×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

إفادات من ملفّات التاريخ / الصفحات: ٢١ - ٤٠

٢١

كيف عرفتُ طريق الحقّ وركبتُ سفينة النجاة؟


قال تعالى:

{وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا..}(١).

ومعنى هذه الآية أنّ كلّ من حاول الوصول إلى الحقيقة بقلب صادق ساعده الله تعالى وسدد خطاه.

وقد وفّقني الله تعالى وعائلتي ـ والحمد لله ـ بعد البحث والعناء أن نعرف طريق أهل البيت (عليهم السلام) ونركب سفينتهم.

عن أبي ذر الغفاري (رضي الله عنه) قال: "أ يّها الناس سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول:

"مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني إسرائيل من دخله غفر له"(٢).

١- العنكبوت: ٦٩.

٢- مجمع الزوائد للهيثمي ٩: ١٦٨، المعجم الصغير للطبراني ١: ١٣٩ و ٢: ٢٢، المعجم الأوسط للطبراني ٤: ١٠ و ٦: ٨٥، المعجم الكبير للطبراني ٣: ٤٦، نظم درر السمطين للزرندي: ٢٣٥.

٢٢

رحلتي مع الكتب:

لقد كنت شغوفاً بقراءة الكتب الدينية، فبعد أن أنهيت دراستي تخرّجت من معهد متوسط للالكترون، ولكنّي لم أجد أي رغبة في مواصلة هذا المجال; لأنّني كنت أرغب في دراسة القانون، ولكن لأسباب قاهرة لم أستطع أن أدخل هذا الفرع، لذلك كنت أحبّ مطالعة الكتب القانونية والدينية.

وبما أنّي كنت ملتزماً بحضور الدروس الدينية في المساجد من صغري، فقد كنت أقرأ الكتب الدينية أكثر، وقد استهوتني منذ البداية الكتب التي تبحث في الخلافات الدينية بين الديانات السماوية الثلاث.

وقد كنت معجباً بالشيخ أحمد ديدات، والشيخ عبد المجيد الزنداني، وقد قرأت كتبهم، وشاهدت عدّة مناظرات لهم على أفلام الفيديو كانت بينهم وبين أصحاب الديانات الأُخرى، وقد كنت أفرح عندما أرى انتصار هؤلاء على مناظريهم، لأنّني كنت أشعر بانتصار الدين الإسلامي مقابل هذه الديانات.

وقد كنت أحفظ الكثير من هذه المناظرات، لذلك عندما بدأت حياتي العملية وباشرت بالعمل في محل للألبسة، كان يقع هذا المحل في منطقة (القصاع)، وهي منطقة أغلب ساكنيها من النصارى، فكان يجري بيني وبين البعض منهم حوارات ومناقشات أحاول فيها

٢٣
تبيين أوجه الخلاف وخاتمية الدين الإسلامي، وكنت أُبيّن لهم بأنّ الله قد تكفّل بحفظ الدين الإسلامي ولم يطرأ عليه أيّ تحريف كما طرأ على الديانات الأُخرى.

وكان هؤلاء الذين يحاوروني عندما تعييهم الحيلة ينسحبون على أمل أن يسألوا أو يستشيروا رجال دينهم، وكنت أتفاجأ عندما كانوا يقولون بأنّهم لا يعلمون هذه الأُمور وأنّ رجال دينهم يمنعونهم من قراءة كتب المسلمين، وكانوا يقولون لهم: يكفيكم إيمانكم بأن يسوع ابن الله ـ معاذ الله ـ وأنّه صلب ليحمل خطايا الناس!

وقد كانوا يمنعونهم من قراءة الكتب التي أُعطيهم إياها، ويقولون لهم: لا تناقشوا هذا المسلم، فكنت أقول في نفسي: الحمد لله على دين الإسلام الذي حرّر عقلنا، ولم يجعل علينا في الدين من حرج، فنحن نستطيع أن نقرأ ما نشاء ونسأل عن أيّ شيء.

وقد وفّقني الله لهداية البعض منهم من الذين كانوا يملكون فكراً حرّاً ويحاكمون الأدلة التي أُبرزها لهم محاكمة عقلية.

ومن هؤلاء فتاة كانت تعمل في نفس المحل الذي أعمل فيه، وقد شرح الله صدرها للإيمان بعدما سمعت مناقشاتي لبعض إخوانها من النصارى، وصارت بالفعل تقرأ الكتب التي كنت أتركها في المحل، وكانت تسألني وتستفسر عن الأمور التي تتعذّر عليها، والحمد لله فقد أسلمت وحسن إسلامها، وقد حاول أهلها منعها وإبعادها عن

٢٤
المحلّ، ولكن بفضل الله تعالى كان إيمانها قويّ وقد دخلت في الإسلام عن قناعة، فما كان منّي إلاّ أن تزوّجتها والحمد لله.

ولو أنّ النصارى انفتحوا على المسلمين وسمعوا ما عندهم وقرأوا كتبهم لهداهم الله إلى الإسلام، لذلك يحاول رجال دينهم منعهم من هذا لأنّهم سوف يتركونهم.

٢٥

البداية


بسبب زواجي اضطررت لترك العمل في هذا المجال، وعملت لدى خال لي عنده مكتب عقاري، وخلال عملي في هذا المكتب كنت التقي بعض رجال الشيعة الوافدين من القطر العراقي الشقيق لزيارة السيّدة زينب (عليها السلام)، وقد كان المكتب العقاري في منطقة قريبة من مكان انطلاق السيارات المتوجهة للسيدة زينب (عليها السلام).

لذلك كان يتردّد الكثير منهم لاستئجار بيوت قريبة من هذه المنطقة، فيدخلون هذا المكتب ليسألوا عن البيوت.

وقد كلّمني أحدهم وكان قادماً إلى المكتب ليستأجر داراً للسكن، وأخبرني أنّه يدرس في الحوزة(١)، ولم أكن قد سمعت بهذا التعبير من قبل، فسألته ماذا تعني (الحوزة)؟! فوضّح لي وسألني: ماذا تعرف عن الشيعة؟

فقلت له: لا أعرف إلاّ أنّه مذهب من المذاهب الإسلامية، وأنّهم يقدّسون سيّدنا علياً ـ رضي الله عنه ـ وأهل بيته، ويرون أنّه أفضل

١- الحوزة: مكان يدرس فيه العلوم الدينيّة من الأُصول والفروع كالمعاهد الشرعيّة.

٢٦
من كلّ الصحابة، هذا ما أخبرته به فقط، مع أنّي أخفيت في قرارة نفسي ما سمعته من مشايخي ومن العوام من تشنيع على الشيعة وذلك منعاً للإحراج، ولكنّه بدأ يكلّمني عن بعض الأُمور الخلافية بين الشيعة والسنّة، فاندهشت; لأنّ ما سمعته منه لم أسمع به من قبل، وعندما رآني غير مصدّق لكلامه، قال لي: ألست تقول بأنّك تحبّ المطالعة، وأنّك لا مانع عندك من قراءة أيّ كتاب؟

فقلت: نعم.

فنصحني بقراءة كتاب (المراجعات)، وقال لي: إنّ هذا الكتاب حوار بين شيخ سنّي وآخر شيعي وأنّ كلّ ما فيه هو من كتب وصحاح أهل السنّة.

حاولت جاهداً أن أجد هذا الكتاب في المكتبات التي أعرفها في دمشق فلم أظفر به، وفي هذه الفترة جلب لي شقيقي كتاب (المئة الأوائل من النساء)، وكان قد قرأه واستوقفته خطبة السيّدة زينب (عليها السلام) وهي في بلاط الطاغية يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، وذلك بعد واقعة كربلاء، ولم أكن ملم بهذه الحادثة شيئاً، ولم أسمعها من أحد من قبل، مع أنّي كما قلت سابقاً: كنت ومنذ طفولتي أتردّد على المساجد وأحضر حلقات الدروس ولكن لم أسمع عن هذه الحادثة.

وقد علمت بعد ذلك أنّ الكتب التي كنت أقرؤها كانت كتباً تحاول أن تمنع اطلاعنا على مثل هذه الأمور.

٢٧

البحث عن الحقيقة:

بعد قراءتي لهذه الخطبة حاولت أن أبحث في الكتب عن واقعة كربلاء، واندهشت عندما قرأتها في تاريخ الطبري.

فسيّدنا الإمام الحسين (عليه السلام) سيّد شباب أهل الجنّة كما جاء في الحديث الشريف: "الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة"(١).

قد قتل هو وأهل بيته وأصحابه في هذه الحادثة أمام أعين المسلمين، وقاتلهم يزيد وجيشه، وهذا الطاغية كان خليفة المسلمين في ذلك الوقت، فهذه الحادثة جعلتني أعزم على أن أعرف كيف وصل هذا الطاغية إلى الحكم، فتحكّم بالإسلام والمسلمين، وتجرّأ على ريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله).

ومن حسن الحظّ أن التقيت صدفة بأحد أصدقائي عند خروجي من صلاة الجمعة، يحمل كتاباً، فقلت له: ما هذا الكتاب؟

١- مسند أحمد بن حنبل ٣: ٣ و ٦٢، ٦٤، ٨٢، سنن الترمذي ٥: ٣٢١ وقال: "حديث حسن صحيح"، خصائص النسائي: ١٠٤ ـ ١٠٥، مستدرك الحاكم ٣: ١٥٤ وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرّجاه"، ووافقه الذهبي في تلخيص المستدرك، والسلسلة الصحيحة للألباني ٣: ٢٤٣ ح٧٩٦، وغيرها من المصادر.

٢٨
فقال: كتاب عن الشيعة، وقالها (بنفور).

فقلت له: هاته. وكم كانت فرحتي شديدة عندما قرأت عنوان الكتاب (المراجعات)، وهو مناظرة بين السيّد شرف الدين والشيخ سليم البشري، فهذا ما كنت أبحث عنه، وقد حاول صديقي منعي من أخذه بحجّة أنّه مختلق، وأن شيخه نصحه بعدم قراءته لذلك، وهو لم يقرأه، ويريد أن يعيده إلى الشخص الذي أعاره إياه.

فقلت له: لا عليك، سوف أقرؤه بسرعة، وأُعيده إليك غداً، وفعلا قرأت الكتاب وأنهيته في ساعة متأخّرة من تلك الليلة، ثمّ أعدت قراءته لأتأكد مرّة ثانية من حقيقة الروايات والأحاديث المثبتة في هامش الكتاب والتي استشهد بها السيّد شرف الدين.

وقلت في نفسي: إن كانت هذه الروايات موجودة في كتب أهل السّنة وتواريخهم وتفاسيرهم، فسوف أُعيد النظر في قناعاتي، فلا يهم إن كان هذا الكتاب ملفّقاً أو صحيحاً; لأنّ الغاية هي ما جاء فيه وليس غير ذلك.

وبالفعل، تأكدت بعد ذلك من وجود هذه الأحاديث في الصحاح وكتب التفسير والتاريخ، وكلّ ما قاله واحتجّ به السيّد عبد الحسين شرف الدين من حجج باهرة لا يمكن نكرانها إلاّ على من لا يريد أن يرى ضوء الشمس.

لا أُريد في هذه المقدّمة أن أذكر الآيات والأحاديث التي

٢٩
تتحدّث عن إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) والأئمة من ولده (عليهم السلام); لأنّها سوف تذكر في طيّات هذا الكتاب، ولكن سوف أذكر هنا حديثين فقط، نالهما الكثير من التعتيم والتجاهل، مع وجودهما في صحاح المسلمين وكتبهم المعتبرة.

١ ـ حديث الغدير:

قام رسول الله (صلى الله عليه وآله) فينا خطيباً بماء خماً، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "أ يّها الناس ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟

قالوا: بلى يا رسول الله، فأخذ بضبعي علي ورفع يديه حتى بان بياض إبطيه وقال: من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللّهم والي من والاه، وعادي من عاداه، وأنصر من نصره، وأخذل من خذله، وأدر الحقّ معه حيث دار".

ذكر هذا الحديث في كثير من كتب المسلمين وبطرق عديدة وبألفاظ مختلفة تؤدّي الغرض نفسه، وأجمع علماء السنّة والشيعة على أنّه كان بعد العودة من حجّة الوداع(١).

١- مسند أحمد ١: ١١٨ وصحّحه المعلّق على المسند الشيخ أحمد شاكر، مجمع الزوائد للهيثمي ٩: ١٠٤ وصحّح الحديث، السنن الكبرى للنسائي ٥: ١٣٦، خصائص النسائي: ١٠٣، المعجم الكبير للطبراني ٤: ١٧ و٥: ١٩٢، كنز العمّال للهندي ١١: ٦٠٩ و١١: ٦١٠ و١٣: ١٣١، فيض القدير ٦: ٢٨٢

=>

٣٠

٢ ـ حديث الثقلين:

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "أنا تارك فيكم ثقلين: أوّلهما كتاب اللّه فيه الهدى والنور.. وأهل بيتي أذكّركم الله في أهل بيتي، أذكّركم الله في

<=

وعلّق عليه بقوله: "قال ابن حجر: حديث كثير الطرق جدّاً، استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد، منها صحاح، ومنها حسان، وفي بعضها قال ذلك يوم غدير خم، وزاد البزار في رواية: اللهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه، وأحّب من أحبّه، وأبغض من أبغضه، وأنصر من نصره، واخذل من خذله" ولما سمع أبو بكر وعمر ذلك قالا ـ فيما أخرجه الدار قطني عن سعيد بن أبي وقاص ـ: "أمسيت يابن أبي طالب مولى كلّ مؤمن ومؤمنة"، وأخرج أيضاً: قيل لعمر: إنّك تصنع بعليّ شيئاً لا تصنعه بأحد من الصحابة؟

قال: إنّه مولاي".

وفي تفسير الثعلبي عن ابن عيينة أن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لما قال ذلك طار في الآفاق، فبلغ الحارث بن النعمان، فأتى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا محمّد أمرتنا عن اللّه بالشهادتين، فقبلنا، وبالصلاة والزكاة والصيام والحجّ، فقبلنا، ثمّ لم ترض حتّى رفعت بضبعي ابن عمّك تفضّله علينا؟! فهذا شيء منك أم من اللّه؟ فقال: "والذي لا إله إلاّ هو إنّه من اللّه"، فولى وهو يقول: اللهمّ إن كان ما يقول محمّد ـ (صلى الله عليه وسلم) ـ حقّاً; فأمطر علينا حجارة من السماء أو ايتنا بعذاب أليم، فما وصل لراحلته حتّى رماه اللّه بحجر فسقط على هامته فخرج من دبره وقتله".

مستدرك الحاكم ٣: ١٠٩ وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرّجاه"، البداية والنهاية لابن كثير ٥: ٢٢٨ وقال شيخنا أبو عبد اللّه الذهبي: وهذا حديث صحيح، سسلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ٤: ٣٣١.

٣١
كتاب إفادات من ملفّات التاريخ لـ محمّد سليم عرفة (ص ٣٢ - ص ٥٤)

٣٢

أصنام تواجهني:

إنّ ما كان يواجهني مع النصارى عندما كنت أحاورهم حول الإسلام من منع رهبانهم لهم من القراءة ودراسة الأُمور بتعقّل وحكمة، صار يوجّه لي من علماء أهل السنّة الذين جعلوا الصحابة عدول ولا يجوز التعرّض لهم، وإنّ الكتب فيها الغث والسمين، ولا يصح أن يقرأها كلّ من هبّ ودب، ولا يجب أن نناقش مثل هذه الأُمور.

وعندما رفضت أن أحجز عقلي حكموا عليّ بالضلالة، كما صرّح أحد المشايخ الذين كنت أحضر دروسهم وحتى إنّه رفض مناقشتي في هذه الأُمور.

وشيخ آخر نصح الناس بالابتعاد عنِّي، وذلك عندما نقل له أحد من كان يحضر عندي من تلاميذه بأنّي أعطيهم بعض الكتب لكي يقرأوها مثل كتاب (ثم اهتديت) للدكتور محمّد التيجاني، وكتاب (المراجعات)، وكتب كلّ الذين كتب الله لهم الهداية إلى مذهب أهل البيت (عليهم السلام).

فما كان من هذا الشيخ إلاّ أن قال في خطبة يوم الجمعة وعلى المنبر: إنّ أحد الزنادقة يوزّع كتباً فيها سبّ وشتم للصحابة، فننصح

٣٣
الإخوة عدم قراءة هذه الكتب، وعوضاً عنها أنصحهم بقراءة كتاب العواصم من القواصم!

هذا كلّ ما عنده و عند أمثاله، فأيّ إنسان يخالفه في الرأي سيصبح زنديقاً يسبّ الصحابة ولا يصحّ أن يكلّمه أحد!

وعندها آثرت أن أقرأ كتاب العواصم من القواصم لأرى ما فيه، ففوجئت عندما وجدت فيه من سبّ وشتم للصحابة وانتقاص لهم، وفي نهاية الكتاب وجدت فتوى بقتل الشيعة وكلّ من يخالف مذهب العامة.

لذلك قرّرت أن أذهب إلى هذا الشيخ وذلك في يوم الجمعة، وقد أخذت معي كتاب العواصم من القواصم، بعد أن همشّته ووضعت علامات على المواضيع التي ينتقص فيها مؤلّف الكتاب من الصحابة، وأخذت معي أيضاً كتاب التشيّع للسيد عبد الله الغريفي (حفظه الله).

وفي يوم الجمعة دخلت إلى مسجد الزهراء (عليها السلام) في منطقة المزة واستمعت إلى الخطبة، ثمّ صلّيت معهم صلاة الجمعة، وبعد الانتهاء التفت الشيخ إلى الحضور، وبدأ يجيب عن أسئلتهم، فلمّا شارف الشيخ على الانتهاء وعندما هم بالوقوف، قمت له سائلاً وقلت له: إذا سمحت يا شيخ عندي بعض الأسئلة.

وهنا بادرني بالسؤال عندما رأى كتاب العواصم من القواصم

٣٤
بيدي قائلاً: هل اشتريت الكتاب؟

فقلت له: نعم، حسب ما طلبت أنت من الإخوة، فطلب منّي أن أعطيه الكتاب ليتأمّله، وبالفعل أخذه من يدي، وبدأ يتصفحه ويبدي سروره عند كلّ صفحة، وعندما قال لي ما سؤالك؟

فقلت له: إن كان يوجد هنا مكتبة أو مكتب لندخل له حتى يتسنّى لنا الحديث بهدوء.

فقال: لا، أسأل هنا أمام الإخوة.

فقلت له: يا سماحة الشيخ، ألم يأمرنا الله بالاعتصام بحبل الله جميعاً، وأمرنا رسول الله الكريم (صلى الله عليه وآله) بعدم تكفير بعضنا البعض، وقال: من كفّر مسلماً فقد كفر، فكيف تأمر الناس بقراءة كتاب يفتي بقتل نصف المسلمين ممّن يشهدون الشهادتين ويقيمون الصلاة ويصومون شهر رمضان؟!

وهذا الكتاب أيضاً يسبّ الصحابة ويقول: إنّ بعض هؤلاء مثل عمّار بن ياسر وأبي ذر الغفاري وكنانة بن بشر التُجيبي، وعبد الرحمن بن عديس البلوي قد لعب فيهم ابن اليهوديّة (عبد الله ابن سبأ) فكادوا لدولة الإسلام وأججوا الفتنة التي أدّت إلى مقتل عثمان بن عفان.

فقاطعني هنا الشيخ وقال: تفضل لنتكلّم في الداخل.

فقلت له: أنت قلت: أسأل هنا أمام الإخوة.

٣٥
وكان المصلّون قد تجمّعوا حولنا، فقادني إلى غرفة بجانب المصلّى وقد دخل معنا جمع غفير من المصلين، فالتفت إلىّ قائلاً: أنا لم أقرأ الكتاب! ولعلّ ما فيه مدسوس.

فقلت له: هذا هو الكتاب، وفتحت له الصفحة التي فيها الفتوى بقتل الشيعة، وقال كاتب الكتاب في الصفحة (٢٥٩):

"وأكثر الملحدة على التعلّق بأهل البيت، وتقدّمة علي على جميع الخلق، حتى إنّ الرافضة انقسمت إلى عشرين فرقة أعظمهم بأساً من يقول: إنّ علياً هو الله، والغرابيّة يقولون: إنّه رسول الله، لكن جبريل عدل بالرسالة عنه إلى محمّد حميّة منه معه!! في كفر بارد لا تسخنه إلاّ حرارة السيف، أمّا دفء المناظرة فلا يؤثّر فيه"(١).

وأريته في صفحة أُخرى كيف حاول المؤلّف تنزيه من غضب عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمر بقتله حتى ولو كان متعلّقاً بأستار الكعبة وطعن بغيره، فقد قال الكاتب:

"وأمّا الوليد بن عقبة فقد روى بعض المفسّرين أنّ اللّه سمّاه فاسقاً في قوله: {اِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإ}.. وقيل في علي والوليد في قصّة أُخرى"، وقال محقّق الكتاب: "كنت فيما مضى أعجب كيف تكون هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة، ويسمّيه اللّه فاسقاً، ثمّ

١- العواصم من القواصم: ٢٥٩، تحقيق محبّ الدين الخطيب.

٣٦
يبقى له في نفس خليفتي رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) أبي بكر وعمر المكانة التي سجّلها التاريخ"(١).

وكأنّه يوحي بأنّ هذه الآية نزلت في (علي) معاذ الله.

وهنا التفت إلي الشيخ قائلاً: أنا لم أقرأ الكتاب.

فقلت له: إذن كيف تأمر الناس بقراءة الكتاب وأنت لا تعرف ما فيه؟! وكيف نصحت الناس بعدم قراءة كتب الشيعة وكتب أُخرى تزعم أنّها تسبّ الصحابة وأنت لم تقرأها أيضاً؟!

وعلى كلٍّ أقول لك قول الإمام علي (عليه السلام)؟

فقاطعني قائلاً: ماذا تعمل أنت؟

قلت له: ليس هذا محل الموضوع.

على كلّ، يقول الإمام علي (عليه السلام): "الناس أعداء ما جهلوا"(٢)، وأنت تجهل كل شيء عن الشيعة، إلاّ ما يقوله الواشون المغرضون والمشنّعون، وقد أتيتك بكتاب يشرح منشأهم وأُصول المذهب عندهم، وأتمنى منك أن تقرأ بعين المنصف، وسوف آتي إليك في الأسبوع المقبل لأعرف رأيك، وهذا رقم هاتفي واسمي وعنواني، فبان عليه الاستغراب عند سماع اسمي، فعرفت ما يدور في ذهنه، فقلت له: إنّي كنت حنفي المذهب، والآن أتبع مذهب أهل البيت (عليهم السلام).

١- العواصم من القواصم: ١٠٢، تحقيق محبّ الدين الخطيب.

٢- نهج البلاغة ٤: ٤٢، باب المختار من حكم أمير المؤمنين (عليه السلام).

٣٧
فأعطيته كتاب (التشيع) للسيد عبد الله الغريفي ـ حفظه الله ـ وطلبت منه أن يتصل بي إن أشكل عليه أمر ما، وودعته على أمل اللقاء به بعد أسبوع.

وعندما أتى الموعد ذهبت إلى المسجد ولم يكن قد اتصل بي خلال هذا الأسبوع، وعندما قابلته بعد الصلاة اعتذر وقال: إنّه لم يقرأ الكتاب لأنّه مشغول، وعنده دورة لتحفيظ القرآن الكريم، وواعدته في الأسبوع الذي يليه، ولكنّه للأسف خرج من المسجد عندما رآني وأنا أصلي، ولم يلتفت إليّ.

فعرفت أنّه لم ولن يقرأ الكتاب، فلم أعد له ولم يتصل بي، ولكنّي عرفت رأيه من نظرة بعض الأصدقاء لي ونفورهم منِّي، وكانوا يقولون لي: لماذا تركت مذهبك واعتقادك السابق، وكنت دائماً أشرح لهم وأعرَّفهم الحقّ وقد اهتدى البعض، واستنكف آخرون; لأنّهم كانوا يأخذون بكلام مشايخهم وإن كان بلا دليل، ويرفضون كلامي وإن أتيت عليه بألف دليل من الكتاب والسنّة. وقد نسوا قول الله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ...}(١).

ومن المعلوم أنّ النصارى لا يعبدون أحبارهم ولا رهبانهم، بل يطيعونهم فيما يقولون ويصدّقونهم ويسلّموا لهم دون دليل ودون تعقّل أو تفهّم، لذلك وصفهم الله بأنّهم يعبدونهم من دون الله.

١- التوبة: ٣١.

٣٨
فهل يريد منّا هؤلاء أن نكون مثلهم، وقد أمرنا الله أن نحكّم عقلنا من بعد الكتاب وسنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟

قال تعالى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوب أَقْفالُها...}(١).

ولهذا حرّرت عقلي، ومضيت في سبيل الله لا أخشى لومة لائم، وبذلك نزعت التعصّب الأعمى وما أورثه لي أسلافي، فانكشف لي ما حاولوا تغطيته والتعتيم عليه عبر العصور.

وما أحوجنا الآن إلى دراسة هذا التاريخ الذي اختفى من ورائه النزاع السياسي والصراع الطائفي، دراسة واقعية على ضوء التحقيق العلمي المجرّد عن التعصّب والتحيز ليظهر الحقّ، والحقّ أحقّ أن يتّبع.

والحمد لله على ما هدانا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

منهجي في هذا الكتاب:

سوف أُحاول في هذا الكتاب ـ واعتماداً على أبواب عدّة ـ أن أميط اللثام عن الكثير من الحوادث التاريخية التي حصلت بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أُمور الخلافة وما تبعها من حوادث وحروب وفتن ومؤامرات.

وقد وضعتُ هذه الأبواب على طريقة إفادات، أي أن أحضر الشخصيّات التي لعبت دوراً في هذا التاريخ، وكان لهم الأثر الكبير

١- محمّد: ٢٤.

٣٩
فيما حدث حتى الآن، وأسألهم عمّا حصل، وأتأمّل في أقوالهم وأعمالهم، وأكتب الردّ على لسانهم واعتماداً على كتب التاريخ والحديث والتفسير عند أهل السنّة.

وقد اعتمدتُ في هذا الكتاب على كتب عدّة، وقد سجّلت أسماءها، وأين يوجد كلّ جواب أو مسألة في الهامش.

ولم اعتمد إلاّ على الروايات من كتب أهل السنّة، وطرحت الآراء التي يتبناها الشيعة مع صحتها وثقتي بها، ولكن الاحتجاج على أهل السنّة بما ألزموا به أنفسهم أجدى وأنفع وأقوى; اعتماداً على المقولة: "ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم"، و"من فمك أدينك".

وقد يكون للحادثة التاريخية ألفاظ عدّة، ورواة عدة، ومعان عدّة، ولكني لن أنتقي ما يؤكّد ما أرمي إليه في رأيي، وأطرح الباقي كما يفعل الكثيرون من الكُتّاب من أهل الخلاف، إذ إنّهم يأخذون ما يوافق منهجهم ويتركون ما يناقضه، بل اعتمدتُ ـ قدر الإمكان ـ في أخذي للأحاديث والروايات ما هومقبول عند الفريقين، وذلك أنجع للحجّة وأكثر تطبيقاً لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): "إنّ أُمتي لا تجتمع على ضلالة"(١).

١- سنن ابن ماجه ٢: ١٣٠٣، ونحوه في مسند أحمد ٦: ٣٩٦، سنن الدارمي: ١: ٢٩، سنن الترمذي ٣: ٣١٥، مستدرك الحاكم ١: ١١٥، السنن الكبرى للبيهقي ٢: ٤٥٤، مجمع الزوائد للهيثمي ٥: ٢١٨، وغيرها من المصادر.

٤٠