×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة من حياة المستبصرين (ج 07) / الصفحات: ٦١ - ٨٠

والتي كتبت بأقلام جرى فيها حبر التعصّب الأعمى ، وتلوّنت بشتّى الافتراءات والأكاذيب التي لفّقت من أجل إطفاء نور الإسلام الحقّ ، مضافاً إلى التربية التي تلقّاها على ذلك الأساس ، والتي لم تسمح له بالالتفات إلى بقيّة الاتجاهات الإسلاميّة والتمييز بينها .

في إحدى التظاهرات التي كانت تقام هنا وهناك على الساحة التونسيّة ، بمناسبة يوم الأرض ، واليوم العالمي لحقوق الإنسان ، وغيرها من المناسبات التي يتجنّد المثقفون التونسيون لإحيائها داخل أسوار الجامعة ، من أجل الإبقاء على نفس المبادىء ، داخل وجدان الطلائع المؤمنة بها ، التقينا على مائدة الحوار الإسلاميّ ، إسلاميّاً ، باحتشام ومداراة شديدين ، ولولا علاقة الجيرة التي كانت تربطنا ببعض ، لما أمكن لنا أن نلتقي في ذلك الحوار الذي وقف في وجهه قياديّو النهضة ، وشدّدوا على منع عناصرهم من الانخراط فيه ، أو حتّى الاقتراب منه بأيّ شكل من الأشكال .

أتذكر أنّه في تلك الفترة التي بدأت الدعوة إلى التشيّع تظهر على الساحة ، وفي أماكن معدودة ، ومن طرف عناصر لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة ، بدأت قيادات النهضة في ترويج كتب إحسان إلهي ظهير ، التي كان يراد بها تكفير الشيعة ، وإخراجهم عن الإسلام ، وتنفير المسلمين منهم ، في محاولة لنسف أسس الدعوة إلى فكرهم ، وغلق الطرق المؤدية إليهم أمام عناصرها الإسلاميّة ، وذلك لمّا رأوا أنّ أعناق بعض منتسبيها بدأت أياديها تمتدّ إلى كلّ ظاهرة إسلاميّة ، خصوصاً بعد انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران .

بحكم تواجدي داخل أسوار الجامعة ، وفي كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة ، حضرت في أحد الأيّام مناقشة بين زميلين ، أحدهما شيعيّ وكان داعية إلى التشيّع ، والآخر سنيّ من خطّ النهضة ، وبقدر ما كان النقاش محتدما وحامياً بين الطرفين ، بقدر ما كان غير متكافىء ، وقفت فيه على حقيقة قلبت مجرى اعتقادي

٦١

رأساً على عقب .

في البداية كنت مأخوذاً بالتهم التي ساقها السنيّ النهضوي ، ليضع التشيّع بما اشتمل عليه وأهله في موضع المتجنّي على الإسلام ، لكنّني وبمرور الوقت ، بدأت أشعر أنّ هناك منطقاً آخر وحجّة تغازلان عقلي ، وتدفعانه نحو اكتشاف الحقيقة والوقوف عليها .

لم أكن أعلم أنّ الشيعيّ كان من حركة النهضة ، ولما التقى بأحد الدعاة الشيعة اقتنع بالطرح الذي قُدِّم له ، واعتنق الفكر الشيعيّ الاثني عشري ، وطبعاً لم يكن ذلك ممكناً من لقاء واحد ، أو من خلال بحث واحد .

كانت أولى مقالات الزميل السنّي متعلقة بتحريف القرآن ، فقال : إنّ من أقوى البراهين التي استُدلّ بها على بطلان مذهب الشيعة هو قولُهم بتحريف القرآن ، وجلّ علمائهم يدينون بذلك ، وكتبهم ملئى بالروايات التي تقرّ بالتحريف .

فقال الزميل الشيعي : أظنّك قد استقيت ذلك من كتاب إحسان إلهي ظهير "الشيعة والقرآن" ، ومن بعض الأقلام المشبوهة التي لا يعرف لها أصل من فصل ، لأنّني لم أعثر على مفسّر واحد من مفسري الشيعة يعتقد بتحريف القرآن ، ويدين به ، ناهيك أنّه خلاف قوله تعالى : {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(١) والقرآن الذي تعرفه وتتلوه وتصلي بسوره وآياته ، ويباع في المكتبات ، ويلقن في الكتاتيب ، هو نفسه القرآن الذي يدين به الشيعة منذ أن وجدوا ، ولم يخرج على الناس مفسر واحد منهم بغير ما هو متعارف عند جميع المسلمين ، ولو كان الأمر كما تدّعي ، لانتهى أمر الشيعة بهذا الادّعاء المنحرف .

قال السنّي : إحسان إلهي ظهير تحدّث عن أكبر حُفّاظ الشيعة ، ورأس رواياتهم الشيخ الكليني ، الذي أخرج عدداً من روايات التحريف .

١- الحجر(١٥): ٩ .

٦٢

قال الشيعيّ : إنّ الشيخ الكلينيّ أخرج تلك الروايات لسبب واحد ، هو الأمانة العلمية التي حتّمت عليه نقل تلك الروايات ، لكنّه من الجهة الاعتقاديّة لم يكن مطمئنا لها ، فأفرد لها باب في كتابه الكافي سماه باب النوادر ، وقد درج الشيخ الجليل على تخصيص باب للنوادر في كلّ أبواب الفقه ، وهي خاصيّة تميّز بها عن غيره من علماء (السنّة) كالبخاري ومسلم وغيرهما ممّن أخرج روايات التحريف في القرآن ، وأدرجوها في أبواب الفقه دون حيّز ولا فصل ، والاعتقاد بالزيادة أو النقيصة في القرآن اعتقاد واحد ، وأزيدك أكثر ، عندما نرى في عصرنا الحاضر أنّ الله تعالى دافع عن الشيعة في مسألة تحريف القرآن ، وكيف لا يفعل وهو الذي يقول : {إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّان كَفُور}(١) فقد ظهر من أبناء الشيعة هذه السنوات أطفال صغار السنّ حفظوا القرآن حفظاً عجيباً لم يأت الزمان بمثله ، فمن إيران الإسلاميّة إلى العراق ، خرج علينا براعم في عمر الزهور ذكوراً وإناثاً بعجيب حفظ ، أذهل العقول وأثار الغرابة ، وألقم الذين نسبوا إلى الشيعة تحريف القرآن حجراً لو كانوا يعقلون ، فإذا كان الشيعة يعتقدون بتحريف القرآن فلماذا يتعهدونه ويحفظونه لناشئتهم؟ ولماذا يزيدهم الله تعالى من فضل رحمته بحفظ لم يعهده أحد من الناس؟

قال السنّي : إذاً ، فمن أين جاءت تهمة التحريف التي رُمي بها الشيعة؟

قال الشيعي : إنّ نسبة التحريف التي جاء بها أهل الافتراء والكذب على الشيعة ، لا أصل لها في حقيقة الأمر ، كلّ ما يمكنني أنْ أفيدك به في هذا المجال ، هي كلمة قالها الإمام أبو عبد الله جعفر الباقر عن المخالفين لخطّ الإمامة بخصوص القرآن : (وأقاموا حروفه وحرّفوا حدوده)(٢) . بمعنى أنّ التحريف لم يقع في لفظ القرآن ، وإنّما وقع في معانيه وتأويله وتفسيره ، والشيعة الاماميّة الاثني

١- الحج(٢٢) : ٣٨ .

٢- الكافي ، الكليني ٨ : ٥٣ .

٦٣

عشريّة مُبرّؤون من تحريف القرآن لفظاً ومعنى ; لأنّ ما عنيه خامس أئمة أهل البيت(عليهم السلام)غير متعلّق بشيعته ، باعتبار أنّهم ملتزمون بأئمتهم ، علماً وعملا ، وأمراً ونهياً ، طيلة القرون الثلاثة التي وجدوا فيها ، بينما تفرّقت بغيرهم السبل ، واتّبعوا أثر كلّ ناعق ، لذلك أجزم بأنّ مصدر التهمة جاء من أنظمة الحكم التي كانت تعتبر التشيع لأهل بيت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) خطراً يُهدّد كيانها ، وينذر بذهاب سلطانها ، فلفّقت لهم عدداً من التهم ، وأحاطتهم بهالة من الإشاعات الكاذبة ، من اجل الحد من إشعاع ذلك البيت الطاهر وتأثر أنصاره في المجتمعات التي يعيشون بينها .

قال السنّي : كيف تريدني أنْ اقتنع برؤيتك التي تدّعي أنّها إسلاميّة ، وكتبك لا أعرف عنها شيئاً ، وهي غير معتمدة عندنا نحنُ أهل السنّة؟

قال الشيعي : أنا لا أريد أنْ ألزمك بما في كتبي فذلك يحتاج إلى مجال وجهد ووقت آخر ، لكنّني ألزمك بما ألزمت به نفسك من كتب نعتموها بالصحاح ، وكتب قدّرتم جهود أصحابها ، فصدح بها أئمة المنابر ، وأخذ منها الباحثون ومؤلفوا الإسلام في الأصول والفروع ، وغياب كتب الشيعة عن الناس لم يكن بسبب أئمة الشيعة ولا أتباعهم ، وإنّما كان السبب فيه الأنظمة التي حكمت رقاب المسلمين بالقهر والحديد والنار ، فلم يُزكّوا غير مواليهم وأتباع سلطانهم ، بينما عُدّ الشيعة من المعارضة ، وطلب رؤساؤهم للقتل أو السجن بسبب ذلك .

فلم أتمالك عندما وصل الحديث عند هذا القول من التدخل فقلت: وأي حجّة أعظم من أنْ تلزمنا بما نحن ملزمون به ، إنّها قمّة الاستدلال ، وغاية إقامة الحجّة ، وهل ترى غير ذلك يا زميلنا العزيز؟

قال السنّي : لا أجد ما أقوله لك بعد الذي قلت ، فهات ما عندك من براهين .

قال الشيعيّ : لسوف أقتصر في البداية على الأحاديث النبوية ; نظراً لكونها المفسّر الأساس للقرآن ، وسأختتم بمتعلقها من الآيات زيادة في إظهار الدليل :

٦٤

أخرج حفاظ خطّك عدداً من الأحاديث، التي يستشف منها أحقيّةُ عليّ(عليه السلام)في قيادة الأمّة الإسلامية ، منها ما فيه إفادة مباشرة على ذلك ، ومنها ما هو دون ذلك ، لكنّه يتضافر و يقوي ويعاضد جانب الإفادة الأولى .

وتعدّد الأحاديث ، جاء ليكشف عن حرص شديد للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، من أجل بيان مقام أهل بيته(عليهم السلام) ، كمعتصم من بعده للمسلمين ، وقادة يسلكون بهم سبل السلام . فقد أخرج البخاري ومسلم حديث المنزلة ، الذي قال فيه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)لعلي : "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي"(١) .

وحديث المنزلة هذا من أحد الحجج على أحقيّة عليّ(عليه السلام) في قيادة الأمّة بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، نظراً لأنّ القرآن الكريم قد احتوى على عناصره من خلال سياق الآيات المتعلقة بهارون وموسى(عليهما السلام) ، فقد جاء في سورة طه قوله تعالى : {وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي* هَارُونَ أَخِي* اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي* وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي* كَىْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً* وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً* إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيراً}(٢) . فلعليّ من خلال هذه الآية : أخوّته من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقد تمّت بالمؤاخاة في مكّة والمدينة باتّفاق أهل العلم ، ولو كان لغير عليّ(عليه السلام) من القربة والمكانة ما يمكنه أن يكون أخاً للنبيّ أو خليلا كما يحاول ترويجه الأدعياء ، لما صرف عنه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وجهه إلى غيره . ولعليّ(عليه السلام)الوزارة وشدّ الأزر والإشراك في الأمر ، والسيرة شاهدة على ما قدّمه علي(عليه السلام)بالدليل والبرهان وليس بالكذب والبهتان ، وأضغاث الأحلام التي طفحت بها كتب الحديث المسمّاة بالصحاح ، وإذا غاب الأمير حضر الوزير .

وجاء في قوله تعالى : {قَالَ مُوسَى لاَِخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ}(٣) .

١- اُنظر حديث المنزلة في صحيح البخاري ٤ : ٢٠٨ ، ٥ : ٢٩ ، صحيح مسلم ٧ : ١٢٠ ، وغيرها من المصادر .

٢- طه (٢٠) : ٢٩ ـ ٣٥ .

٣- الأعراف (٧) : ١٤٢ .

٦٥

فهذه الآية تؤكّد خلافة عليّ(عليه السلام) لمنصب الحكم الذي كان يشغله النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)بحسب الحديث المتقدّم ، لأنّها تؤكّد بأنّ إحدى منازل هارون من موسى هي منزلة الخلافة .

قال الزميل السنّي : لكنّ كبار علماء السنّة قالوا بأنّ خلافة عليّ هي في الأهل وليست في الأمّة ، فالنووي مثلا في شرح صحيح مسلم ، لم يعترف بغير خلافة علي(رضي الله عنه) في أهله دون الأمّة ، وبذلك قال من المتأخرين أبو الأعلى المودودي في كتابه الخلافة والملك .

قال الشيعي : لقد بلغ التقليد الأعمى بأهله إلى التعمية على حديث المنزلة بالادّعاء الباطل بأنّ منزلة علي(عليه السلام) التي أشار إليها النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، هي مخصوصة في أهله فقط دون أمتّه ، سعياً من المحرّفين إلى صرف المسلمين عن حقيقة منزلة عليّ(عليه السلام) ، دون إشارة إلى كون المنزلة المشار إليها قد فصلّ القرآن فيها القول بشكل جليّ ، لا يلتبس إلاّ على منافق خبيث الولادة ، فوصاية عليّ(عليه السلام)على أهل بيته ، لا تستوجب ذكراً ، ولا إشارة ، ولا تلميحا من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، لأنّها من تحصيل حاصل ، ولا تحتاج إلى تأكيد أو توثيق ; لأنّها ممّا لا يمكن عقلا وعرفاً أنْ ينازعه عليها أحد .

إذاً فقوله تعالى : {اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي} دليل على أنّ خلافة هارون كانت في قومه وهم بنو إسرائيل ، فتكون خلافة علي(عليه السلام) في الأمة الإسلامية ، ولا يحتاج بيانها إلى أكثر من إشارة وتلميح .

قلت وقد صدع تفسير الشيعي الثوابت التي كنت أعتقدها بشأن الخلافة ، وهزّ أسسها هزّاً تهيّأت فيه للتداعي والسقوط ، فليس بعد هذا الدليل حجّة يستطيع منصف ردّها : إذاً فمسألة الخلافة قد حسمها حديث المنزلة ، الذي توضّحت أركانه من خلال آيات القرآن التي بيّنت منزلة هارون من موسى(عليهما السلام) ، وظهرت بذلك منازل علي(عليه السلام)من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وسوف لن أكون مفرطاً في اعترافي

٦٦

بحقيقة أنّ علياً(رضي الله عنه) قد ظُلم باغتصاب حقّه في خلافة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ونُكبت الأمّة وحرمت من قيادة رشيدة هادية مهديّة اختزلت كلّ قيم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وجمعت كافّة الخصائص الممكنة لشخص له أهليّة الحلول محلّ خاتم الأنبياء والمرسلين(صلى الله عليه وآله وسلم)في قيادة الأمّة الإسلاميّة .

فقال الزميل السنّي : لكن كيف يمكن أنْ يجتمع الصحابة كلّهم رضوان الله عليهم على باطل التنكّر لعليّ(عليه السلام) ، وهم الذين قال عنهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : "أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم"(١) ، كما أنّه قال : "إنّ الله لا يجمع أُمّتي ـ أو قال أمّتي محمّد ـ على ضلالة..."(٢) .

قال الشيعي : لو تتبّعنا الحقبة التاريخيّة التي سبقت وفاة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وما تبعها من أحداث كحادثة السقيفة ، فإنّنا نجد أنّ الروايات في معظمها قد دوّنت بأسانيد تضمنت أشخاصاً قد طعن في صدقيتهم ، فكذّب علماء الجرح من كذّبوا منهم وضعّفوا من ضعّفوا ، ومع ذلك مرّت رواياتهم التي كانت في معظمها بعيدة عن حقيقة ما وقع في تلك الفترة ، واعتمدها أكثر رواة التاريخ دون بحث وتمحيص ، ولعل محمّد بن جرير الطبري الذي يُعتبر من أقدم مصادرها ، قد دوّنها في تاريخه ، والفاصل الزمني بينه وبين تلك الأحداث يناهز الثلاثة قرون دون تحقيق ، ولو بذل جهداً بسيطاً في ذلك المجال لردّها كلّها . وسيأتيك أنّ حديث النجوم باطل وموضوع .

أمّا قولك بأنّ الصحابة لا يجتمعون على باطل ، فإنّهم لم يجتمعوا كلّهم على موالاة الخليفة الأوّل ; لأنّ بيعته قد تمّت في غياب كافّة بني هاشم الذين كانوا منشغلين في تجهيز النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، مضافاً إلى ذلك غياب عدد من المهاجرين كالزبير

١- اُنظر الحديث وتخريجاته في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة للألباني ١ : ١٤٤ ، حديث رقم (٥٨) .

٢- سنن الترمذي ٣ : ٣١٥ .

٦٧

وطلحة وأبي ذر وعمار وآخرون كالمقداد وسلمان .

أمّا ما نسبته إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من حديث بأنّ أصحابه كالنجوم بأيّهم نقتدي نهتدي ، فالحديث مردود من طرف عدد من أرباب علم الحديث عند مذاهبكم ، كابن حزم وابن حنبل وابن عبد البر ، كما حكم الألباني بوضعه(١) ، وفي حقيقة الأمر ، فإنّ الحديث المزعوم لا يستقيم مع القرآن وواقع الصحابة أنفسهم ; لأنّهم كانوا طبقات متفاوتة في التديّن والتقوى ، فهنالك الصحابي المؤمن ، والذي في قلبه مرض ، والمنافق الذي أظهر الولاء وأبطن العداء ، وقد جاء في عدد من الآيات ما يُفنّد عدالتهم جميعاً لاختلافهم مع بعضهم ، وافتراقهم عن بعضهم ، ومحاربتهم بعضهم بعضاً ، ولم تتضمن آية من القرآن ما يفيد عصمتهم حتّى يكون اقتداؤنا بأحدهم هداية ومنجاة ، ناهيك أنّ في القرآن آيات جاءت فاضحة لسرائر وخفايا عدد منهم ، وقد بيّن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في أحاديث الحوض التي أجمع على إخراجها كبار الحفّاظ ، أنّ عدداً من صحابته سيدخلون النار ، فبطل الاقتداء بهم لانتفاء العصمة وسقوط العدالة عنهم ، ودخول أكثرهم النار ، وسقطت تبعاً لذلك رواية أصحابي كالنجوم ، لعدم ملاءمتها لكلّ ذلك الواقع ، ودخول عدد من الصحابة النار بما اقترفت أيديهم ، ليس أمراً مستحيل الوقوع ; لأنّ الصحابة ليسوا شركاء في نبوّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولا جاء في القرآن والسنة النبوية المطهرة ما يفيد براءتهم ونجاتهم من النار يوم القيامة ، هم أناس مكلّفون مثلنا ، جرى عليهم من الأحكام والقضاء والقدر ما جري ويجري على كلّ الأجيال الإسلاميّة ، وكلّ فضل حصّله أحد الصحابة أو اكتسبه فلنفسه وليس لأحد ، رضي الله تعالى في كتابه عن صلحائهم ، ولعن وتوعّد وفضح طلحاءهم ومرضى القلوب منهم .

ثمّ إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بيّن مرجعيّة الأُمّة في حالة الاختلاف في مواطن عديدة

١- اُنظر سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ١ : ١٤٤ ـ ١٤٥ ، حديث رقم (٥٨) .

٦٨

منها ما قاله لعمّار : "يا عمار بن ياسر رأيت عليّاً قد سلك وادياً ، وسلك الناس وادياً غيره فاسلك مع علي فإنّه لن يدليك في ردى ولن يخرجك من هدى"(١) . فتبيّن أنّ حجّة اجتماع الأمّة من دون علي(عليه السلام) لا تدلّ على أنّ الحقّ مع الأمّة ، بينما يدلّ شخص عليّ(عليه السلام) ، ومواقف عليّ(عليه السلام) ، أنّه مع الحق دائماً وأبداً ، ولا أدلُّ على ما أقول من قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) : "عليّ مع الحق والحق مع علي ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض يوم القيامة"(٢) وقوله(صلى الله عليه وآله) أيضا : "علي مع القرآن والقرآن مع علي ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض"(٣) .

قال السنّي : فلماذا وقع تقديم الصحابة عند أهل السنّة وتفضيلهم بهذا الشكل؟

قال الشيعي : إنّ الاعتقاد بتفضيل الخلفاء الأوائل على أهل البيت(عليهم السلام) ، لم تكن له صلة بعهد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولم تظهر محاولة التقديم إلاّ في عهد طلقاء بني أميّة ، وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان وحزبه ، سياسة زرع الباطل ومحاولة إحلاله محل الحقيقة من طرفه وطرف عصابته التي أسّست لفتنة كبرى لا نزال نعاني من آثارها الخطيرة إلى اليوم ، وجاء بنو أميّة من بعده فامضوا خطّته ، وعملوا بمقتضاها ما ناهز الثلاثة أجيال ، فنشأ عليها الصغير وهرم الكبير ، واستقرّت بعد ذلك في عقول الناس ، ومحصّلات أفكارهم ، على أنّها الدين الذي لا تشوبه شائبة ، والعقيدة التي لا يعتريها شك ، وذلك لتثبيت الانحراف عن منهج الإمامة الإلهي ، وإيهام الناس بأنّ تفضيل الصحابة كان على عهد النبيّ مطابقاً لما أفرزه ترتيب الحكومة بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، والروايات التي أخرجها البخاري وغيره عن ابن عمر مثلا في تقديم الخلفاء الثلاثة وتساوي الناس بعدهما ، وهذا لا يعكس واقع

١- تاريخ بغداد ١٣ : ١٨٨ .

٢- المصدر نفسه ١٤ : ٣٢٣ ، تاريخ ابن عساكر ٤٢ : ٤٤٩ .

٣- المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٢٤ .

٦٩

الأمر ; لأنّ عليّاً(عليه السلام)شخص لا يمكن أنْ يقدّم عليه أحد سوى النبيّ الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فضلا عن أن يقدم عليه الخلفاء الثلاثة ، أو أن يساوى مع بقيّة الصحابة ، والذي لم يُنقّب عن خبايا صفحات التاريخ الإسلامي بعد التخلّي عن آليّة التفضيل في تقديم الكتب أيضاً يستطيع أن يجد دلائل كثيرة على أنّ التفضيل الذي تمسّك به المنحرفون عن منهج أهل البيت(عليهم السلام) مفتعل ، ووُضع لأغراض سياسية تعلّقت بنظام الحكم .

قال السنّي : فهل هناك نصوص أخرى ترجّح كفّة علي(رضي الله عنه)في الخلافة على غيره من الصحابة؟

قال الشيعي: النصوص التي تعطي لعليّ(عليه السلام) أحقيّة قيادة الأمّة الإسلاميّة بعد النبيّ كثيرة ، وتصبُّ كلّها في ذلك المعنى الذي تجاهله سواد الأمّة ، وانصرف عنه علماءهم بتأويل النصوص ، وحمله على غير محملها الذي أراده لها الوحي ، وأيده العقل السليم ، ولعلّ أكبر دليل على صحة خطّ اتباع أهل البيت(عليهم السلام) ، والمعروف بالشيعة الاماميّة الاثني عشريّة ، هو استقاءه لإثبات صحّة نهجه ، أدلة قطعيّة من كتب خصومه والمحاربين له ، وفي ذلك حجّة بالغة لمن يعقل أصول الاحتجاج ، ويفهم مبادىء الاستدلال . وحتّى تستطيع مراجعة الحجج التي استدلّ بها الشيعة على إخوانهم السنّة ، اسمح لي أن أقدم إليك كتاب المراجعات ، الذي يعتبر بحقّ نموذج الحوار الصادق ، والتخاطب السليم بين أهل الملّة الواحدة ، والعلم إذا استعمل بنيّة صادقة وعزم خالص ، فإنّ أصحابه سيقفون من خلاله على عين الحقيقة .

أخذتُ منه الكتاب ، وانكببت على دراسته ، ومقارنة النصوص التي تضمنها نصّاً نصّاً ، ولم أنته منه إلاّ وقد أدركت ما أذعنت له همّة الشيخ سليم البشري ، وعرفت أنّ الإسلام المحمّدي الأصيل لا يوجد في أبهى مظاهره إلاّ عند المسلمين الشيعة الاماميّة الاثني عشريّة ، فقررت أنْ أكون شيعيّاً اثني عشريّاً ،

٧٠
 موسوعة من حياة المستبصرين (ج٧) لمركز الأبحاث العقائدية (ص ٧١ - ص ١٠٥)
٧١

بالخلافة الراشدة ، وكان الدرس الأول متضمنا فترة وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وحادثة السقيفة ، وقد خلص الدرس ، وانتهت مداخلة الأستاذ تعقيباً على ذلك ، إلى اعتبار أنّ الإسلام لم يأخذ مسألة الحكومة بعين الاعتبار ، لا من حيث مبدأ التعيين ، ولا من حيث شروط الاختيار ، وقد ترك أمرها للناس شورى بدليل قوله تعالى : {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}(١) وقوله أيضا : {وَشَاوِرْهُمْ فِي الاَْمْرِ}(٢) .

لكنّ عقلي رفض أنْ يتقبّل فكرة الأستاذ ، في ترك مسألة الحكومة الإسلاميّة للناس ، فرفعت يدي إليه ، ولمّا أذن لي في الكلام قلت له : إذاً ، يمكن القول بأنّ الدين الإسلاميّ ، لا يملك في منظومته التي صرّح الوحي بتمامها وكمالها ، في قوله تعالى : {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء}(٣) وقوله : {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْء}(٤) نظاماً للحكم فيه؟ ممّا يعتبر متناقضاً مع البيان الذي صرّحت به الآيتان .

فردّ علي الأستاذ قائلا : للأسف الشديد أن الاعتقاد بفصل الدين عن أداة الحكم ، يتناقض مع تمام الدين وكماله وشموليّته ، إلاّ أنّنا عندما نتناول بالقراءة والتحليل مرحلة ما بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، نجد أنّه لم يثبُت نصّ واضح وصريح تعلّق بنظام الحكم في الإسلام ، سوى ما جاء من تطبيق لمبدأ الشورى ، مُجسّداً في حادثة سقيفة بني ساعدة ، والتي انبنى على أساسها نظام الخلافة الإسلاميّة .

قلت : ألاّ ترى أن هذه القراءة قد تأسّست على نمط تبريري لأحداث قد وقعت ، ونُظر إليها على أساس أنّها انعكاس صحيح لمفهوم الحكومة الإسلاميّة؟

قال : هذا ممّا أوحت به الأحداث التي أعقبت وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، والتي لم

١- الشورى (٤٢) :٣٨ .

٢- آل عمران (٣) : ١٥٩ .

٣- الأنعام (٦) : ٣٨ .

٤- النحل (١٦) : ٨٩ .

٧٢

تترك مجالا للقول بأنّ التشريع قد ترك نظام حكم إسلامي واضح المعالم ، وفي غياب الأدلة الواضحة على نمط الحكومة الإسلاميّة ، اُعتمد على اجتهادات السلف الصالح للأمّة على أساس سلامة مرجعيّته في ذلك المجال .

قلت : إذاً ، فنظام الحكم في الإسلام بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن واضحا لدى الأمّة ؟

قال : نعم ، في ما عدا الأساس الشوروي الذي أكّده القرآن الكريم ، وعفي عن كيفيته ومداه وطريقة إقامته .

قلت : إذاً ، عدنا إلى مبدأ الشورى من حيث كونه نظاما عامّاً للحكم في الإسلام ، فإنّنا نجد أن الشورى لا يمكنها أن تشمل التشريع الإلهي ; لأنّها أحكام غير قابلة للأخذ والرد ، فأين ترى يمكن تطبيق هذا المبدأ؟

قال : في مسألة اختيار وليّ أمور المسلمين مثلا .

قلت : فهل وقع تطبيق مبدأ الشورى على حقيقته في هذا المنصب؟

قال : نعم ، ولكن بضرب من النسبيّة ، إذا نحن أخذنا شورى سقيفة بني ساعدة ، وباعتبار أنّ المدينة تعتبر عاصمة المسلمين ، ومركزهم السياسي ، وثقلهم الاجتماعي والاقتصادي والعسكري ، فإنّ سكّانها يعتبرون أهل الحلّ والعقد ، وقراراتهم غير قابلة للرّد أو الرفض .

قلت : طالما أنّ الشورى هي الوسيلة الوحيدة لاختيار وليّ أمر المسلمين وحاكمهم ، فلماذا وقع التخلّي عنها سريعا ؟

قال : وكيف ذلك ؟

قلت : عندما مات أبو بكر أوصى إلى عمر بن الخطاب ، وكان الكاتب للوصيّة عثمان بن عفان .

قال : لكنّ هنالك رواية تقول : إنّ الخليفة الأول قد أجرى مشورة حول من

٧٣

يكون أهلا للحكم بعده ، فوجد أكثر الصحابة ميلا إلى عمر .

قلت : وعلى افتراض أنّ الصحابة كانوا بذلك الميل ، فلماذا لا يتركهم يُتمّمون رغبتهم وحدهم ، ويختارون بأنفسهم بعد موته ، طالما أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يختر في حياته أحداً؟ ولماذا تحسّر عمر على فقد صاحب السقيفة الثالث ، أبو عبيدة بن الجراح ، ولو بقيَ حيّا لولاّه؟(١) ولماذا تحسّر بعد ذلك على فقد سالم مولى أبي حذيفة ، الذي كان الساعي لهم بالأخبار من داخل المدينة ، ولو كان حيّاً لولاّه؟ ولماذا ضيّق عمر الشورى إلى ستّة أشخاص ، وجعل عبد الرحمان بن عوف الفيصل في اختيار الخليفة؟(٢)

قال : كلّ ذلك أوجده الحرص على سلامة الدولة الفتيّة من أطماع الأعداء ، وكانت تلك اجتهادات مأجورة من قبل أناس هم أهل للاجتهاد .

قلت : فهل كان هؤلاء أحرص من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)؟

قال : بل إنّ اجتهادهم هو نابع من التربيّة التي ربّاهم عليها النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) .

قلت : وهل يوجد تصوّر آخر لنظام الحكم في الإسلام بخلاف هذا التصوّر؟

قال : يوجد تصوّر آخر خلاف ما نعتقده نحن أهل السنّة والجماعة ، وهو عقيدة الشيعة في النصّ على إمامة عليّ بن أبي طالب(رضي الله عنه) والأئمّة من ولده ، وهؤلاء يبنون تصوّرهم على نصوص رأوا فيها بيانا واضحاً يؤكّد عندهم على إمامة أهل البيت رضي الله عنهم .

قلت : وهل انفردت تلك الطائفة بنصوصها وبتأويل تلك النصوص؟

قال : لا ، فكلّ ما استدلّوا به من نصوص موجودة عندنا ، وهي مدوّنة في

١- اُنظر تاريخ المدينة لابن شبة ٣ : ٩٢٢ ، تاريخ الطبري ٣ : ٢٩٢، الكامل في التاريخ ٣ : ٦٥ .

٢- اُنظر على سبيل المثال تاريخ الطبري ٣ : ٢٩٢ ـ ٢٩٣ ، الكامل في التاريخ ٣ : ٦٥ ـ ٦٦ والمسألة محلّ إجماع لا خلاف فيها .

٧٤

أُمّهات كتبنا المعتمدة ، أكثرها صحيح من طرقنا ، وأسانيد رواتنا .

قلت : طالما أنّ النصوص مشتركة النقل ، فلماذا اختلف في مقاصدها ومعانيها؟

قال : بسبب التأويل الذي سلكه العلماء ، في تحديد معاني المفردات التي وردت في أحاديث النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) .

قلت : ولم يكن هناك سبب آخر أسهم في خلق ضبابيّة حالت دون بلوغ مقاصد تلك الأحاديث؟

قال : ربّما تأخّر تدوين أحاديث النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، هو الذي أسهم بشكل كبير في خلق حالة من سوء الفهم والتأويل الخاطىء لبعض المصطلحات التي تكلّم بها النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) .

إلى هنا انتهى حديث الأستاذ ، ومنه انطلقت في أفق السنّة النبويّة ، والتاريخ ، والسيرة ، أبحث عن قرينة تمكّنني من التعرّف على نظام الحكم الإسلامي الصحيح ، وكان عَلَيّ أوّلا أنْ أتعرّف على تفاصيل السيرة النبويّة العطرة ، لكنّني اصطدمت منذ الخطوة الأولى بعائق كبير ، تمثّل في طعن الرواة والحفّاظ بعضهم بعضاً ، الأمر الذي دفع المحقّقين إلى التشكيك في صدقيّة أكثر الحفّاظ ، للدور الكبير الذي لعبه سلاطينهم ، في إذكاء روح التفرقة وغرس أسباب الفتنة بين المسلمين ، و في إجبار عدد كبير من علماء السلطان على تجاهل عدد من الحقائق ، أو توهينها ، والسكوت عنها ، ومن بين تلك الحقائق ، حادثة هامّة ومصيريّة إن صحّ وقوعها ، فإنّها قد تعصف بكلّ البناء الذي أسّسه الاتجاه الشوروي في الحكم بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، الحادثة كما أُخبر عنها ، تمثّلت في أمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بتجهيز جيش من الصحابة لمحاربة الروم ، وقد عقد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، بيديه الشريفتين لواء تلك السريّة ، وأمّر عليها أسامة بن زيد ، وأشرك فيها - كما

٧٥

نصّ على ذلك أغلب أصحاب السيرة والتاريخ - وجوه الصحابة منهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح وغيرهم .

لم أجد خلافاً حول بعث أسامة بن زيد في التواريخ والسير ، ولا وجدت عدم توافق في أسماء الذين ذكروا في ذلك التجهيز ، الخلاف الوحيد الذي نشأ تمثّل في اختلاف المحدثين عن ردّة فعل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)حيال ذلك التمرّد والتقاعس على تأميره لأسامة ، هل لعن المتخلّف عن الجيش ، أو لم يلعنه؟(١)

ومهما يكن من أمر ذلك اللعن بالنسبة لي ، سواء صدر أم لم يصدر ، فإنّ مجرد الوقوع في معصية النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) تستوجب اللعن والبراءة ، والنعت بالضلال ، قال تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلاَ مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلا مُبِيناً}(٢) فقد وقفت على حقيقة وقوع ذلك التعيين ، وقلت في نفسي ، بعد أن وجدت أمامي ازدواجية في تواجد عدد من الصحابة المعيّنين من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في جيش أسامة ، الذين يفترض أن يكونوا خارج المدينة بالجرف ، حيث عسكر أسامة بجيشه ليستكمل عدّته وعدده ، غير أنّ الحاصل خلاف ذلك ، فكان عمر يتوسط جماعة من الصحابة في حجرة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وعلى مرأى ومسمع منه ، يتصدّى لأمره في كتابة وصيّته ، ويتقوّل عليه بالهذيان ، ويتهمه بالهجر(٣) ، وإذا بأبي بكر في المسجد يصلّي بالناس ، فهل استثناهما النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من ذلك الجيش؟ أو أنّ في الأمر سرّاً مخفيّاً آخر؟

١- وممّن ذكر اللعن وأقرّ به ، الشهرستاني في الملل والنحل ١ : ٢٣ ، والآمدي على ما نقله الأيجي في المواقف ٣ : ٦٤٩ ـ ٦٥٠ ، وراجع بعث جيش أسامة في صحيح البخاري ٤ : ٢١٣ ، ٥: ٨٤ ، صحيح مسلم ٧ : ١٣١ ، الطبقات الكبرى لابن سعد ٢ : ٢٤٩ ، ١٩٠ ، تاريخ الطبري ٢ : ٢٤٩ ، الكامل في التاريخ ٢ : ٣١٧ . فتح الباري ٨ : ٨١٥ عمدة القاري ١٨ : ٧٦ ، شرح نهج البلاغة ٦ : ٥٢ .

٢- الأحزاب (٣٣) : ٣٦ .

٣- وذلك في رزيّة الخميس المشهورة ، وقد تقدّمت في حلقة سابقة .

٧٦

ولمّا لم يذكر المؤرخون لذلك الاستثناء أصلا ، وظهر ما يدعو إلى القول بافتعال أبي بكر ومن كان معه الصلاة بالناس ، لبلوغ غاية ما ، فقد ظهرت بعض الروايات تنوء بتحريف عجيب ، وتحكي حالة فريدة من نوعها في صلاة الجماعة ، في محاولة للتعمية على حقيقة تنحية أبي بكر عن إمامة الصلاة ، فقالوا : صلّى أبو بكر مقتدياً بالنبيّ ، وصلى الناس مؤتمين بأبي بكر(١) ، فلم أتقبل رواية الصلاة بإمامين ، كما لم يقبل عقلي أن يقتدي الناس بأبي بكر ، ويتركون النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، في حين أنّ الحقيقة المطموسة تقول : لقد وقعت تنحية أبي بكر عن إمامة الصلاة بالناس ، في وقت ظنّ هو وجماعته أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، لم يعد باستطاعته أنْ يستفيق من إغمائه ، ولا أنْ يعي بما يدور حوله ، فيكون ذلك التقديم وتلك الإمامة ، مبرراً على طريق استلام الحكم ، وحجّة تمكنه من الادّعاء بأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أمره بالصلاة بالناس .

كما ظهر من خلال تتبّعي لسيرة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في تعامله مع إمامة الصلاة ، أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)لم يكن يُعيّن أحداً يُصلّي بالناس في غيابه ، وقد كانت كلمته دائما : "مروا مَنْ يُصلّي بالناس"(٢) وذلك بناء على قاعدة الأعلميّة والتفقّه ، وليس على القاعدة التي اعتمدها أهل الجاهليّة في تنصيب زعمائهم ، وهي اعتبار كبر السن والمكانة الاجتماعيّة والماليّة ، مع أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)في حياته الشريفة كان ملتفتاً إلى مسألة الإمارة في غيبته عن المدينة ، فأهميّتها كمنصب حسّاس وخطير ، كانت تحتّم عليه تنصيب من يخلفه عليها في غزواته وسفراته ، فعيّن فيمن عيّن عليّاً ، ولم يعيّن أحداً من الذين تولّوا الحكم قبله ، وذلك يدلّ على استحقاقه للإمارة قبل هؤلاء جميعاً .

١- صحيح البخاري ١ : ١٦٢ ، سنن ابن ماجة ١ : ٣٩١ .

٢- اُنظر مسند أحمد ٤ : ٣٢٢ ، لكن كالعادة فإن الرواية طعمت بما يخالف ذلك فصورت استياء شديد من النبي(صلى الله عليه وآله) لعدم صلاة أبي بكر بالناس! فلا ندرى لماذا يعمم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)القول فيمن يؤم الناس ، ثم يستاء ذلك الاستياء الشديد لعدم صلاة ابي بكر .

٧٧

إحدى الحقائق التي قفزت إلى فكري ، جاءت نتيجة مقارنة بين موقفين وقفهما مؤسّس الانقلاب على إمامة عليّ(عليه السلام) ، ألا وهو الخليفة عمر بن الخطاب ، ففي غزوة أحد فرّ الرجل مع من فرّ من الصحابة(١) عندما اعتقدوا بمقتل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، لمّا راجت إشاعات أكدت ذلك ، ففي تلك اللحظة وفي ذلك اليوم صدّق عمر أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قد قتل ، وكان من ضمن الفارّين ، واقفاً على صخرة في أعلى الجبل يدرأ عن نفسه غيلة القتل . وعقيدته بأنّ النبيّ بشر يمكن موته وقتله ، هي التي كانت الدافع وراء فراره في محاولة منه للنجاة بنفسه .

والموقف الثاني ، عندما بلغته وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فما كان منه إلاّ أنْ سلّ سيفه ، ووقف أمام الوافدين على بيت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، لاستجلاء الخبر ، وإظهار الفجيعة والحزن ، قال : والله! ما مات رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ; ولا يموت ، حتّى يقطع أيدي أناس من المنافقين كثير ، وأرجلهم ، فقام أبو بكر فصعد المنبر فقال : من كان يعبد الله فإنّ الله حيّ لم يمت ، ومن كان يعبد محمّداً فإنّ محمّداً قد مات {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ }(٢) قال عمر : فَلَكأنّي لم أقرأها إلاّ يومئذ"(٣) .

فلم يهدأ الرجل من تهديده ، ولا انقطع وعيده ، ولا سكنت دعايته الغريبة والعجيبة ، إلاّ عندما أقبل صاحبه ابن أبي قحافة من خارج المدينة ، وقال كلمته التي أعادت لعمر رشده ، وأطلعته على حقيقة موت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) .

وبالاطلاع على الموقفين لعمر تبيّن لي تناقضهما ; لأنّ موقف قبول مقتله

١- اُنظر فرار عمر في تفسير الفخر الرازي مجلد ٣ ، ح٩ : ٥٠ ، وشرح نهج البلاغة ١٥ : ٢٤ ، عن الواقدي ، وغير ذلك من المصادر العديدة .

٢- آل عمران (٣) : ١٤٤ .

٣- اُنظر سنن ابن ماجة ١ : ٥٢٠ .

٧٨

على أيدي المشركين ، وتسليمه بذلك ، وفراره عند سماعه لذلك النبأ ، يختلف تمام الاختلاف مع ما صدر منه عند سماعه لنباء وفاة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وتحقّقه من تلك الوفاة بقدومه إلى بيت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وإشهاره السيف أمامه .

فهمت قطعاً ، وفهم كلّ عاقل مرّت عليه هذه الاستنتاجات ، أنّ عمر كان يدرك جيّداً وقوع الموت على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى كلّ الناس ، ولشدّة إدراكه لموت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، جاء هروبه ، ووقع فراره من أحد لمجرد إشاعة تناهت إلى أسماعه ، مع أنّه قد يكون من الذين تحدّث عنهم الحلبي الشافعي في سيرته المعروفة بالسيرة الحلبية ، حيث ذكر أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يناديهم : إليّ يا فلان إليّ يا فلان ، أنا رسول الله ، فما يعرج إليه أحد"(١) . ولم يكن موقفه يوم وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) نابعاً من عقيدة تخلّلت عقله ، وغيّرت من اعتقاده ، وإنّما جاءت تنفيذاً لمخطّط يقضي بحصر نبأ وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، حتّى لا ينتشر ، فتمتلىء المدينة بالوافدين ; فيكون ذلك عائقاً دون تنفيذ مخطّط الانقلاب على منصب الحكومة الإسلاميّة .

الحقيقة الأخرى التي أطلّت عليّ ، ولم أتبيّنها إلاّ فيما بعد هي حركة التمرّد على تأمير النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لأسامة بن زيد ، فمن يكونوا هؤلاء ؟ ولماذا ذلك الطعن؟ وهل هو متعلق بشخص أسامة فقط ، أم يتجاوزه إلى أشياء أخرى؟

فقد ذكر المؤرّخون وأصحاب السير ، أنّ عمر ذهب إلى أبي بكر بعد أنْ تمّ له أمر الحكومة ، وعبّر له عن رغبته في تغيير القائد أسامة ابن زيد ، وتكلّم على أساس أنّه مفوّض من قبل عدد من الصحابة ، فردّ عليه قائلا : "ثكلتك أمّك يابن الخطّاب ، مستعمله رسول الله وتأمرني أنْ أعزله"(٢) . فلو كان ابن الخطاب يدرك معنى النبوّة والنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وقدسيّته وطاعته حيّا وميّتا لدافع عن ذلك التعيين ، ولما احتاج منه الأمر إلى طلب تغيير قائد عيّنه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولكن ماذا يمكن أن

١- السيرة الحلبية ٢ : ٥٠٥ .

٢- تاريخ الطبري ٢ : ٤٦٢ ، الكامل في التاريخ ٢ : ٣٣٥ ، تاريخ دمشق ٢ : ٥٠ .

٧٩

يقال في رجل قضى عمره في مواجهة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)والتصدي له في كلّ صغيرة وكبيرة ، كأنّما يريد إسقاط مكانته ، والتقليل من قيمته ، ولا شكّ أنّ صلح الحديبيّة شاهد على ما اقترفه الرجل بحقّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)(١) ، كأنّما هو الوحيد الذي يدرك الحقائق .

وفهمت أنّ الطعن لم يكن بالأساس موجّهاً إلى أسامة ، بقدر ما كان موجّهاً إلى البعث من أساسه ، فالوقت الذي أراده النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)للبعث ، أوحى إليهم بأنّ مقصده كان إخلاء المدينة من عناصر ظهرت عليها رغبة وأطماع في السلطة ، وبقاء تلك العناصر ، قد يسبّب مشاكل في المجتمع الإسلامي الفتي وهو في غنى عنها ، وعندما بلغهم أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)يموت ، تحرّك المتمرّدون على أمره وقراره ، فدخلوا المدينة لاستجلاء الأمر ، وتنفيذ ما كان متّفقاً عليه بينهم .

وقد تسبب دخولهم ذلك ، في فرض واقع على الأنصار ، أملاه خوفهم وخشيتهم من تلك التحرّكات التي كانوا ينظرون إليها بقلق كبير ، وفي مضامينها العصيان والتمرّد والتحدّي للنبوّة والنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فكانت سقيفة بني ساعدة ملجأهم في البحث عن سبيل لدرء هذا الخطر القادم أمام أعينهم .

كلّ ذلك ما كان له أنْ يوجد لولا انقلاب بعض الصحابة ممّن تحيّن فرصة انشغال أهل بيت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، لينقض على الحكم .

وفوق ذلك فإنّني لا أرى موجباً يسمح بإهمال مسألة نظام الحكم في الإسلام بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولا مدعاة إلى تركه لأناس مازالوا حديثي عهد بالدين ، لم يفهموا منه أبسط أحكامه ، فضلا عن استيعاب مبدأ الشورى ، ومعرفة نمط الحكومة .

وقد ورد في القرآن الكريم عدد كبير من الآيات التي ضمّنت من بين

١- تقدّمت الإشارة إلى ذلك في حلقة سابقة .

٨٠