×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة من حياة المستبصرين (ج 07) / الصفحات: ٤١ - ٦٠

يقول: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّة وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ}(١) وإلاّ فإن إعلان المواجهة من دون تهيئة الظروف لها يمكن أن تتسبب في مخاطر ومضارّ كبيرة.

وبالنسبة لي فإنا أعتقد أنّ الاسلاميين إذا كانوا يرون أنفسهم ليسوا بمستوى المواجهة، فإنّ عليهم أن يعملوا من خلال أُسلوب النصح والإقناع للالتزام بمفاهيم الإسلام والدعوة إليه، كما أننا كإسلاميين لابدّ من مواجهة خصومنا بالدليل العلمي والمنطق والنصح، لا سيما في ظلّ الظرف الراهن، وأن نصبر ولا نستعجل الأُمور، ولا أعتقد أنّ تغيير واقعنا بين عشيّة وضحاها، فالتغيير يحتاج إلى مراحل عديدة حتّى يتحقّق، ومن خلال الاسلوب القرآني الذي أمرنا به.

** هل يفهم من كلامكم هذا أنّكم تدعون الحركات الإسلامية للتراجع وإعادة الحسابات في تعاملها مع الأنظمة الحاكمة، أم إنّها دعوة للصلح مع هذه الأنظمة، وهل هناك إمكانية للصلح بين الطرفين؟

* أنا لا أدعو إلى التراجع وأقول فقط: إنّ تجربتي الخاصة كإنسان كنت ضمن الحركة الإسلامية، أنّه لا بدّ لنا من تقصّي الحقائق قبل اتخاذ القرار، ولنا في رسول الله أسوة حسنة، كما فعل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل البيت (عليهم السلام) نفعل نحن، فالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)مؤيّد بروح القدس، ومع ذلك اختبأ في الغار وأمر أصحابه بالهجرة، ومع ذلك هاجر من مكّة، كلّ هذه الأساليب لابدّ لنا أن نستفيد منها كأسلوب لنا في التعامل مع الذين لم يفهموا الإسلام ولم يستوعبوه.

وأنا أتصور أنّه حتّى لو سالت الدماء بين الطرفين، فإنّه يبقى هناك مجال

١- الأنعام (٨) : ٦٠.

٤١

ومنفذ للصلح، ولكن نتصالح على أُسس تنفع البلاد والعباد، وإذا ما توفّرت النوايا الحسنة فعند ذلك يمكن أن نقول لحكّام البلاد العربية: هذا هو رأي الله في هذه القضية، وإذا كنتم تدّعون حكم الإسلام أن تعملوا بالإسلام الصحيح دون عنف أو تكفير، فالذين يحكموننا من بني جنسنا ومن أبناء أوطاننا، ولكنّهم لم يفهموا معاني الإسلام الحقيقية، ولابدّ لنا أن نوضّح لهم مقاصد القرآن والسنّة النبوية حتّى يعملوا بها.

** هل ما تدعو إليه من دعوات صلح بين الإسلاميين والسلطات الحاكمة ينطبق على جميع الحالات العربية؟

* أنا لا أتكلّم إلاّ عن تجربتي في (تونس) والحال التونسية، أمّا الحالات الأُخرى التي تعيشها الحركات الإسلامية في العراق ومصر والجزائر وغيرها فلا يحقّ لي التكلّم باسمها، وأهل مكّة أدرى بشعابها.

فالعراقيون أعلم بما يناسبهم في مواجهتهم للنظام العراقي، ولا يمكن أن أتطفّل عليهم وعلى طريقة عملهم. وكذلك الحال في مصر والجزائر فلكلّ تجربة وحالة وضعها الخاصّ بها، ولكن بشكل عام فأنا لا أدعو لمهادنة الأنظمة، وإنّما أدعو لاختيار السبيل الأفضل في تحديد العلاقات مع هذه الأنظمة.

** يبدو أنّكم من أنصار العمل بمفهوم التقية في الوقت الراهن، والتي عمل بها عدد من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ولستم من الذين يدعون إلى النهج الذي اتبعه الإمام الحسين (عليه السلام) في تعامله؟

* أنا أُريد أن أقول بصراحة: إنّ الأئمة (عليهم السلام) سلسلة تكمّل بعضها البعض، الإمام الحسن (عليه السلام) قام بقدر المستطاع، ولكنّه لمّا رأى أنّه يحارب قوّة أقوى منه بكثير قبل بالصلح، رغم أن أصحابه اتهموه بالعديد من التهم الباطلة.

٤٢

أمّا الإمام الحسين (عليه السلام) فقضيته قضية أُخرى، فالإمام الحسين (عليه السلام) كانت مسألة استشهاده مفروغ منها، وهو يعلم بها، وقد أعلمه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّه سيقتل منذ كان عمره عدّة سنوات، وتحرّكه كان يستهدف تحريك واستنهاض ضمير الأُمة.

فثورة الإمام الحسين (عليه السلام) ليست كما فهمها بعض الناس بأنّها كانت ثورة مسلحة ضدّ نظام ظالم، إنّ الإمام الحسين (عليه السلام) كان يعلم أنّ رأسه مطلوب حتّى ولو تعلّق بأستار الكعبة، لذلك خرج من المدينة إلى الكوفة، وفي الطريق يحلم أنّه مقتول لا محال، ومع ذلك لم يتراجع أو يتردّد في قتال يزيد، لأنّه كان يعلم أنّ يزيد يريد أن يذّله، لذلك قال قولته المشهورة "يخيّرني ابن سميّة بين السلة والذلة، فهيهات منّا الذلة، يأبى ذلك الله ورسوله والمؤمنين"، فقرّر أن يموت عزيزاً وشهيداً في سبيل الله والإسلام.

فالأئمة كلّهم (عليهم السلام) نصحوا أئمة الجور.

وهكذا كان دور الإمام علي (عليه السلام) مع الخلفاء، ومع ذلك فإنّ كلّ أئمة أهل البيت (عليهم السلام)كانوا ثوريين، ولكن لكلّ وقت وظروف أسلوبه الخاصّ، ولابدّ أن نواجه الحكام والطغاة بالأساليب التي واجههم بها أئمتنا (عليهم السلام).

وأخيراً فلابدّ من التأكيد بأنّي لست من الذين يميلون ويدعون إلى التقية في كلّ الأحوال والظروف، أنا أقول إنّنا كمسلمين علينا أن نكون مجاهدين وقت الجهاد، ومتّقين في وقت التقية، ان نضحّي بالغالي والنفس في وقت ينفع الإسلام، وأن نكون من الصابرين في وقت ينفع الصبر...(١) .

١- "جريدة كيهان العربية، العدد ٣٣٥١، السنة الثالثة عشر، السبت ٥ محرم ١٤١٤هـ".

٤٣

مقابلة مع جريدة "العصر" الكويتيّة

تحت عنوان "رجل اصطفاه الله للدفاع عن أهل البيت :"

** اشتهرت بالحوار في مجال التقريب، وفي مجال ردّ الشبهات في ما بين المذاهب الاسلامية، فهل وجدت أن هذا الحوار كان ناجحاً؟ واذا لم يكن كذلك فما هي أُسس الحوار الناجح؟

* قبل كلّ شيء أنا من دعاة الحوار، لأنّ الحوار في الحقيقة عقيدة أو جزء من عقيدتنا التي جاء بها القرآن الكريم، كما أنّه أساس المعرفة.

الله سبحانه يقول في كتابه العزيز: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَر وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}(١) والمقصود بكلمة (لتعارفوا) هو الحوار، إذ لا يمكن أن نتعارف بلا حوار، وأنا أعتقد بأن الذين يريدون لهذه الأمة إنّ تبقى متفرّقة ومشتتة هم الذين منعوا الحوار.

نعم أقول: إنّ الحوار ضروري ومنه ينبثق النور، وكلّما حاورت كلّما قربت من الطرف المقابل، ولذلك شاركت في الحوار الذي أقيم في لندن في رمضان العام الماضي مع قناة المستقلة، ولكن تبيّن إن من كنّا نحاورهم يمّثلون أنفسهم، وأنهّم لم يأتوا للحوار البنّاء، ونحن بدورنا جئنا للبناء وللوحدة، وعلى الأقل أنا كشفت لهم عن فتوى للإمام محمود شلتوت رئيس الجامع الأزهر ومفتي الديار المصرية في عهده الذي أفتى بأنّ مذهب الشيعة مذهب إسلامي حقيقي، فلماذا أنتم تنكرون هذا؟

نحن لم نكفّر أحداً، ونبحث دائماً وأبداً عن الحوار البناء الذي يبني ولا

١- الحجرات (٤٩) : ١٣.

٤٤

يهدم، الذي يجمع ويقرب ولا يفرق ولا يبعد.

وبالعكس نحن بحاجة إلى هذا الحوار للمّ الشمل; لأنّه إذا كان الله والرسول قد أمرنا من قبل بأن نتحاور، فلماذا نهرب نحن من الواقع !

** تحدّثتم عن الوحدة الإسلامية، ترى كيف يمكن تحقيقها على الرغم من وجود خلافات بين المسلمين؟

* الخلافات هي خلافات بشريّة اقتضتها السياسة والظروف من عهد الدولة الأموية والعبّاسية والعثمانية، وليس هناك خلاف في كتاب الله ولا في سنّة رسوله، وكلّما ازددنا بعداً عن التاريخ الإسلامي كلّما ازددنا تفرقاً، لأنّه إذا رجعنا لتاريخنا وأصولنا وقرأنا كتاب ربنا وسنّة نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم)، واتفقنا على الأصل الصحيح منها، فسوف نتحد ونتوافق، والله سبحانه يحب الجماعة ويحب أن يكون الناس ـ على الأقل المؤمنين منهم ـ أمّة واحدة بقوله سبحانه: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً}(١).

أنا دائماً وأبداً أينما حللت وارتحلت أدعو إلى الوحدة الإسلامية، ولكن أقول صراحة: إنّ الحقّ أحقّ أن يتبع وما على الرسول إلاّ البلاغ: لقد قال الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما قال وهو الذي دعا المسلمين إلى هذه الوحدة: "تركت فيكم ما إنّ تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إنّ تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً"، فنحن لو تمسّكنا بكتاب الله وأهل البيت (عليهم السلام)لاتّحد المسلمون ولقلّت هذه الخلافات وهذه المشاكل.

** لقد درستم في مدينة النجف المقدّسة فترة من الزمن، فما هو انطباعكم

١- آل عمران (٣) : ١٠٣.

٤٥

عن الحوزة العلمية هناك؟

* كنت أذهب إلى النجف الأشرف في العطلة الصيفية ثلاثة شهور ونصف كلّ سنة، حيث كنت أقضيها في الحوزة العلمية مع المراجع الكبار والعلماء، واتنقّل بين البيوت الخاصة بالعلماء والمراجع، أستفيد منهم في جلساتهم الخاصة مع طلبتهم.

وقد ابهرتني طريقة الدراسة في الحوزة، وأعجبت بها، وتمنيّت لو سمحت لي الظروف لرجعت لأثني ركبي من جديد وأتعلّم من جديد في الحوزات العلمية، ولكن الظروف بالنسبة لي غير مواتية، فاكتفيت بحمد الله بما حصلت عليه من هؤلاء الأفذاذ وهؤلاء المراجع الكبار، وتكوّنت لي الكثير من المعلومات الدينية والفقهية بصورة عامة.

** كيف وجدتم المنتديات والديوانيات في دولة الكويت؟

* لقد انشرح صدري لمّا رأيت ما لديكم هنا بالكويت من جلسات بالديوانيات، وأتمنى أن تستغل الأوقات التي يقضيها الناس في هذه المجالس وبالأخص الليالي الرمضانية في دراسة القرآن الكريم وتنظيم ندوات ومناقشات باستمرار، كما أتمنى أن يتمّ تقليل الحكايات فيها وترك التجارة للنهار على الأقل، إمّا في الليل فقد قال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): "يحرم السهر إلا في ثلاث: تهجّد بقرآن، أو علم، أو عروس تزف إلى بعلها"، أمّا غير ذلك فهو حرام، إذا لتكن السهرات في طاعة الله ليكتب لكم أجر وتكونوا من العابدين وبالأخص في شهر رمضان.

٤٦
[image] - مركز الأبحاث العقائدية




(٢) محمّد الصغير السندي

(مالكي / تونس)

ولد "محمّد الصغير السندي" بمدينة السند عام ١٣٧٦هـ (١٩٥٧م) في تونس، وقد نشأ في أوساط عائلة محافظة فكان متدّيناً يحبّ العبادة منذ الصغر، أما حصيلته الدراسية فهو في المرحلة الرابعة من الدراسة الثانوية المهنية.

الاستغراب من استبصار أحد أقربائي:

لتعلّق "محمّد الصغير السندي" بالدين فقد كان كثير التردد على المساجد، فيسمع الخطب والمواعظ و.. فيزداد إقباله على هذه الأماكن وهذه الأجواء، وهذا ما جعله يتتبع ـ في بعض الأحيان ـ المناقشات والمناظرات التي تدور بين الاشخاص بين فترة وأخرى، وكانت محاورها في مجالات العقائد، الفقه، التفسير..، فنشأ يعتقد ما يعتقده السواد الأعظم من المسلمين في تونس ـ وأكثرهم مالكية ـ من تقديس لما في الصحاح من أخبار وروايات، مما ترك في نفسه محبّة للصحابة ولأهل البيت(عليهم السلام) خصوصاً فاطمة الزهراء(عليها السلام) .

وفي أحدى الأيام التقى بأحد أقربائه ـ وكان قريبه هذا قد استبصر منذ فترة ـ فدار بينهما حوار حول عدّة مسائل، منها: عقائد الفريقين، فجعله هذا الحوار

٤٧

يتأمّل ويفكّر ويطلب المزيد لأجل التعرّف أكثر على مذهب التشيّع.

مظلومية الزهراء(عليها السلام) مَن الظالم؟؟

يقول "محمّد": بعد سفر الأستاذ التيجاني إلى النجف الأشرف ولقائه بالمرجع الديني السيّد الخوئي والشهيد الصدر (رحمهما الله)، وعودته إلى تونس، وكان قد استبصر، وأحضر معه كتباً وأشرطة تتحدّث عن مذهب أهل البيت(عليهم السلام)وعقائد أتباعهم وتاريخهم وما جرى عليهم، وقد أثّر بي أحد أشرطة الكاسيت، وكان عبارة عن محاضرة للخطيب الشيخ الوائلي يتحدّث فيها عن مظلومية فاطمة الزهراء(عليها السلام) ومما جرى عليها من الصحابة.

فلقد كان لما ذكره الشيخ الوائلي وقع يشبه الصاعقة على قلبي، لأنّنا كنّا نتصوّر أنّ هذه المرأة هي امتداد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وفيها تنحصر ذرّيته، فكيف يتصرّف القوم معها بهذا الشكل الدنيء؟!

وأخذ يكرر سماع الشريط ، وفي كلّ مرّة يبكي هو ومن معه، سواء كانوا مستبصرين أم لا فالحادث مؤلم ومر، فهذه بضعة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأمّ العترة الطيّبة.

بحث ومتابعة:

بدأ "محمّد الصغير" ببحث واسع في كتب أهل السنّة لأجل الوصول إلى الحقيقة، ووجد الطامة الكبرى عندما تأكّد من جرأة القوم على دار الزهرا(عليها السلام)، واقتيادهم للإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام)..، كما حيّره بحث الخلافة، إذ وجدها مرددة بين النص والشورى والانتخاب، ففي كلّ مرّة ضابط! كما أنّ الفقه السني والتهافت الواضح، والاختلاف البيّن في مسائله، فالشوافع يرون ما لا يرى غيرهم، وكذا الأحناف يحللون ما يحرّمه غيرهم، وقس على ذلك الموالك والحنابل، وكلّهم يدّعي أخذه الأحكام من كتاب الله وسنّة رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم).

ثمّ عدل إلى ما متوفّر من مصادر الشيعة وأخذ يقارن، وإذا به يرى أنّ الحقّ

٤٨

معهم، ولا وجود للعثرات والثغرات في عقائدهم وفقههم و..، وهكذا بدأت الفكرة تتبلور لديه باعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام).

الإعجاب بكتاب نهج البلاغة:

أخذ "محمّد الصغير" يكوّن لنفسه مكتبة في بيته تحوي مختلف الكتب، وكان أوّل كتاب اشتراه ليضعه فيها هو كتاب نهج البلاغة الحاوي لخطب أمير المؤمنين(عليه السلام)، والسبب في ذلك هو أنّه أعجب به أيّما إعجاب، وكذلك للردّ على السنة الذين يقولون: إنّ هذا الكتاب موضوع باسم علي بن أبي طالب، والخطب ليست له!!

مرحلة الاستبصار:

وهكذا توالت الكتب، وبدأ بالقراءة المعمّقة، حتّى انكشفت له الحقائق..، وعرف بأنّ الإمام علي إمام وخليفة بنصّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): "إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا"(١).

وبيعة أبي بكر فلتة قال عمر: "كانت بيعة أبي بكر فلتة، وقى الله المسلمين شرّها فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه"(٢).

وحقائق أخرى، فقرّر ترك ما كان يعتقد، وهجر المذهب المالكي، وتحوّل إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام).

١- تاريخ الطبري ٢: ٦٣، راجع: الغدير: ٢: ٢٧٩.

٢- السنن الكبرى النسائي ٤: ٢٧٢، النهاية في غريب الحديث ٣: ٤١٩.

٤٩
[image] - مركز الأبحاث العقائدية




(٣) محمّد العربي

(سنّي / تونس)

ولد ١٣٧٩هـ (١٩٥٩م) في جرجيس (الجنوب التونسي)، واصل دراسته حتّى أكمل دراسة كلية الفنون الجميلة، نشأ في أجواء سنّية المذهب صوفية الطريقة، وكان يحضر حلقات الذكر، استبصر عام ١٤٠٠هـ (١٩٨٠م) على أثر البحث والحوار مع الدكتور التيجاني السماوي.

الفتنة نائمة لاتُيقظها:

كان "محمّد" يحضر حلقات الذكر التي كان يبحث فيها عن أذكار الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)من بداية البعثة إلى وفاته حتّى وصلوا إلى ما يسمّى بالفتنة الكبرى، وعلّة وقوعها وحدوثها.

وهنا قطع الشيخ كلامه وقال: نغلق هذا الباب وننهي الحلقة هنا.

فسألته: لماذا يا فضيلة الشيخ؟

فأجاب: إنّ الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها!

فقلت له: لا يمكن أن نؤمن بشيء أو نعتقده إلاّ بعد دراسة وبحث، وغربلة وتمحيص.

فقال الشيخ: إذا دخلتم في هذا الباب فسوف ينتهي بكم هذا البحث إلى

٥٠

الكفر، وسوف تظلمون صحابة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، هنا انتهت الحلقة وخرجنا كلّ إلى بيته.

التعرّف على طالب إيراني:

قررّ "محمّد" مواصلة البحث بنفسه فذهب إلى مكتبة جامع الزيتونة، وبدأ بالقراءة حول موضوع الفتنة الكبرى، ثمّ تعرّف على طالب إيراني يُدعى "محمّد البنهاني" يدرس في جامعة "بورقينة" سكول للغات الحيّة ولم يرغب "محمّد العربي" في البداية أن يحاور هذا الطالب ; لأنّه شيعي! ولكنّه ضغط على نفسه، وتحمّل لقاؤه وتحاور معه أوّلاً حول الشبهات التي كانت عالقة في ذهنه حول التشيّع، فوجد معظم ما يعلمه عن التشيّع مجرّد افتراء وتهم ألصقها المخالفون للشيعة ; لتكون مانعاً تحجب الناس عن البحث حول فكر وعقيدة مذهب أهل البيت(عليهم السلام).

اللقاء مع الدكتور التيجاني السماوي:

تعرّف "محمّد العربي" عن طريق الطالب الإيراني على الدكتور التيجاني السماوي، وكان هذا حوالي عالم ١٩٧٧م، وحاول الطالب أن يجمعهما، ولمّا التقيا أهدى الدكتور التيجاني مجموعة من الكتب "لمحمّد العربي"، وتحاور معه حول مختلف المواضيع العقائدية والتاريخية حتّى وصل "محمّد" إلى القناعة التامّة بأحقّية مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، واستمر بحثه مدّة ثلاث سنوات حتّى أعلن تشيّعه عام ١٤٠٠هـ (١٩٨٠م).

كلمة إلى كلّ شاب إسلامي:

يقول "محمّد": أقول إلى كلّ الشباب الإسلامي في العالم: لا تأخذوا الأمور على عواهنها، ولا تجعلوا إيمانكم مثل إيمان العجائز، ولابدّ من البحث والتحقيق

٥١

والتدقيق في كلّ المسائل.

أنا أقول: أيّها الأخوة لا تجمدّوا عقولكم، اجعلوا عقولكم كلّها حركة وتفكير إلى يوم المصير.

مواصلة طلب العلم:

سافر "محمّد العربي" إلى الحجاز لأداء مناسك العمرة في شهر رمضان ١٩٩٧م، ثمّ سافر إلى سوريا لزيارة مقام السيّدة زينب(عليها السلام)، وبعد مجيئه إلى سوريا أحبّ البقاء فيها لدراسة العلوم الإسلامية في الحوزات الشيعية.

يقول "محمّد": وفعلاً توفّقت والحمد لله في دخول الحوزة لإكمال بحثي عن الحقيقة، ولازلت أمكث في سوريا لمواصلة الدروس بشكل حرّ، وأعمل بعض الأعمال الحرّة حتّى أتمكّن من دراسة علوم آل البيت(عليهم السلام)، وكان من ضمن أعمالي الحرّة رسم لوحات فنّية باعتبار أنّ دراستي كانت في كلية الفنون الجميلة في تونس، وكانت لوحاتي تأخذ صبغة دينية عقائدية لتأثّري بالتشيع ومدرسة أهل البيت(عليهم السلام)(١).

١- اقتبسنا معلومات هذه الترجمة من كتاب المتحوّلون، هشام آل قطيط ٣: ٢٠٣ ـ ٢١٠.

٥٢
[image] - مركز الأبحاث العقائدية




(٤) محمّد الرصافي المقداد

(مالكي / تونس)

مرّت ترجمته في (٣: ٢٠٣) من هذه الموسوعة، ونشير هنا إلى ما حصلنا عليه من معلومات لم تُذكر من قبل.

بعد تجلّي الحقائق لـ"محمّد الرصافي" أخذ على عاتقه مهمّة تبينها ونشرها في أقطار العالم من خلال نشر المقالات حول أهم المسائل المطروحة في الساحة العقائدية، وقد أرسل مقالاته إلى مركز الأبحاث العقائدية من أجل طبعها ونشرها.

كما أنّه ألّف العديد من الكتب التي سيطبعها مركز الأبحاث العقائدية قريباً.

من مؤلّفاته:

١ - نعم لقد تشيّعت وهذا هو السبب.

٢ - بيّنات من الهدى.

وقفة مع كتابه "بينات من الهدى":

هذا الكتاب عبارة عن مجموعة مقالات، كتبها المؤلّف في أوقات مختلفة، وبعثها إلى مركز الأبحاث العقائدية من أجل طبعها ونشرها، فقام المركز بمراجعتها وتصحيحها واخراجها في كتاب سماه بيّنات من الهدى.

وتوضّح هذه المقالات عقائد الشيعة وتبيّن معارف أهل البيت(عليهم السلام)، مع

٥٣

دراسة مقارنة بين عقائد الشيعة وعقائد مذهب أهل السنّة وجاء في بداية هذا الكتاب:

تشكو المجتمعات الإسلامية عموماً من نقيصة سيّئة ظلّت ترافقها منذ زمن طويل، وهي شدّة اهتمامها بالمحسوسات، وإهمالها للغيبيات، وبمعنى أدقّ انجذابها للدنيا وتباعدها عن دينها.

ففي أكثر نواحي حياة أفرادها نجدهم يولون اهتماماً مفرطاً إلى البهرج والزينة، يتحسسون فيهما أنجح الصفقات، وأقوم المكسب، وأجود المتاع، وألذ المأكلّ قد يقضي هؤلاء أكثر أوقاتهم من أجل تحصيل شيء زائل، وفي كسب مطلب لا يستحق كُلّ ذلك الجهد والاهتمام والوقت، لكنّك إذا التفت إلى علاقاتهم بدينهم وأسباب بلوغ رضوان الله تعالى في الآخرة، لا تجد منهم نفس الاهتمام والرغبة واللهفة والجهد، بل لا تكاد تجد شيئاً من ذلك كلّه عند أكثر أفراد الأمة، ولا دليل أسوقه هنا أوضح من انصراف أكثر الصحابة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وهو يخطب في صلاة الجمعة، ليجتمعوا بدحية الكلبي وما أتى به معه من تجارة.

ولئن عبرت تلك الحادثة عن سطحية عقيدة المنفضين عن الله تعالى إلاّ أنّها في نفس الوقت أشارت إلى أنّ الدنيا يبقى لها أثر لا ينمحي من أكثر النفوس حتّى ولو كانت متصلة بأفضل الأنبياء والمرسلين(صلى الله عليه وآله وسلم).

ويبقى عامل الدنيا هوالمؤثر في عموم الناس، ولكن يمكن تغييره ليكون في صالح الدين...

وهي قلة المطالعة، وانصراف همّة أفرادها عن تحصيل المعلومة، إلى درجة الاتّكال على الغير في أخذها وتلقّفها.

وهذه الظاهرة ليست وليدة العصر الحديث بقدر ما هي قديمة قدم مؤسسيها من القصاصين والوعّاظ والرواة من اليهود، قرّبتهم الأنظمة آنذاك، ووسعت لهم

٥٤

في مجالسهم ; ككعب الأحبار، ووهب بن منبه، وعبد الله بن سلام، الذين وجدوا أمامهم مجالاً لتمرير افكارهم المسمومة وعقائدهم المحرّفة، ولولا حزب النفاق الذي كان المؤسس الأوّل لوظيفة القاصّ لما كان لهؤلاء وجود داخل منظومتنا الخاتمة، ولا كان لهم أثر سلبي على جانب من الروايات التي تمسّ بجوهر الدين وعقيدته، وكان الوضع الاجتماعي والعلمي للأُمّة في ذلك الوقت دافعاً إلى تلك النتيجة، بحكم قلّة الكتب، وانعدام توفّرها، وتعسّر وصول طالبي العلم إليها، لأنّها نسخ معدودة بعدد أصحابها، الأمر الذي أوجد في أفراد الأُمّة عقليّة التواكل، والعزوف عن تحصيل المعلومة لضنين مواردها، وفسح المجال من جهة أُخرى إلى الطغاة والظالمين ليمرروا سياساتهم الهدّامة، وأفكارهم المريضة إلى عقول الأمّة بعناوين إسلامية.

وعوض أن يتفطن الناس إلى ما دُبّر لهم من تضليل وتجهيل إلتفّوا حول أولئك الذين اشتروا آخرتهم بدنيا زائلة لا محالة، فأعطوهم نوافذ عقولهم وأفئدتهم، وأصغو إليهم بجوارحهم إصغاء الأبله المريض، بينما كان القصاصون من الجهة المقابلة يدسّون السمّ في الدسم، وينشرون ما يقوي الظالمين، ويشدّ أزر سلطانهم، فلم ينتبه إلى الحق إلاّ القليل، ومضى الأمر على ذلك النسق زمن طويلاً،تربّت فيه الأجيال على ثقافة مشوشة بالكذب والبهتان والزور، وجاء عصر التدوين، فكتب حق وباطل، أثبت بعد ذلك، ثُمّ وصف بالصحة، ونودي عليه بالسلامة والنقاوة، وسُمّي سنّة نبويّة، ولو علم الناس انقطاعه عن زمن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)لما أخذوه وعملوا به.

ولا يفوتني في هذا المقام أن أستحضر مقالة للإمام علي(عليه السلام)، تحدّث فيها عن أصناف رواة السنّة النبويّة المطهّرة استكمالاً للفائدة المرجوّة من وراء ذلك إذ يقول(عليه السلام):

"إنّ في أيدي الناس حقاً وباطلاً، وصدقاً وكذباً، وناسخاً ومنسوخاً، وعاماً

٥٥

وخاصاً، ومحكماً ومتشابهاً، وحفظاً ووهماً، ولقد كُذب على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) على عهده حتّى قام خطيباً فقال: من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار، وإنّما أتاك بالحديث أربعة رجال ليس لهم خامس:

رجل منافق مظهر للإيمان، متصنع بالإسلام، لا يتأثّم ولا يتحرّج، يكذب على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) متعمداً، فلو علم الناس أنّه منافق كاذب، لم يقبلوا منه ولم يصدقوا قوله، ولكنهم قالوا صحب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، سمع منه ولقف عنه، فيأخذون بقوله، وقد أخبرك الله عن المنافقين بما أخبرك، ووصفهم بما وصفهم به لك، ثُمّ بقوا بعده ـ عليه وآله السلام ـ، فتقربوا إلى أئمة الضلالة، والدعاة إلى النار بالزور والبهتان، فولوهم الأعمال، وجعلوهم حكاماً على رقاب الناس، وأكلوا بهم الدنيا، وإنّما الناس مع الملوك والدنيا إلاّ من عصم الله، فهو أحد الأربعة.

ورجل سمع من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) شيئاً لم يحفظه على وجهه فوهم فيه، ولم يتعمد كذباً فهو في يديه يرويه ويعمل به ويقول: أنا سمعته من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فلو علم المسلمون أنّه وهم فيه لم يقبلوا منه، ولو علم هو أنّه كذلك لرفضه.

ورجل ثالث سمع من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) شيئاً يأمر به، ثُمّ نهى عنه وهو لا يعلم، أو سمعه ينهى عن شيء ثُمّ أمر به وهو لا يعلم، فحفظ المنسوخ ولم يحفظ الناسخ، فلو علم أنّه منسوخ لرفضه، ولو علم الناس إذ سمعوه أنّه منسوخ لرفضوه.

وآخر رابع لم يكذب على الله ولا على رسوله، مبغض للكذب خوفاً من الله، وتعظيماً لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يهم، بل حفظ ما سمع على وجهه، فجاء به على ما سمعه، لم يزد فيه ولم ينقص منه، فحفظ الناسخ فعمل به، وحفظ المنسوخ فجنب عنه، وعرف الخاصّ والعامّ فوضع كُلّ شيء موضعه، وعرف المتشابه ومحكمه..."(١).

١- شرح نهج البلاغة للشيخ محمّد عبدة ٢: ١٨٨ ـ ١٩٠.

٥٦

لقد كان للعامل السياسي في تفشي ظاهرة الكذب في دين الله تعالى الأثر الأكبر، مضافاً إلى ذلك الإجراء الظالم في منع تدوين الأحاديث النبوية، والذي استمر أكثر من قرن ونيف، حتّى إجازة التدوين ـ التي صدرت من عمر بن عبد العزيز، وبوشر العمل بها بعده ـ كانت مقيدة ومخصوصة، بحيث لم تشمل جميع من له صلة بالرواية والفقه، وإنّما تعلّق الأمر بالمقرّبين من البلاط الأموي، بينما أُقصي غيرهم باعتبارهم مناوئين للسلطة.

وإذا نحن استعرضنا من جانب آخر تشجيع الأمويين ـ وعلى رأسهم مؤسّس سلطانهم معاوية بن أبي سفيان الطليق ـ بعض الصحابة كأبي هريرة، والمغيرة بن شعبة، وسمرة بن جندب، وعمرو بن العاص، وإغرائهم بالأموال والأعمال، للكذب على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، في عصر ما زال التدوين فيه بعيداً عن الحصول، تكونت لدينا فكرة ثابتة وصحيحة، عن الظروف والأوضاع التي مرّت بها السنّة النبوية التي هي بين أيدينا الآن، أخصّ بالذكر منها ما هو متعلق بما يُسمّى بـ(الصحاح) والمسانيد، وبقية الكتب الروائية عند بني مذهبي الذين كنت منهم.

وعلى ذلك حصل لدينا يقين بأنّ الله تعالى الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماء ولا في الأرض لا يمكنه أن لا يكون إلاّ حكيماً دائماً، ومكمّلاً دائماً، ومتمّاً دائما ومحسنا دائماً، فقد جعل لمسألة حفظ دينه بعد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، مستحفظاً يذب عنه تحريف الضالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، وهو الإمام المبين، ومن عنده علم الكتاب، باب مدينة علم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والهادي إلى سبيل الله تعالى من بعده، وثقل القرآن وعدله، الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام)، الذي لو تأمّلت سيرته، بما فيها من تضحيات في سبيل الحق، وبذل للمهجة من أجل إعلاء كلمة الله تعالى ونوره المبين، وتتبعت كلامه الذي قال عنه جهابذة اللغة وأرباب البلاغة: "إنّه دون كلام الله تعالى وفوق كلام البشر"، واستقصيت دعاءه الذي لم

٥٧

يشهد له الناقلون مثيلاً من حيث العمق المعنوي، والقوّة البلاغيّة، والتناسق الفكري، والبناء العقائدي، ونظرت إلى من كان حوله من أصحابه واتباعه، والتفت إلى من ناوءه وظلَمه وحارَبه وهضم حقه، تأكّدت أنّ الحق أبلج كالنور، وأعلى كالقمم الشماء، فليس بعد الحق إلاّ الضلال المبين.

إنّ الإسلام دين خاتم جاء ليصحح ما حرّف من رسالات سابقة، وليقوّم اعوجاج مسار البشريّة، ويوجهها جميعاً إلى التوحيد الخالص الذي لا شرك فيه، وأعني بذلك فصل الدين عن الحياة، واعتبار أنّ الدين شيء والسياسة شيء آخر.

لقد شرّع المولى تعالى دينه الخاتم ليشكل به خلاصة الرسالات السابقة، فهو مجموعة من الأحكام التي تتعلّق بعلاقة الفرد مع خالقه ومع غيره من البشر والكائنات، وهذه المنظومة تحتاج لاستمرارها إلى أداة تنفيذ وحفظ تكون من جنس التشريع، والقول بغير هذا كلام غير مبني على أساس، ولا يستند على دليل منطقي.

نقطة الخلاف الأساسي بين المسلمين اليوم ـ بصرف النظر عن بعض الخلافات في التوحيد والنبوة ـ هي نظام الحكم في الإسلام، علينا أن نبحث بما توفّر لدينا من نصوص عن أصحاب الرأي الأصح، والحجّة الأقوى ; لنكون معهم يداً واحدة بها يتجدّد الدين، ويقوم أساسه الأول وهو (الإمامة).

عليك أيّها المسلم الرشيد أن تعيد حساباتك جيداً، وتبحث بين ذلك الركام الذي وصلنا عبر قرون طويلة، استطال فيها الظلم والبغي، حتّى أصبح ديناً يتعبّد به الناس، فتخير سبيل الرشاد، واُنظر لنفسك من ستقدم، يوم يدعو الله تعالى كُلّ أناس بإمامهم، وأسأل الله تعالى العون على ذلك، مخلصاً له في كُلّ حركة تقوم بها، وتأكد أنّه لن يتركك سدى.

٥٨

وقفة مع كتابه "نعم لقد تشيعت وهذا هو السبب":

يتضمّن هذا الكتاب مجموعة حوارات بعض المستبصرين مع أهل السنّة، منها:

حوار حول أسباب تشيّع هؤلاء:

التقيت بهم على غير موعد ، فقد كانوا تعوّدوا على الالتقاء في مكان واحد ، يتحسّسون فيه الأُلفة والأُنس، وتبادل الراي ، وتمتين رابطة الإخوّة ، وأواصر الصداقة ، في عصر قلّت فيه الإخوّة وهُجرت الصداقة قلوب أغلب الناس ، وانعدم الشعور بالراحة والأُنس والطمأنينة اتجاه الآخر ، ولم يعد للرأي والمشورة نصيب ، حتّى الدين الذي له من القداسة والخشية في القلوب ، لقي من العنت والتطاول ما جعل الجرأة عليه أكثر من أيّ شي آخر ، وقد كان للحكّام العرب على مرّ التاريخ دور كبير في إضعافه ، وتحريف بعض أحكامه وتعطيل البعض الآخر ، وكان الناس في ذلك تبعاً لهم ، إلاّ قليلا من المؤمنين ; لأنّ أغلبية البشر عبيد الدنيا ، وقد قيل : يؤخذ بالسلطان ما لا يؤخذ بالقرآن ، والناس على دين ملوكهم .

إذاً في عصر طغى فيه الاستبداد ، وعمّت الأنانية حتّى ذهبت بفلسفة الخلق وطبيعة النشأة ، فلم يعد يعني لوجود الإنسان الذي كرّمه الله تعالى ، وفضّله على سائر مخلوقاته غير المظاهر المادية ، وعلامات الترف والاستعلاء على الآخرين .

وسط تلك الأجواء كان اللقاء .. وكان التعارف ، من أجل إحياء الروح الإيمانية التي تكاد تتلاشى من مجتمعاتنا الإسلامية ، ومن أجل صياغة الفرد المؤمن ، وبناء علاقة أساسها الحبّ في الله تعالى والبغض في الله ، وما الدين في جوهره وحقيقته إلاّ تولّياً وتبرّياً، ولم توجد على مرّ تاريخ البشريّة نماذج كثيرة من هذه العلاقات ، إذ استثنينا حركة المعصومين في مجتمعاتهم ـ وأعني بهم الأنبياء والأئمة(عليهم السلام) أو مجالات تحرّك المرجعيات وعلماء الأُمة رضوان الله

٥٩

تعالى عليهم .

وطبيعي في هذه الحالة أن ينتابني شعور من الغبطة والاعتزاز والرضى وأنا أرمق تلك الوجوه المحيطة بي ، قد زانها الله تعالى بنور الإيمان ، وأسبغ عليها من فضله في إدراك ما لم يهتد إليه آخرون .

توجّهت في مفتتح اللقاء بسؤال عام وجّهته للجميع ، ليتحدّثوا عن السبب الذي دفع بهم إلى الخروج عن معتقد المجتمع وموروث الأُسرة ، والانتقال إلى فضاء اعتقادي آخر ، يختلف في بعض تفاصيله ، وكثير من بواطنه عمّا كانوا يتعبّدون به سابقاً ، الغاية واحدة والأسباب كثيرة ، متنوعة بتنوع عقول الناس وأفئدتهم ، والنهج التعبدي الجديد امتلك من قوّة الدليل بحيث تنوّعت وتعدّدت أدلّته على أحقّيته في أن يكون له وحده الحقّ في أن يكون عنوان الإسلام المحمدي الصافي من كلّ الأدران التي أحكمت طوقها وأسرت جمعها ، ورمت بهم إلى الشبهة والظنّ والهوى قامعة إياهم بمقامع الظالمين.

رأيت أن أجعل أسباب تشيّع هذه الثلّة ، موضوع هذه الدراسة لعلّها تكون الدافع القوي لمن لم يطلع على العلل التي دفعت بكثير من المسلمين إلى تحريك عقولهم نحو نور الإيمان الحقّ ، نور محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)وفاطمة وعلي والحسن والحسين والأئمة التسعة الأطهار من ذريّة الحسين(عليهم السلام) ، منهم فاضت معالم الدين الحقّ على المؤمنين ...

شيّعتني الحجج التي في كتب السنّة المعتمدة:

وكان أحد المستبصرين يدعى حسن قبل أنْ يعتنق خطّ الشيعة الإمامية الاثني عشريّة مثلي ومثل بقيّة الإخوة المؤمنين مالكيّاً أشعريّاً ، لم يكن معتقداً إسلاماً آخر صحيحاً غير الذي كان يعتنقه ، وقد عمّقت قناعاته ما كان يتلقّاه من معلومات عن بقيّة الفرق والمذاهب خلال الدرس في مادة التربية الإسلاميّة ،

٦٠