×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

لاهوت المسيح في المسيحية والإسلام دراسة مقارنة / الصفحات: ٦١ - ٨٠

رجل عندما عبر من بحر الجليل وصعد الى احد الجبال وقد ذكر هذه المعجزة كتّاب الاناجيل الاربعة مع بعض الاختلاف، وبعدها ذهب المسيح(عليه السلام)الى منطقة صور وصيدا وقيصيرية وفيلبس وهو ينشر تعاليمه بين الناس، ثم عاد مرة اخرى الى البلدان القريبة من بحر الجليل، واظهر ايضاً معجزات كثيرة كإشفاء المرضى وغيرها، ولكن هذا الامر لم يرق لقادة اليهود واحبارهم الذين ما آمنوا بالمسيح(عليه السلام)ابداً، ولذلك برز العداء منهم اتجاه المسيح(عليه السلام)، فقاموا بكل حيلة ووسيلة لكي يوقعوه في مخافتهم، ويسلموه الى السلطات الرومانية لتنفيذ حكم الموت فيه باعتباره خارجاً عن تعاليم الشريعة، وبدعوى تحريض الناس وزرع الشتات بين صفوفهم، ولذلك مكروا له للايقاع به.

سادساً: إلقاء القبض عليه ومحاكمته وصلبه:

وكان رؤساءالكهنة ومعلّموا الشريعة يبحثون عن طريقة يقتلون بها المسيح(عليه السلام)،فذهب يهوذا الاسخريوطي وهو من التلاميذ الاثني عشر وفاوض رؤساء الكهنة وقادة حرس الهيلك على تسلميه(عليه السلام) لهم مقابل أن يعطوه شيئاً من المال، فقبلوا ذلك، وتحيّن يهوذا هذه الفرصة ليسلّم معلمه للموت خفية، وتم ذلك الامر ليهوذا بعد عيد الفصح، حيث تناول العشاء مع المسيح(عليه السلام) في صحن واحد، وبعد ذلك صعد المسيح(عليه السلام) مع تلاميذه الى جبل الزيتون، في موضع يقال له (جشيماني او جتسمانى)، (وتعني الكلمة معصرة الزيت)، وابتعد عن التلاميذ وهو يشعر بالرهبة والكآبة، ووقع الى الأرض يصلي، واجهد نفسه في الصلاة وكان يقول في صلاته: "يا أبي، إن شئت فابعد عني هذه الكأس، ولكن بارادتك لا إرادتي" وكان عرقه مثل قطرات دم تتساقط على الأرض، وكان تلاميذه نائمين كلهم وقد وبخهم على ذلك، وبعد ذلك ظهرت عصابة يقودها يهوذا احد التلاميذ الاثني عشر، وهنا تختلف الاناجيل فيما بينها، فبينما يذكر متى ومرقس ولوقا أن يهوذا جعل علامة بينه وبين الكهنة

٦١

والحراس وهي تقبيل المسيح(عليه السلام)ليعرفوه "وكان الذي اسلمه اعطاه علامة، قال: هو الذي اقبله فامسكوه وخذوا في حراسة شديدة". انجيل مرقس: (١٤: ٤٣). نرى ان يوحنا يذكر في انجيله أن المسيح(عليه السلام) هو الذي تقدم الى الكهنة والحراس "وقال لهم من تطلبون؟ اجابوا يسوع الناصري. فقال لهم انا هو" انجيل يوحنا (١٨: ٣).

فقبض الجنود على المسيح(عليه السلام) بعد أن تركه تلاميذه كلهم وهربوا، ولم يبق إلا شاب واحد كان يلبس عباءة، فأمسكوه فترك عباءته وهرب عرياناً (انجيل مرقس:١٤: ٥٠) واقتادوا المسيح(عليه السلام) الى قيافا رئيس الكهنة، وكان معلمو الشريعة والشيوخ مجتمعين عنده، فحكموا عليه بالموت، وعند الصباح سلّموه الى بيلاطس الحاكم الروماني وطلبوا منه أن يحكم عليه بالموت صلباً، وارضاءً لرؤساء الكهنة امر الحاكم بصلب المسيح(عليه السلام)(وتختلف الاناجيل الاربعة هنا ايضاً في ذكر تفاصيل صلبه)، وكان ذلك يوم الجمعة، وفي الساعة الثالثة من ذلك اليوم اسلم المسيح(عليه السلام)روحه بعد أن صرخ بصوت عظيم: ايلوئي، ايلوئي، لما شبقتني، أي الهي الهي لماذا تركتني"، وفي المساء جاء رجل يدعى يوسف فدخل عليه بيلاطس وطلب جسد يسوع، فأخذه ولفّه في كفن نظيف، ووضعه في قبر محفور في الصخر، ودحرج حجراً على باب القبر. وكان ذلك ليلة السبت قبل غروب الشمس، وفي يوم الاحد باكراً جاءت مريم المجدلية ومعها نساء اخريات الى القبر وكان الظلام لم ينكشف فرأت الحجر مرفوعاً عن القبر، فأخبرت بقية التلاميذ بذلك. وظهر المسيح(عليه السلام) بعد ذلك لتلاميذه الذين تركوه وهربوا.

والأناجيل الأربعة التي تذكر قصة اعتقال المسيح(عليه السلام)ومحاكمته وصلبه وقيامته وظهوره لتلاميذه يناقض احدها الآخر الى درجة تؤدي الى أن الإنسان يقع في شك كبير حول صحة هذه المعلومات التي تذكرها الأناجيل عن نهاية المسيح(عليه السلام).

٦٢
 كتاب لاهوت المسيح في المسيحية والإسلام دراسة مقارنة علي الشيخ (ص ٦٣ - ص ٩٥)
٦٣

المبحث الثاني: شخصية المسيح

لقد نُعت المسيح(عليه السلام) في العهد الجديد بألقاب وصفات كثيرة، وسنشير هنا الى اهم الالقاب والصفات التي اطلقت عليه في العهد الجديد لفهم شخصية المسيح(عليه السلام)حسب ما يعتقده المسيحيون بشكل افضل ، وهي:

أولا: يسوع المسيح:

ويسوع هو الصيغة العربية للاسم العربي "يشوع" ومعناه "يهوه يخلص، الله يخلص".

و يسوع هو الاسم الشخصي للمسيح(عليه السلام) واما المسيح فهو لقبه، وقد وردت عبارة "الرب يسوع المسيح" نحو ٥٠ مرة في العهد الجديد، ويسوع المسيح أو المسيح يسوع نحو مئة مرة.

بينما وردت لفظة المسيح وحدها نحو ثلاثماءة مرة، ووردت لفظة يسوع وحدها غالباً في الاناجيل، ويسوع المسيح في سفر الاعمال والرسائل.

ثانياً: ابن الإنسان:

و هذا اللقب هو اهم واوسع لقب وصف به المسيح(عليه السلام) في الاناجيل الاربعة، فقد ذكر هذا اللقب للمسيح(عليه السلام) في الاناجيل المتوافقة والازائية (٦٠) مرة، فذكره متى (٢٧) مرة، وذكره مرقس (١٢) مرة، وذكره لوقا (٢١) مرة، ثم ذكر في انجيل يوحنا (١٠) مرات.

ومع ما في هذا اللقب من دلالة واشارة واضحة لجنبة المسيح الانسانية، ولكن المسيحيين يرون في هذا اللقب بعدا آخر، وهو أن المسيح(عليه السلام)شاركنا في حالتنا في

٦٤

الاتضاع والالم، ولكن بما انه كان ابن الإنسان ذا الاصل السماوي، فهو آدم الجديد، رأسى البشرية المجددة، فهو آدم السماوي الذي يلبس القائمون من بين الاموات صورته(١).

ثالثاً: ابن الله:

أن الكنسية تعتبر هذا اللقب بأنه السر الذي يشير الى حقيقة المسيح(عليه السلام)، وتصر على تسمية المسيح(عليه السلام) به، والذي يثير الدهشة أن المسيح(عليه السلام)لم يُسمِّ نفسه بهذا الاسم ولامرة واحدة في الاناجيل الازائية (متي - مرقس - لوقا) بخلاف لقب ابن الإنسان، نعم هناك إشارة واحدة فقط الى هذا اللقب وذلك في انجيل يوحنا (٥ :٢٠)

ولكن النص هذا أيضاً يُشعر بأن المسيح انما يريد به البنوة الاعتبارية لا الحقيقة، فهو يقول: "يسوع قال لهم: مازال أبي يعمل الى الآن وأنا أيضاً اعمل.... فقال لهم يسوع: الحق الحق اقول لكم ان الابن لايقدر أن يفعل شيئاً من تلقاء نفسه، بل يفعل ما يرى الآب أن يفعله".

ويعتقد النصارى أن هذا اللقب ليس مجازياً في حق المسيح(عليه السلام) بل هو حقيقي،يقول أحد علماء المسيحية بهذا الصدد: "حينما يدعو الكتاب المقدّس المسيح (ابن الله" فإنّه يؤكد على لاهوته الحقيقي الصحيح، إذ تشير هذه التسمية إلى علاقة فريدة لا يمكن أن تعزى إلى مخلوق أو يشترك فيها شخص فان"(٢).

ويقول شولتز أيضاً: "على الرغم من أنّ الكتاب المقدّس يطلق على أشخاص آخرين لقب (أبناء الله) مثل الملائكة، آدم، حزقيال،والمؤمنين بالمسيح، فإنّ المسيح هو "الإبن" بمعنى فريد مقصور عليه دون غيره"(٣).

١- معجم اللاهوت المسيحي: ٣٣٣.

٢- حقيقة لاهوت يسوع المسيح : ٧١.

٣- نفس المصدر : ٧٢.

٦٥

رابعاً: ابن داود:

وهذا اللقب ايضاً عُرف به المسيح(عليه السلام) في اناجيل العهد الجديد، فقد ذكر متى في انجيله هذا اللقب للمسيح، فقال: "وفيما كان يسوع راحلا من هناك تبعه اعميان يصرخان قائلين: ارحمنا يا ابن داود". (٩:٢٧) وكذلك (٢١:٩).

خامساً: النبي:

وهو أيضاً من ألقاب المسيح(عليه السلام) الذي اطلقها هو على نفسه، فقد نقل متى في انجيله قائلا: "أما يسوع فقال لهم: ليس نبي بلا كرامة الاّ في وطنه". متى (١٣:٥٧)

سادساً: رسول الله:

وهذا أيضاً من الصفات التي أكد عليها المسيح كثيراً ولاسيما حسب انجيل يوحنا، فقد ذكر انه رسول الله اكثر من ثلاثين مرة ومنها: "الحق الحق اقول لكم: ان من يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني فله حياة ابدية". يوحنا(٥:١٤)

وأيضاً قوله(عليه السلام) حسب انجيل يوحنا "فقالوا له: ماذا نفعل حتّى نعمل اعمال الله؟ اجاب يسوع وقال لهم: هذا هو عمل الله: أن تؤمنوا بالذي هو أرسله". يوحنا (٦: ٢٨-٢٩).

سابعاً: الراعي الصالح:

وقد ذكر هذا اللقب للمسيح حسب انجيل يوحنا، فقد قال المسيح(عليه السلام): "أنا هو الراعي الصالح". يوحنا (١٠:١١) وكذلك ورد هذا اللقب للمسيح في رسائل بولس فهو(عليه السلام) راعي الخراف (عب ١٣:٢٠) وهو راعي النفوس (ابط ٢:٢٥).

ثامناً: المعلم:

وهو من ألقاب المسيح(عليه السلام) أيضاً وقد ورد في مواضع عدة فى الاناجيل منها: انجيل يوحنا حيث يقول: "كان انسان فى الفريسيين جاء الى يسوع ليلا وقال له: "يا معلم، نعلم انك اتيت من الله معلماً". يوحنا (٣:٢) وكذلك عندما ظهر لمريم المجدلية

٦٦

حسب انجيل يوحنا أيضاً: "فالتفتت تلك وقالت له: (ربُّوني) الذي تفسير: يا معلم" يوحنا (٢٠:١٦).

و هناك صفات والقاب كثيرة ذكرت للمسيح(عليه السلام) في العهد الجديد منها:

الكاهن - الملك - السيد - حمل الله - آدم الثاني - آدم الاخير - البار - ابن العلي - خبز الحياة.... وللمسيحيين في هذه الصفات والالقاب تفاسير وشروح معاني كثيرة هي خارجة عن عهدة هذه الدراسة، فمن اراد فليراجع كتبهم.

وأنا هنا أكتفي بهذا المقدار من ذكر حياة الرجل الأول في الديانة المسيحية حسب الظاهر وهو المسيح(عليه السلام)، وأنتقل إلى جنبة أخرى من شخصيته وهي حقيقته الوجودية، بمعنى هل هو إنسان أو إله؟ فقد اختلف في ذلك كثيراً، وسوف نبحث في أدلة اُلوهيته في الفصل الثالث كما يعتقد المسيحيون، وبعدها نلاحظ ما تقوله الأناجيل عنه(عليه السلام)، وكذلك ما اعتقده آباء الكنيسة بعد الرسل في حقيقته وطبيعته. ولذلك سنقسم البحث إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: حقيقة المسيح(عليه السلام)كما بيّنها هو على لسانه في الأناجيل.

والقسم الثاني: المسيح(عليه السلام)في العهد الجديد.

والقسم الثالث: سنتناول فيه حقيقة المسيح(عليه السلام)كما فهمها آباء الكنيسة وعلماء المسيحية.

٦٧

الفصل الثالث

الأدلة على ألوهية المسيح
وفيه المباحث التالية:

تمهيد

المبحث الأول: الأدلة من العهد الجديد على ألوهية المسيح

 أولا: كلمات المسيح

 ثانياً: ميلاد المسيح الاعجازي

 ثالثاً: صفات المسيح

 رابعاً: أفعال المسيح ومعاجزه

 خامساً: قبوله للعبادة

 سادساً: قيامته الفريدة من بين الأموات

المبحث الثاني: الاعتراضات على ألوهية المسيح في العهد

 الجديد والجواب عنها

٦٨
٦٩

تمهيد:

يعتقد المسيحيون وكما أسلفنا بأن المسيح(عليه السلام)هو الله المتجسد، ويؤكدون أن مسألة الإيمان بالمسيح على أنه الله المتجسد قضية خطيرة، وعدم الإيمان بها يؤدي إلى الهلاك.

يقول القس لبيب ميخائيل في كتابه لاهوت المسيح: "إن الإنسان يستطيع أن يحيا حياته كلها دون أن يعرف شيئاً عن بوذا أو كونفشيوس أو زرادشت أو غيرهم من زعماء الأديان ولا يؤثر جهله هذا في مصيره بعد الموت، أما إذا تجاهل المسيح ولم يعترف به ويقبله مخلّصاً شخصياً لنفسه فإنّه سوف يهلك إلى الأبد في الجحيم، كما يؤكد ذلك يوحنا الرسول في إنجيله: لأنّه لم يرسل الله ابنه إلى العالم ليدين العالم بل ليخلّص به العالم. الذي يؤمن به لا يدان، والذي لا يؤمن قد دين لأنه لم يؤمن باسم ابن الله الوحيد" (يوحنا ٣:١٧)(١).

فإذا كانت هذه العقيدة بهذه الخطورة لنا أن نتساءل: ما هي الأدلة على الإيمان بأن المسيح هو الله؟

وبمعنى آخر ما هي الأسس التي بنى المسيحيون عليها هذا الإيمان؟

والمسيحيون يؤكدون من جانب آخر على أن هذا الإيمان بألوهية المسيح لم يكن مبتنياً على أسس وراثية تناقلها الأبناء عن الآباء، بل على أدلة قاطعة مبثوثة

١- لاهوت المسيح : ٢٨.

٧٠

في الوحي الإلهي أي الكتاب المقدّس.

والمسيحيون يمتعظون كثيراً عندما يسمعون أحداً يتحدث عن المسيح وعظمته كمعلم أخلاقي ونبي ورسول وينفي عنه صفة الألوهية، ويعتبرون هذا الأمر إساءة إلى شخصية المسيح، وغباوة من قبل الشخص القائل لهذا القول.

يقول سي . أس . لويس أستاذ الفلسفة في جامعة كمبردج الذي كان (لاأدريا)(١): "إني أحاول هنا أن أمنع أي شخص من ترداد ذلك القول الغبي الذي نسمعه غالباً: (أنا مستعد أن أقبل بيسوع كمعلم أخلاقي عظيم، ولكني لا أقبله كالله) فهذا هو الشي الوحيد الذي يجب ألاّ نقوله"(٢).

ولو تساءلنا لماذا أصبح الله إنساناً؟ أي لماذا تجسد ونزل إلى العالم الأرضي على هيئة إنسان؟

يجيب المسيحيون على هذا السؤال بأن هناك سببين رئيسيين لتجسد الخالق ونزوله إلى البشرية وهما:

الأول: لتتم معرفة الله معرفة حقيقية واقعية، وهذا لا يتم إلاّ عن طريق التجسد، لأنّ الله لا متناهي ومن الصعب على الإنسان إدراك ومعرفة اللامتناهي، ولذلك يقول مؤلف كتاب (حقيقة لاهوت يسوع المسيح) بهذا الصدد: "كيف يمكن لكائنات بشرية محدودة مثلنا أن تفهم الله غير المحدود؟ إذ أن من الصعب على أىّ منا أن يستوعب معاني أو أفكاراً مجردة مثل الحق أو الخير أو الجمال من دون وجود أمثلة منظورة لها، فنحن نعرف الجمال عندما نراه في شيء جميل، والصلاح عندما نراه مرتكزاً في شخص صالح، ولكن بالنسبة لله، كيف يمكن لأي شخص أن يفهم طبيعته؟"

ثم يضيف قائلا: "يمكننا ذلك إلى حد ما إذا قام الله بطريقة ما بتحديد نفسه في شكل

١- اللا أدري: هو من يعتقد بأن وجود الله وطبيعته وأصل الكون أمور لا سبيل إلى معرفتها.

٢- كتاب نجار وأعظم: ١٦.

٧١

إنسان يمكن للكائنات البشرية أن تفهمه" وإذا تساءلنا كيف يمكن أن يعبّر إنسان محدود عن الله اللامحدود؟، يجيب: أن هذا الإنسان لن يعبِّر عن أبدية الله ووجوده الكلي لعدم توفر الوقت والمجال لذلك، بل يعبّر تعبيراً منظوراً عن طبيعة الله، فقد أصبح يسوع إنساناً حتّى يتمكن البشر من أن يفهموا الله اللامتناهي بعض الشي"(١).

الثاني: لتتم المصالحة بين الله والبشر، فالإنسان الأول (آدم) قد ارتكب الخطيئة والمعصية، وهذه الخطيئة أحدثت هوّة عميقة بين الإنسان وخالقه، ولأنّ الخطيئة التي ارتكبها آدم سرت إلى البشرية جميعاً حسب المفهوم المسيحي (للخطيئة الجماعية)، كانت المقاطعة بين الله والإنسان، ولأنّ الله عادل رحيم فهو من جهة ـ ملتزم حسب صفة العدل ـ أن يعاقب الإنسان والبشرية جميعاً، وهو في ذات الوقت إله رحيم، يحب خليقته جميعاً ولا يريد لهم العذاب والشقاء، فالغفران الإلهي للإنسان الخاطي يجب أن يخضع لعدل الله ورحمته، فإذا غفر الله خطيئة الإنسان على أساس رحمته وحدها، لاستهان الإنسان بعدل الله ووصاياه، وإذا نفذ حكمه ضد خطاياه على أساس عدله وحده، لكان الله "إلهاً" جبّاراً منتقماً.

إذن فلابد من موجود يمكن أن يحل هذه المعضلة بين الله والإنسان، ولا يمكن حلّها إلاّ عن طريق الفداء (حسب المسيحيين)، ولكن لا يمكن أن يكون هذا الفادي مجرد إنسان، لأنّ الإنسان خاطي بطبيعته، فليس بين البشر من هو كفوء لفداء البشرية، "فلا إبراهيم الخليل، ولا موسى الكليم، ولا أشعيا النبي، ولا إيليا ولا أرميا، ولا أي واحد من الأنبياء كان باستطاعته فداء الإنسان، لأنهم جميعاً بشر"(٢).

فلابد إذن أن يكون الفادي إلهاً وإنساناً في وقت واحد لكي ينجز بحق عملية الفداء، ولذلك فإنّ الله نزل إلى العالم بجسد المسيح لكي تتم المصالحة بينه وبين

١- حقيقة لاهوت يسوع المسيح: ١٧.

٢- لاهوت المسيح : ٤٨.

٧٢

خلقه: "أن السبب الذي جعل الله يختار أن يصبح إنساناً، هو تضييق الهوّة بين الله والجنس البشري"(١).

١- حقيقة لاهوت يسوع المسيح: ١٧.

٧٣

المبحث الأول: الأدلة من العهد الجديد على ألوهية المسيح

أولا: كلمات المسيح في العهد الجديد:

من الأدلة المهمة التي يقيمها المسيحيون على لاهوت المسيح هي تصريحاته وأقواله عن نفسه، وهناك بعض الآيات في العهد الجديد تناقلها المسيحيون في إثبات ألوهية المسيح ونحن بدورنا نستعرضها من دون تعليق وهي:

١ ـ قول المسيح في إنجيل يوحنا: "لأنّكم إن لم تؤمنوا أني أنا هو تموتون في خطاياكم". يوحنا (٨ : ٢٤) وكلمة (إني أنا هو) يفسرونها حسب سفر أشعيا حيث جاء "اسمع لي يا يعقوب وإسرائيل الذي دعوته، أنا هو، أنا الأول وأنا الآخر ويدي أسست الأرض ويميني نشرت السموات"، أشعياء ٥٨ : ١٢(١).

٢ ـ وأيضاً قوله: "وخرافي تسمع صوتي وأنا أعرفها فتتبعني، وأنا أعطيها حياة أبدية ولن تهلك إلى الأبد ولا يخطفها أحد من يدي، أبي الذي أعطاني إياها هو أعظم من الكل ولا يقدر أحد أن يخطف من يدي أبي، أنا والآب واحد". يوحنا ١٠ : ٢٧ـ ٣٠ .

٣ ـ وأيضاً قوله: "لا تضطرب قلوبكم أنتم تؤمنون بالله فآمنوا بي... لو كنتم قد عرفتموني لعرفتم أبي أيضاً، ومن الآن تعرفونه وقد رأيتموه، قال له فيلبس: يا سيد أرنا الآب وكفانا، قال له يسوع: أنا معكم زماناً هذه مدته ولم تعرفني يا فيلبس، الذي رآني فقد رآنى الآب، فكيف تقول أنت أرنا الآب، ألست تؤمن أني في الآب والآب فىّ. الكلام الذي أكلمكم به لست أتكلم به من نفسي لكن الآب الحال فىّ هو يعمل الأعمال، صدقوني أني في

١- لاهوت المسيح: ١١١.

٧٤

الآب والآب فىّ، وإلاّ فصدقوني لسبب الأعمال نفسها". يوحنا ١٤ : ١.

فهذا الكلام صريح في لاهوته وهو خير دليل على إثبات لاهوت المسيح(١).

٤ ـ وأيضاً قوله: "أنا هو نور العالم، من يتبعني فلا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة". يوحنا ٨ : ١٢.

٥ ـ وأيضاً: "أنا هو القيامة والحياة، من آمن بي ولو مات فسيحيا. وكل من كان حياً وآمن بي لن يموت إلى الأبد". يوحنا ١١ : ٢٥ـ ٢٦.

٦ ـ وأيضاً: "أنا هو الطريق والحق والحياة ليس أحد يأتي إلى الأب إلاّ بي". يوحنا ١٤: ٦.

٧ ـ وأيضاً قوله: "قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن". يوحنا ٨ : ٥٨.

وتقود هذه الأقوال ـ حسب المسيحيين ـ إلى الاعتراف بلاهوته أو تكذيبه واتهامه بالجنون، وهذا ما تحدث عنه جورج برناردشو في مقدمة روايته المشهورة "اندروكليس والأسد". إذ يقول:

"إن كل شخص ينظر إلى المسيح، ويتأمل فيه، يجد نفسه مضطراً أن يتخذ إزاءه قراراً حاسماً، فإما أن يكون المسيح صادقاً في قوله أنه الله (لم نجد تصريح للمسيح بأنه الله)، أو أن يكون مجنوناً، فلو أن المسيح قال إنه مجرد نبي لكان من السهل أن نقبل تعليمه، ولكنه لم يقل إنه نبي، بل أعلن أنه الله نفسه"(٢).

ثانياً: ميلاد المسيح الإعجازي:

ومن الأدلة على لاهوت المسيح هو مولده الإعجازي الفريد في البشرية من

١- نفس المصدر: ١١١.

٢- حقيقة التجسد: ١١٧.

٧٥

دون أب، وقصته مشهورة مذكورة في العهد الجديد وفي القرآن الكريم، وهذا الميلاد من دون أب بشري يثبت أن المسيح ليس له أب سوى الله، وأيضاً أنه الكائن البشري الوحيد الذي لم يتنجس بخطيئة آدم(عليه السلام).

فمن الواضح في العقيدة المسيحية أن كل البشر ورثوا الخطيئة لأنهم توارثوا دم آدم الذي أفسدته الخطيئة كما أعلن بولس في رسالته إلى رومية قائلا: "من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم وبالخطيئة الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع". رومية ٥ : ١٢،فالبشر جميعهم يحملون في عروقهم دم آدم الأثيم إلاّ المسيح "لقد كان آدم هو نبع النهر الذي جاء منه البشر، وما دام النبع قد تلوث بالخطيئة، فكل قطرة ماء تجري في النهر حملت جراثيم الخطيئة"(١).

ويضيفون لو كان المسيح مجرد إنسان،فلماذا لم يولد كما يولد سائر البشر؟ ويجيبون على ذلك بالقول: "إن ولادة المسيح من عذراء كان غرضها الأساسي فداء الإنسان، ولأن الفداء لا يمكن أن يتممه سوى الله فالمسيح إذاً هو (الله الابن) الذي أخذ صورة الإنسان"(٢).

فهذه الولادة هي عملية اتحاد لكلمة الله (اللاهوت) مع الجسد والناسوت في أحشاء مريم العذراء، فالمسيح هو الوحيد الذي انفرد بهذه الخصوصية بين الجنس البشري، ويؤيدون قولهم هذا ببعض الروايات الإسلامية الواردة عن النبي الأكرم حيث يذكر مؤلف كتاب حقيقة التجسد بهذا الخصوص:

ذكر أبو هريرة عن الرسول (صلى الله عليه وآله) قوله: "ما من مولود من بني آدم إلاّ نخسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخاً من نخسه إياه إلاّ مريم وابنها". وفي حديث آخر رواه البخاري عن الرسول(صلى الله عليه وآله): "كل ابن آدم يطعنه الشيطان في جنبه حين يولد غير عيسى

١- لاهوت المسيح: ٧٦.

٢- نفس المصدر: ٧٧.

٧٦

ابن مريم ذهب ليطعن فطعن في الحجاب"(١).

وهذا الاستثناء يدل على أن المسيح له طبيعة فريدة متميزة عن كل البشر في كل العصور على مدى التأريخ.

ثالثاً: صفات المسيح:

ومن الأدلة على اُلوهية المسيح هي صفاته التي انفرد بها أيضاً، وهي الصفات التي انفرد بها سبحانه الله وتعالى ويمتاز بها عن كل المخلوقات ومنها:

١ ـ الخالق:

أن الخلق صفة إلهية تخص الله وحده، ولم يمنحها لإنسان قط مهما كان شأنه، وهذا ما أكد عليه الكتاب المقدّس والقرآن الكريم، ولكننا نرى المسيح هو الإنسان الوحيد الذي قام بعملية الخلق، وهذا ما ينقله يوحنا في إنجيله في مسألة خلق أعين الأعمى من طين، إذ يقول: "وتفل (المسيح) على الأرض وصنع من التفل طيناً وطلى بالطين عيني الأعمى وقال له إذهب اغتسل في بركة سلوام، فمضى واغتسل وأتى بصيراً"،يوحنا (٩ :٦-٧) وكذلك ما ينقله القرآن الكريم عن خلق المسيح من الطين هيئة الطير فينفخ فيها فتصبح طيراً بإذن الله، وذلك في قوله تعالى: {أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ}(٢).

فكما أن الله خلق آدم من تراب الأرض فنفخ فيه وأعطاه نسمة الحياة، كذلك فعل المسيح، إذن المسيح هو الله الخالق(٣).

١- حقيقة التجسد: ٤٣.

٢- سورة المائدة، الآية ١١٠.

٣- حقيقة التجسد: ٢١٨.

٧٧

٢ ـ غافر الخطايا:

إن هذه الصفة وكما هو معلوم مختصة بذات الباري عزوجل ولا يستطيع أحد من البشر أن يدّعيها لنفسه، إذ البشر كما أسلفنا كلهم ارتكبوا الخطيئة والمعصية (حتّى الأنبياء وفق الرؤية المسيحية) ولذلك فليس من المعقول أن يغفر الإنسان الخاطى ذنوب وخطايا غيره، ولكن المسيح كما ينقل العهد الجديد على لسان بولس يؤكد أنه يغفر الخطايا، يقول بولس في رسالته إلى أهل كولوسي: "٢ : ١٣ و٣ : ١٣" إن يسوع هو الذي يغفر الخطايا، قال يسوع لبولس بأن عليه أن يؤمن به لينال غفران الخطايا "اعمال ٢٦ : ١٨".

وأيضاً ينقل مرقس في إنجيله أن المسيح قال للمفلوج الذي جاء إليه: "يا بني مغفورة لك خطاياك". مرقس (٢ : ١ ـ ١٢).

فقد كان ليسوع سلطان على مغفرة الخطايا، وهذه الصفة مختصة بالله وحده، إذن المسيح هو الله، يقول جوش ماكدويل بهذا الصدد: "لقد أزعجني مفهوم الغفران مدة طويلة من الزمن لأنني لم أفهمه، كنت يوماً أعطي محاضرة لطلاب الفلسفة، ووجّه إلىّ أحد الطلبة سؤالا حول لاهوت المسيح، فاستشهدت بالأعداد السابقة من الإصحاح الثاني من مرقس، فقام أحد الطلبة بتحدي الاستنتاج الذي توصلت إليه بأن غفران المسيح للرجل يثبت ألوهيته، قال في إمكانه أن يسامح شخصاً دون أن يكون ذلك إثباتاً أنه يدعي الألوهية.

عندما فكرت في ما قاله الطالب الجامعي، عرفت السبب الذي دعا القادة الدينيين يثورون بهذه الحدة على يسوع. أجل يستطيع المرء أن يقول: "أسامحك" إذا أخطأت ضدي وأسأت إلىّ، لكن هذا لم يكن ينطبق على يسوع، فلقد أخطأ المفلوج ضد الله الأب، ثم جاء يسوع بسلطانه الخاص ليقول له مغفورة لك خطاياك، ولا يستطيع أن يغفر الخطايا المرتكبة ضد الله إلاّ الله وحده، وهذا ما قاله يسوع"(١).

١- حقيقة لاهوت المسيح: ٤٥.

٧٨

٣ ـ كلي الوجود:

ومن الصفات التي انفرد بها الله سبحانه هي أنه موجود في كل مكان ولا يخلو منه مكان أبداً، ولكن هذا لا يعني أن الأشياء هي الله بتاتاً، بل هو مع الأشياء، وهذه المعية لله مع الأشياء من الأمور الثابتة في اليهودية والمسيحية وحتّى الإسلام، ولكن العهد الجديد يصف المسيح بأنه كلي الوجود أيضاً وبهذا المعنى، فإن بولس يقول في رسالته إلى أفسس: "الذي نزل هو الذي صعد أيضاً فوق جميع السماوات لكي يملأ الكل" (كل شيء) أفسس ٤ : ١٠، وأيضاً قال المسيح لتلاميذه: "لأنّه حينما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم"، متى ١٨ : ٢٠.

وأيضاً قال المسيح: "وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر". (متى ٢٨ : ٢٠) فهذه الآيات من العهد الجديد تثبت هذه المعية للمسيح مع كل شيء، فهو إذن الله(١)ولهذا سمي عمانؤيل أي: "الله معنا"(٢).

٤ ـ كلي العلم:

أن الله سبحانه يعلم كل شيء، وهذه الصفة أيضاً مختصة بذاته المقدسة، فهو الوحيد الذي له إحاطة علمية بكل الأشياء سابقها وحاضرها ومستقبلها، ولا يمكن لأي مخلوق مهما بلغ من درجة الكمال أن تكون له هذه الصفة المطلقة من العلم، ولكن العهد الجديد يصوّر لنا المسيح على أن له علم كلي مطلق، أي أنه عالم بكل شيء ماضيه وحاضره ومستقبله، ففي إنجيل يوحنا يذكر أن المسيح: "كان يعرف الجميع" لأنه علم "ما كان في الإنسان" (يوحنا ٢: ٢٤ ـ ٢٥)، وأيضاً فقد شهد التلاميذ له بذلك قائلين: "الآن نعلم أنك عالم بكل شيء" (يوحنا ١٦ : ٣٠)، وهو أيضاً كان عنده معرفة مسبقة بمن سيخونه (يوحنا ٦ : ٤٦).

١- لاهوت المسيح، ص ٩٢.

٢- الإيمان المسيحي: ١٢٢.

٧٩

يقول الدكتور جون والفورد في كتابه "يسوع المسيح ربنا" عن معرفة المسيح الكاملة:

"وبنفس الطريقة فإن معرفة المسيح السابقة تتأكد لنا في فقرات ومواضع كتابية اُخرى، وانسجاماً مع علمه الكلي تقول كلمة الله بأنه يملك حكمة الله (اكورنثوس ١ : ٣٠) ولا يمكن أن تنسب مثل هذه الصفات حتّى إلى أكثر الأنبياء حكمة، فهي تشكل إذاً دليلا آخر على أنه يمتلك كل الصفات الإلهية"(١).

٥ ـ السرمدية (الأزلية والأبدية):

وهذه الصفة أيضاً مختصة بالله تبارك وتعالى، فهو الأول والآخر، وليس هناك مخلوق يمتلك هذه الصفة، ولكن هناك فقرات كتابية من العهد الجديد تدعم وجود المسيح قبل ولادته، كوجود حقيقي لا مجرد فكرة في علم الله السابق، قال المسيح: "خرجت من عند الآب وقد أتيت إلى العالم وأيضاً أترك العالم وأذهب إلى الآب"، (يوحنا ١٦ : ٢٨)، وأيضاً قال: "وليس أحد صعد إلى السماء إلاّ الذي نزل من السماء، ابن الإنسان الذي هو في السماء"، (يوحنا ٣ : ١٣)، وأيضاً صلاة المسيح عندما قال: "الآن مجدني أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم"، (يوحنا ١٧ : ٥)، بل وحتّى يوحنا المعمدان (يحيى) الذي ولد قبل المسيح بستة أشهر يؤكد هذا الوجود الأزلي بقوله: "الذي يأتي بعدي صار قدامي لأنّه كان قبلي"، (يوحنا ١ : ١٥ ـ ٣٠).

فلم يكن هناك زمن لم يكن فيه الله موجوداً، وكذلك المسيح الذي قال: "قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن"، (يوحنا ٨ : ٥٨)، وهذا يدل على أن المسيح ليس فقط سابق الوجود، بل أن تعبير "أنا كائن" يدل على أنه الأبدي الدائم الوجود، والله سبحانه كذلك فهو دائم الوجود، ويعلق وليام باركلي على هذه النصوص فيقول:

١- حقيقة لاهوت يسوع المسيح: ٤٩.

٨٠