×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة من حياة المستبصرين (ج 07) / الصفحات: ٢١ - ٤٠

سيطوف بأخيه على قبر جدّه ثمّ يدفنه في البقيع; لأنّ الإمام الحسن أوصى أن لا يهرقوا من أجله ولو محجمة من دم!

وقال لها ابن عبّاس أبياتاً مشهورة:


تجمّلت(١)تبغّلت(٢) ولو عشت تفيّلت
لك الثُمن من التسع وبالكلّ تصرّفت

وهذه حقيقة أُخرى من الحقائق المخيفة، فكيف ترث عائشة كلّ البيت من بين أزواج النبيّ المتعدّدات، وهن تسع نساء حسب ما قاله ابن عبّاس؟!

وإذا كان النبيّ لا يورّث، كما شهد بذلك أبو بكر نفسه، ومنع ذلك ميراث الزهراء (عليها السلام) من أبيها، فكيف ترث عائشة؟ فهل هناك في كتاب الله آية تُعطي الزوجة حقّ الميراث وتمنع البنت؟ أمّ أنّ السياسة هي التي أبدلت كلّ شيء، فحرمت البنت من كلّ شيء وأعطت الزوجة كلّ شيء؟

وبالمناسبة أذكر هنا قصّة طريفة ذكرها بعض المؤرّخين، ولها علاقة بموضوع الإرث:

قال ابن أبي الحديد المعتزلي في شرحه "لنهج البلاغة": جاءت عائشة وحفصة ودخلتا على عثمان أيام خلافته، وطلبتا منه أن يقسم لهما إرثهما من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وكان عثمان متكئاً فاستوى جالساً وقال لعائشة: أنت وهذه الجالسة جئتما بأعرابي يتطهّر ببوله وشهدتما أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "نحن معشر الأنبياء لا نورّث"، فإذا كان الرسول حقيقة لا يورّث فماذا تطلبان بعد هذا؟ وإذا كان الرسول يورّث لماذا منعتم فاطمة حقّها؟ فخرجت من عنده غاضبة وقالت:

١- إشارة إلى ركوبها في حرب الجمل المشهورة.

٢- إشارة إلى ركوبها البغلة يوم منعت دفن الحسن (عليه السلام) بجانب جدّه (صلى الله عليه وآله وسلم).

٢١

اقتلوا نعثلاً فقد كفر(١).

٣ ـ علي أولى بالاتّباع:

ومن الأسباب التي دعتني للاستبصار وترك سنّة الآباء والأجداد، الموازنة العقلية والنقلية بين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وأبي بكر.

وكما ذكرت في الأبواب السابقة من هذا البحث، أنّي اعتمد على الإجماع الذي يوافق عليه أهل السنّة والشيعة.

وقد فتّشت في كتب الفريقين فلم أجد إجماعاً إلاّ على علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقد أجمع على إمامته الشيعة والسنّة في ما ورد من نصوص ثبتتها مصادر الطرفين، بينما لا يقول بإمامة أبي بكر إلاّ فريق من المسلمين، وقد كنّا ذكرنا ما قاله عمر عن بيعة أبي بكر، كما أن الكثير من الفضائل والمناقب التي يذكرها الشيعة في علي بن أبي طالب (عليه السلام) لها سند ووجود حقيقي ثابت في كتب السنّة المعتمدة عندهم، ومن عدّة طرق، لا يتطرق إليها الشكّ، فقد روى الحديث في فضائل الإمام علي جمع غفير من الصحابة حتّى قال أحمد بن حنبل:

ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من الفضائل كما جاء لعلي بن أبي طالب (عليه السلام)(٢).

وقال القاضي إسماعيل والنسائي وأبو علي النيسابوري: لم يرد في حقّ أحد من الصحابة بالأسانيد الحسان ما جاء في علي(٣).

هذا مع ملاحظة أنّ الأمويين حملوا الناس في مشارق الأرض ومغاربها

١- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٦: ٢٢٠ ـ ٢٢٣.

٢- المستدرك على الصحيحين للحاكم ٣: ١٠٧، المناقب للخوارزمي: ٣ و١٩، تاريخ الخلفاء للسيوطي: ١٦٨، الصواعق المحرقة لابن حجر الهيتمي: ٧٣، تاريخ ابن عساكر ٢: ٦٣، شواهد التنزيل للحسكاني الحنفي: ١٩.

٣- الرياض النضرة للطبري ٢: ٢٨٢، الصواعق المحرقة لابن حجر: ١١٨ و٧٢.

٢٢

على سبّه ولعنه وعدم ذكر فضيلة له، حتّى منعوا أن يتسمّى أحد باسمه، ومع كلّ ذلك خرجت فضائله ومناقبه ـ سلام الله عليه ـ رغم الجحود، وفي ذلك يقول الإمام الشافعي: عجبت لرجل كتم أعداؤه فضائله حسداً وكتمها محبّوه خوفاً، وخرج ما بين ذين وذين ما طبق الخافقين.أمّا بشأن أبي بكر، فقد فتشت أيضاً في كتب الفريقين فلم أجد له في كتب أهل السنّة والجماعة القائلين بتفضيله ما يوازى أو يعادل فضائل الإمام علي (عليه السلام)على أن فضائل أبي بكر المذكورة في الكتب التاريخية مروية إمّا عن ابنته عائشة ـ وقد عرفنا موقفها من الإمام علي (عليه السلام)، وهي تحاول بكلّ جهدها دعم أبيها ولو بأحاديث موضوعة ـ أو عن عبد الله بن عمر، وهو أيضاً من البعيدين عن الإمام علي، وقد رفض مبايعته بعدما أجمع الناس على ذلك، وكان يحدّث أنّ أفضل الناس بعد النبيّ أبو بكر، ثمّ عمر، ثمّ عثمان ثمّ لا تفاضل والناس بعد ذلك سواسية(١).

يعني هذا الحديث أنّ عبد الله بن عمر جعل الإمام علي من سوقة الناس كأيّ شخص عادي ليس له فضل ولا فضيلة.

فأين عبد الله بن عمر من الحقائق التي ذكرها أعلام الأمة وأئمتها، بأنّه لم يرد في أحد من الصحابة بالأسانيد الحسان ما جاء في علي بن أبي طالب (عليه السلام)هل أنّ عبد الله بن عمر لم يسمع بفضيلة واحدة لعلي.

بلى والله لقد سمع ووعى، ولكنّ السياسة، وما أدراك ما السياسة!! فهي تقلب الحقائق وتصنع الأعاجيب.

كذلك يروي فضائل أبي بكر كلّ من عمرو بن العاص، وأبو هريرة، وعروة، وعكرمة.

وهؤلاء كلّهم يكشف التاريخ أنّهم كانوا متحاملين على الإمام علي (عليه السلام)

١- صحيح البخاري ٢: ٢٠٢.

٢٣

وحاربوه إمّا بالسلاح، وإمّا بالدسّ واختلاق الفضائل لأعدائه وخصومه.

قال الإمام أحمد بن حنبل: إنّ عليّاً كان كثير الأعداء، ففتّش أعداؤه عن شيء يعيبونه به فلم يجدوا، فجاؤوا إلى رجل قد حاربه وقاتله فأطروه كيداً منهم له(١).

ولكن الله يقول: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً}(٢) وإنّه من معجزات الله سبحانه أن تخرج فضائل الإمام علي (عليه السلام) بعد ستّة قرون من الحكم الجائر الظالم له ولأهل بيته، إذ لم يكن العبّاسيون أقلّ بغضاً وحسداً ونكاية وتقتيلاً لأهل البيت النبوي من أسلافهم الأمويين، حتّى قال أبو فراس الحمداني في ذلك:


ما نال منهم بنو حرب وإنّ عظمت تلك الجرائر إلاّ دون نيلكم
كم غدرة لكم في الدين واضحة وكم دم لرسول الله عندكم
أنتم له شيعة في ما ترون وفي أظفاركم من بنيه الطاهرين دم

فإذا خلصت بعد كلّ تلكم الأحاديث، وخرجت من تلكم الظلمات، فلتكن لله الحجّة البالغة، ولئلا يكون للناس على الله حجّة بعد ذلك.

ورغم أنّ أبا بكر كان هو الخليفة الأوّل، وله من النفوذ ما قد عرفنا.

ورغم أنّ الدولة الأموية كانت تجعل عطاء خاصاً ورشوة لكلّ من يروي في حقّ أبي بكر وعمر وعثمان.

ورغم أنّها اختلقت لأبي بكر من الفضائل والمناقب الكثير ممّا سودت صفحات الكتب.

١- فتح الباري في شرح صحيح البخاري ٧: ٨٣، تاريخ الخلفاء للسيوطي: ١٩٩، الصواعق المحرقة لابن حجر: ١٢٥.

٢- سورة الطارق (٨٦) : ١٥ ـ ١٧.

٢٤

مع ذلك فلم يبلغ معشار عشر حقائق الإمام علي (عليه السلام) وفضائله.

أضف إلى ذلك أنّك إذا حلّلت الأحاديث المروية في فضائل أبي بكر، وجدتها لا تتماش مع ما سجّله له التاريخ من أعمال تناقض ما قيل فيه، ولا يقبلها عقل ولا شرع، وقد تقدّم شرح ذلك في حديث لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أمّتي لرجح إيمان أبي بكر.

ولو كان يعلم رسول الله أنّ أبا بكر على هذه الدرجة من الإيمان، ما كان ليؤمّر عليه أُسامة بن زيد، ولا ليمتنع من الشهادة له كما شهد على شهداء أحد وقال له: إنيّ لا أدري ماذا تحدث من بعدي، حتّى بكى أبو بكر(١)، وما كان ليرسل خلفه علي بن أبي طالب ليأخذ منه سورة براءة فيمنعه من تبليغها(٢).

وما كان قال يوم إعطاء الراية في خيبر، لأعطين رايتي غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله، كراراً ليس فراراً، امتحن الله قلبه بالإيمان، فأعطاها إلى علي ولم يعطها إليه(٣).

ولو علم الله أنّ أبا بكر على هذه الدرجة من الإيمان، وأنّ إيمانه يفوق إيمان أمّة محمّد بأسرها، فلم يكن الله سبحانه ليهدّده بإحباط عمله عندما رفع صوته فوق صوت النبيّ(٤).

ولو علم علي بن أبي طالب والصحابة الذين اتبعوه أنّ أبا بكر على هذه الدرجة من الإيمان ما جاز لهم أن يتخلّفوا عن بيعته.

ولو علمت فاطمة الزهراء سيّدة النساء (عليها السلام) أنّ أبا بكر على هذه الدرجة من الإيمان ما كانت لتغضب عليه وتمتنع من الكلام معه وعن ردّ السلام عليه وتدعو

١- موطأ الإمام مالك ١: ٣٠٧، مغازي الواقدي: ٣١٠.

٢- سنن الترمذي ٤: ٣٣٩، مسند أحمد بن حنبل ٢: ٣١٩، مستدرك الحاكم ٣: ٥١.

٣- صحيح مسلم، باب فضائل علي بن أبي طالب.

٤- الامامة والسياسة ١: ١٤، رسائل الجاحظ: ٣٠١.

٢٥

الله عليه في كل صلاة(١)، ثمّ لا تأذن له، حسب ـ ما ورد في وصيّتها ـ حتّى بحضور جنازتها.

ولو علم أبو بكر أنّه على هذه الدرجة من الإيمان ما كان ليتمنّى عند احتضاره أنّه لو لم يكن يكشف بيت فاطمة (عليها السلام).

وأنّه لو لم يكن أحرق الفجاءة السلمي، ولكان يوم السقيفة قذف الأمر في عنق أحد الرجلين عمر أو أبي عبيدة.

فالذي هو على هذه الدرجة من الإيمان، ويرجح إيمانه على ايمان كلّ الأمة، لا يندم في آخر لحظات حياته على ما فعله مع فاطمة، وعلى حرقه الفجاءة السلمي، وعلى توليه الخلافة، كما لا يتمّنى أن لا يكون من البشر ويكون شعرة أو بعرة، أفيعادل مثل هذا الشخص إيمان الأمّة الإسلامية بل يرجح عليها؟!

وإذا أخذنا حديث: لو كنت متّخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، فهو كسابقه، إذ أين أبو بكر يوم المؤاخاة الصغرى في مكّة قبل الهجرة، ويوم المؤاخاة الكبرى في المدينة بعد الهجرة، وفي كلتيها اتخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عليّاً أخاً له وقال له: "أنت أخي في الدنيا والآخرة"(٢)، ولم يلتفت إلى أبي بكر، فحرمه من مؤاخاة الآخرة كما حرمه من الخلة.

وأنا لا أريد الإطالة في هذا الموضوع وأكتفي بهذين المثلين اللذين أوردتهما من كتب أهل السنّة والجماعة.

أمّا عند الشيعة، فلا يعترفون بتلك الأحاديث مطلقاً، ولديهم الأدلة الواضحة على أنّها وضعت في زمن متأخّر عن زمن أبي بكر.

١- تأريخ الطبري ٤: ٥٢، الإمامة والسياسة ١: ١٨، تاريخ المسعودي ١: ٤١٤.

٢- تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي: ٢٣، تاريخ دمشق لابن عساكر ١: ١٠٧، المناقب للخوارزمي: ٧، الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي: ٢١.

٢٦

هذا وإذا تركنا الفضائل وبحثنا في المساوئ، فإنّنا لا نحصي لعلي بن أبي طالب (عليه السلام)سيئة واحدة من كتب الفريقين، بينما نجد لغيره مساوئ كثيرة في كتب أهل السنّة كالصحاح وكتب السير والتاريخ.

وبهذا يكون الإجماع من الفريقين يختصّ بعلي (عليه السلام) وحده، كما يؤكّد التاريخ أنّ البيعة الصحيحة لم تكن إلاّ لعلي وحده.

فقد امتنع هو وأصرّ عليها المهاجرون والأنصار، وقعد عن بيعته نفر فلم يجبرهم عليها، بينما كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله المسلمين شرّها ـ كما يقول عمر بن الخطاب ـ وكانت خلافة عمر عهدها إليه أبو بكر.

وكانت خلافة عثمان مهزلة تاريخية، ذلك أنّ عمر رشّح ستّة للخلافة وألزمهم أن يختاروا من بينهم واحداً، وقال: إذا اتفق أربعة وخالف اثنان فاقتلوهما، وإذا انقسم الستة إلى فريقين، ثلاثة في كلّ جهة،فخذوا برأي الثلاثة الذين يقف معهم عبد الرحمن بن عوف، وإذا مضى وقت ولم يتفق الستّة فاقتلوهم، والقصة طويلة وعجيبة.

والمهم أنّ عبد الرحمن بن عوف اختار عليّاً واشترط عليه أن يحكم فيهم بكتاب الله وسنّة رسوله وسنّة الشيخين أبي بكر وعمر، فرفض علي هذا الشرط وقبله عثمان، فكان هو الخليفة، وخرج علي (عليه السلام) من البيعة وهو يعلم مسبقاً النتيجة، وقد تحدّث عن ذلك في خطبته المعروفة بالشقشقية.

وبعد علي (عليه السلام) استولى معاوية على الخلافة، فأبدلها قيصرية ملكية يتداولها بنو أُميّة، ومن بعده بنو العبّاس ابناً عن أب، ولم يكن هناك خليفة إلاّ بنصّ السابق على اللاحق أو بقوة السيف والسلاح والاستيلاء، فلم تكن هناك بيعة صحيحة(١)في التاريخ الإسلامي من عهد الخلفاء وحتّى عهد كمال أتاتورك الذي قضى على

١- أي باجماع المسلمين لم يفرضها عليهم أحد ولم تكن "فتنة".

٢٧

الخلافة الاسلامية إلاّ لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).

٤ ـ الأحاديث الواردة في علي (عليه السلام) توجب اتّباعه:

من الأحاديث التي أخذتُ بها، ودفعتني للاقتداء بالإمام علي (عليه السلام) تلك التي أخرجتها صحاح أهل السنّة والجماعة، وأكّدت صحتها، والشيعة عندهم أضعافها ولكن ـ وكالعادة ـ سوف لا استدل ولا اعتمد إلاّ الأحاديث المتفق عليها من الفريقين، ومن هذه الأحاديث.

أ ـ حديث:

"أنا مدينة العلم وعلي بابها"(١)، وهذا الحديث وحده كاف لتشخيص القدوة الذي ينبغي اتباعه بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، لأنّ العالم أولى بالاتباع، أي أولى أن يقتدى به من الجاهل.

قال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ}(٢)، وقال أيضاً {أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}(٣).

ومن المعلوم أن العالم هو الذي يهدي والجاهل يستحقّ الهداية، وهو أحوج إليها من أيّ أحد، وفي هذا الصدد سجّل لنا التاريخ أنّ الإمام عليّاً هو أعلم الصحابة على الإطلاق، وكانوا يرجعون إليه في أُمهّات المسائل، ولم نعلم أنّه (عليه السلام)رجع إلى واحد منهم قط، فهذا عمر يقول: لولا علي لهلك عمر(٤).

وهذا ابن عبّاس يقول: "ما علمي وعلم أصحاب محمّد في علم علي إلاّ

١- مستدرك الحاكم ٣: ١٢٧، البداية والنهاية ٧: ٣٥٨.

٢- سورة الزمر(٣٩) : ٩.

٣- سورة يونس (١٠) : ٣٥.

٤- الاستيعاب ٣: ٣٩، مناقب الخوارزمي: ٤٨، الرياض النضرة ٢: ١٩٤.

٢٨

كقطرة في سبعة أبحر"(١)

وهذا الإمام علي (عليه السلام) نفسه يقول: "سلوني قبل أن تفقدوني، والله لا تسألونني عن شيء يكون إلى يوم القيامة، إلاّ أخبرتكم به، وسلوني عن كتاب الله، فوالله ما من آية إلاّ وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار، في سهل أم في جبل"(٢)

بينما يقول أبو بكر: عندما سُئل عن معنى الأب في قوله تعالى:{وَفَاكِهَةً وَأَبّاً * مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلأَِنْعَامِكُمْ} قال أبو بكر: أي سماء تظلّني، وأيّ أرض تقلّني أن أقول في كتاب الله بما لا أعلم!

وهذا عمر بن الخطّاب يقول: "كل الناس أفقه من عمر حتّى ربّات الحجال".

ويُسأل عن آية من كتاب الله، فينتهر السائل ويضربه بالدرّة حتّى يدميه ويقول {لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ}(٣)، وقد سئل عن الكلالة فلم يعلمها.

أخرج الطبري في تفسيره عن عمر، أنّه قال: لئن أكون أعلم الكلالة أحبّ إليّ من أن يكون لم مثل قصور الشام.

كما أخرج ابن ماجة في سننه عن عمر بن الخطّاب قال: ثلاث لئن يكون رسول الله بيّنهن أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها: الكلالة، والربا، والخلافة.

سبحان الله، حاش لرسول الله أن يكون سكت عن هذه الأشياء ولم يبيّنها.

١- لقد أجمعت صحاح أهل السنّة وكتبهم على أفضلية علي وتقدّمه في العلم على كلّ الصحابة راجع على سبيل المثال ما جاء في الاستيعاب ٣: ٣٨ ـ ٤٥ من أقوال الصحابة فيه وتقديمهم له عليهم.

٢- المحبّ الطبري في الرياض النضرة ٢: ١٩٨، تاريخ الخلفاء للسيوطي: ١٢٤، الإتقان ٢: ٣١٩، فتح الباري ٨: ٤٨٥ تهذيب التهذيب ٧: ٣٣٨.

٣- سنن الدارمي ١: ٥٤، تهذيب التهذيب ٧: ٣٣٨.

٢٩

ب ـ حديث:

"يا علي أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي" وهذا الحديث كما لا يخفى على أهل العقول فيه ما فيه من اختصاص أمير المؤمنين علي (عليه السلام)بالوزارة والوصاية والخلافة.

فكما كان هارون وزيراً ووصيّاً وخليفة موسى في غيابه عندما ذهب لميقات ربّه، كذلك أيضاً منزلة الإمام علي (عليه السلام) فهو كهارون عليه وعلى نبينا السلام، وصورة طبق الأصل عنه، ما عدا النبوّة التي استثناها نفس الحديث.

وفيه أيضاً أنّ الإمام عليّاً هو أفضل الصحابة، والحديث كما هو معلوم مجمع عليه عند عامة المسلمين.

ج ـ حديث:

"من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللّهم وال من والاه، وعاد من عاداه، واُنصر من نصره واُخذل من خذله، وادر الحقّ معه حيث دار".

وهذا الحديث وحده كاف لردّ مزاعم تقديم أبي بكر وعمر وعثمان على من نصّبه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولياً للمؤمنين من بعده، ولا عبرة بمن أوّل الحديث إلى معنى المحبّ والنصير ; لصرفه عن معناه الأصلي الذي قصده الرسول، وذلك حفاظاً على كرامة الصحابة ; لأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما قام خطيباً في ذلك الحرّ الشديد قال: "ألستم تشهدون بأنيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم"؟

قالوا: بلى يا رسول الله.

فقال عندئذ: "فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه".

وهذا نصّ صريح في استخلافه على أمّته، ولا يمكن للعقل المنصف العادل إلاّ قبول هذا المعنى، ورفض تأويل البعض المتكّلف والحفاظ على كرامة الرسول قبل الحفاظ على كرامة الصحابة، لأنّ في تأويلهم هذا استخفافاً واستهزاء بحكمة

٣٠

الرسول الذي يجمع حشود الناس في الحرّ والهجير الذي لا يطاق ليقول لهم بأنّ عليّاً هو محبّ المؤمنين وناصرهم.

وبماذا يفسّر هؤلاء الذين يؤولون النصوص حفاظاً على كرامة كبرائهم وساداتهم موكب التهنئة الذي عقده له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟

وبدأ بزوجاته أمّهات المؤمنين، وجاء أبو بكر وعمر يقولان: بخ بخ لك يابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كلّ مؤمن ومؤمنة. والواقع والتاريخ يشهدان أن المتأولين لكاذبون، فويل لهم ممّا كتبت أيديهم، وويل لهم ممّا يكتبون، قال تعالى {فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}(١).

د ـ حديث:

"علي منّي وأنا من علي، ولا يؤدّي عني إلا أنا أو علي"(٢).

وهذا الحديث الشريف هو الآخر صريح في أنّ الإمام عليّاً هو الشخص الوحيد الذي أهلّه صاحب الرسالة ليؤدّي عنه، وقد قاله عندما بعثه بسورة براءة يوم الحجّ الأكبر عوضاً عن أبي بكر، ورجع أبو بكر يبكي ويقول: يا رسول الله أنزل في شيء فقال: "إنّ الله امرني أن لا يؤدّي عني إلا أنا أو علي".

وهذا نظير ما قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي في مناسبة أُخرى عندما قال له: "أنت يا علي تبيّن لأمتي ما اختلفوا فيه بعدي"(٣).

فإذا كان لا يؤدّي عن رسول الله إلاّ علي، وهو الذي يبيّن للأمّة ما اختلفوا فيه بعده، فكيف يتقدّم عليه من لا يعرف معنى (الأب)، ومن لا يعرف معنى

١- سورة البقرة (٢) : ١٤٦.

٢- سنن ابن ماجة ١: ٤٤، خصائص أمير المؤمنين للنسائي: ٢٠، الجامع الكبير المعروف بسنن الترمذي ٥: ٣٠٠، جامع الأصول لابن كثير ٩: ٤٧١، الجامع الصغير للسيوطي ٢: ٥٦، الرياض النضرة ٢: ٢٢٩.

٣- تاريخ دمشق لابن عساكر ٢: ٤٨٨، كنوز الحقائق للمناوي: ٢٠٣، كنز العمال ٥: ٣٣.

٣١

(الكلالة)؟

وهذا لعمري من المصائب التي أصابت هذه الأُمّة، وأعاقتها عن أداء المهمّة التي رشّحها الله لها، وليست الحجّة على الله، ولا على رسول الله، ولا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وإنّما الحجّة البالغة على الذين عصوا وبدّلوا، قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ}(١).

هـ ـ حديث

الدار يوم الإنذار، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مشيراً إلى علي (عليه السلام):

"إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي من بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا"(٢).

وهذا الحديث هو أيضاً من الأحاديث الصحيحة التي نقلها المؤرّخون لبداية البعثة النبويّة، وعدوّها من معجزات النبيّ، ولكن السياسة التي أبدلت وزيفت الحقائق والوقائع، ولا عجب من ذلك، لأنّ ما وقع في ذلك الزمان المظلم يتكرّر اليوم في عصر النور.

فهذا محمّد حسنين هيكل أخرج الحديث، بكامله في كتاب "حياة محمّد" في صفحة ١٠١ من الطبعة الأولى سنة ١٣٥٤هـ ، وفي الطبعة الثانية وما بعدها حذف من الحديث قوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، "وصيي وخليفتي من بعدي"، كذلك حذفوا من "تفسير الطبري: الجزء ١٩ صفحة ١٢١ قوله "وصيي وخليفتي"، "وأبدلوها بقوله: إنّ هذا أخي وكذا وكذا..!! صفحة ٣١٩".

١- سورة المائدة (٥) : ١٠٤.

٢- تاريخ الطبري ٢: ٣١٩، الكامل في التاريخ ابن الأثير ٢: ٦٢، السيرة الحلبية ١: ٣١١، شواهد التنزيل للحسكاني ١: ٣٧١، كنز العمال ١٥: ١٥، تاريخ ابن عساكر ١: ٨٥، تفسير الخازن لعلاء الدين الشافعي ٣: ٣٧١، حياة محمّد لحسنين هيكل، الطبعة الأولى باب وانذر عشيرتك الأقربين.

٣٢

اُنظر كيف يحرّفوا الكلم عن مواضعه، ويقلبون الأمور، يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم والله متمّ نوره.

وخلال البحث الذي قمت به أردنا الوقوف على جلية الحال، فبحثت عن الطبعة الأولى لكتاب "حياة محمّد" وتحصّلت عليها بحمد الله بعد عناء ومشقّة، وقد كلّفني ذلك كثيراً، والمهم أننّي اطّلعت على ذلك التحريف، وزادني ذلك يقيناً بأنّ أهل السوء يحاولون جهدهم أن يمحوا الحقائق الثابتة لأنّها حجّة قوية "لخصومهم".

ولكن الباحث المنصف عند ما يقف على شيء من هذا التحريف والتزييف يزداد عنهم بعداً، ويعرف بلاشكّ أنّهم لا حجّة لديهم غير التضليل والدسّ وقلب الحقائق بأيّ ثمن، ولقد استأجروا كتّاباً كثيرين، وأغدقوا عليهم الأموال، كما أغدقوا عليهم الألقاب والشهادات الجامعية المزيفّة، ليكتبوا لهم ما يريدون من الكتب والمقالات التي تشتم الشيعة وتكفّرهم وتدافع بكلّ جهد ـ وإنّ كان باطلاً ـ عن كرامة بعض الصحابة المنقلبين على أعقابهم، والذين بدلوا بعد رسول الله الحقّ بالباطل {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْم يُوقِنُونَ}(١) صدق الله العلي العظيم(٢).

مؤلّفات الدكتور التيجاني:

الّف "الدكتور التيجاني" عدة كتب وقد أشرنا إليها سابقاً في ترجمته، ونذكر مؤلفاته الجديدة منها:

١ - مؤتمر السقيفة:

يقول "الدكتور التيجاني" في مقدّمة هذا الكتاب حول الدواعي التي حثته

١- البقرة (٢) : ١١٨.

٢- مقتبس من "الكوكب النوراني في ترجمة التيجاني" بقلم الشيخ محمّد الحسّون.

٣٣

على تأليفه: "عندما نجد أن التاريخ الإسلامي ـ الذي تهمنا قراءته قراءة صحيحة ـ لا تزال حقائقه ملفوفة بخرق بالية عتيقة، وممنوع على الشرفاء أن يقرأوا أو يعرفوا سوى الذي دوَّنه الإعلام الرسمي للملوك والخلفاء الذين تسنوا ذروة الخلافة والملك.

كان علينا نحن الشرفاء أن نكون على مستوى المسؤولية ـ نقول للحق هذا حق وللباطل هذا باطل فالأسود لا يمكن أن يتحول إلى أبيض إلا في نظر الأغبياء والمغفلين والذين على أعينهم غشاوة لا يبصرون بها...

ولكن الحقيقة التي يحاولون إبعادها عن الناس لا تنام طويلاً ولا تدوم في خبائها بل لابد وأن تظهر، وهذا غاية ما نتمناه في بحثنا هذا ولا نروم غيره وليس هدفنا تجريح فلان أو فلان لأن التاريخ الذي حملهم بآثامهم وأعمالهم طيلة هذه القرون كفيل بأن يسقطهم يوماً لأنهم أصبحوا على ظهره عبئاً ثقيلاً.. وعليه أن يتجاوز دورهم ليكتب لنا سيرة الطهر والنقاء سيرة العظماء والشرفاء الذين منحوا الناس والزمان كل عطاء وكل خير دونما ثمن ولا مصلحة ولا هدف...

هؤلاء الرجال هم الذين تحكموا بالقرار والتاريخ وأرسلوا لنا تلك الأخبار المضلة كي يفصلوا بيننا وبين الدعوة الإسلامية من جهة ويعيدوا مجد القبيلة والجاهلية من وجهة أخرى ولعلّ دراستنا لتاريخهم نستطيع أن نقترب منهم أكثر وتزداد معرفتنا بهؤلاء الذين كانوا سبب كل ما نعانيه اليوم من تمزق وتشرذم وتضليل فلنحاول أن نرفع الغطاء عن هؤلاء ـ أصحاب الانقلاب ـ كي يظهروا على حقيقتهم فمن كان يحمل في سيرته التاريخية نقاء وصفاء وطهراً وإيماناً فهو الصحابي الجليل الذي يستحق منا كل ثناء وتقدير..، ومن كان عكس ذلك فلتسقط حصانته ويدان أمام الرأي العام مهما كان له من الفضائل المزعومة التي زورها له الأذناب وبهذه الطريقة قد نتوصل إلى تصفية النفوس من أدران الجهل والتبعيّة..، وتنقية القلوب من محبة الذين ليس لهم في تراث الإنسانية مقام.

٣٤

وعندما تنظر في كلام رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وإخباره بتلك الفتنة التي ستجري بعده ونحن نعلم من الذي قام فيها وناصرها وأيدها وجعلها سنة متبعة ـ لابد والحالة هذه من أن نضع النقاط على الحروف نصرة للحق ودفعاً للظلم...

لعلّ في ذلك كشفاً لدولة الانقلابيين وعسى أن يهدي الله قوماً آمنوا بقداسة تلك العصابية إمعاناً في التضليل ومشياً على سنة الآباء والأجداد وهم يظنون أنهم يحسنون صنعاً كما قال تعالى: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّة وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ}(١)، وفي هذه الآية ذم لا حمد فيه لمن يتبع مذهب الآباء عن غير علم ولا بصيرة ولا هدى..، وطالما بيّن الرسول الأعظم أنّ الأمّة ستغدر بعلي(عليه السلام) بعده فمن هو السبب الذي يجعلني وغيري نتبع سنة من أحدثوا في الدين وغيروا من معالمه وأساءوا إلى مُحكمه قبل متشابهه اللّهم إلا أن تكون السياسة الظالمة هي التي دفعتني إلى المساومة على الدين الحق واتباع مذهب الضالين من هذه الأمّة...

جاءت السقيفة رداً على ما أوصى به الرسول لسيدنا علي(عليه السلام) وتأكيداً على مخالفتهم له علانية بعد أن كان سراً..، وإذا كان هؤلاء كبار الصحابة هم الذين ابتدعوا مخالفة الرسول وتناسوا تعاليمه ووصاياه فكيف ندين لهم ونعظمهم وهم خالفوا الإسلام مخالفة صريحة لا تأويل فيها...

وكلما نظرت وفكرت فيما جرى أسائل نفسي ترى هل حقاً حدث ما نقرأ ونسمع؟ هل حقاً افتعل الصحابة الكبار هذه الأحداث لنيل المطامع والتربع على عرش الخلافة أين كان الدين منهم عندما تآمروا.. بل كيف فكروا أن يسقطوا البناء الكبير الذي قضى الرسول أعواماً وهو يبني صرحه؟

كيف انخلعت عنهم مسوح الإيمان وأردية التقوى؟ بل كيف ظهروا للناس بوجوه جديدة لم يعرفوهم بها من قبل؟ أين تعاليم الرسول؟ اين وصاياه؟

١- الزخرف (٤٣) : ٢٣.

٣٥

وكل هذا دعاني إلى التساؤل مرات ومرات إذا كان هذا فعلهم وهذه موآمراتهم فكيف وصلت إلينا صورهم في التاريخ العام وهي مزدانة بأبهى الصور وأجمل الفضائل ومن كان له مصلحة في تزيين هذه الصور وإيصالها على هذا النحو الذي نراه اليوم ولماذا الخوف من الجهر بحقيقة الأحداث طالما أننا مسلمون والواجب علينا أن نكون مع الحق لا ضده، والساكت عن الحق شيطان أخرس...

لماذا تعمد الجم الغفير أن ينصهر في أدوار هذه المسرحية الهزيلة الخطيرة لا شك أنّ هناك وسائل إعلام تضليلية ورجال دين دأبوا على تنفيذ السياسة الأموية...

فلهذا قررت أن أجند نفسي وقلمي لنصرة الحقيقة وأن أبتدأ كتابة التاريخ الإسلامي بحلة جديدة لكي أظهر تآمرهم على الرسول وآل الرسول...

وأبتدأ بالمرحلة الأولى من حادثة حجّة الوداع لأن الموآمرة حسب اعتقادي بدأت بعد حجّة الوداع وبعد تنصيب الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) للإمام علي(عليه السلام) كخليفة له يوم الغدير وبذلك عرف الطامعون في الرئاسة أن ليس أمامها إلا التمرد والمعارضة وبذلك تستقيم الأحداث التي يتناولها كتابنا هذا التي بدأت بمعارضة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في كل أوامره من كتابة الكتب إلى تأمير أسامة إلى عدم الذهاب في الجيش الذي عبأه الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بنفسه وكذلك الأحداث التي أعقبت وفاته من حمل الناس على البيعة بالقوة وتهديد المتخلفين بالحرق وفيهم علي وفاطمة والحسنين(عليهم السلام)، وحبس الصحابة لئلا يتحدثوا باحاديث النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى قتل الصحابة الذين امتنعوا عن أداء الزكاة لأبي بكر لأنه ليس هو الخليفة الذي بايعوه على عهد نبيهم إلى اغتصاب حق فاطمة الزهراء من فدك والإرث وسهم الخمس وتكذيبها في دعواها إلى إبعاد الإمام علي عن كل مسؤولية وتولية الفسّاق والمنافقين من بني أميّة على رقاب المسلمين إلى منع الصحابة من التبرك بآثار

٣٦

الرسول ومحاولة محو اسمه من الآذان إلى إباحة مدينته المنورة للجيش الكافر يفعل فيها ما يشاء وحرقه وقتل الصحابة في داخله إلى قتل عترة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)وسبهم ولعنهم وحمل الناس على ذلك إلى قتل وتشريد من يحب أهل البيت(عليهم السلام)ويتشيع لهم إلى أن أصبح دين الله لعباً وهزواً والقرآن يمزَّق ويعبث به . . .

وقد تبلغ بنا الجرأة بحيث نسأل التاريخ عن هؤلاء الأشخاص الذين لعبوا هذه الأدوار، لمصلحة من صيغت هذه الأحداث بهذا الشكل؟ وهل كانت هذه المؤامرة وهذا الانقلاب مجرد طمع بالخلافة فقط دون أن يكون باعثهم الحقد على آل البيت بما قتل سيدنا علي من أهلهم في سبيل الإسلام..، ونتساءل هل إن التاريخ سيكون أكثر إشراقاً وتطوراً فيما لو حملهم علي على جادة الحق، ولكنّنا نشهد من الفضيلة والقيم ما لا نحلم برؤيته في وقتنا هذا وفي عصرنا اليوم . . .

أمّا وقد أصبحنا في ظل الإسلام شيعاً وفرقاً وطوائف وأحزاب وشعب وكل واحدة تدعي أنها مع الإسلام وأنها هي الفرقة الناجية.. لا أغالي إذا قلت إنّ ما نعانيه اليوم لم يكن سوى حصاداً لزراعة الأمس ونتيجة حتمية لغصب الخلافة وصرف الأمر عن صاحبه الشرعي . . .

وهذا الكتاب ربما سيكون مع أخوته . . . في سبيل نصرة أهل الحق لأنني لست سوى خادم للحقيقة يرسم وجهها ويوصلها إلى أهلها بيضاء نقية فإياك أيها القارئ الكريم أن تأخذك العصبية القبلية أو الحمية الجاهلية إذا أنت سمعت أو قرأت ما يتنافى مع عقيدتك ومبدأك قبل أن تحقق وتدقق حتّى تتجلى لك الأمور وتنكشف لك الحقائق كما هي عليه في واقعها وحقيقة أمرها فلعل الحق في خلاف ما أنت عليه فإياك أن تنحرف عن الحق أينما كان ولو خالف ما عليه أهلك وجيرانك إذا كانوا على غير الحق أو ابتغوا غير العدل والإنصاف فإنما هي نفس واحدة فلا تفرط في حفظها وبيعها بالتوافه والغرور فتقع بالخسران الذي لا يجبر والبلاء الذي لا يطاق والعذاب الذي لا يغني ولا يزول أبداً فعليك بالتأمل والتمهل

٣٧
 موسوعة من حياة المستبصرين (ج٧) لمركز الأبحاث العقائدية (ص ٣٨ - ص ٧٠)
٣٨

* الدور هو كما علّمنا القرآن الكريم والسنّة النبويّة المطهّرة، هو قبل كلّ شيء ما يدعو إليه العقل والمنطق، وهو توحيد الصفوف {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا} لأنّ في التفرّق ضعفاً وذهاب ذات الريح وتكسر الشوكة، وفي الوحدة عصمة وقّوة.

ولكن السؤال المطروح: هو كيف نوحّد هذه الأمة؟

في اعتقادي أنّه لا يمكن لهذه الأُمّة أن تتوحّد إلاّ تحت الشعار الذي رسمه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو: "تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إنّ تمسّكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً" هذا هو شعار الوحدة الذي يجب أن يسعى كلّ مسلم للالتزام والعمل به، وإذا ما آمنا بأنّ الهداية أساس العقيدة، فيعني ذلك أنّ الهداية هي أساس الوحدة.

أمّا أن نتوحّد لهدف سياسي ومصلحة مؤقتة، فسوف نجد هذه الوحدة تتبخّر في زمن قصير جداً، وهذا ما أظهرته التجارب التاريخية في حياة الأمم والشعوب، لذلك فأنا أدعو لأن تتكاتف جهود المسلمين لتتوحّد، وإذا ما توحّدنا فسوف لن يستبد بنا العدو، ولن نمكّن المستعمر منّا من جديد.

** وهل تعتقدون أنّ الوضع الإسلامي الحالي قد أصبح مهيّئاً لتحقيق الوحدة التي ينشدها المسلمون؟

* حسب اعتقادي فإنّه قد حان الوقت لرفع هذه المظلمة التاريخية عن أهل البيت (عليهم السلام) فالرجوع للحقّ فضيلة، وأنا مستبشر بأنّ كثيراً من المسلمين الآن بدأوا يفكّرون بجدية بالرجوع إلى الحقّ.

** بعد سقوط النظريّة الشيوعيّة هل تعتقدون أنّ الصراع بين المعسكر المادي والمعسكر الإسلامي قد أخذ أبعاداً وصوراً جديدة أُخرى.

٣٩

* لا شكّ في ذلك، والإسلام منذ أن بعث النبيّ محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو في معركة مستمرة، وهي معركة الحقّ مع الباطل، وبعد سقوط النظام الشيوعي الذي كان يحارب الإسلام ويحارب العقيدة الدينية بشكل عام، يبدو أنّ الصراع قد فتح بين المستكبرين والمستضعفين الذين يقف في مقدّمتهم المسلمون، واليوم الكلّ يشهد الظلم والتعسف والوحشية التي يتعامل بها هؤلاء المستكبرون مع المسلمين أين كانوا، في حين أننا نعيش في زمن يدّعي فيه الغرب التقّدم، ويرفع شعارات حريّة الإنسان وحقوقه الدينية والفكرية وفي الحقيقة فإنّ الغرب اليوم هو أبعد ما يكون عن تطبيق هذه الشعارات، لا سيما إذا ما مُسّت مصالحه بضرر ما.

** بم تفسّرون المواجهة الساخنة القائمة بين التيار الإسلامي العربي وعدد من الأنظمة العربية، لا سيما في مصر والجزائر والعراق؟

* إنّ هذه المواجهة قائمة حسب اعتقادي لسببين:

الأول: إنّ النظم السائدة في العالم العربي وإنّ كانت تدّعي الإسلام، إلاّ أنّها علمانية في شكلها ومفهومها، وهي بالأحرى تتعارض في كثير من مبادئها مع الدين الإسلامي الحنيف.

ثانياً: السبب الآخر هو إنّ بعض الحركات الإسلامية في تلك الأقطار لم تختر الأُسلوب الأفضل لمواجهة هذه الأنظمة العلمانية، فتسبب البعض، وللاسف ونتيجة بعض الأخطاء إلى حرق الأخضر واليابس، بينما يدعونا القرآن إلى توخّي الحذر والحيطة في التعامل مع الغير من أجل دعوته للإسلام، فهو يقول: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، إنّ الحركات الإسلامية مطالبة بحسن اختيار الزمان والمكان المناسب للمواجهة، كما أنّها مطالبة أن تكون قوية قبل أن تعلن مواجهتها لأىّ نظام معاد للإسلام، فالله تعالى

٤٠