×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

إفادات من ملفّات التاريخ / الصفحات: ٢٠١ - ٢٢٠

زعامة قريش، وبالتالي زعامة العرب والسبق فيها.

ولقد فضّل الله هاشماً على أُميّة، وقدّم هاشماً وأخر أُميّة بفضله في ما بعد.

وكان أبو سفيان يعلم مثل غيره أن سيأتي نبي فيأخذ منه شرف القيادة، وهذا النبيّ سيكون من سلالة عبد مناف، وبعد معاناة، اقنع أبو سفيان نفسه بأنّه بالذات سيكون النبيّ; لأنّه لا يوجد ـ حسب رأيه ـ من هو جدير بالنبوّة سواه.

وأفصح عن هاجسه لبعض الذين يرتاح إليهم.

وأنّه لأمر مشين ـ حسب تفكير أبي سفيان ـ أن تراه بنيات ثقيف يتبع غلاماً من بني عبد مناف وعبثاً حاول ابن أُميّة أبي الصلت أن يغيّر طريقة تفكير أبي سفيان.

فيقول أُميّة مشفقاً: كأنّي بك يا أبا سفيان إن خالفته قد ربطت كما يربط الجدي، يؤتى بك إليه فيحكم فيك بما يريد، وهذا ما حصل عند فتح مكّة.

ومن سوء طالع أبي سفيان أنّ بني هاشم ـ كافرهم ومؤمنهم ـ احتضنوا محمّداً (صلى الله عليه وآله)، وعندما جهر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالدعوة قاومه أبو سفيان وأركان القيادة في مكة بكل الأساليب.

وعندما لم ينثن محمّد (صلى الله عليه وآله) واحتضنه الهاشميون اتفقت قريش

٢٠١
بزعامة أبي سفيان أن يقاطعوا بني هاشم، فقاطعتهم قريش كلّها ومن لفّ لفّها، بما فيهم بنو عدي قبيلة عمر، وبني تيم قبيلة أبي بكر، وتلك حقيقة كالشمس لا يجادل بها أحد.

ولم يستسلم محمّد (صلى الله عليه وآله) ولا الهاشميون، وأبطل الله كيد قريش وزعامتها بعد مقاطعة استمرت ثلاث سنوات.

وتأجّجت الكراهيّة بنجاح رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالهجرة وفشلت قريش في قتله عندما دخلوا فوجدوني نائماً مكانه.

وجنّ جنون قريش وزعيمهم أبو سفيان، وأعلنت الجوائز لمن يقبض عليه حيّاً أو ميّتاً.

وعندما اشتعلت الحرب الأُولى ببدر بين رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقريش قتل ثلاث من أجود وأروع شخصيات أُميّة وهم: عتبة، وشيبة، والوليد بن عتبة، وهم سادات بني أُميّة.

والمريع أن الذين قتلوهم من بني هاشم وهم: أنا، وحمزة، وعبيد الله بن الحارث.

وبذلك أصبح محمّد (صلى الله عليه وآله) وبنو هاشم الخطر الحقيقي على الزعامة الأموية; لأنّهم سادات بني أُميّة، وتحوّل حقدهم على محمّد وعترته إلى سواد مظلم وملأ صدورهم وعطل أذهانهم.

انظر إلى يزيد بن معاوية بن أبي سفيان كيف لعب برأس الحسين

٢٠٢
ابني الذي فصل عن جسده وأُحضر إليه في دمشق أنشد قائلا:


ليت أشياخي ببدر شـهدواجزع الخزرج من وقع الأسل
قد قتلنا القرن من ساداتهموعدلنا ميل بدر فاعتدل
لعبت هاشم بالملك فلاخبر جاء ولا وحي نزل
لست من خندف إن لم انتقممن بني أحمد ما كان فعل

وانظر إلى جدّته هند أم معاوية زوجة أبي سفيان، تأمر بقتل حمزة غدراً، ولا تكتفي بالقتل بل تشقّ صدر حمزة عمّ النبيّ وأسد الله وتتناول كبده وتحاول أكلها من شدّة الحقد.

وقد رفضت الزعامة الأمويّة الدين المحمدي ونبوّة محمّد بالذات; لأنّها تكره أن يأتي هذا الدين عن طريق بني هاشم.

وعندما فوجئ أبو سفيان بجند الله قرب مكّة، وذلك حينما أوقفه العباس ليرى جند الله، فدخل الرعب في قلبه، وأفصح قائد حزب الطلقاء عن حقيقة تصوراته لدعوة محمّد (صلى الله عليه وآله)، فيقول: ما رأيت ملكاً مثل هذا، لا ملك كسرى وملك قيصر ولا ملك بني الأصفر.

إذاً هو لا ينظر إلى النبوّة والدين بل إلى ملك!

وجرّه العباس إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيقول: "ويحك يا أبا سفيان ألم يئن لك أنّ تعلم أنّه لا إله إلاّ الله"؟

فقال أبو سفيان: بأبي أنت وأُمّي ما أحلمك وأكرمك، لقد ظننت

٢٠٣
أنّه لو كان مع الله إلهاً غيره لما أغنى عني شيئاً.

فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): "يا أبا سفيان ألم يئن لك أن تعلم أنّي رسول الله".

فقال أبو سفيان: بأبي أنت وأُمّي، أما والله فإنّ في النفس حتى الآن منها شيء.

وهنا صاح العباس: ويحك يا أبا سفيان، أسلم واشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله قبل أن تُضرب عنقك.

وهنا فقط أسلم أبو سفيان بعد ذكر ضرب العنق.

ودهش أبو سفيان وهو ينظر للنبيّ فقال في نفسه: ليت شعري بأيّ شيء غلبتني، فأوحى الله إلى نبيه بما في صدر أبي سفيان.

فقال له الرسول: "باللّه غلبتك"(١).

وكان أبو سفيان ينتظر الفرصة السانحة للانقلاب على هذا الملك الذي تصوّره، وكان ما أراد بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) واستمالة الخلفاء له بتركهم له ما بيده من الصدقات وتوليه ابنه يزيد ومعاوية على الجيش الذاهب إلى الشام، ومن ثمّ توليتهم ما فتح من بلاد الشام. وهذا ما أسّس لدولة بني أُميّة فيما بعد.

قال الله تعالى: {وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ

١- السيرة الحلبية ٣: ٥٥.

٢٠٤
أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ}(١).

ممّا جعل لأبي سفيان مصلحة بالوقوف ولو مؤقتاً مع السلطة القائمة، وخاصة بعد أن تركوا ما بيده من الصدقات، وعيّنوا ابنه يزيد قائداً عاماً للجيش الذاهب إلى الشام ومعاوية قائداً آخر في الجيش نفسه تحت إمرة يزيد.

وأمّا ما فعلوه بزعمهم أنّه من قبيل حفظ الشرع وعدم وقوع الفتنة كما صرّح عمر; لأنّه كما يرى بأنّ قريش تأبى أن تجمع لبني هاشم النبوّة والخلافة خوفاً من إجحافهم، ولكنّهم وقعوا في أشدّ من ذلك لكي يبعدوني ويبعدوا بني هاشم عن الخلافة، فقد أحرقوا سنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله) المكتوبة، ومنعوا من رواية الحديث وقالوا: حسبنا كتاب الله.

وعندما طالبتهم فاطمة (عليها السلام) بإرثها واستشهدت عليهم بكتاب الله نبذوه وراء ظهورهم واستشهدوا عليها بحديث لم يسمعه أحد من قبلهم وهو قولهم: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث".

فهم رفضوا سنّة رسول الله أن يحدّث فيها أحد لأنّ فيها الوصيّة لي، وكان ذلك تمسّكاً بحديث موضوع، فهم ينظرون إلى مصلحتهم

١- آل عمران: ١٤٤.

٢٠٥
وما يؤدّي إلى غرضهم.

وهم يعترفون بفضلي وعلمي وقوتي على هذا الأمر، وذلك كما قال عمر لي في مرض موته:

أما والله لئن وليتهم لتحملنهم على الحقّ الواضح والمحجّة البيضاء(١).

فهو يعرف بأنّي سوف أُقيم الشرع إذا وليتها، لأنّي لا أنظر إلى الخلافة مثل ما كانوا ينظرون إلى الخلافة، بل أنظر إليها على أنّها إقامة للدين الحنيف واستمرار لنهج رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولكنّهم أعادوها جاهلية، لذلك صبرت وفي الحلق شجا وفي العين قذى، فاستغلوا صمتي وهضموا حقّي وتناقلوها بينهم.

وعندما وصلت الخلافة إليّ وبايعني الناس بعد مقتل عثمان لم يرق لقريش ذلك، فنكثت طائفة، وقسطت أُخرى، ومرق آخرون، فتحقّق قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): "ستقاتل من بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين"، فقامت عائشة تحرّض الناس ضدّي، ووقف معها طلحة والزبير وكانا قد بايعاني ثم نكثا بيعتي، وقد زعموا أنّهم يطالبون بدم عثمان، وقد كانوا هم أوّل من حرّض الناس وقاموا ضدّه إلى أن

١- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١: ١٨٦، تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل للباقلاني: ٥١٠.

٢٠٦
وصل الأمر لقتله، وعائشة كانت هي أوّل من أفتت بقتل عثمان بقولها: اقتلوا نعثلا فقد كفر.

ثمّ قام معاوية معلناً أنّه يطالب بقتلة عثمان، مع أنّه لم ينصره وقد كان يستطيع ذلك، إلاّ أنّه آثر أن يقتل لينازع في أمر ليس هو أهله.

وقد جمع حوله من باع دينه بدنياه، مثل عمرو بن العاص وأمثاله.

وكلّ ما فعلوه كان لخوفهم من أن يتمّ الأمر لي فأعيدهم إلى ما مضى من سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولكنّهم أبوا إلاّ أن يجعلوها قبليّة جاهليّة.

وبعد أن وصلوا إليها ظهر ما كانوا يخفون، ولم يعد معاوية يطالب بقتلة عثمان بل وقف معاوية وقال: يا أهل العراق ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولكن قاتلتكم لأتأمّر عليكم(١).

فهذا هو ما يريدون أن يتأمروا ليس إلاّ.

وما عشت أراك الله العجب فيمن يصدقهم الآن في زمانكم، بعدما وضحت الأُمور بأجلى صورها، ويصوّروا هذا على أنّه اجتهاد مأجور صاحبه بأجر إن أخطأ وأجرين إن أصاب.

ومنذ وصلت الخلافة إلى عثمان وجمع حوله بني أُميّة، قال له أبو سفيان في مجلسه: تلقّفوها يا بني أُميّة تلقّف الصبيان للكرة، فوالذي

١- البداية والنهاية لابن كثير ٨: ١٤٠، سير أعلام النبلاء للذهبي ٣: ١٤٧.

٢٠٧
يحلف به أبو سفيان لا جنّة ولا نار(١).

وهذا ما حصل منذ ولّى عثمان أقاربه وأبناء عمومته على رقاب الناس وقوّى سلطة معاوية في الشام، فبسط يده عليها بعد ما أجازه عليها، كما أجازه أبو بكر وعمر، فصارت بيده يتصرّف بها تصرّف المالك المطلق.

لذلك عندما بايعني الناس، وأحسّ زعيم بني أُميّة معاوية أنّي إن تمّ لي هذا الأمر فسوف يعزل ويصبح كعامة المسلمين، وسوف يخسر ما كان يجهز له منذ ربع قرن، وهو أن يعيد مجد أُميّة ويكون هذا الملك له ولعقبه من بعده والانتقام منّي ومن بني هاشم عموماً; رفض بيعتي.

انظر إلى رسالة محمّد بن أبي بكر إلى معاوية وردّ معاوية عليه:

من محمّد بن أبي بكر إلى الغاوي معاوية بن صخر:

سلام على أهل طاعة الله، ممّن هو سلم لأهل ولاية الله.

أما بعد، فإن الله بجلالته وعظمته وسلطانه وقدرته، خلق خلقه بلا عبث منه ولا ضعف في قوته، ولا حاجة به إلى خلقهم، لكنه خلقهم عبيداً وجعل منهم غوياً ورشيداً، وشقيّاً وسعيداً، ثمّ اختار على علم فاصطفى وانتخب محمّداً (صلى الله عليه وآله) فاختصه برسالته واختاره لوحيه

١- نحوه في الاستيعاب لابن عبد البرّ ٤: ١٦٧٩.

٢٠٨
وإئتمنه على أمره، وبعثه رسولا ومبشراً ونذيراً، مصدّقاً لما بين يديه من الكتب، ودليلا على الشرائع، فدعا إلى سبيل أمره بالحكمة والموعظة الحسنة، فكان أوّل من أجاب وأناب وآمن وصدّق وأسلم وسلّم أخوه وابن عمّه علي بن أبي طالب، صدّقه بالغيب المكتوم وآثره على كلّ حميم، ووقاه بنفسه كلّ هول وواساه بنفسه في كلّ خوف، وحارب حربه وسالم سلمه، فلم يبرح مبتذلا لنفسه في ساعات الأزل ومقامات الردع، حتى برز سابقاً لا نظير له في جهاده، ولا مقارب له في فعله.

وقد رأيتك تساميه، وأنت أنت، وهو هو، السابق المبرز في كلّ خير، أوّل الناس إسلاماً وأصدق الناس فيه، وأفضل الناس ذرّية وخير الناس زوجة، وأفضل الناس ابن عمّ، أخوه الشاري لنفسه يوم مؤتة، وعمّه سيّد الشهداء يوم أُحد، وأبوه الذاب عن رسول الله وعن حوزته، وأنت اللعين ابن اللعين، لم تزل أنت وأبوك تبغيان لدين الله وتبذلان الغوائل، وتجهدان في إطفاء نور الله، تجمعان على ذلك الجموع، وتبذلان فيه المال وتؤلّبان عليه القبائل، على هذا مات أبوك وعلى ذلك خلّفته، والشاهد عليك بذلك من تدُني، ويلجأ إليك من بقية الأحزاب ورؤساء النفاق والشقاق لرسول الله.

والشاهد لعليّ ـ مع فضله المبين، وسابقته القديمة ـ أنصاره الذين

٢٠٩
معه، الذين ذكرهم الله تعالى في القرآن ففضلهم وأثنى عليهم من المهاجرين والأنصار منهم معه كتائب وعصائب يجادلون حوله بأسيافهم، ويهرقون دماءهم دونه يرون في اتباعه والشقاء في خلافه.

فكيف يالك الويل! تعدل نفسك بعلي وهو وارث رسول الله ووصيه وأبو ولده، وأوّل الناس له اتباعاً وأقربهم به عهداً، يخبره بسره ويطلعه على أمره، وأنت عدوّه وابن عدوّه؟!

فتمتع في دنياك ما استطعت بباطلك، وليمددك ابن العاص في غوايتك، فكأنّ أجلك قد انقضى، وكيدك قد وهى، وسوف تبين لك لمن تكون عاقبة العليا!

واعلم أنّك إنّما تكايد ربّك الذي أمِنت كيده، وآيست من روحه وهو لك بالمرصاد، وأنت منه في غرور، والسلام على من اتبع الهدى.

ـ ردّ معاوية:

من معاوية بن صخر إلى الزاري على أبيه محمّد بن أبي بكر:

سلام على أهل طاعة الله.

أما بعد، فقد أتاني كتابك تذكر فيه ما الله أهله في عظمته وقدرته وسلطانه، وما احتفى به رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع كلام كثير الفّته، ووضعته

٢١٠
لرأيك فيه تضعيف ولأبيك فيه تعنيف.

ذكرت فيه فضل ابن أبي طالب وقديم سوابقه وقرابته من رسول الله ونصرته له ومواساته إياه في كلّ هول، فكان احتجاجك علىَّ وفخرك بفضل غيرك لا بفضلك، فاحمد رباً صرف هذا الفضل عنك وجعله لغيرك.

فقد كنّا وأبوك معاً في حياة نبيّنا نرى حقّ ابن أبي طالب لازماً لنا، وفضله مبرزاً علينا، فلما اختار الله لنبيّه (صلى الله عليه وآله) ما عنده، وأتمّ له ما وعده، وأظهر دعوته، وأفلح محبّه، وقبضه الله إليه (صلى الله عليه وآله)، كان أبوك وفاروقه أوّل من ابتزّه حقّه، وخالفه على أمره، على ذلك اتفقا واتسقا، ثمّ إنّهما دعواه إلى بيعتهما فأبطأ عنهما وتلكّأ عليهما، فهمّا به الهموم، وأرادا به العظيم ثمّ إنّه بايعهما وسلم لهما، وأقاما لا يشركانه في أمرهما ولا يطلعانه على سرّهما، حتى قبضهما الله، وانقضى أمرهما، ثمّ قام ثالثهما عثمان فهدى بهديهما وسار بمسيرتهما، فعبته أنت وصاحبك حتى طمع فيه الأقاصي من أهل المعاصي، فطلبتما له الغوائل حتى بلغتما فيه مناكما، فخذ حذرك يا ابن أبي بكر، فسترى وبال أمرك، وقس شبرك بفترك تقصر عن أن توازي أو تساوي من يزيد الجبال حلمه ولا تلين على قسر قناته ولا يدرك ذو مدى أناته.

أبوك مهّد له مهاده، وبنى ملكه وشاده، فإن يك ما نحن فيه صواباً

٢١١
فأبوك أوّله، وإن يكن جوراً فأبوك استبدّ به ونحن شركاؤه. فبهديه أخذنا، وبفعله اقتدينا، ولولا ما فعل ذلك به قبلنا، ما احتذينا واقتدينا بفعاله، فعب أباك بما بدا لك أو دع، والسلام على من أناب ورجع عن غوايته وتاب(١).

ولمّا قتل الحسين ابني، كتب عبد الله بن عمر رسالة إلى يزيد بن معاوية جاء فيها:

أما بعد، فقد عظمت الرزيّة وجلّت المصيبة، حدث في الإسلام حدث عظيم، ولا يوم كيوم قتل الحسين.

فكتب إليه يزيد:

أما بعد، يا أحمق، فإنّا جئنا إلى بيوت مجدّدة وفرش ممهّدة، ووسائد منضّدة، فقاتلنا عنها. فإن يكن الحقّ لنا فعن حقّنا قاتلنا، وإن كان الحقّ لغيرنا، فأبوك أوّل من سنّ هذا واستأثر بالحقّ على أهله.

والغاية من إيرادي لرسالة محمّد بن أبي بكر ورد معاوية عليه، ورسالة عبد الله بن عمر وردّ يزيد عليه، إنّما هو لاعترافهم. بأنّ من أوصل لهم هذا الأمر هو من ابتزّني الخلافة وغصبني حقّي من بعد

١- أنساب الأشراف للبلاذري: ٣٩٤، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٣: ١٨٩.

٢١٢
كتاب إفادات من ملفّات التاريخ لـ محمّد سليم عرفة (ص ٢١٣ - ص ٢٣٦)

٢١٣
٥ ـ أن لا يأخذ أحداً من أهل العراق بأحنة، وأن يؤمن الأسود والأحمر.

ولكن معاوية ما إن استتبّ الأمر حتى خرج على أهل العراق وقام خطيباً، وقال: يا أهل العراق لم أُقاتلكم لتصلّوا أو لتصوموا أو تحجّوا أو تزكّوا فإنّكم تفعلون ذلك، ولكن قاتلتكم لأتأمّر عليكم، وليس لكم عندي إلاّ السيف، وكلّ شرط شرطته للحسن بن علي فهو تحت قدمي(١).

ولكي يتمّ الأمر لعقبه من بعده كان لا بدّ من أن يقتل الحسن، فبعث لزوجة الحسن جعدة بنت الأشعث ومنّاها بالمال وبالزواج من يزيد، فوافقت ودسّت له السمّ في الطعام ولهذا كان يقول معاوية: لله جند من عسل.

بعد هذا تتابعت المحن على آل البيت المحمدي ومن شايعهم، فقتلوا تحت كلّ حجر ومدر بحجّة معارضتهم للحكومات الظالمة على مرّ التاريخ، وحتى هذه الأيام ولكن بصورة مختلفة، فالآن يعتبرونهم خارجين عن الإجماع لأنّهم لم يرضوا عن سنّة نبيّهم وآل البيت (عليهم السلام) بدلا، وتركوا معاوية ومن شايعه من الحكام الذين

١- الفتوح لابن أعثم ٤: ٢٩٤، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٦: ١٥ ـ ٤٦.

٢١٤
توالوا على الدولة الإسلامية وظلّوا يوالون آل البيت (عليهم السلام) ويتبرأون ممّن نزى عليهم بحدّ السيف.

انظر لقول الإمام علي بن الحسين يصف حالة آل بيت محمّد (صلى الله عليه وآله):

ـ في دمشق استقبل المنهال بن عمرو الصحابي، علي بن الحسين بن علي، فقال له: كيف أمسيت يا بن رسول الله؟

فقال له الإمام علي بن الحسين: "أمسينا كبني إسرائيل في آل فرعون، يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم، يا منهال أمست العرب تفتخر على العجم بأن محمّداً منهم، وأمست قريش تفتخر على سائر العرب بأنّ محمّداً منها، وأمسينا أهل بيت محمّد ونحن مغصوبون مظلومون، مقهورون، مثبورون، مطردون، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون على ما أمسينا فيه يا منهال"!(١)

انقسام الأُمّة الإسلاميّة:

س١٠ ـ مولاي إنّ ما تفضلتم به من توضيح يبيّن أنّ الأُمّة قد انقسمت بعد توليك للخلافة إلى قسمين: قسم تابعك وشايعك، وفيهم جل الصحابة الكرام وأولادهم، وقسم آخر تابع معاوية ومن أتى بعده وشايعهم، وبذلك شقّوا عصا الطاعة، وخالفوا إمامهم، وتمّ

١- فتوح البلدان لابن الأعثم ٥: ١٣٣.

٢١٥
الانقلاب على الشرعيّة بقيام دولة تأخذ الإسلام شعاراً لها، بينما هي دولة أُمويّة جاهلية ترجع بجذورها إلى ما قبل الإسلام، وبذلك تمّ الانقلاب على الشرعيّة، وهي تعارض مبادئ حتى الذين أسّسوا ومهّدوا لها!!

فهل يمكن يا سيّدي أن تبيّن لنا نظركم لذلك، لتوضح للناس ما أبهم واُخفي عنهم؟

ج ـ لا يختلف اثنان في أنّ أبا بكر كان الخليفة الأوّل بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهذا ممّا تتفق عليه المدارس الإسلامية بأجمعها سنّة وشيعة، ولكنّ خلافهم بأحقيته بهذا الأمر من بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وعلى كل فقد مضى لسبيله.

ثمّ أدلى بها إلى عمر بن الخطّاب، فانتقلت الخلافة له بوصيّة من أبي بكر الخليفة الأوّل، وأصبح هو الخليفة الثاني، وذلك أيضاً ممّا تتفق عليه المدارس الإسلامية بأجمعها سنّة وشيعة.

ثمّ لمّا طعن عمر وأشرف على الموت جعلها في جماعة، إلى أن قام ثالث القوم عثمان وقد بايعه الناس وأصبح الخليفة الثالث بوصيّة من عمر، بغض النظر عن طريقته في الاختيار والتوصية، وهذا أيضاً ممّا لا يختلف فيه أحد من المسلمين، إلى أن أجهز عليه عمله وكبّت عليه بطنته.

٢١٦
ـ فما راعني إلاّ والناس كعرف الضبع ينثالون عليّ من كلّ جانب، حتى وطئ الحسنان، وشقّ عطفاي، مجتمعين حولي كربيضة الغنم، وبايعوني وتمّ لي الأمر وأصبحت الخليفة الرابع، وأيضاً برضى من الأُمّة الإسلامية آنذاك.

وقد كانت خلافتي متصلة بخلافة من كان قبلي من الخلفاء الثلاثة الذين سبقوني أبي بكر وعمر وعثمان وصولا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله).

فلمّا نهضت بالأمر نكثت طائفة ومرقت أُخرى وقسط آخرون...

وبذلك يكون كلّ من اتّبعني وشايعني قد مشى على نهج رسول الله (صلى الله عليه وآله).

وإنّ من وقف ضدّي خرج عن الشرع وخالف الحقّ، وعلى هذا يكون من وقف مع معاوية، وشايعه، ومشى على نهجه، وصحّح له، ودافع عنه، فهو من شيعته ومن أعوانه، ويكون خارجاً عن الشرعيّة المتمثلة بي وبالخلفاء الذين سبقوني في ضوء مبانيهم، وهؤلاء هم أهل الخلاف من عامة المسلمين الذين وقفوا مع معاوية وقاتلوا معه ضدّي بالسيف في عصره ومن تبعه من بني أُميّة، وهؤلاء كانوا ضدّ الخلافة الشرعيّة التي انتهت من بعدي بقتل الإمام الحسن.

وقد حاولت السلطات الحاكمة ورجالهم المرتبطون معهم على

٢١٧
مرّ العصور بتصوير شيعة محمّد وآله (صلى الله عليه وآله)(١) على أنّهم ضدّ السلطة الحاكمة(٢).

١- (شيعة) المعنى اللغوي لهذه الكلمة: شيعة لغة تعني الفرقة، أو الجماعة من الناس التي تجتمع أبناؤها على أمر واحد ويتبع بعضهم رأي بعض وهم متشابهون في آرائهم وأُمورهم وموالاتهم.

وإذا أُضيفت كلمة (شيعة) لرجل كقولك: شيعة فلان فإنّها تعني: الأصحاب أو الأعوان أو المؤيدين. لسان العرب لابن منظور ٨: ١٨٨ مادة شيع، تاج العروس للزبيدي ١١: ٢٥٧.

وورد لفظ شيعة في القرآن في عدّة مواضع منها قال سبحانه وتعالى: {فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ} القصص: ١٥.

وهنا كان المقصد من كلمة (شيعة) أي من أتباع سيّدنا موسى، وقال تعالى: {وَإنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لاَبْراهِيم} الصافات: ٨٣.

ومن معاني هذه الآية أنّ سيدنا إبراهيم من شيعة سيّدنا نوح.

ومن هذا تعرف أنّ لفظ (الشيعة) يطلق على أتباع سيّدنا محمّد وآل بيته الأطهار، وأوّل من أطلق لفظ (شيعة علي) على أتباع علي (عليه السلام) هو رسول الله (صلى الله عليه وآله) عندما نزل قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ} البيّنة: ٧، بقوله لعلي:

"هم أنت وشيعتك يا علي وستقدم على الله وشيعتك راضيين مرضيين" مجمع الزوائد للهيثمي ٩: ١٣١، الدر المنثور للسيوطي ٦: ٣٧٩.

وحول هذه المعاني يراجع: شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني ٢: ٤٦٠، ينابيع المودة للقندوزي ٢: ٣٥٧، روح المعاني للألوسي ٣٠: ٢٠٧، نظم درر السمطين للزرندي: ٩٢، المعجم الأوسط للطبراني ٤: ١٨٧، فتح القدير للشوكاني ٥: ٤٧٧، الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي: ٥٧٦.

٢١٨
بينما يظهر لنا أنّ الشرعيّة كانت ولا تزال معهم; لأنّهم اتبعوا محمّداً وآله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإن من يعتقدون بأنّهم أصحاب الشرعيّة لأنّهم اتبعوا السلطة الغاشمة، والتي نزت على هذه الأُمّة بالسيف ضدّ الحكم الإسلامي، وهم أبعد ما يكونون عن الشرعيّة والإسلام.

وهذا ما صوّره لهم معاوية بدهائه ومن تبعه من بني أُميّة وبني العباس، وهؤلاء إنّما وقفوا أيضاً ضدّ الخلفاء الثلاثة الأوائل، وشقّوا وحدة المسلمين، وصنعوا لهم مذهباً سياسياً لا يعارض الحكم القائم ويعتبر طاعة الأمير براً كان أو فاجراً، وقد وضعت الكثير من الأحاديث لتأكيد ذلك في العهدين الأموي والعباسي.

لذلك كانت الحكومات تدعمه دائماً، ولذلك ترى انتشار المذاهب الأربعة; لأنّها دعمت سياسياً الحكومات الجائرة أنذاك وخططت لدعم كلّ حكومة جائرة تأتي بعدها، بينما بقي أتباع مدرسة محمّد وآل بيته (عليهم السلام) ملاحقين مقتّلين مطرودين مقهورين في كلّ زمان ومكان، لأنّهم لا يعتقدون بولاية الفاجر والطليق ومن اعتدى على هذه الأُمّة بالسيف، ولا يرضون عن مذهب محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) وآله الأطهار بدلاً، وتمسّكوا بولايتنا آل البيت واستمروا على ذلك.

٢١٩
٢٢٠