×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

المحسن السبط مولود أم سقط / الصفحات: ٥٦١ - ٥٨٠

أدري من أين جاؤوا به فكتبوه.

وأمّا النقطة العاشرة: في مغايرة أسلوب الكتاب للمألوف من أسلوب ابن قتيبة في بقية كتبه, وهذه دعوى لم يأت عليها بشاهد من مقارنة بين الإسلوبين في عرض موضوع واحد ورد في الإمامة والسياسة كما ورد في أحد كتب ابن قتيبة الاُخرى, وبينهما من التغاير ما يثبت ذلك.

وأخيراً مهما كانت تلك النقاط ذات دلالة على نفي النسبة إلى ابن قتيبة, إلاّ انّه توجد في الكتاب إشارات ذات دلالة أيضاً على صحة نسبة الكتاب إلى ابن قتيبة, فقد ورد في ثلاثة مواضع وهي:

١ _ قال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة, راجع ص ٣ في أول الكتاب.

٢ _ وقال عبد الله بن مسلم, راجع ص ٢٦ من الجزء الأول.

٣ _ وقال عبد الله بن مسلم, راجع ص ٧٣ من الجزء الأول.

موقف المستشرقين من الكتاب:

قلنا قريباً انّ المستشرق (غاينفوس المجريطي) هو أول من أعلن تشكيكه في نسبة الكتاب إلى ابن قتيبة, وتبعه غيره, منهم دوزي, وقد لخّص مواقفهم من الكتاب الاستاذ محمد عبد الله عنان في كتابه دولة الإسلام في الأندلس من الفتح إلى بداية عهد الناصر(١), فقال:

وردت هذه التفاصيل في كتاب (الإمامة والسياسة) المنسوب إلى ابن قتيبة, ومع انّ هذه النسبة يحيط بها كثير من الشك, فانّ الكتاب يتضمن كثيراً من الأخبار والتفاصيل المفيدة عن رجالات الإسلام في عصر الخلفاء الراشدين والدولة الأموية.

وقد اعتبره المستشرق الأسباني جاينجوس قديماً وصحيحاً, وان كان يشك

١ - دولة الإسلام: ٢٤ / الهامش رقم: ٢.

٥٦١

في نسبته لابن قتيبة لعدة أسباب وجيهة, وانتفع به المستشرق الألماني قايل والمستشرق الايطالي أماري.

ويرى دوزي انّ الكتاب غير قديم وغير صحيح, وانّه يحتوي أخطاء تاريخية وروايات خيالية غير معقولة, وعلى ذلك فلا يمكن أن يكون ابن قتيبة صاحب هذا التصنيف الضعيف.

ويرى المستشرق هاماكر ويوافقه دوزي انّ هذا الكتاب وأمثاله من الكتب التاريخية الحماسية (مثل الكتب التي نسبت للواقدي) قد ألّفت أيام الحروب الصليبية, لبثّ الحماس في نفوس المسلمين, وتذكيرهم بمجد أسلافهم وبطولتهم الخارقة, راجع دوزي. انتهى كلام الاستاذ عنان.

أقول: ومع كل ما سبق من تشكيك ساقوه، وخصوصاً ما قاله دوزي وهاماكر من انّه لبثّ الحماس الديني, فلماذا اعتنى بطبع الكتاب غير واحد منهم؟

فقد نشره المستشرق الألماني نولدكه في سنة ١٨٨٦ م, راجع كتاب المستشرقون لنجيب عقيقي(١), ونشره أيضاً المستشرق دي خويه في مجلة الدراسات الشرقية سنة ١٩٠٧(٢).

واعتنى المستشرق ريبيرا أي فواجو الأسباني بترجمة فتوح الأندلس لابن الفوطية _ وكان قد نشره جاينجوس وسابيدرا _ مع اضافات من كتاب الإمامة والسياسة, وطبع في مدريد سنة ١٩٢١م.

وللمستشرق بيريس بحث بعنوان كتاب الإمامة والسياسة في نظر ابن قتيبة نشره في المجلة الطرابلسية/١٩٣٤ م إلى غير هؤلاء, فإذا كان الكتاب من الكتب التاريخية الحماسية لبثّ الحماس في نفوس المسلمين... فنشره مكرراً خلاف

١ - المستشرقون: ٧٤٠.

٢- المصدر نفسه: ٦٦٦.

٥٦٢

مصلحة الصليبيين, فما بالهم يتهافتون على نشره وترجمته.

ثم إنّا نقول لهم ولكل مشكك, بانّه مهما يمكن أن يقال _ وقد قيل _ في مناقشات النسبة, سواء صحت أم لم تصح, ومهما كان الحق في هذه المسألة التي ما زالت بين الأخذ والرد, فانّ اعتماد روايات الكتاب ليس من الأهمية والخطر في التاريخ الإسلامي حتى يحتاج إلى بذل مزيد من الجهد للاستقصاء وقول الكلمة الفاصلة, ما دام المذكور في الكتاب ليس بدعاً في التاريخ, بل هناك تواريخ اُخرى تذكره على تفاوت في الاجمال والتفصيل.

وحسب المثبتين متابعة من سبقهم من أعلام المحدّثين والمؤرخين ممن أخذوا من الكتاب وصرحوا بنسبته إلى ابن قتيبة, وقد مرّ بنا ان ابن الشبّاط (ت٦٨١هـ) نقل عنه, وكذلك ابن فهد المكي (ت ٨٨٥ هـ) نقل عنه في كتابه (اتحاف الورى بأخبار اُم القرى) ومثله _ فيما أرى _ ابن حجر الهيتمي المكي (ت ٩٧٤ هـ) في كتابه (تطهير الجنان وتنزيه اللسان) المطبوع بهامش كتابه الصواعق المحرقة حيث قال(١):

(ومع تآليف صدرت من بعض المحدّثين كابن قتيبة مع جلالته القاضية بانّه كان ينبغي له أن لا يذكر تلك الظواهر, فان أبى إلاّ ذكرها, فليبيّن جريانها على قواعد أهل السنّة حتى لا يتمسّك مبتدع أو جاهل بها).

وهذا القول من ابن حجر يريد به ما ذكره ابن قتيبة في كتاب (الإمامة والسياسة) بدون شك أو ريب, لانّه قد ذكر فيه ما شجر بين الصحابة, وهذا ما غاظ ابن حجر, إذ ليس في باقي كتب ابن قتيبة ما يشير إليه ابن حجر.

إذن فالكتاب يعرفه لمؤلفه ابن قتيبة غير واحد من قدامى ومحدثين, وقد مرّت أسماء بعضهم قبل هذا, وحبّذا لو أعيدت طباعته محققاً تحقيقاً كاملاً

١ - تطهير الجنان بهامش الصواعق: ٩٤.

٥٦٣

شاملاً لوجه العلم لا للتجارة.

ولنختم الكلام في المقام بذكركلمة قيّمة لابن قتيبة:

قال في كتابه (الاختلاف في اللفظ والردّ على الجهمية والمشبّهة)(١) ما يلي: وقد رأيت هؤلاء _ يعني الجهمية والمشبّهة _ أيضاً حين رأوا غلوّ الرافضة في حبّ علي, وتقديمه على من قدّمه رسول الله(صلى الله عليه وآله), وصحابته عليه وادعاءهم له شركة النبي(صلى الله عليه وآله) في نبوّته؟ وعلم الغيب للأئمة من ولده, وتلك الأقاويل والأمور السرية التي جمعت إلى الكذب والكفر افراط الجهل والغباوة, ورأوا شتمهم خيار السلف وبغضهم وتبرّأهم منهم, قابلوا ذلك أيضاً بالغلوّ في تأخير علي كرّم الله وجهه وبخسه حقه, ولحنوا في القول وإن لم يصرّحوا إلى ظلمه, واعتدوا عليه بسفك الدماء بغير حق, ونسبوه إلى الممالاءة على قتل عثمان, وأخرجوه بجهلهم من أئمة الهدى إلى جملة أئمة الفتن, ولم يوجبوا له اسم الخلافة لاختلاف الناس عليه, وأوجبوها ليزيد بن معاوية لاجماع الناس عليه, واتهموا من ذكره بغير خير.

وتحامى كثير من المحدّثين أن يحدثوا بفضائله كرّم الله وجهه, أو يظهروا ما يجب له(٢), وكل تلك الأحاديث لها مخارج صحاح, وجعلوا ابنه الحسين(عليه السلام)

١ - الاختلاف في اللفظ: ٤٧.

٢- وابن قتيبة كان شهر بالانحراف بالنظر إلى عدم تثبته في نقل ما شجر بين الصحابة رضي الله عنهم في مؤلفاته السابقة, بحيث يشفّ من ثنايا نقوله الانحراف والنُصب, حتى ان الحافظ ابن حجر قال في حق حمل السلفي كلام الحاكم فيه على المذهب انّ مراد السلفي بالمذهب النصب, فان في ابن قتيبة انحرافاً عن أهل البيت والحاكم على ضد من ذلك أ هـ . وهنا يردّ على النواصب بما يرضي الله ورسوله كما ترى, عفا الله عما سلف وفي ذلك عبرة بالغة. وانحراف المتوكل عن علي كرّم الله وجهه وتقريبه للمنحرفين عنه بعد رفع المحنة مما جعل للنواصب سوقاً تروج فيها أهواؤهم ومروياتهم عند كثير من أهل الحديث, حتى أخذ يتقمص النواصب في أزياء أهل الحديث, وأصبح رجال الخوارج في موضع التجلّة والتعويل في كتبهم مدى القرون بعد أن كانوا مهجورين لبغضهم عليًاً كرّم الله وجهه, وقد ورد: (لايبغضك إلاّ منافق) ولشقهم عصا المسلمين في أحرج وقت, ولاتزال نتائج ذلك ماثلة أمام أعين المتبصرين مما فيه ذكريات أليمة لا نريد الولوج في مضايقها, مكتفين بهذه الإشارة الوجيزة وفّر المصنف الكلام حقه في ذلك. (عن هامش الأصل).

٥٦٤

خارجياً شاقاً لعصا المسلمين حلال الدم, لقول النبي(صلى الله عليه وآله): ((من خرج على اُمتي وهم جميع فاقتلوه كائناً من كان)).

وسوّوا بينه في الفضل وبين أهل الشورى, لأن عمر لو تبيّن له فضله لقدّمه عليهم, ولم يجعل الأمر شورى بينهم, وأهملوا من ذَكَرَه أو روى حديثاً من فضائله, حتى تحامى كثير من المحدثين أن يتحدثوا بها, وعنوا بجمع فضائل عمرو بن العاص ومعاوية كأنّهم لا يريدونهما بذلك وإنّما يريدونه.

فان قال قائل: أخو رسول الله(صلى الله عليه وآله) علي, وأبو سبطيه الحسن والحسين, وأصحاب الكساء علي وفاطمة والحسن والحسين، تمعّرت الوجوه, وتنكّرت العيون, وطرت حسائك الصدور, وان ذكر ذاكر قول النبي(صلى الله عليه وآله): ((من كنت مولاه فعليّ مولاه)) و ((أنت منّي بمنزلة هارون من موسى)) وأشباه هذا, التمسوا لتلك الأحاديث المخارج لينتقصوه ويبخسوه حقه بغضاً منهم للرافضة, والزاماً لعليّ(عليه السلام) بسببهم ما لا يلزمه, وهذا هو الجهل بعينه.

والسلامة لك أن لا تهلك بمحبته ولا تهلك ببغضه, وأن لا تحتمل ضغناًَ عليه بجناية غيره, فإن فعلت فأنت جاهل مفرط في بغضه, وأن تعرف له مكانه من رسول الله(صلى الله عليه وآله) بالتربية والاُخوة والصهر والصبر في مجاهدة أعدائه, وبذل مهجته في الحروب بين يديه, مع مكانه في العلم والدين والبأس والفضل من غير أن تتجاوز به الموضع الذي وضعه به خيار السلف, لما تسمعه من كثير من فضائله, فهم كانوا أعلم به وبغيره, ولأنّ ما أجمعوا عليه هو العيان الذي لا يشك فيه, والأحاديث المنقولة قد يدخلها تحريف وشوب, ولو كان إكرامك لرسول الله(صلى الله عليه وآله) هو الذي دعاك إلى محبة من نازع علياً وحاربه ولعنه, إذ صحب

٥٦٥

رسول الله(صلى الله عليه وآله) وخدمه, وكنت قد سلكت في ذلك سبيل المستسلم, لأنت بذلك في علي(عليه السلام) أولى لسابقته وفضله وخاصيته وقرابته والدناوة التي جعلها الله بينه وبين رسول الله(صلى الله عليه وآله) عند المباهلة حين قال تعالى: {قُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ} فدعا حسناً وحسيناً {وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ} فدعا فاطمة(عليها السلام) {وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ}(١) فدعا علياً(عليه السلام), ومن أراد الله تبصيره بصّره, ومن أراد غير ذلك حيّره.

١ - آل عمران: ٦١.

٥٦٦

الملحق الثاني:

كتاب المعارف لابن قتيبة وما لحقه من تحريف وتخريف

لئن تطرّق الشك في نسبة كتاب الإمامة والسياسة إلى ابن قتيبة _ كما مرّ في الملحق الأول _ فإنّ كتاب المعارف لم يشك أحد في صحة نسبته إلى ابن قتيبة, لكنّه لحقه من التحريف والتخريف, ما يقف المرء عنده مبهوتاً, إذ لم يسلم من اختلاف الرواة, ولا من تحريف الجناة, ولا من تخريف التحقيق وجهل الناشرين الحفاة, ولم يكن هو الكتاب الوحيد من الكتب الذي طالته يد العبث من بعد مؤلفه. ولابد لنا من وقفة عنده لتسليط الضوء على بعض ما لحقه مما قلناه من تحريف وتخريف, وذلك من خلال ثلاث نقاط:

١_ اختلاف الرواة.

٢_ تحريف الجناة.

٣_ تخريف التحقيق وجهل الناشرين الحفاة.

أولاً ، اختلاف الرواة:

من النادر جداً أن يسلم كتاب من اختلاف بين روايات الرواة عن مؤلفه, نتيجة تفاوت الرواة في الفهم والضبط, لذلك تحصل الزيادة والنقصان, وهذا أمر معلوم, ولعل أوضح شاهد على ذلك هو كتاب الجامع الصحيح للبخاري, الذي يحظى باهتمام بالغ لدى كثير من المسلمين, حتى غالى بعضهم فقال: انّه أصح كتاب بعد كتاب الله.

ومع ذلك الاطراء والثناء, لم يسلم من آفة اختلاف الرواة عن صاحبه, وهذا

٥٦٧

ما نجده كشاهد عيان على هوامش صفحاته في جملة من طبعاته القديمة في الهند أو الاستانة أو مصر, حيث الهوامش مملوءة باختلاف نسخ الرواة, مرموز إلى أصحابها كالبري والكشميهني وأبي ذر وغيرهم, مع شدة الحرص وبذل الجهد في سبيل ضبط النص لاهتمام الأوائل بالقراءة والسماع على المؤلف.

ولم يكن كتاب المعارف لابن قتيبة مستثنى من وهن الاختلاف في الرواية, وعدم الضبط في صحة السماع من مؤلّفه, لذلك حصل التفاوت بين نسخ وروايات تلامذته, فتسبب ذلك في معاناة الباحث المحقق حين يجد النص تختلف رواية الرواة له, وكشاهد واحد على ذلك ما نقرأ خبره عند البُرّي التلمساني, وهو من رجال القرن السابع الهجري, ذكره في كتابه (الجوهرة في نسب النبي(صلى الله عليه وآله) وأصحابه العشرة)(١) قال: (وولد الحسين (رضي الله عنه) علياً الأكبر, اُمه مرة بنت عروة بن مسعود الثقفي, كذا قال محمد بن شبل في روايته كتاب المعارف عن موسى بن جميل عن ابن قتيبة مؤلفه. وفي رواية غير ابن شبل هي بنت مرة بن عروة بن مسعود, وقتل مع أبيه...).

وإذا راجعنا المطبوع من كتاب المعارف سواء الطبعة الاُولى بمصر سنة ١٣٥٣هـ , أو الطبعة الثانية بتحقيق الدكتور ثروت عكاشة, نجد النص هكذا: (وولد الحسين علياً واُمه بنت مرة بن عروة بن مسعود الثقفي)(٢) ولم يشر إلى الرواية الثانية من قريب أو بعيد.

ثانياً، تحريف الجناة:

لقد عبثت أيادٍ غير أمينة بكتاب المعارف لابن قتيبة فحرّفت ما وسعها ذلك, فطالت بعض النصوص بالزيادة والنقصان, والتغيير والتبديل, وهذا ما أخفى كثيراً من الحقائق عن أعين الناس, خصوصاً فيما يتعلّق بأنصار الخلافة في أحداث

١ - الجوهرة ٢: ٢٢٣.

٢- المعارف: ٢١٣.

٥٦٨

السقيفة وما بعدها, وللتدليل على هذا نذكر بعض الشواهد:

١ _ قال الحافظ ابن شهرآشوب السروي (ت ٥٨٨ هـ) في كتابه مناقب آل أبي طالب وهو يذكر أولاد فاطمة الزهراء (عليها السلام) قال: (وفي معارف القتبي أن محسناً فسد من زحم قنفذ العدوي). فهذا النص لا يوجد في المطبوع من كتاب المعارف في طبعاته الثلاث الأوربية والمصريتين.

والذي يؤكّد رواية ابن قتيبة له ما ذكره الحافظ الكنجي الشافعي (ت٦٥٨هـ) في كتابه كفاية الطالب في ذكر أولاد الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) نقلاً عن غير واحد من أهل السير, فذكر التفاوت فيما بين رواياتهم مقارناً ذلك بما رواه الشيخ المفيد موافقاً لهم ومنفرداً عنهم, إلى أن قال: وزاد على الجمهور وقال: (انّ فاطمة(عليها السلام) أسقطت بعد النبي ذكراً كان سمّاه رسول الله (صلى الله عليه وآله) محسناً)(١). ثم قال الكنجي الشافعي: (وهذا شيء لم يوجد عند أحد من أهل النقل إلاّ عند ابن قتيبة).

فهذا نحو تأكيد على وجود النص في كتاب المعارف كما نقله عنه ابن شهرآشوب, إذ لا نحتمل وجوده في بقية كتب ابن قتيبة _ لتغاير موضوعاتها عما ذكر _ غير المعارف إلاّ كتاب الإمامة والسياسة فهو وإن كان أقرب احتمالاً, إلاّ انّ هذا ليس فيه النص المذكور.

وليس من المعقول ولا من المقبول إتهام ابن شهرآشوب والكنجي بالتواطؤ في التقوّل على ابن قتيبة, لاختلافهما مذهباً ومشرباً وزماناً ومكاناً, مضافاً إلى ما نجده في كتب الرجال والتراجم من جميل الثناء عليهما ممن لا يتهم فيهما بمحاباة.

٢ _ جاء في كتاب (الأربعون العشارية) (٢) لعبد الرحيم بن الحسين العراقي

١ - كفاية الطالب: ٤١٣.

٢- الأربعون العشارية ١: ١٧٤.

٥٦٩
 كتاب المحسن السبط مولود أم سقط السيد محمّد مهدي السيد حسن الموسوي الخرسان (ص ٥٧٠ - ص ٥٩٦)
٥٧٠

٣ _ جاء في كتاب عمدة القارئ في شرح صحيح البخاري للعيني(١) :

وقال ابن قتيبة في المعارف (كان عبيد الله (يعني ابن موسى بن باذام) يسمع ويروي أحاديث منكرة, فضُعف بذلك عند كثير من الناس).

وإذا قارنا بين هذا وبين الموجود في المطبوع محققاً من المعارف نجد تحريفاً غير مستساغ فقد جاء في ص ٥١٩: عبيد الله بن موسى بن باذام... وكان يقرأ القرآن في مسجده, ويتشيّع , ويروي في ذلك أحاديث منكرة, فضُعف بذلك عند كثير من الناس).

فمن ذا الذي غيّر كلمة (ويُسمّع) إلى كلمة (ويتشيّع) .

٤ _ جاء في كتاب تهذيب الأسماء واللغات للنووي(٢) (ت ٦٧٦) :

أ _ وقال ابن قتيبة في المعارف: كان عبد الله بن جعفر أجود العرب, وأخبار أحواله في السخاء والجود والحلم مشهورة لا تحصى, ومما روينا عنه انّه أقرض الزبير بن العوام ألف ألف درهم, فلما قتل الزبير قال عبد الله بن الزبير لعبد الله بن جعفر وجدت في كتب أبي أن له عليك ألف ألف درهم, فقال هو صادق: فاقبضها إذا شئت, ثم لقيه فقال: يا أبا جعفر إنّي وهمت المال لك على أبي, قال: فهو لك, قال: لا اُريد ذلك, قال: فإن شئت فهو لك وإن كرهت ذلك فلك فيه نظرة ما شئت.

وهذا النص لا يوجد منه في ص ٢٠٦ ط محققة إلاّ قوله: (وأمّا عبد الله بن جعفر, فكان يكنى أبا جعفر, ولد بالحبشة, وكان أجود العرب).

ب _ وجاء أيضاً في تهذيب الأسماء واللغات(٣):

قال ابن قتيبة: ولد عبد الله بن جعفر سبعة عشر ابناً وبنتين, وهم جعفر الأكبر

١ - عمدة القاري ١: ١١٨.

٢- تهذيب الأسماء واللغات ١: ٣٦٣.

٣- المصدر نفسه ١: ٢٦٤.

٥٧١

وعلي وعون الأكبر وعباس واُم كلثوم, اُمهم زينب بنت علي بن أبي طالب من فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله).

ومحمد وعبيد الله وأبو بكر اُمهم الخوصاء بنت حفصة أحد بني تيم بن ثعلبة.

وصالح وموسى وهارون ويحيى واُم أبيها اُمهم ليلى بنت مسعود بن خالد النهشلي تزوجها بعد علي بن أبي طالب.

ومعاوية وإسماعيل وإسحاق والقاسم لاُمهات أولاد.

والحسن وعون الأصغر اُمهما جمانة بنت المسيب الفزارية).

وقد جاء النص في كتاب المعارف /٢٠٧ ط محققة بتفاوت يسير مما يمكن حمله على اختلاف النسخة من جهة الرواة.

ومما ينبغي التنبيه عليه أن كثيراً من النقول عن كتاب المعارف لابن قتيبة في عدة مصادر كالصحاح للجوهري من المصادر اللغوية, وتهذيب الأسماء واللغات للنووي في التراجم واللغة,وعمدة القارئ للعيني في الحديث وغيرها, يمكن أن تراجع على المطبوع من المعارف محققاً للمقارنة, وإثبات ما لم يوجد فعلاً فيه فيضاف إلى المطبوع بعنوان نصوص ضائعة من كتاب المعارف, وهذا جهد غير مضاع, لما فيه من كثير فائدة وجميل عائدة.

ثالثاً، تخريف التحقيق وجهل الناشرين الحفاة:

لقد طبع كتاب المعارف لابن قتيبة حتى اليوم _ فيما أعلم _ ثلاث مرات, أولها طبعة أوربا نشرها المستشرق الألماني (وستنفلد) سنة ١٨٥٠ م ولم أطلع عليها, وإنّما ذكرتها استناداً إلى بحث صديقنا المرحوم الدكتور مصطفى جواد (ت١٣٩٠هـ) في مجلة المجمع العلمي العراقي(١), وثاني طبعاته سنة ١٣٥٣ بالمطبعة الإسلامية بمصر, تجد تعريفها في البحث المذكور آنفاً. وثالث الطبعات هي بتحقيق الدكتور ثروت عكاشة (وزير الثقافة والإرشاد القومي في

١ - مجلة المجمع العلمي العراقي ٩: ٤٣٣.

٥٧٢

الجمهورية العربية المتحدة) وكان بحث الدكتور مصطفى جواد حول هذه الطبعة, فقد تناولها نقداً وتصحيحاً ومؤاخذة في أكثر من مائة مورد, ومع بالغ جهده فقد زاغت عنه موارد اُخرى, استدركتها عليه وكتبتها على هامش نسختي من المجلة المذكورة وسأذكرها بعدُ.

ولما كان الدكتور المحقق العكاشي _ كما سمّاه الدكتور الناقد _ قد بذل جهداً مشكوراً ومذكوراً في مقدمة الكتاب وتحقيقه المتن, ومع ذلك فذاك مبلغ علمه, ولا اُريد انتقاص الرجل حين أقول: لم يكن فارس ميدان, ولا راجلاً تخلف بالركبان, حتى ظننت أنّه قد استعان ببعض تلامذته, فتولوا له المراجعة وكتبوا التحقيق باسمه, ومهما يكن فإنّ الجواد يكبو والصارم ينبو. {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْم عَلِيمٌ}(١).

والآن إلى شواهد مما فاته من بسائط المعرفة في التحقيق, وهي مما زاغ عنه نظر المرحوم الدكتور الناقد أيضاً, فالحق أن يجعلا معاً شريكين في هذه الملاحظة وعدلي ميزان في هذه الغفلة.

أ _ جاء في المقدمة ص ١٤ ذكر أبي عبيدة معمّر بن المثنى ومصنفاته فقال العكاشي المحقق:

(ولم يصلنا من هذه - يعني كتبه - كلها إلاّ كتاب نقائض جرير والفرزدق)؟ هذا ولم يعقّب الدكتور الناقد بشيء على ذلك. وهذا من الغريب جداً منهما معاً, فإنّ لأبي عبيدة من المصنفات المطبوعة في مكتبتي _ على قلة ما تحويه _ ثلاثة كتب مطبوعة ومحققة هي:

١ _ كتاب (العققة والبررة) حققه الاستاذ عبد السلام محمد هارون, وطبعه سنة ١٣٧٣ هـ ضمن (نوادر المخطوطات)(٢) .

١ - يوسف: ٧٦.

٢- نوادر المخطوطات ٢: ٣٢٩ _ ٣٧٠.

٥٧٣

٢ _ كتاب (مجاز القرآن) حققه الاستاذ فؤاد سزگين في جزئين طبع بمصر, الأول سنة ١٣٧٤ هـ , والثاني سنة ١٣٨١ هـ. .

٣ _ كتاب (الخيل) من مطبوعات حيدر آباد الدكن في الهند سنة ١٣٥٨ هـ.

ب _ ومن ذلك ما جاء في الحديث عن الخليل بن أحمد الفراهيدي في صفحة ١٨ من المقدمة عند ذكر مؤلفاته, فذكر أسماءها وختم المحقق قوله: (وهذا كله قد ضاع)؟

وهذا أيضاً من غرائبه, إذ لم يكلف نفسه بالسؤال عن نسخة كتاب العين للخليل أشهر كتبه مع وجودها, وطبع جزء منه يومئذٍ, وأغرب من ذلك غفلة الاستاذ الناقد عن التنبيه عليه, وهو أحد أعضاء اللجنة التي زارت النجف الأشرف, وزارت المرحوم ا لعلاّمة الكبير الشيخ السماوي;, فاشترت منه مجموعة نادرة من كتبه كان منها نسخة كتاب العين على ما ببالي.

ج _ ومن ذلك ما جاء في الحديث عن مُؤَرِّج السدوسي في صفحة ١٨ من المقدمة, فذكر المحقق له أربعة كتب سمّاها وقال: (وله كتب اُخرى غيرها لم يصلنا منها شيء).

وهذا أيضاً من غرائبه, إذ لم يعلم بوجود (كتاب الأمثال) لمؤرّج السدوسي في مكتبة الاسكوريال,كما فاته التنبيه على ذكر كتاب في نسب قريش لمؤرّج المطبوع باسم (حذف من نسب قريش) حققه الدكتور صلاح الدين المنجّد, وطبعه سنة ١٩٦٠ م.

د _ ومن ذلك ما يتعلق بترجمة ابن قتيبة, فقد ذكر تلاميذه, وفاته ذكر موسى بن جميل الذي روى كتاب المعارف عن مؤلفه ابن قتيبة, ورواه عنه محمد بن شبل وآخرون, بتفاوت النقل عنه, كما مرت الإشارة إلى ذلك باقتضاب.

هـ _ جاء في ص ٢١١ من الكتاب مايلي: (بنات علي (رضي الله عنه), فأما زينب الكبرى... وأمّا اُم كلثوم الكبرى وهي بنت فاطمة, فكانت عند عمر بن

٥٧٤

الخطاب, وولدت له أولاداً قد ذكرناهم, فلما قتل عمر تزوجها جعفر بن أبي طالب فماتت عنه).

وهذه طامة ما بعدها من طامة, وغلط فاحش لا يمكن الاعتذار عنه بوجه, حيث لم يتفطن إلى ان جعفر بن أبي طالب هو عم اُم كلثوم, فكيف يصح القول انّه تزوجها (؟) وأيّ مسلم تخفى عليه آية التحريم: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ...} الآية(١).

ولما كانت اُم كلثوم قد تزوجها بعد عمر ابن عمها محمد بن جعفر بن أبي طالب, فاحتملنا أن يكون هناك سقط مطبعي, فلاحظنا جدول التصحيح في آخر الكتاب, فلم نجد التنبيه عليه, وهذا أيضاً عجيب غريب.

و _ جاء في ص ٢١٣ من الكتاب (وقَتَلَ إبراهيم بـ (باخمرا) على ستة عشر فرسخاً من الكوفة).

هكذا ورد النص في المتن بإعراب (قَتَل) مبني للمعلوم, بينما الصحيح (قُتِل) مبني للمجهول, وليس هذا بشيء إذا ما قيس إلى ما جاء في تعليق المحقق العكاشي على كلمة باخمرا فقال: (ط, هـ, و (بباجمرا) وهو موضع دون تكريت, وانظر معجم البلدان).

أقول: وهذا منه بمنتهى الغرابة, إذ انّ المؤلف _ ابن قتيبة _ قد حدّد موضع باخمرا على ستة عشر فرسخاً من الكوفة, فلا معنى لتعليقته, ثم ان عذرناه لانّه مصري لا يعلم أبعاد ما بين المدن العراقية, فأين الكوفة وأين تكريت؟! وما بينهما أكثر من أربعين فرسخاً, لكن لا نعذره في عدم التفاته إلى انّ ابن قتيبة ذكر باخمرا وعرّفها, بينما الدكتور المحقق (؟) عرّف لنا باجمرا التي وجدها في النسخ المرموز إليها, ولم يتنبه إلى انّ ذلك من تصحيف النسّاخ فلم يتنبه له, وقد

١ - النساء: ٢٣.

٥٧٥

نبّه الدكتور الناقد على ذلك باقتضاب.

ز - جاء في ص٢١٥ (فأمّا جعفر بن محمد فيكنى أبا عبدالله وإليه تنسب الجعفرية).

هكذا ورد النص في المتن, فعلق المحقق في الهامش على (الجعفرية) فقال: (محلة كبيرة في الجانب الشرقي من بغداد) ((معجم البلدان)).

وهكذا ما زال الدكتور المحقق يتحف قراء تحقيقه بعجائب وغرائب, فهو تخيل أنّ الجعفرية في النص اسم مكان, فرجع إلى معجم البلدان فسطر منه الذي سطر, وهذا منه قلة تدبّر في كلام ابن قتيبة, فهو يعني بالجعفرية الفرقة التي تنسب إلى أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليه السلام), ولو راعى المحقق القرينة الحالية و المقالية, لكان دقيقاً في قراءة النص, فلا يصدر حكماً ولا يبدي رأياً ولا يخط حرفاً إلاّ بعد الإمعان في قراءة النص وفهم المراد منه, ثم ليعلّق بعد ذلك بما شاء مما استقر فهمه عنده, أمّا وهو لا يفرّق بين (الجعفرية) اسم الفرقة, وبين الجعفرية اسم المكان, فلا يعذر في تعليقه, ثم انّ قوة الملاحظة لو كانت لديه, لعرف أنّ الجعفرية حين ترد في كتب الأنساب, فالمراد بها النسبة إلى جعفر الطيار (عليه السلام) فيقال لأولاده الجعفرية, كما يقال لهم الجعفريون.

وحين ترد في كتب الحديث والفرق, فالمراد بها إحدى فرقتين، أولاهما (الجعفرية) عند الشيعة نسبة إلى إمامهم جعفر الصادق (عليه السلام), وثانيهما (الجعفرية) عند المعتزلة نسبة إلى جعفر بن حرب أو جعفر بن مبشر.

وحين ترد في كتب التاريخ والأدب عند ذكر الأماكن, فيراد بها المحلة الكبيرة ببغداد نسبة إلى جعفر البرمكي, وهكذا فكل تدلّ عليه قرينة حالية أو مقالية.

ولا ينقضي عجبي من المرحوم الناقد كيف غفل عن التنبيه عليه, وهذا من الغفلات النادرة بالنسبة إليه.

وحسبنا بهذه الشواهد السبعة في الدلالة على أوهام الدكتور المحقق في

٥٧٦

المقدمة والمتن, أمّا ما جاء في الفهارس من خبط وخلط فحدث ولا حرج, وإلى القارئ نموذجاً واحداً:

فقد ذكر في صفحة / ٧١٢ في فهرس الأعلام اسم (عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب) وذكر بعده أرقام ٣٢ صفحة يرد فيها ذكره, ولدى المراجعة لم نجد إلاّ الرقم الأول صحيحاً حيث يرد ذكره, وذكر البقية كان غلطاً, فانّ ثلاثين مورداً منها إنّما ورد فيها ذكر عبد الله بن الزبير بن العوام, ورقماً واحداً وهو في صفحة ٢٥٣ سطر ١٥ فلم يرد فيها ذكر أيّ منهما, ومن المضحك أن الصفحة ليس فيها سوى تسعة سطور, بينما يحيل المحقق على السطر ١٥, وعلى هذه فقس ما سواها.

وبعد ما تقدم من الشواهد هل نتوقع من محقق لم يراع بسائط فنّ التحقيق أن يبحث لنا عن النصوص الضائعة من كتاب المعارف؟

وهل نتوقع منه إن وجدها أن يثبتها في مواضعها كما هي منقولة وموثقة ويشير إلى ذلك؟

كيف وأنّى, وقد عرفنا مبلغ علمه ومنتهى جهده, فعسى أن ينبري بعض المحققين إلى سدّ الثغرات في الكتاب, وذلك بجمع ما تناثر في بطون الكتب مما نقل عن كتاب المعارف ولا يوجد في نسخه المطبوعة, وانّ في صحاح الجوهري, وتهذيب الأسماء واللغات للنووي, وعمدة القاري للعيني جملة صالحة من المنقول عن كتاب المعارف, حبّذا لو قورنت مع المطبوع من نسخة المعارف.

وختاماً أعود فأذكر القارئ بالداعي الذي دعاني إلى هذا البحث في كتاب المعارف, هو تضييع بعض النصوص عن عمد فيما أرى, كالنص الذي تقدم في أول البحث ذكره وهو: (وإنّ محسناً فسد من زحم قنفذ العدوي).

وإنّما قلت عن عمد لأنّ الرواة لم تسمح لهم ظروفهم الخاصة برواية الأحداث التي صاحبت سقوط السيد السبط المحسن السقط كما هي, ويبقى الحديث عنها مهموساً في المجالس الخاصة, وبالكناية والتعريض, وهذا ما أشار إلى جانب منه

٥٧٧

ما ذكره ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة(١) من خبر ترويع هبّار بن الأسود لزينب بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) حيث روّعها بالرمح وهي في الهودج وكانت حاملاً, فلما رجعت طرحت ما في بطنها, وقد كانت من خوفها رأت دماً في الهودج, فلذلك أباح رسول الله (صلى الله عليه وآله) دم هبّار بن الأسود يوم فتح مكة.

قال ابن أبي الحديد: قلت: وهذا الخبر قرأته على النقيب أبي جعفر; فقال: إذا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أباح دم هبّار بن الأسود لأنه روّع زينب فألقت ذا بطنها, فظهر الحال انّه لو كان حيّاً لأباح دم من روّع فاطمة حتى ألقت ذا بطنها.

فقلت: أروي عنك ما يقوله قوم انّ فاطمة رُوّعت فألقت المحسن؟ فقال: لا تروه عني, ولا ترو عني بطلانه, فإنّي متوقف في هذا الموضع لتعارض الأخبار عندي... أهـ..

أقول: ولم يعقّب ابن أبي الحديد على ذلك بشيء, فهل هو أيضاً من المتوقفين؟ أم انّه كشيخه, يتقي المصارحة خوفاً من الحشوية, فالله أعلم بحقيقة الحال, وتبقى ظلامة الزهراء (عليها السلام) أعظم رزية كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله), فقد ذكر ابن حجر في فتح الباري في شرح الحديث السادس من باب مرض النبي(صلى الله عليه وآله)(٢) فقال:

وعند الطبري من وجه آخر عن عائشة أنّه صلى الله عليه (وآله)(٣) وسلم قال لفاطمة: (إنّ جبريل أخبرني انّه ليس امرأة من نساء المسلمين أعظم رزية منك, فلا تكوني أدنى امرأة منهنّ صبراً).

١ - شرح النهج لابن أبي الحديد ٤: ٣٥١.

٢- فتح الباري ٩: ٢٠١.

٣- من عادة الحافظ ابن حجر ذكر التصلية تماماً على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم), ملتزماً بذلك في سائر كتبه, إلاّ انّ الطبعات الحديثة لبعض كتبه نجد فيها الصلاة البتراء , بتر الله عُمر من بتر.

٥٧٨

الملحق الثالث:

المحسن بن الحسين (عليه السلام)

إنّ من آثار الظلم الذي لحق بأهل البيت: من جراء بيعة الفلتة في السقيفة، ما بقي أثره شاهداً وماثلاً للعيان حتى يومنا الحاضر، هي تلك المشاهد المشرّفة لآل النبي(صلى الله عليه وآله) المنتشرة في شتى بقاع الأرض، حيث توالت عليهم المحن والرزايا منذ التحق النبي(صلى الله عليه وآله) بالرفيق الأعلى (لم يمتثل أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الهادين بعد الهادين, والأمة مصرّة على مقته، مجتمعة على قطيعة رحمه وإقصاء ولده، إلا القليل ممن وفى لرعاية الحق فيهم، فقُتل من قتل، وسُبي من سبي، وأقصي من أقصي، وجرى القضاء لهم بما يرجى له حسن المثوبة) (١).

وقد أشار شاعرهم دعبل بن علي الخزاعي إلى بعض تلك المشاهد التي كانت في أيامه, فسعدت بضم رفاتهم وخلدت بجميل تاريخهم, حيث يقول في تائيته الخالدة:


قبورٌ بكوفان وأخرى بطيبةٍوأخرى بفخ نالها صلواتي
وأخرى بجنب النهر من أرض كربلامعرّسهم فيها بشطّ فرات
وأخرى بأرض الجوزجان محلهاوقبر بباخمرى لدى الغربات
وقبر ببغداد لنفس زكيةتضمّنها الرحمان في الغرفات
وقبر بطوس يالها من مصيبةألحّت على الأحشاء بالزفرات

وزاد عليه شاعر آخر فقال:

١ - مقطع من دعاء الندبة المذكور في مفاتيح الجنان.

٥٧٩

لاتأمن الدهر إنّ الدهر ذو غيروذو لسانين في الدنيا ووجهين
أخنى على عترة الهادي فشتتهمفما ترى جامعاً منهم بشخصين
بعض بطيبة مدفون وبعضهمبكربلاء وبعض بالغريين
وأرض طوس وسامرا وقد سعدتبغداد بدرين حلا وسط قبرين

وقد جمع ذكرهم ببراعة فائقة أبو الفضل يحيى بن سلامة الحصكفي (ت٥٥٣ هـ) في بيت شعر من قصيدته الخالدة(١) فقال:


قوم لهم في كل أرض مشهدلا بل لهم في كل قلب مشهد

ولئن ضاعت معالم تلك المشاهد وما أكثر الدوارس منها، لكن لا يزال حديث أصحابها يعطر الأفواه والأجواء كأنه المسك الزاكي، ويقص علينا تاريخهم المليء بالمآسي من الأمة شاكي، كمثل المحسن السبط الذي كانت هذه الرسالة باسمه، وهو أول شهيد من ضحايا العنف السياسي فلم يعرف له قبر، وأنّى وقد دفنته فضة في ناحية البيت.

ولكن لسميّه وابن أخيه وشبهه في المأساة (المحسن السقط ابن الحسين(عليه السلام)) مشهدٌ معروف ولا يزال ماثلاً للعيان، شاهق البنيان، في غربي حلب، ويعرف بمشهد الدكة، ومشهد الطرح، ومشهد المحسن بن الحسين٨.

وقد حفظ التاريخ شيئاً من مأساته، حين ذكر المؤرخون كالطبري وابن الأثير في أحداث سنة ٦١ هـ ، والخوارزمي في مقتل الحسين(عليه السلام) وغيرهم، حديث وقعة كربلاء، واستشهاد الإمام الحسين(عليه السلام) وأهل بيته وأنصاره، وما جرى على آله من بعده من سبي العيال والأطفال من كربلاء إلى الكوفة ومنها إلى الشام، وكانت الطريق السالكة يومئذٍ بين الكوفة والشام تمر بحلب وحمص وحماه ثم الشام.

فجاء الحفاة الطغاة بأهل البيت من هذا الطريق, ولا تزال في بعض المنازل

١ - راجع تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي : ٢٠٥ _ ٢٠٦, والشذرات الذهبية لابن طولون: ٤٣.

٥٨٠