×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

المحسن السبط مولود أم سقط / الصفحات: ٥٢١ - ٥٤٠

وكلا الحديثين حديث الخيمة الذي رواه أبو بكر, وحديث الكساء ومن رواته عائشة ابنة أبي بكر, دلاّ على ما لأهل البيت من الفضل ما ليس لأحد مثله, ولبيتهم حرمة لا توازيها حرمة أيّ بيت آخر.

وهذا ما سمعه أبو بكر من النبي(صلى الله عليه وآله) أيضاً, فقد روى أنس بن مالك وبريدة بن الحصيب وغيرهما: انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قرأ: {فِي بُيُوت أذِنَ اللّهُ أنْ تُرْفَعَ}(١)، فقام إليه رجل فقال: أيّ بيوت هذه يا رسول الله؟ قال: ((بيوت الأنبياء)).

فقام إليه أبو بكر فقال: يا رسول الله هذا البيت منها؟ لبيت علي وفاطمة, قال: ((نعم من أفاضلها))(٢).

قال الألوسي بعد ذكر الحديث: وهذا إن صح لا ينبغي العدول عنه(٣).

وبعد هذا نعود إلى دفع القاضي وتعنته في دفعه وقضائه, حيث يريد أن يكون ما جرى على أهل البيت: بعد النبي(صلى الله عليه وآله) من أعمال عنف في شياع مثل ما شاع ممّا ضرب به الأمثال من قتل الحسين(عليه السلام), وهذا منه بمنتهى الغرابة.

ونقول له: انّ خبر ندم أبي بكر عند موته وذكره مثلثات منها كشف بيت فاطمة, خبر ثابت وقد تقدم ذكره بمصادره السنّية, وليس فيه ذكر ضرب ولا رفس ولا إسقاط جنين, ومع ذلك فقد مرّ بنا تحاشي مَن كنى عن كشف بيت فاطمة(عليها السلام) بقوله: كذا وكذا. فهو يتقي أن يذكر الخبر كما هو, فهل يتوقع قاضي القضاة أن يشاع ويذاع أنباء ما جرى في ذلك اليوم من أحداث مروعة ومفزعة؟ بعد شدة رقابة الحاكمين على الشيعة ومرويّاتهم, ممّا لا يخفى على من هو دون القاضي فضلاً عنه.

وجرى ابن أبي الحديد المعتزلي وتبع القاضي المعتزلي في دفعه بالصدر ما

١ - النور: ٣٦.

٢- الدر المنثور للسيوطي ٥: ٥٠.

٣- روح المعاني ١٨: ١٧٤.

٥٢١

رواه الشيعة وآخرون من غيرهم من خبر الرفسة والضرب فقال: فأمّا الاُمور الشنيعة المستهجنة التي تذكرها الشيعة من ارسال قنفذ إلى بيت فاطمة(عليها السلام), وأنّه ضربها بالعصا فصار في عضدها كالدملج وبقي أثره إلى أن ماتت, وانّ عمر ضغطها بين الباب والجدار... وألقت جنيناً ميتاً, وجعل في عنق علي(عليه السلام) حبل يقاد به... فكلّه لا أصل له عند أصحابنا... (١) .

أقول: وهذان المعتزليان نفيا الاُمور التي جرت على أهل البيت: في تلك الفترة من بعد موت النبي(صلى الله عليه وآله), وكأنّهما يتوقعان أن يرويها لهما أمثال الطبري من المؤرخين, مع انّ التاريخ فيه تزوير وتحوير وتطوير, فمن كان من المؤرخين من يملك الشجاعة والجرأة فيكتب الحدث كما هو؟ فهذا الطبري وهو شيخ المؤرخين ألم يقل في أحداث سنة / ٣٠ : وفي هذه السنة كان ما ذكر من أمر أبي ذر ومعاوية واشخاص معاوية إيّاه من الشام إلى المدينة, وقد ذكر في سبب اشخاصه إيّاه منها اُمور كثيرة كرهت ذكر أكثرها، فأمّا العاذرون معاوية... ثم ذكر عن سيف _ الوضاع الزنديق _ ما ذكره ولم يخش من ذكرها، لكنه قال بعد ذلك:وأمّا الآخرون فإنّهم رووا في سبب ذلك أشياء كثيرة واُموراً شنيعة كرهت ذكرها.

يالله لماذا الازدواجية في المعايير يا شيخ المؤرخين؟

وأيضاً نجد الطبري يجبن عن ذكر الحقائق كما هي, فقد قال في خبر مقتل عثمان: قد ذكرنا كثيراً من الأسباب التي ذكر قاتلوه أنّهم جعلوها ذريعة إلى قتله, فأعرضنا عن ذكر كثير منها لعلل دعت إلى الإعراض عنها.

وثالثاً نجده في خبر وقعة الجمل من رواية اُخرى, عن غير سيف قال: فوقف عليّ عليها _ أي على عائشة _ فقال: ((استفززت الناس وقد فزوا, فألّبت بينهم حتى قتل بعضهم بعضاً... في كلام كثير)) ماذا كان ذلك الكلام الكثير؟ لماذا

١ - شرح النهج ٦: ٦.

٥٢٢

الاحجام عن ذكر بعض الكلام؟

ورابعاً قال في مكاتبة محمد بن أبي بكر مع معاوية: فذكر مكاتبات جرت بينهما كرهت ذكرها لما فيه مما لا يحتمل سماعها العامة.

إلى غير ذلك من الشواهد مما طواه هو وغيره بحجة وبغير حجة, فهل يتوقع القاضي عبد الجبار وابن أبي الحديد المعتزليان ومن هو على شاكلتهما, أن يجدوا عند الطبري أو غيره من شيوخ المؤرخين ما ذكراه من اُمور تنفرد الشيعة بنقلها من خبر الضرب والرفسة والإسقاط, مع انّه روى ذلك من غير الشيعة، منهم على استحياء، ومنهم على استخذاء.

٣ _ ابن تيمية الحراني (ت٧٢٨ هـ).

وهذا ثالث القوم جاء بما يضحك الثكلى, وكأنّه يسخر بعقول الناس حين يقول في كتابه منهاج السنّة(١): (ونحن نعلم يقيناً انّ أبا بكر لم يقدم على علي والزبير بشيء من الأذى, بل ولا على سعد بن عبادة المتخلف عن بيعته أولاً وآخراً, وغاية ما يقال انّه كبس البيت لينظر هل فيه شيء من مال الله الذي يقسمه وأن يعطيه لمستحقه, ثم رأى انّه لو تركهم لجاز.

فإنّه يجوز أن يعطيهم من مال الفيء, وأمّا إقدامه عليهم أنفسهم بأذى, فهذا ما وقع فيه قط باتفاق أهل العلم والدين, وإنّما ينقل مثل هذا جهّال الكذّابين, ويصدّقه حمقى العالمين الذين يقولون: انّ الصحابة هدموا بيت فاطمة, وضربوا بطنها حتى أسقطت, وهذا كله دعوى مختلق, وإفك مفترى باتفاق أهل الإسلام, ولا يروج إلا على من هو من جنس الأنعام...).

أقول: سبحانك اللّهمّ إن هذا إلاّ بهتان عظيم, لقد مرت النصوص التي قدّمناها من مصادر تاريخ المسلمين, وذكرنا توثيق أصحابها وكلهم من السنّة,

١ - منهاج السنّة ٤: ٢٢٠.

٥٢٣

فهل كل أولئك ما كانوا من أهل العلم والدين, وكانوا من جهّال الكذّابين؟ (إنّ هذا لهو البلاء المبين).

ولم يكتف ابن تيمية بوصف من روى ذلك بما تقدم, حتى جعلهم من جنس الأنعام؛ لأنّهم راجت عليهم تلك المرويات فرووها, ألا مسائل ذلك الأحمق المائق المائن, كيف استساغ لنفسه أن يستغفل العقول بقوله: وغاية ما يقال انّه كبس البيت لينظر هل فيه شيء من مال الله الذي يقسمه وأن يعطيه لمستحقه؟

أيّ مال ذلك؟ متى جُمع؟ ومتى وضع في بيت علي؟ ولماذا وضع هناك؟ مسائل يجب الإجابة عنها من لدن أتباع ابن تيمية, وإلاّ فهو وهم من جنس الأنعام,الوصف الذي نبز به غيره.

ولو سلّمنا جدلاً أنّ في بيت علي شيئاً من المال, فهو لا يخلو إمّا أن يكون هو مال علي, فليس من حق أبي بكر أو غيره أخذ أموال الناس منهم بالباطل, وإمّا أن يكون من مال غيره وعنده وديعة, فلا يصح بوجه لأبي بكر أو غيره التعدي عليه وأخذه, أو هو مال المسلمين وضعه النبي(صلى الله عليه وآله) عنده, فما بال النبي(صلى الله عليه وآله) يختزن في بيت علي مال المسلمين؟ ولم يرد في التاريخ انّه فعل ذلك ولو مرة واحدة, بل الذي ثبت باتفاق أهل السيرة انّه كان لا يبقي عنده قليلاً ولا كثيراً, بل كان يعجّل إنفاقه ولا يبيت عنده شيء منه.

أخرج البسوي في كتاب المعرفة والتاريخ(١)، باسناده عن علي انّ عمر استشار الناس فقال: ما تقولون في فضل عندنا من هذا المال؟

قالوا : يا أميرالمؤمنين قد شغلتك _ أو شغلناك _ عن أهلك وضيعتك وتجارتك فهو لك.

قال لي: ما تقول أنت؟ فقلت: قد أشاروا عليك, قال: قل.

١ - المعرفة والتاريخ ١: ٥٠٠ .

٥٢٤

قلت: يا أمير المؤمنين لم تجعل يقينك ظناً وعملك جهلاً؟.

قال: لتخرجن ما قلت أو لأعاقبنك.

قلت: أجل إذاً والله لأخرجن منه, أما تذكر إذ بعثك رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ساعياً, فأتيت العباس فمنعك صدقته, فكان بينكما, فأتيتني فقلت: انطلق معي إلى النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم حتى أخبره بما صنع العباس, فأتيناه فوجدناه خاثراً(١) فرجعنا, ثم أتيناه من الغد فوجدناه طيّب النفس, فذكرت له الذي صنع العباس فقال: أما علمت يا عمر انّ عم الرجل صنو أبيه, وقال: إنّا كنا احتجنا فاستسلفنا العباس صدقة عامين.

قال: وذكرنا الذي رأينا من خثوره في اليوم (الأول) والذي رأيناه من طيب نفسه في اليوم (الثاني), فقال: إنّكما أتيتماني في اليوم الأول وقد بقي عندي من الصدقة ديناران, فكان الذي رأيتماني من خثوري لذلك, ثم أتيتماني اليوم وقد وجهتها وكان الذي رأيتما من طيب نفسي لذلك.

قال عمر: صدقت والله, أما والله لأشكرنّ لك الاُولى والآخرة.

قلت: يا أمير المؤمنين فلم تعجل العقوبة وتؤخر الشكر.

أقول: فإذا كانت هكذا حال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لدينارين بقيا عنده, فهل يعقل أن يكون قد أحرز مالاً في بيت علي(عليه السلام) فكان كبس أبي بكر _ فيما يراه ابن تيمية _ لأخذ ذلك المال لينظر هل فيه شيء من مال الله الذي يقسمه؟

وكأنّ ابن تيمية لم يعلم كيف كانت سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيما يأتيه من المال؟

ألم يقرأ قصة المال الذي بعث به ابن الحضرمي من البحرين, وكان ثمانين ألفاً وما أتى النبي(صلى الله عليه وآله) مالٌ أكثر منه لا قبلُ ولا بعدُ, فنثرت على حصير ونودي الصلاة,

١ - خاثر : ثقيل غير نشيط.

٥٢٥

وجاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) فشدّ قائماً على المال, وجاء أهل المسجد, فما كان يومئذٍ عدد ولا وزن, ما كان إلاّ قبضاً... فما زال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ماثلاً على ذلك المال حتى ما بقي منه درهم, وما بعث إلى أهله بدرهم, ثم أتى الصلاة فصلى(١).

ومن السخرية أيضاً بعقول الناس حين يقول: (إنّما ينقل مثل هذا جهال الكذابين, ويصدقه حمقى العالمين الذين يقولون انّ الصحابة هدموا بيت فاطمة(عليها السلام) وضربوا بطنها حتى أسقطت). وقد مرت بنا نصوص تثبت الإدانة عن جهابذة الحديث والتاريخ, فإذا كانوا كلهم من جهال الكذابين, فممن كان يأخذ ابن تيمية علمه؟

ولو أعرضنا عن جميع تلك النصوص وضربنا عنها صفحاً, وعُدنا إلى أحاديث الرسول(صلى الله عليه وآله) فيما جاء عنه فيمن أخاف مسلماً ومن روّع مؤمناً, فقد قال (صلى الله عليه وآله): من روّع مسلماً روّعه الله يوم القيامة(٢).

وقال (صلى الله عليه وآله): ((من روّع مؤمناً لم يؤمن روعته يوم القيامة, ومن أخاف مؤمناً لم يؤمن خوفه يوم القيامة, ومن سعى بمؤمن أقامه الله مقام الخزي والذلّ يوم القيامة))(٣).

وقال (صلى الله عليه وآله): ((من أخاف مؤمناً كان حقاً على الله أن لا يؤمنه من أفزاع يوم القيامة))(٤).

وقال (صلى الله عليه وآله): ((من سوّد مع قوم فهو منهم, ومن روّع مسلماً لرضاء من سلطان جيئ به يوم القيامة معه))(٥).

١ - طبقات ابن سعد ٤، ق١: ٩، والمعرفة والتاريخ للبسوي ١: ٥٠٣ .

٢- مسند الربيع بن حبيب ٢: ٦٩.

٣- كنز العمال ٧: ٤٣٧, الكامل لابن عدي ٦: ٣٢٣.

٤- مجمع الزوائد ٦: ٢٥٤.

٥- تاريخ بغداد ١٠: ٤١.

٥٢٦

هذه أربعة أحاديث نبوية فصيحة صريحة في عقوبة المعتدي بالاخافة والترويع, فهل يعقل انّ عمر ومن جاء معه _ وكلّهم معدودون من عليّة الصحابة _ لم يسمعوا واحداً من هذه الأحاديث؟ وإذا لم يسمعوا ذلك فأحرى بهم انّهم لم يسمعوا الحديث القدسي: ((من أخاف لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة)) (١) وماذا رأي ابن تيمية في ذلك؟!

فهل كان ثمة ترويع لأهل البيت يوم جاء عمر بقبس من نار إلى بيت فاطمة(عليها السلام) ليحرقه على من فيه؟ وإن أنكر ذلك ابن تيمية, فلماذا صاحت الزهراء (عليها السلام) وهي تستقبل المثوى الطاهر من خلال الشباك الذي يطل على منزل أبيها، وهي تستنجد بهذا الغائب الحاضر: يا أبتاه يا رسول الله, ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة؟

قال الكتاني في التراتيب الإدارية: وكان بمنزل فاطمة شباك يطلّ على منزل أبيها, وكان(صلى الله عليه وآله) يستطلع أمرها منه(٢).

فلا عجب ولا غرابة من استغاثتها (عليها السلام) بأبيها, وشكواها إليه ما لقيت وأهل بيتها من ابن الخطاب وابن أبي قحافة بعد أن كان (صلى الله عليه وآله) حيّاً في قبره حيث يبلغه سلام من يسلّم عليه في مشرق الدنيا ومغربها, فهل من شك في انّه (صلى الله عليه وآله) لم يستطلع أمرها كما كان وهو حيّ وبين حجرته التي دفن فيها وبين منزل فاطمة شباك؟ والجواب بالنفي إنّما هو عند ابن تيمية الأفّاك ومن تبعه من الشكّاك.

ولا غرابة في هذا من ابن تيمية المعروف بنصبه وعناده من خلال كتابه منهاج السنّة, وقد رد فيه جملة مما صحت روايته في فضائل أهل البيت:, حتى حديث الثقلين وهذا أخرجه مسلم في صحيحه, فأقدم ابن تيمية على رده.

١ - كنز العمال: ح ١٦٨٠.

٢- التراتيب الإدارية للكتاني ٢: ٧٨.

٥٢٧

ختام الرسالة:

لا شك أنّ المصارحة في العقائد مع بيان الحجة البالغة توضح الرؤية لطالب الحق، وليس في سبل التفاهم خيراً منها مع حسن النيّة في التعايش، كما هي في أحيان كثيرة تكون سبباً للهداية إلى طلب الحق.

ويسعدني أن يكون القارئ _ بعد انتهاء قراءته لهذه الرسالة _ منصفاً لنفسه قبل أن يكون منصفاً لي، فلا يتعجل بحكمه سواء كان لي أو عليَّ، ما دمت أنا قد أنصفته فذكرت له من نصوص أحاديث وأخبار وآثار يدين هو لرواتها بالتصديق، وهي عنده غير قابلة للإنكار، والنقاش والجدل حولها في صحتها ودلالتها إنّما هو مكابرة، لأنّ أصحاب المصادر هم أعلام المحدّثين والمؤرخين ومن المعنيين بتسجيل تاريخ المسلمين وشؤون الخلفاء الراشدين، وهم باتفاقهم _ إن لم يكن ذلك يعدّ إجماعاً منهم _ على قبول مؤدّى تلك النصوص, والإستدلال بها يقطع جهيزة المعاندين، لوضوح الدلالة وقبول الإسناد، عند من لا يبتغي العناد، سواء فئة التقليد أو فئة التجديد ممن يدعون إلى إعادة كتابة التاريخ الإسلامي من جديد.

وأحسب أنّ العرض والتبسيط منّا كان فيه استيفاء كثير من جوانب الاحتجاج لدى الحوار مع الأطراف الأخرى، وبيان الحق الذي يجب أن يتبع حين نتبيّنه فنتبنّاه لنبيّنه للناس ولا نكتمه، ولا نؤخذ بغلبة الموروث وقداسته، ولا نخشى في بيانه لومة لائم ما دمنا نزيل غشاوة التضبيب الإعلامي الذي وراءه مزاعم الحاكمين الظالمين, فتشوّهت المعلومة من رواة السوء الضالعين في ركابهم.

وتلك بلية المسلمين في تاريخهم منذ القرون الأولى، حين أشاعوا مقولة أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) مات ولم يوص إلى أحد, وترك للناس حق اختيار من يتولاهم، وهذا من أفدح الظلم وأقبح الكذب، إذ أنّه (صلى الله عليه وآله) قبل أن يهاجر إلى المدينة المنورة, ومنذ بدء الدعوة قد بيّن وعيّن من هو الذي سيتولى أمر القيادة من بعده, فقد

٥٢٨

ورد في شأن نزول قوله تعالى: {وَأنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ}(١)، فأمر ابن عمه علياً بأن يصنع طعاماً يدعو عليه بني هاشم، وقد صنع ودعاهم وبلّغهم ما أمره الله بتبليغه فقال: ((أيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووزيري ووصييّ ووارثي وخليفتي من بعدي))، فلم يجبه أحد غير علي(عليه السلام)، فأخذ برقبته ثم قال: ((إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا))(٢).

ولما أراد الهجرة إلى المدينة استخلفه بمكانه في بيته بمكة المكرمة, وأمره أن ينام في فراشه ويتغطى ببرده, ولم يأمر غيره بردّ الودائع إلى أهلها ثم اللحاق به مع عائلته, وهذا كان إعداداً عملياً علمته قريش, فكادت تقضي على علي(عليه السلام) لولا دفع الله تعالى عنه(٣).

وبقي (صلى الله عليه وآله) يعلن في المدينة المنورة في شتى المناسبات والمواقف عن أن علياً وزيره وخليفته في اُمته, ففي حديث عن ابن عمر مرفوعاً قال (صلى الله عليه وآله): ((ألا أرضيك يا علي؟ أنت أخي ووزيري, وتقضي ديني, وتنجز بوعدي, وتبرئ ذمتي))(٤).

وفي حديث آخر عن أنس مرفوعاً بلفظ: ((إنّ أخي ووزيري وخليفتي في أهل بيتي, وخير من تركت بعدي, يقضي ديني, وينجز موعدي, علي بن أبي طالب))(٥).

١ - الشعراء: ٢١٤.

٢- تاريخ الطبري ٢: ٢١٦، طبعة الحسينية بمصر، و٢: ٣١٩ _ ٣٢١، طبعة دار المعارف بمصر, ولمزيد من معرفة المصادر راجع كتاب (علي إمام البررة) ١: ٧٢ _ ٩٢.

٣- راجع كتاب (علي إمام البررة) ٣: ٢٨٠ _ ٢٩٣.

٤- نفس المصدر ١: ١٠٥ تجده نقلاً عن مجمع الزوائد ٩: ١٢١ نقلاً عن الطبراني, وأيضاً في كنز العمّال ١٢: ٢٠٩ ومنتخب الكنز بهامش مسند أحمد ٥: ٣٢.

٥- نفس المصدر ١: ١٠٦، نقلاً عن اصابة ابن حجر ١ ق١: ٢١٧، وتاريخ ابن عساكر ترجمة الإمام علي ١: ١١٥ _ ١١٦، بثلاثة أسانيد.

٥٢٩

وأصرح من ذلك ما أخرجه الحمويني مسنداً عنه (صلى الله عليه وآله) قال: ((من أحب أن يستمسك بديني, ويركب سفينة النجاة بعدي, فليقتد بعليّ بن أبي طالب, وليعاد عدوّه, وليوال وليه, فإنّه وصيي وخليفتي على اُمتي في حياتي وبعد وفاتي, وهو إمام كل مسلم, وأمير كل مؤمن بعدي, قوله قولي, وأمره أمري, ونهيه نهيي, وتابعه تابعي, وناصره ناصري, وخاذله خاذلي)) .

ثم قال (صلى الله عليه وآله): ((من فارق علياً بعدي لم يرني ولم أره يوم القيامة, ومن خالف علياً حرّم الله عليه الجنة, وجعل مأواه النار, ومن خذل علياً خذله الله يوم يعرض عليه, ومن نصر علياً نصره الله يوم يلقاه ولقنّه حجته يوم المسألة... إلى آخر الحديث))(١) .

إلى غير ذلك من مواقفه التي كان يُعدّ فيها علياً لخلافته إعداداً فريداً قولاً وعملاً, لم يكن مثله لأيّ أحد سواه من الصحابة, وحسبنا أن نستقرئ كتب الحديث والتاريخ عما صدر منه في سنة حجة الوداع فقط, فقد أشركه في بُدنه, وقام معلناً بفضله واستخلافه, وأخذ البيعة له في غدير خم, ولما عاد إلى المدينة اتخذ الحيطة لمنع وقوع الخلاف في الاستخلاف حين ظهرت حسيكة النفاق في نفر من الصحابة, فعزم على بعث اُسامة إلى مؤتة, وأمّره على جيش حشر فيه أسماء كثير ممن يخشى منهم الخلاف, وكان مِن جملة مَنْ سمّاهم بأعيانهم: أبو بكر, وعمر, وعثمان, وعبد الرحمن بن عوف, وسعد بن أبي وقاص, وطلحة, والزبير, وأبو عبيدة بن الجراح وآخرون, وشدّد النكير على من تخلّف عن جيش اُسامة, حتى قال: ((لعن الله من تخلّف عن جيش اُسامة))(٢) .

ولما أحسّ منهم التثاقل في الخروج, أراد أن يكتب لاُمته كتاباً لن يضلوا بعده أبداً, إلاّ أنّ عمر منع من ذلك, وهذا ما رواه أصحاب الصحاح والسنن

١ - فرائد السمطين ١: ٥٤.

٢- رواه الشهرستاني في الملل والنحل نقلاً عن النظام.

٥٣٠

والمسانيد وفي مقدمتهم البخاري ومسلم, وهذا ما يعرف بحديث الرزية, لأنّ ابن عباس حبر الاُمة كان يرويه ويقول الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب, ويبكي حتى يبلّ دمعه الحصى _ الحصباء(١) _ وكان (صلى الله عليه وآله) يفعل ذلك بأمر من الله تعالى.

ففي كل تلك المواقف أعلن فيها انّ علياً ولي الأمر بعده, وكان يشدّد على انّه الوصي والخليفة في اُمته, كانت وتيرة الخلاف تتصاعد, وجرت ملابسات ومعاكسات لما أمر به, حتى أنكرت قريش وصيته, وأصرّت عناداً على مخالفته في خلافته, فقالت: مات ولم يوص, ورووا أحاديث عن عائشة في ذلك, وردّ عليها ابن عباس واُم سلمة وغيرهما, كما تقدم في بعض النصوص التي ذكرناها(٢) .

ومن الغباء فضلاً عن الجفاء أن يزعم إنسان مسلم انّ النبي(صلى الله عليه وآله) الذي أعلن دعوته بمكة, وواصل سعيه في المدينة, وقاسى في سبيل نجاحها من الأذى ما قاساه, فأسس حكومته الرشيدة, وبلّغ شريعة الإسلام تامة غير منقوصة, ولم يترك صغيرة ولا كبيرة تصلح اُمته إلاّ بيّنها لهم في سائر شؤون حياتهم, حتى المرء في مخدعه مع حليلته, وفي بيت الخلاء لقضاء حاجته, بما ينبغي وما لا ينبغي من سنن وآداب, فضلاً عن بيان الواجب والحرام وبقية الأحكام.

كيف يعقل انّه يترك اُمته هملاً على غير نهج واضح, وسبيل لائح في أمر من يتولى قيادتها من بعده؛ ليكفل لها النجاة من الهلكة والهداية من الضلالة ما دامت سائرة على سنته, وآخذة بشريعته؟ وهو القائل: ((قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها, لا يزيغ عنها بعدي إلاّ هالك))(٣).

١ - صحيح البخاري في سبعة مواضع, ورواه مسلم, وأحمد, وابن سعد, والطبري وآخرون, استوفينا ذكرهم في موسوعة عبد الله بن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن.

٢- راجع كتاب علي إمام البررة ٣: ٣٤٧_ ٣٦١.

٣- المستدرك على الصحيحين ١: ١٧٥.

٥٣١

ولكنّها السياسة الرعناء مسخت العقول بطخية عمياء, فهي لا تنظر بعين البصيرة إلى تلك الأدلّة الكثيرة التي حذّرت الاُمة من العواقب الوخيمة لمخالفتها الرسول(صلى الله عليه وآله) في أوامره ونواهيه, وتناست ما روته عنه (صلى الله عليه وآله): ((لا ترجعوا بعدي كفاراً...))(١).

وحسبنا أن نتبصر قوله تعالى:{أفَمَنْ يَهْدِي إلَى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي إلا أنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}(٢) وكتاب الله شاهد على هذه الاُمة، كيف لا وقد جعله النبي(صلى الله عليه وآله) أحد خليفتين له فقال: ((إنّي تارك فيكم خليفتين: كتاب الله عزّ وجلّ حبل ممدود ما بين السماء والأرض, وعترتي أهل بيتي, وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض)) وهذا هو حديث الثقلين(٣) .

وأحاديث الحوض تكفي في التحذير من مغبة الخلاف في استحداث الأحداث, التي أصابت المسلمين بانتكاسة بعد موته (صلى الله عليه وآله), فتنازعتهم الأهواء, ولست أدعو إلى تحميل التاريخ ما لا يطيق, ولا إلى تزييف الوقائع, ولكنّي أدعو _ والله شهيد على ما أقول _ أن ننظر إلى ما حلّ بأهل البيت من الفجائع, فنقول الحق من دون تمجيد الخالفين أو التنديد بالمخالفين, ثم لنرجع البصر كرتين, ونراجع الفكر مرتين, لنرى أيّ الفريقين أهدى سبيلاً, ولا نكون إلاّ كفقيه المستنصرية الذي اجتمع بالنقيب ابن طاووس الحسني في مشهد الإمامين الكاظم والجواد ٨ فأبصره الحق فاستبصر, وليكن حديثه مسك الختام, فقد ذكره النقيب في كتابه كشف المحجة(٤)، قال رحمه الله تعالى يخاطب ولده:

١ - شرح النووي على صحيح مسلم باب بيان معنى قول النبي (صلى الله عليه وآله): (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض) ٣: ٥٥ .

٢- يونس: ٣٥.

٣- الدر المنثور ٢: ٢٨٥.

٤- كشف المحجة: ٧٦.

٥٣٢

واعلم يا ولدي إنّي كنت في حضرة مولانا الكاظم (عليه السلام) والجواد (عليه السلام) , فحضر فقيه من المستنصرية كان يتردد عليَّ قبل ذلك اليوم, فلما رأيت وقت حضوره يحتمل المعارضة له في مذهبه, قلت له : يا فلان ما تقول لو انّ فرساً لك ضاعت منك وتوصلت إلى ردها إليَّ, أو فرساً لي ضاعت منّي وتوصلت في ردها إليك, أما كان ذلك حسناً أو واجباً؟

فقال: بلى.

فقلت له: قد ضاع الهدى إمّا منّي وإمّا منك, والمصلحة أن ننصف من أنفسنا, وننظر ممن ضاع الهدى فنرده عليه.

فقال: نعم.

فقلت له: لا أحتج بما ينقله أصحابي لأنّهم متهمون عندك, ولا تحتج بما ينقله أصحابك لأنّهم متهمون عندي أو على عقيدتي, ولكن نحتج بالقرآن, أو بالمجمع عليه من أصحابي وأصحابك, أو بما رواه أصحابي لك, وبما رواه أصحابك لي.

فقال لي: هذا انصاف. فقلت له: ما تقول فيما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما؟ فقال: حق بغير شك.

فقلت: فهل تعرف أنّ مسلماً روى في صحيحه عن زيد بن أرقم انّه قال ما معناه: انّ النبي(صلى الله عليه وآله) خطبنا في (خم) فقال: أيّها الناس إنّي بشر يوشك أن أدعى فاُجيب, وإنّي مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي , اذكركم الله في أهل بيتي, اذكركم الله في أهل بيتي, اذكركم الله في أهل بيتي(١) .

فقال: هذا صحيح.

فقلت: وتعرف انّ مسلماً روى في صحيحه في مسند عائشة أنّها روت عن

١ - صحيح مسلم ٧: ١٢٢ _ ١٢٣, وتفسير ابن كثير ٤: ١١٤ في سورة الشورى، وراجع كتاب (علي إمام البررة) ١: ٢٩٢.

٥٣٣

النبي(صلى الله عليه وآله) انّه لما نزلت آية: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}(١) فجمع علياً وفاطمة والحسن والحسين:, فقال: هؤلاء أهل بيتي(٢) .

فقال: نعم هذا صحيح.

فقلت له : تعرف انّ البخاري ومسلماً رويا في صحيحيهما انّ الأنصار اجتمعت في سقيفة بني ساعدة ليبايعوا سعد بن عبادة, وانّهم ما نفذوا إلى أبي بكر ولا عمر, ولا إلى أحد من المهاجرين, حتى جاء أبو بكر وعمر وأبو عبيدة لما بلغهم في اجتماعهم, فقال لهم أبو بكر: قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين _ يعني عمر وأبا عبيدة _ فقال عمر: ما اتقدم عليك, فبايعه عمر وبايعه من بايعه من الأنصار, وانّ علياً(عليه السلام) وبني هاشم امتنعوا من المبايعة ستة أشهر(٣).

وأنّ البخاري ومسلماً قال _ فيما جمعه الحميدي من صحيحيهما _: وكان لعليّ(عليه السلام) وجه بين الناس في حياة فاطمة(عليها السلام) فلما ماتت فاطمة(عليها السلام) بعد ستة أشهر من وفاة النبي(صلى الله عليه وآله) انصرفت وجوه الناس عن علي(عليه السلام), فلما رأى علي انصراف وجوه الناس عنه خرج إلى مصالحة أبي بكر(٤)!

فقال: هذا صحيح.

فقلت له: ما تقول في بيعة تخلف عنها أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذين قال عنهم انّهم الخلف من بعده وكتاب الله جل جلاله, وقال (صلى الله عليه وآله) فيهم: اُذكركم الله في أهل بيتي, وقال عنهم انّهم الذين نزلت فيهم آية الطهارة, وانّهم ما تأخروا مدة يسيرة حتى يقال انّهم تأخروا لبعض الاشتغال, وإنّما كان التأخر للطعن في خلافة أبي بكر بغير إشكال في مدة ستة أشهر, ولو كان الإنسان تأخر عن غضب

١ - الأحزاب:٣٣.

٢- صحيح مسلم ٧: ١٣٠.

٣- راجع ما ذكره البخاري ومسلم في النصوص التي مر ذكرها عنهما.

٤- تقدم ذلك عن البخاري وغيره, راجع النصوص التي مرت آنفاً.

٥٣٤

برد غضبه، أو عن شبهة زالت شبهته بدون هذه المدة, وانّه ما صالح أبا بكر على مقتضى حديث البخاري ومسلم إلاّ لما ماتت فاطمة٨ ورأي انصراف وجوه الناس عنه خرج عند ذلك إلى المصالحة, وهذه صورة حال تدل على انّه ما بايع مختاراً, وانّ البخاري ومسلماً رويا في هذا الحديث, انّه ما بايع أحد من بني هاشم حتى بايع علي(عليه السلام)!

فقال: ما اقدم على الطعن في شيء قد عمله السلف والصحابة.

فقلت له: فهذا القرآن يشهد بأنّهم عملوا في حياة النبي(صلى الله عليه وآله) وهو يرجى ويخاف, والوحي ينزل عليه بأسرارهم في حال الخوف وفي حال الأمن وحال الصحة والإيثار عليه ما لا يقدروا أن يجحدوا الطعن عليهم به, وإذا جاز منهم في حياته وهو يرجى ويخاف, فقد صاروا أقرب إلى مخالفته بعد وفاته, وقد انقطع الرجاء والخوف منه وزال الوحي عنه.

فقال: في أيّ موضع من القرآن؟

فقلت: قال الله جل جلاله في مخالفتهم في الخوف: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ }(١) فروى أصحاب التواريخ انّه لم يبق معه إلاّ ثمانية أنفس, علي, والعباس, والفضل, وربيعة, وأبو سفيان ابناالحارث بن عبدالمطلب, واُسامة بن زيد، وعبيدة بن اُم أيمن، وروي أيمن بن اُم أيمن(٢).

وقال الله جل جلاله في مخالفتهم له في الأمن: { وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}(٣) .

١ - التوبة: ٢٥.

٢- راجع كتاب علي إمام البررة ٣: ١٩٠.

٣- الجمعة: ١١.

٥٣٥

فذكر جماعة من المؤرخين انّه كان يخطب يوم الجمعة, فبلغهم أنّ جمالاً جاءت لبعض الصحابة من مزينة, فسارعوا إلى مشاهدتها وتركوه قائماً, وما كان عند الجمال شيء يرجون الانتفاع به, فما ظنّك بهم إذا حصلت خلافة يرجون نفعها ورياستها؟

وقال الله تعالى في سوء صحبتهم ما قال الله جل جلاله:{ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ}(١) .

ولو كانوا معذورين في سوء صحبتهم ما قال الله جل جلاله: { فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ }وقد عرفت في صحيحي مسلم والبخاري معارضتهم للنبي (صلى الله عليه وآله) في غنيمة هوازن لما اعطى المؤلّفة قلوبهم أكثر منهم (٢).

ومعارضتهم له لما عفا عن أهل مكة, وتركه تغيير الكعبة واعادتها إلى ما كانت في زمن إبراهيم(عليه السلام) خوفاً من معارضتهم له (٣) , ومعارضتهم له لما خطب في تنزيه صفوان بن المعطل لما قذف عائشة, وانّه ما قدر أن يتم الخطبة(٤), أتعرف هذا جميعه في صحيحي مسلم والبخاري؟

فقال: هذا صحيح.

فقلت: وقال الله جل جلاله في ايثارهم عليه القليل من الدنيا: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً}(٥) وقد عرفت انّهم امتنعوا من مناجاته ومحادثته لأجل التصدق برغيف وما دونه, حتى تصدّق علي بن أبي طالب(عليه السلام) بعشرة دراهم عن عشر دفعات ناجاه فيها, ثم نسخت

١ - آل عمران: ١٥٩.

٢- راجع سيرة ابن هشام ٢: ٤٩٩ .

٣- المصدر نفسه ٢: ٣٠٠ _ ٣٠١.

٤- المصدر نفسه.

٥- المجادلة: ١٢.

٥٣٦

الآية بعد أن صارت عاراً عليهم, وفضيحة إلى يوم القيامة بقوله جل جلاله: {ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ}(١).

فإذا حضرت يوم القيامة بين يدي الله جل جلاله وبين يدي رسوله (صلى الله عليه وآله), وقال لك: كيف جاز لك أن تقلد قوماً في عملهم وفعلهم وقد عرفت منهم مثل هذه الاُمور الهائلة, فأيّ عذر وأيّة حجة تبقى لك عند الله وعند رسوله في تقليدهم, فبهت وحار حيرة عظيمة.

فقلت له: أما تعرف في صحيحي البخاري ومسلم في مسند جابر بن سمرة وغيره انّ النبي(صلى الله عليه وآله) قال في عدة أحاديث: ((لا يزال هذا الدين عزيزاً ما وليهم اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش)) (٢).

وفي بعض أحاديثه عليه وآله السلام من الصحيحين: ((لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش))(٣).

وأمثال هذه الألفاظ كلها تتضمن هذا العدد الاثني عشر, فهل تعرف في الإسلام فرقة تعتقد هذا العدد غير الإمامية الاثني عشرية, فإن كانت هذه أحاديث صحيحة كما شرطت على نفسك في تصحيح ما نقله البخاري ومسلم, فهذه مصححة لعقيدة الإمامية, وشاهد بصدق ما رواه سلفهم, وإن كانت كذباً فلأيّ حال رويتموها في صحاحكم؟

فقال: ما أصنع بما رواه البخاري ومسلم من تزكيته أبي بكر وعمر وعثمان, وتزكية تابعهم؟

فقلت له : أنت تعرف انّني شرطت عليك أن لا تحتج عليَّ بما ينفرد به

١ - المجادلة: ١٣.

٢- صحيح مسلم, باب الناس تبع لقريش, ومسند أحمد ٥: ٩٨، وفتح الباري ١٣: ٢١١.

٣- صحيح مسلم كتاب الامارة, وفتح الباري ١٣: ٢١١.

٥٣٧

أصحابك, وأنت أعرف انّ الإنسان ولو كان من أعظم أهل العدالة بمهما شهد من الاُمور مما يقبل فيه شهادة أمثاله قبلت شهادته, والبخاري ومسلم يعتقدان إمامة هؤلاء القوم, فشهادتهم شهادة بعقيدة نفوسهم, ونصرة لرياستهم ومنزلتهم.

فقال: والله ما بيني وبين الحق عداوة, ما هذا إلاّ واضح لا شبهة فيه, وأنا أتوب إلى الله تعالى بما كنت عليه من الاعتقاد... .

قال السيد النقيب: فلما فرغ من شرط التوبة إذا رجل من ورائي قد أكبّ على يدي يقبّلها ويبكي, فقلت من أنت؟ فقال: ما عليك اسمي, فاجتهدت به حتى قلت: فأنت الآن صديق أو صاحب حق, فكيف يحسن لي أن لا أعرف صديقي وصاحب حق عليَّ لاُكافيه, فامتنع من تعريف اسمه, فسألت الفقيه الذي في المستنصرية فقال: هذا فلان ابن فلان من فقهاء النظامية, سهوت عن اسمه الآن.

وبهذا أنهى السيد ابن طاووس كلامه, فرحمة الله عليه وأعلى مقامه.

٥٣٨

٣- رثاء المحسن السبط السِقط بدمعة ساخنة

دمعة ولاء حمراء على المحسن حبيب الزهراء (عليها السلام)


(للمحسن السقط) حقٌ لو توفّيه(فالمحسن السبط) مظلوم لتبكيه
ميلاده كان رزءاً حين نذكرهللمصطفى جدّهِ حقاً نعزّيه
فابن البتولة لا ذكرى تقامُ لهورزؤه رزؤها مذ أُثكلت فيه
مولى هو الفذ في الدنيا بأجمعهافلا شبيه له فيها يوازيه
في أشهر الحمل ستاً نيّفت فعلتعلى السنين جهاداً حيث ترويه
من يومه بان وجه الزيف في صُحفٍتُملى وتُتلى كما يرويه راويه
لولا رزيّته في يوم هجمتهملم يعرف الناس مولى من أعاديه

***


إيهاً بني لُحمة التاريخ نوّلهانيل الولاة وأيديكم تسدّيه
ماذا جرى رحلة المختار مبدؤهاأين انتهت؟ آخر الأنباء تحكيه
فقلتمُ غاب صحبٌ عن جنازتهفأين راحوا؟ ولم غابوا؟ لنرويه
تصاهلت زمرُ الأطماع في زجللخدمة الحكم تشويهاً بتمويه
وكان للأصفر الرنّان رنّتهعجينة الفكر مطبوعاً بتشويه
فربّما حَدَثٌ قد جاء مبتراًلموقف الحق عن عمدٍ ليطويه
قالوا بنو قيلة ضمّت سقيفتهمعناصر الشر إذ سعداً تناحيه
فأسرع النفر الثالوث مقتنصاًطيرَ الشواهين ما اصطادت لتلقيه
وقد جرى ما جرى والكلّ يعلمهعلم اليقين بلا زيف وترويه

٥٣٩

إنّ الأولى أسرعوا عافوا نبيّهمُلم يحضروا الغسل لا دفناً يواريه
من ذا تولّى؟ لذا قالت روايتكمما كان غير أبي السبطين يكفيه
قلتم عليٌ وأهلوه به اضطلعوانفسي فداء عليٍ ثم أهليه
ما بارحوا حجرة طابت معالمُهاوطاب تربٌ أجنّ المصطفى فيه
وخيّم الحزنُ في الأجواء جلّلهخوف الغزاة لبيت مَن يحاميه؟
إذ أضمروا الحقد في غلواء أنفسهمأنّى عليٌّ له المختار يعليه
منذ الغدير فقد جاشت مراجلهمواستضعفوا حيدراً مذ غاب حاميه
شاهت وجوههم رغماً معاطسهملولا الوصية مَن يقوى يدانيه

***


يا (محسن السقط) في الدنيا ونرثيهأنت (المحسَّن) في الأخرى نرجّيه
حدّث فديتك مظلوماً أفدّيهسِفر الشهادة بدءاً أنت ترويه
ياثالثاً شرف الأسباط سابقهاسبق الشهادة جلّى في معاليه
ياأولاً لضحايا العُنف أسّسهحكمُ الأولى لم تزل تترى تواليه
يامنية العمر عند الأم ترقبهكيما تهدهده مهداً تناغيه
فصرت أول مظلوم قضيت وقدنلت الشهادة حملاً شُلّ جانيه
حدث فديتك بعض النثّ تبديهليكشف الزيف ما التاريخ يطويه
ماذا لقيت من الأصحاب حين أتواصحابةٌ ظلمت جَداً ذراريه
جاءت لبيتكمُ تغلي مراجلُهاوألقت الجزلَ عند الباب توريه
خابت ظنون بني الأحقاد إذ حسبتبجمرة الحقدِ نور الله تطفيه
وجاوزوا الحدّ ضرب الطهر سوط جفاوعصرَها لَمصابٌ أنت تدريه
فأسقطتك على الترباء من وَجَلٍبزحم قنفذ ياويلي مَواليه
يابن البتولة والجلى تؤرّقهاقد هدّ حملُك من صبرٍ رواسيه

٥٤٠