى كيفية نشوء الآراء في شخصية المسيح (عليه السلام)وتطورها خلال السنين المتمادية حتّى وصلت الى ماهو عليه اليوم، أي معرفة السير التاريخي للعقيدة المسيحية في المسيح(عليه السلام)والتطورات التي مرت بها، لتتضح لنا الحقيقة في شخصية هذا النبي العظيم.

٤٨

أولا: ولادته :

ان قصة ولادة السيد المسيح(عليه السلام) نراها فقط في انجيلي متى ولوقا، واما انجيل مرقس فهو لم يذكر شيئاً عن هذه الولادة، في حين اشار انجيل يوحنا في بدايته الى ولادة المسيح(عليه السلام) الالهية وتجسده!!!.

ورواية متى في قصة ولادة المسيح(عليه السلام) أقصر من رواية لوقا، ويعتقد علماء المسيحية أن متى يذكر قصة ميلاد يسوع من وجهة نظر يوسف (خطيب مريم العذراء)، وأما لوقا فأنه يذكر قصة ميلاد المسيح(عليه السلام) من وجهة نظر مريم نفسها.

فمتى يذكر في انجيله قصة ولادة المسيح(عليه السلام) فيقول:

"وهذه سيرة ميلاد يسوع المسيح: كانت امه مريم مخطوبة ليوسف فتبين قبل أن تسكن معه انها حبلى من الروح القدس، وكان يوسف رجلاً صالحاً فما أراد أن يكشف امرها، فعزم أن يتركها سراً، وبينما هو يفكر في هذ الأمر ظهر له ملاك الرب في الحلم وقال له: يا يوسف ابن داود لا تخف أن تأخذ مريم امرأةً لك، فهي حبلى من الروح القدس وستلد ابناً تسميه يسوع لأنه يلخص شعبه من خطاياهم... فلمّا قام يوسف من النوم عمل بما امره ملاك الرب فجاء بامرأته (مريم) الى بيته ولكنه ما عرفها(١) حتّى ولدت ابنها فسماه يسوع.. ولما ولد يسوع في بيت لحم اليهودية على عهد الملك هيرودس جاء إلى أورشليم مجوس من المشرق وقالوا: (اين هو المولود ملك اليهود؟ رأينا نجمه في المشرق فجئنا لنسجد له) وسمع الملك هيرودس فاضطرب هو وكل اورشليم.. فدعا هيرودس المجوس سرّاً وتحقّق منهم متى ظهر النجم، ثم ارسلهم الى بيت لحم وقال لهم: اذهبوا وابحثوا جيداً عن الطفل فاذا وجدتموه فاخبروني حتّى اذهب انا أيضاً واسجد له... وبينما هم في الطريق اذا النجم الذي رأوه في المشرق يتقدّمهم حتّى بلغ المكان الذي فيه الطفل فوقف فوقه، فلما رأوا النجم فرحوا فرحاً عظيماً جداً ودخلوا البيت فوجدوا الطفل مع

١- عرفها: عبارة تقليدية في الكتاب تشير الى العلاقة والرابطة بين الزوجين.

٤٩

اُمّه مريم فركعوا وسجدوا له ثم فتحوا أكياسهم وأهدوا اليه ذهباً وبخوراً ومراً(١). وانذرهم الله في الحلم أن لا يرجعوا الى هيرودس، فأخذوا طريقاً آخر الى بلادهم".

ويضيف متى في انجيله أيضاً: "ظهر ملاك الرب ليوسف في الحلم وقال له: قم خذ الطفل وامه واهرب الى مصر وأقم فيها حتّى اقول لك متى تعدو لأن هيرودس سيبحث عن الطفل ليقتله. فقام يوسف واخذ الطفل وأمه ليلاً ورحل الى مصر فأقام فيها الى أن مات هيرودس"(٢) .

وأما لوقا فانه ينقل قصة تختلف كلياً عمّا ذكره متى في انجيله فهو يقول: "وحين كانت اليصابات"(٣) في شهرها السادس، أرسل الله الملاك جبرائيل الى بلدة في الجليل اسمها الناصرة الى عذراء اسمها مريم كانت مخطوبة لرجل من بيت داود اسمه يوسف.

فدخل اليها الملاك وقال لها: السلام عليك يا من أنعم الله عليها الرب معك، فاضطربت مريم لكلام الملاك وقالت في نفسها: ما معنى هذه التحية؟ فقال لها الملاك: "لا تخافي يا مريم نلت حظوة عند الله فستحبلين وتلدين ابناً تسمينه يسوع فيكون عظيماً وابن العلي يدعى، ويعطيه الرب الإله عز ابيه داود... فقالت مريم للملاك : "كيف يكون هذا وأنا عذراء لا أعرف رجلاً؟ فأجابها الملاك: الروح القدس يحلّ عليك وقدرة العلي تظللك..ها قريبتك اليصابات حبلى بابن في شيخوختها، وهذا هو شهرها السادس وهي التي دعاها الناس عاقرا، فما من شيء غير ممكن عند الله. فقالت مريم: انا خادمة

١- بخوراً ومراً: عطور تقليدية من الجزيرة العربية.

٢- انجيل متى ١: ١٨ الى ٢: ١٥.

٣- هي زوجة زكريا وكانت عاقراً وكانت وزوجها زكريا كبيرين في السن وقد بشرّه ملاك الرب فقال له: "لا تخف يا زكريا لأن الله سمع دعائك وستلد لك امرأتك اليصابات ابناً تسميه يوحنا (يحيى) وسيكون عظيماً عند الرب ولن يشرب خمراً ولا مسكراً ويمتلى من الروح القدس وهو في بطن امه... فقال زكريا للملاك: "كيف يكون هذا وأنا شيخ كبير وامرأتي عجوز...".

٥٠

الرب فليكن لي كما تقول... وفي تلك الأيام قامت مريم وأسرعت الى مدينة يهوذا في جبال اليهودية ودخلت بيت زكريا وسلّمت على اليصابات... وفي تلك الأيام أمر القيصر أوغسطس بإحصاء سكان الامبراطوية... فذهب كلّ واحد الى مدينته ليكتتب فيها، وصعد يوسف من الجليل من مدينة الناصرة الى اليهودية الى بيت لحم مدينة داود.. ليكتتب مع مريم خطيبته وكانت حبلى، وبينما هما في بيت لحم جاء وقتها لتلد، فولدت ابنها البكر وقمطته وأضجعته في مذود لأنه كان لا محل لهما في الفندق..." ويضيف لوقا أيضاً: "وكان في تلك الناحية رعاة يبيتون في البرية يتناوبون السهر في الليل على رعيتهم فظهر ملاك الرب لهم.. فقال لهم الملاك:ها أنا أبشركم بخبر عظيم يفرح له جميع الشعب: ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلّص هو المسيح الرب، واليكم هذه العلامة: تجدون طفلاً مقمّطاً مضجعاً في مذود... ولما انصرف الملائكة عنهم الى السماء، قال الرعاة بعضهم لبعض: "تعالوا نذهب الى بيت لحم لنرى هذا الحدث الذي اخبرنا به الرب، فجاؤا مسرعين فوجدوا مريم ويوسف والطفل مضجعاً في مذود..." (انجيل لوقا ١: ٢٦ الى ٢:٢٠).

فتبين أن هناك اختلافاً واضحاً بين الروايتين عند متى ولوقا، ولكن المسيحيين يحاولون قدر الامكان توجيه هذا الاختلاف ويقولون أنه مجرد اختلاف ظاهري، فان هدف متى من وراء هذه الرواية هو أن يروي لنا كيف تم التدبير الالهي وينوي أن يبين يسوف انه فعلاً وريث "حقيق داود الملكية التي نقلها الى يسوع"؟.

وأما لوقا (والحديث للمسيحيين) فان روايته هي اكثر فناً من رواية متى، فانه يعطينا حواراً بين مريم وملاك الرب، ويهدف لوقا من هذا الوار أن يتحدث بوضوحوصراحة عن الامومة البتولية التي تحلّ بها مريم وعن نبوة يسوع الالهية!! وأن : "وجود مثل هذا التناقض الذي هو في الواقع ليس إلاّ تناقضاً في الظاهر فقط بين الانجيلين، فاننا نرى متى يشدد بنوع خاص على دور يوسف لكي يبين لنا انتماء يسوع الى ذرية داود الملكية، واما لوقا فانه يلفت انتباهنا الى دور مريم ويشدد على تداخل الرب

٥١

المباشر في هذا السر العظيم لكي يرينا بجلاء (ألوهية) يسوع ويقول انه حبل به الروح القدس، فهدف الاثنين معاً في الدرجة الاولى هو الحديث عن فكرة عقائدية اكثر من اعطائنا معلومات تاريخية"(١).

ولكن من الواضح ان هذا الرأي يخالف القول بأن الاناجيل قد كتبت بالهام الهي، فنحن اذا سلّمنا بأن لوقا كتب بشارته هذه بعد تتبعه لكل شيء من اُصوله، فمن اين حصل لوقا على هذه المعلومات الدقيقة عن الحوار بين الملاك ومريم!؟ فهل التقى لوقا بمريم ونقل عنها ما كتب أم أن الملاك أوحى اليه بهذه القصة والحوار؟ ويجيب المسيحيون على هذا السؤال "لانجزم يقيناً أن لوقا قابل مريم أم يسوع بنفسها عندما كان في اورشليم ولكن من المحقق أنه استقى الحقائق التي تتعلق بميلاد الرب يسوع التي تعرفها مريم وحدها إما منها أو من المقربين اليها الذين استقوها منها شخصياً"(٢) فاذا فرضنا صحة هذه الرواية التي نقلها لوقا عن ولادة المسيح(عليه السلام) وهي لا تذكر المجوس وهداياهم ولا رؤية الملاك ليوسف كما ينقلها لنا متى، فيجب أن نعلم أن رواية متى يحومها الشك باعتبارها تخالف ما نقله لنا لوقا الانجيلي، والقول بأن الاختلاف يرجع الى الاسلوب والعبقرية لكل منهما ينافي القول بالوحي الكتابي لهما ،حتّى مع التفسير المسيحي للوحي كما ذكرنا سابقاً.

وعلى أية حال فان المسحيين يسمون حبل مريم بالمسيح(عليه السلام) دون توسط أب (بالولادة من عذراء)، ويعتقدون أن هذه الطريقة لولادة المسيح(عليه السلام) هي التي اختارها الله لتحقيق التجسد!، فالمسألة في هذه الولادة هي مجي الاله اللامتناهي الى خليقته!!

وهناك ايضاً اناجيل اخرى كثيرة ذكرت قصة ولادة المسيح(عليه السلام) وهي تشبه الى

١- المسيح في الفكر الاسلامي الحديث وفي المسيحية :١٨٧.

٢- قاموس الكتاب المقدّس: ٨٦٥.

٥٢

حد كبير قصة ميلاده(عليه السلام) المذكورة في القرآن الكريم، ومن تلك الأناجيل (انجيل متى، انجيل يعقوب ـ انجيل توما)(١) وغيرها، والملفت للنظر أن الكنيسة اعتبرت هذه الاناجيل منحولة اي مزيفة وليست وحيّاً الهياً!، ولذلك ضاع اكثرها واندرس، ولم يبق لبعضها إلاّ الاسم، وبذلك ضاعت معلومات كثيرة عن حياة المسيح(عليه السلام).

وأما انجيل يوحنا فهو كما يعتقد المسيحيون يشير الى الولادة الالهية للمسيح(عليه السلام)فانه يذكر في بداية انجيله: "في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله... والكلمة صار بشراً وعاش بيننا فرأينا مجده، مجداً يفيض بالنعمة والحق ناله من الأب كابن له أوحد"(٢). ولكن هذا الانجيل كما ذكرنا سابقاً تدور حوله الكثير من الشكوك، فانه كتب اواخر القرن الأوّل وبداية القرن الثاني أي بعد رفع المسيح(عليه السلام)بأكثر من سبعين سنة، ولكنه على الرغم من ذلك فان الكنيسة اعتبرته من الأناجيل الأربعة الملهمة!.

فهذه قصة ولادة المسيح(عليه السلام) في العهد الجديد والتي ذكرتها اناجيل متى ولوقا ويوحنا، وأما تاريخ هذه الولادة، فان المسيحيين يؤكدون على أنه ليس من اليسير الوصول الى معرفة تاريخ ميلاد المسيح(عليه السلام) أو الاحداث الاخرى في حياته على وجه التحقيق، بل يتفق المؤرخون على تاريخ تقريبي لهذه الحوادث، واول من وضع التقويم الميلادي المسيحي رجل يدعى (ديونيسيوس اكسيمؤس) وهو رئيس دير مات قبل عام ٥٥٠ ميلادي، فاختار هذا الراهب تاريخ (التجسد).

ولادة المسيح(عليه السلام) كالتاريخ الفاصل بين الحوادث السابقة والحوادث اللاحقة له، ولكنه ربط بين بداية التقويم المسيحي وعام ٧٥٤ لتأسيس مدينة روما، فقد ذكر أن

١- ففي انجيل متى (المنحول) يُذكر فيه كيف كان الملاك يأتي بالطعام الى مريم يومياً وغيرها من الأحداث التي توافق القرآن تماماً.

٢- انجيل يوحنا ١: ١ الى ١: ١٠.

٥٣

المسيح(عليه السلام) ولد في هذا العام، وأن سنة ٧٥٤ لتأسيس روما تقابل العام الأوّل الميلادي. الا أن ما ذكره المؤرخ يوسفيوس الذي كتب تاريخ اليهود في نهاية القرن الأوّل الميلادي والذي يعتبر من أهم المراجع التاريخية، يظهر بوضوح أن هيرودس الكبير الذي مات بعد ولادة المسيح(عليه السلام) بوقت قصير، مات قبل سنة ٧٥٤ لتأسيس روما، فهو يرجح انه مات اول ابريل سنة ٥٧٠ لتأسيس روما، والذي تقابل سنة ٤ ق. م، اذن فميلاد المسيح تم في اواخر سنة ٥ ق. م أو في اوائل سنة ٤ ق. م. وأما الاحتفال بميلاد المسيح في الخامس والعشرين من ديسمبر فقد بدء في القرن الرابع الميلادي (بعد انتشار المسيحية)(١).

ثانياً: طفولته وصباه:

تقتضي الشريعة اليهودية بختانة كل صبي بلغ الثمانية أيام من عمره، فذلك ما جاء في سفر التكوين اكثر من مرة والذي اعتبر الختان هو (علامة عهد بين يهود الله) والشعب اليهودي، ولم يستثنِ المسيح(عليه السلام) من هذا الواجب، فقد قرر يوسف (زوج أُمّه مريم) بوصفه رب العائلة أن يقوم بهذا الواجب، وقد انفرد لوقا من بين الأناجيل في ذكر ختان المسيح(عليه السلام)فيقول في ذلك:

"ولما بلغ الطفل (المسيح) يومه الثامن، وهو يوم ختانه سمّي يسوع" ولا يذكر لوقا ما اذا كان الختان قد تم في نفس المغارة التي ولد فيها المسيح(عليه السلام) أو في مكان آخر. وأيضاً كانت هناك في الشريعة اليهودية احكام اخرى توجب على المرأة التي تلد ـ

١- قاموس الكتاب المقدّس : ٨٦٤، ويذكر كتاب (دليل الى قراءة تاريخ الكنيسة) بهذا الخصوص: "في القرن الرابع ظهر عيدان في يومين ثابتين، ففي الشرق احتفل بعيد الظهور في ٦ كانون الثاني (يناير) (بظهور الله على الأرض) وكان يوم ٦ كانون الثاني يوم (رع) عيد الشموس في مصر. وفي الغرب في حوالي سنة ٣٣٠ أخذوا يحتفلون يوم ٢٠ كانون الأوّل (ديسمبر) بميلاد المسيح(عليه السلام) وكان ذلك اليوم يوم الاحتفال الوثني بالشمس غير المهزومة حين كان يأخذ النهار في الطول... :١٠٤.

٥٤

كي تتطهر لأن تقصد الهيكل بعد اربعين يوماً على وضعها، ويجب إن تحمل معها أن كانت فقيرة فرخي حمام أو زوجي يمام، وإن كانت غنية حمل حولي، وكذلك الأب،وكانت الشريعة اليهودية (شريعة موسى) تقضي بأن يكون كل بكر فاتح رحم نذراً للرب "كما أن بواكير غلاّت الأرض جُعلت للرب هكذا ينبغي أن يكون مصير كل مولود بكر" وكونه نذراً للرب يعني أن يُعد لخدمة الهيكل، ولكن الشريعة الموسوية أجازت اعفاءه بعذبة قدرها خمسة مثاقيل فضة على حسب مثقال (القدس)، والى هذه المسألة اشار لوقا ايضاً في انجيله أن مريم ويوسف صعدا به الى اورشليم، فيذكر لوقا: "ولما حان يوم طهورها بحسب شريعة موسى صعدا بالطفل يسوع الى اورشليم ليقدماه للرب كما هو مكتوب في شريعة الرب (كل بكر فاتح رحم هو نذر للرب) وليقدما الذبيحة التي تفرضها شريعة الرب: زوجي يمام أو فرخي حمام" (انجيل لوقا ٢: ٢٢ )

وقد سكت الانجيليون عن وقائع المسيح(عليه السلام) منذ طفولته وحتّى بلوغه الثلاثين من عمره الشريف وهو زمان بداية دعوته، سوى أن لوقا اشار الى واقعة صعوده(عليه السلام)الى اورشليم في سن الثانية عشرة، ولكن الأناجيل المنحولة تلقي الضوء على الكثير من جوانب حياة المسيح(عليه السلام) في فترة صباه وشبابه، ولكن الكنيسة ـ كما ذكرنا ـ رفضت قبولها على أنها كتب قانونية.

ولكن الظاهر هو أن المسيح(عليه السلام) كان في طفولته شبيهاً بسائر الأطفال ينمو ويترعرع في كنف يوسف ومريم، يلعب مع اترابه وقت اللعب، ولما بلغ صباه كان يكد ويعمل ليجني قوته بكد يمينه وعرق جبينه، فقد بدء يعمل الى جانب (أبيه) يوسف في حانوت النجارة الوضيع الذي كان يملكه، وقد استمر يعمل وحيداً في ذلك الحانوت بعد وفاة يوسف، وربما تعاطى ايضاً اعمالاً اخرى كحراثة الأرض وغيرها، ولكن عمله الذي كان يعرف عند اهالي الناصرة هو كونه "نجاراً وابن نجار".

٥٥

والحادثة الوحيدة التي يذكرها لوقا في انجيله عن المسيح(عليه السلام) في صباه كما ذكرنا آنفاً هي صعوده الى اورشليم في عيد الفصح وهو في الثانية عشرة من عمره، يقول لوقا: "وكان والدا يسوع يذهبان كل سنة الى اورشليم في عيد الفصح، فلما بلغ يسوع الثانية عشرة من عمره صعدوا الى اورشليم كعادتهم في العيد، وبعدما انقضت ايام العيد وأخذوا طريق العودة، بقي الصبي يسوع في اورشليم ووالداه لا يعلمان، بل كانا يظنان انه مع المسافرين، وبعد مسيرة يوم اخذا يبحثان عنه عند الاقارب والمعارف فما وجداه، فرجعا الى اورشليم يبحثان عنه فوجداه بعد ثلاثة ايام في الهيكل، جالساً مع معلمي الشريعة يستمع اليهم ويسألهم، وكان جميع سامعيه في حيرة من فهمه واجوبته، ولما رآه والداه تعجّبا وقالت له امه: يا ابني لماذا فعلت بنا هكذا؟ فأبوك وأنا تعذبنا كثيراً نحن نبحث عنك، فأجابهما: ولماذا بحثتما عني؟ اما تعرفان انه يجب أن اكون في بيت ابي، فما فهما معنى كلامه، ورجع يسوع معهما الى الناصرة... وكان يسوع ينمو في القامة والحكمة والنعمة عند الله والناس"، انجيل لوقا (٢: ٤١ ــ ٥٢)(١).

وينقل ايضاً عنه(عليه السلام) انه كان في حداثته المبكرة وفي سنوات صغره يدرس العهد القديم دراسة عميقة واسعة، ومع انه كان يعمل كنجار بجد واجتهاد كي يعين امه

١- هناك ثلاثة اعياد في اليهودية تدعى (اعياد الحج) وهي الفصح والعنصرة والمظال، ولقد سميت كذلك لأن الشريعة تفرض على اليهود الذكور أن (يحجبوا) الى اوشليم للاحتفال بها وتقديمهم للقرابين للرب (يهوه) في الهيكل، ولم يكن محتوماً على النساء أن يتقيّدن بهذا الواجب، ولكن مريم (كما يذكر انجيل لوقا) اعتادت مرافقة زوجها في كل حج، واما الاولاد واما الذكور فانهم في الشريعة اليهودية يبلغون سن الرشد والتكليف في الثالثة عشرة من عمرهم أو في الثانية عشرة. وفي هذه السن يفرض عليهم من الأحكام والتكاليف ما يفرض على البالغين، ولذلك كان الآباء الملتزمون بالشريعة ينتقلون الى اورشليم برفقة أولادهم قبل بلوغهم الثالثة عشرة ليتدرج هؤلاء على ممارسة الطقوس والتقيّد باحكام الناموس، والرحلة من الناصرة الى الطريق [ اورشليم مشياً على الأقدام كانت تستغرق اربعة أيام، ونظراً لطول جماعات. Yالمحفوفة بالأخطار، كان الحجاج يتّفقون فيما بينهم على تنظيم قافلة ينضمون اليها ويسافرون بشكل (عن كتاب في خطى المسيح): ٥٢.

٥٦

واخوته في شؤون المعيشة (فهو الابن الاكبر)، إلا انه اعطى وقتاً كافياً للتأمل ودراسة الكتب المقدسة والصلاة(١).

ولا نجد في اسفار العهد الجديد أي اشارة اخرى الى حياة المسيح(عليه السلام) في صباه أوشبابه ابداً، فنحن لا نعلم بحقيقة هل تزوج أم لا؟ وهل كان عصبي المزاج أم كان رجلاً هادئاً، هل كان طويلاً أو قصيراً؟، واموراً اخرى كثيرة.

ثالثاً: معموديته وتجربته من قبل الشيطان

وعندما بلغ المسيح(عليه السلام) الثلاثين من العمر حوالي سنة ٢٧ ميلادية، ترك مدينة الناصرة الى نهر الاردن ليتعمد بالماء من قبل يوحنا المعمدان (يحيى)(٢).

وينقل انجيل متى ومرقس ولوقا هذه الحادثة (تعميد المسيح من قبل يحيى) مع قليل من الاختلاف، يقول متى: "وجاء يسوع من الجليل الى الاردن ليتعمّد على يد يوحنا، فمانعه يوحنا وقال له: أنا احتاج أن اتعمّد على يدك، فكيف تجي أنت الي؟ فأجابه يسوع: ليكن هذا الآن، لأننا به نتمم مشيئة الله، فوافقه يوحنا، وتعمد يسوع وخرج في الحال من الماء، وانفتحت السماوات له، فرأى روح الله يهبط كأنه حمامة وينزل عليه، وقال صوت من السماء: هذا هو ابني الحبيب الذي به رضيت"، انجيل متى (٣: ١٣ الى ٣: ١٧).

فعندما ظهر يوحنا المعمدان وبدء دعوته ورسالته داعياً الناس الى التوبة والزهد

١- قاموس الكتاب المقدّس: ٨٦٦ .

٢- كان يوحنا المعمدان ـ كما تنقل الاناجيل ـ "يلبس ثوباً من وبر الجمال وعلى وسطه حزام من جلد، ويقتات من الجراد والعسل البري، وكان الناس يخرجون اليه من اورشليم وجميع اليهودية وكل الارجاء المحيطة بالاردن، ليعمّدهم في نهر الارن معترفون بخطاياهم. وكان يبشر ويقول: يجي بعدي من هو أقوى مني، من لا أحسب نفسي اهلاً لأن انحني واحلّ رباط حذائه، انا عمدتكم بالماء واما هوفيعمدكم بالروح القدس و (النار). وقد جاء يوحنا بالمعمدان الى نهر الاردن مقبلاً من البرية، حيث قضى معظم حياته، وكانت الناس تقبل التعميد على يديه لما كان فيه من الحكمة والوقار، مما جعل الناس تؤمن بأنه نبي أوحى اليه.

٥٧

كان الناس يقبلون على شاطي الاردن ليتعمدوا ثم يعودون الى اعمالهم، ويأخذون في التحدث عما سمعوا وشاهدوا، وقد وصلت اخباره الى المسيح(عليه السلام)، فشد الرحال الى نهر الاردن وتعمد من يوحنا المعمدان، وبعد أن تعمّد عقد النية على الاعتزال فترة من الزمن بغية اعداد نفسه للمهمة التي سوف تلقى على عاتقه، فذهب الى الصحراء وبقي هناك مدة اربعين يوماً منقطعاً عن الطعام، وكان صومه مطلقاً، اذ يذكر لوقا في انجيله انه: "لم يأكل شيئاً في تلك الأيام"، وكان هناك مع الوحوش وكانت تخدمه الملائكة، ومن بعد ذلك جاع(عليه السلام)، وينقل عن المسيح (عليه السلام)انه لم يألف الصوم المتواصل، ولم يكن يعيش في بداية عمره وايام شبابه الزهد والحرمان، بل كان يعيش عيشة معتدلة، فيأكل ويشرب شأنه شأن الناس العاديين.

وعندما أحس بالجوع جاء اليه الشيطان ليجربه، ويكتفي مرقس في انجيله بذكر هذه التجربة، جربه ولم يذكر تفاصيلها وكيف تمت؟، واما لوقا ومتى فانهما يذكران التجربة بالتفصيل، ولكن مع تقديم وتأخير في روايتيهما ومع بعض الاختلاف،وينقل من هو؟ الذي ينقل من هذه الواقعة فيقول:

"فدنا منه المجرب وقال له: ان كنت ابن الله، فقل لهذه الحجارة أن تصير خبزاً، فأجابه: يقول الكتاب: ليس بالخبر وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله، وأخذه ابليس الى المدينة المقدسة (اورشليم) فأوقفه على شرفة الهيكل وقال له: انت كنت ابن الله فألق بنفسك الى الاسفل، لأن الكتاب يقول: يوصي ملائكته بك، فيحملونك على ايديهم لئلا تصدم رجلك بحجر. فأجابه يسوع: يقول الكتاب ايضاً لا تجرب الرب الهك. وأخذه ابليس الى جبل عال جداً، فأراه جميع ممالك الدنيا ومجدها وقال له: اُعطيك هذا كله، أن سجدت لى وعبدتني، فأجابه يسوع ابتعد عني يا شيطان لأن الكتاب يقول: للرب الهك تسجد، وايّاه وحده تعبد. ثم تركه ابليس، فجاء بعض الملائكة يخدمونه". (٤: ١ ـ ١١).

٥٨

رابعاً: بدء دعوته العلنية:

وبعد اعتقال يوحنا المعمدان على يد الحاكم "هيرودس انتيباس" والي اليهودية، "وذلك لانه وبّخه على زواجه هيروديا امرأة اخيه" جاء المسيح(عليه السلام) الى الجليل ليعلن بشارته، فكان يقول للناس: "تم الزمان واقترب ملكوت الله فتوبوا وآمنوا بالانجيل" (انجيل مرقس ١: ١٤).

ولكنه عندما عاد الى الناصرة حيث نشأ، ودخل المجمع يوم السبت على عادته، واعلن انه هو المقصود بالنبؤات عن المسيا المنتظر، رفضه قومه واهل بلدته، فاخرجوه الى خارج المدينة، فقال لهم المسيح(عليه السلام) : الحق اقول لكم: لا يقبل نبي في وطنه) انجيل لوقا (٤: ٢٤)... ومن بعد هذا اتخذ المسيح(عليه السلام) مدينة كفر ناحوم وهي مدينة في الجليل مركزاً لبث دعوته ونشر رسالته، وبقيت مدينة كفرناحوم مركزاً له مدة تزيد على سنة كاملة من خدمته، فكان يعلّم فيها وفي اماكن اخرى من الجليل ويظهر المعجزات، وقد اختار من بين تلامذته واتباعه اثني عشر ليكونوا تلاميذه المقربين، ولكن الاناجيل الأربعة تختلف فيما بينها حول كيفية انتخاب اول التلاميذ، فينقل انجيل يوحنا كيفية انتخاب تلاميذ يسوع الاولين فيقول: "وكان يوحنا في الغد واقفاً هناك ومعه اثنان من تلاميذه، فنظر الى يسوع وهو مار فقال: هاهو حمل الله، فسمع التلميذان كلامه فتبعا يسوع والتفت يسوع فرآهما يتبعانه، فقال لهما: ماذا تريدان؟ قالا: ربي (أي يا معلم) أين تقيم؟ قال: تعالا تريا.

فذهبا ونظرا اين يقيم، فأقاما معه ذلك اليوم وكانت الساعة نحو الرابعة بعد الظهر وكان اندراوس أخو سمعان بطرس احد التلميذين اللذين سمعا كلام يوحنا فتبعا يسوع. ولقي اندراوس أخاه سمعان فقال له: وجدنا (المسيا) أي المسيح، وجاء به الى يسوع فنظر اليه يسوع وقال: أنت سمعنان بن يوحنا وسأدعوك (صفا) أي صخراً". انجيل يوحنا (١: ٣٥ الى ١: ٤٠).

٥٩

وأما مرقس فانه يذكر كيفية اتباع التلاميذ الاولون للمسيح(عليه السلام)فيقول: "وبينما هو يمشي على شاطىء بحر الجليل، رأى صيّادين هما سمعان واخوه اندراوس يلقيان الشبكة في البحر، فقال لهما يسوع: اتبعاني اجعلكما صيادي بشر، فتركا شباكهما في الحال وتبعاه. ومشى قليلاً، فرأى يعقوب بن زبدي وأخاه يوحنا، وهما في القارب يصلحان شباكهما، فما أن دعاهما حتّى تركا أباهما زبدي في القارب مع معاونيه وتبعاه" انجيل مرقس (١: ١٦).

ومتى ايضاً ينقل في انجيله نفس هذه الرواية تقريباً، ولكن لوقا يختلف عنهما كلياً في نقل حادثة التلاميذ الاولين، فيقول: "وكان يسوع على شاطىء بحيرة (جنيسارت) فأزدحم الناس عليه ليسمعوا كلام الله. ورأى قاربين راسييين عند الشاطىء خرج منهما الصيّادون ليغسلوا شباكهم، فصعد الى واحد منهما، وكان لسمعان وطلب منه أن يبتعد قليلاً عن البر، وجلس يسوع في القارب يعلّم الجموع. ولما ختم كلامه قال لسمعان "سر الى العمق وألقوا شباككم للصيد. فأجابه سمعان: تعبنا الليل كله يا معلم وما اصطدنا شيئاً، ولكني القي الشباك اجابة لطلبك...". انجيل لوقا (٥: ١ الى ٥: ١١).

خامساً: اختياره للتلاميذ:

وبعد ذلك اختار المسيح(عليه السلام) من بين تلاميذه اثنى عشر سمّاهم رسلاً: وهم سمعان الذي سمّاه بطرس، واندراوس اخوه، ويعقوب بن زبدي واخوه يوحنا، وفيلبس وبرتولماوس، وتوما ومتى جابى الضراب، ويعقوب بن حلفي وتداوس، وسمعان الوطني الغيور، ويهوذا الاسخريوطي الذي صائر خائناً واسلم المسيح. (انجيل لوقا ٦: ١٢ـ ١٦)

وبدأ المسيح(عليه السلام) يظهر المعاجز الواحدة تلو الاخرى، وقد ذاعت شهرته بسب هذه المعجزات، وقد وصلت هذه الشهرة الذروة في معجزة اطعام الخمسة آلاف

٦٠