×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

ثمّ شيّعني الألباني / الصفحات: ٢٤١ - ٢٦٠

يقبل منه عدل ولا صرف ويأتي يوم القيامة صفر اليدين، لا تنفعه معرفة ولا صحبة ولا نسب ولا سبب!! فهل بعد كلّ هذا الوضوح في الموقف الإلهي من الصحابة يمكن أن نصدّق أهل السنّة في دعواهم عدالة جميع الصحابة ودخولهم كلّهم الجنّة وعدم سماع حسيس جهنم لكلّ واحد منهم!!

وكذلك بيّن تعالى مخالفات بعض الصحابة على العكس من قول وعقيدة السنّة بعدالتهم جميعاً، وكذلك إمكانية صدور المخالفة والمعصية منهم وبكثرة! بحيث يفهم جيّداً أنّهم أناس عاديون كغيرهم لا خصوصية لهم حتّى نلزم من خلالها القول بعدالتهم أجمعين، فأوضح تعالى ذلك بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ}(١)، وقوله تعالى: {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حتّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}(٢)، وقوله تعالى: {انْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}(٣)، وقوله تعالى: {مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إلى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ}(٤)، وقوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ}(٥)، وقوله تعالى: {رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ

١- المائدة: ٥٤.

٢- البقرة: ٢١٧.

٣- التوبة: ٤١.

٤- التوبة: ٣٨.

٥- الجمعة: ١١.

٢٤١

مَعَ الْخَوَالِفِ}(١)، وقوله تعالى: {مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ}(٢)، وقوله تعالى: {وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ}(٣)، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ}(٤)، وقوله تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً}(٥)، وقوله تعالى: {إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا}(٦)، وقوله تعالى: {أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ}(٧)، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ}(٨)، وغيرها الكثير من الآيات المباركات التي تتكلّم عن معاصي وأعمال قد ارتكبها المسلمون في عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله) أو يمكن أن يرتكبوها.

هذا بالإضافة إلى ما نقل في الأحاديث والروايات والتأريخ من حصول مخالفات ومعاصي وقتال وسباب ولعن فيما بين الأصحاب، فلا أدري كيف تتم نظرية عدالة جميع الصحابة وكيف تستقيم مع كلّ هذا؟! فضلاً عن غرابة هذه النظرية وبُعدها عن ذهن الصحابة أنفسهم، فلم نَر من يزكّي نفسه منهم! بل الكل كانوا يخافون من النفاق

١- التوبة: ٨٧.

٢- آل عمران: ١٧٩.

٣- التوبة: ٦١.

٤- المجادلة: ١١ـ ١٢.

٥- الأحزاب: ٢٩.

٦- الحجرات: ٦.

٧- البقرة: ١٠٨.

٨- الحجر: ٢٤.

٢٤٢

أو الردة أو المعصية أو الحساب، حتّى تمنّى أبو بكر أن يكون (بعرة)(١)!! وتمنّى عمر أن يكون (تبنة) أو (لم تلده أمّه) أو يكون (نسياً منسياً)!!(٢) أو يخرج منها صفراً أو كفافاً لا عليّ ولا لي!!(٣) حتّى أنّ عمر كان يسأل حذيفة في سؤاله بكونه من المنافقين، فكيف يكون مبشراً بالجنّة؟ وكيف نعلم نحن بذلك ونجزم له بها وهو لا يعلم كما هو واضح من إلحاحه على حذيفة بالسؤال والتأكّد من كونه ليس منافقاً(٤)؟! فيا له من إيمان!! ويا لها من جنّة قد بشّروا بها! فإمّا أنّه لا يصدّق رسول الله(صلى الله عليه وآله) حينما يخبره بأنّه من أهل الجنّة، أو تكون الأحاديث موضوعة مكذوبة على رسول الله(صلى الله عليه وآله) بعدهم! فرجّحوا ما شئتم!!

ناهيك عن أحاديث الحوض والتي تبيّن ردة الصحابة من بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) وتغييرهم وتبديلهم وانقلابهم على أعقابهم القهقرى فلا يخلص منهم إلاّ كمثل

١- نقلها ابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٠/٣٣١) والمتقي الهندي في كنز العمال (١٢/٣٣٦) وابن أبي شيبة في المصنف (٨/١٤٤).

٢- الحاكم في المستدرك (٤/٩) واقتصر على (نسياً منسياً) وابن أبي شيبة في المصنف (٨/١٥٢) والمتقي الهندي في كنز العمال (١٢/٦١٩) وفيه تمنّى كونه تبنة وعدم ولادة أمّه له وكونه نسياً منسياً، ونقل عبد الرزاق في مصنفه (١١/٣٠٧) وابن أبي شيبة أيضاً (٨/١٩١) عن عائشة من قولها: يا ليتني كنت نسياً منسياً.

٣- البخاري (٢/١٠٧) و(٤/٢٠٥) ولفظه: وددت أنّ ذلك كفافاً لا عليّ ولا لي.

٤- راجع مجمع الزوائد للهيثمي (٣/٤٢) وكنز العمال للمتقي الهندي (١٣/٣٤٤) والمصنف لابن أبي شيبة (٨/٦٣٧) حتّى أنّ الفسوي قد اعترض على هذه الرواية واعتبرها من الذم لعمر ومناقضة لما يعتقده السنّة في عمر وما يجب أن يعتقده هو في نفسه فقال ابن حجر في مقدّمة فتح الباري (ص٤٠٢): وشذّ يعقوب الفسوي فقال في حديثه خلل كثير ثمّ ساق من روايته قول عمر في حديثه يا حذيفة بالله أنا من المنافقين؟ قال الفسوي: وهذا محال! (قلت والكلام لابن حجرـ): هذا تعنّت زائد وما بمثل هذا تضعف الإثبات ولا ترد الأحاديث الصحيحة، فهذا صدر من عمر عند غلبة الخوف وعدم أمن المكر فلا يلتفت إلى هذه الوساوس الفاسدة في تضعيف الثقات والله أعلم (!!).

٢٤٣

همل النعم، كما صرّحت بذلك رواية أبي هريرة عند البخاري(١).

نعود إلى موضوعنا الأصلي والكلام مع شيخي أبي دعاء:

فقد أجابني بعد قولي في الصحابة وتفصيل القول فيهم: اتّق الله ولا تؤمن ببعض الكتاب وتكفر ببعض! فالألباني الذي تستدل بكلامه هو نفسه يؤمن بعدالة الصحابة، وكذلك هو يروي ويصحح الأحاديث الكثيرة في فضل الصحابة وخصوصاً الخلفاء الثلاثة، فهل تقبل رأيه فيهم وتصحيحه لروايات فضائلهم أم أنّك تنتقي ما يعجبك فقط من قوله وأحاديثه؟

قلت له: أنا لا أتكلّم الآن عن شخصية معيّنة أو أشخاص معينين ــ مع أنّ الشيخ الألباني يختلف قوله عن أهل السنّة ولا يلتزم بعدالة جميع الصحابة ــ وإنّما أتكلّم عن قاعدة مطردة مطلقة عامّة وهي عدالة جميع الصحابة، وأحاول من خلال البحث التأكّد من صحّتها أو بطلانها والإشكالات التي ترد عليها ولو بناقض واحد فتسقط هذه القاعدة بتمامها، فلا يهمني فضل أو عدالة فلان أو معصية أو جرح علاّن، وإنّما المهم عندي ثبوت كلية هذه القاعدة أو جزئيتها، ولذلك أقول لك شيخي العزيز: دعنا عن كلّ التفاصيل ولنبحث هذه القاعدة بشكل عام، هل هي صحيحة أم باطلة؟

ثمّ إنّ ما يصححه الشيخ الألباني إنّما يصححه من حيث السند، وأنا أطعن وأخالف في ذلك بسبب قواعد الجرح والتعديل عندنا، فإنّ لي عليها اعتراضات كثيرة! فقد وثّق علماء الحديث الكثير من النواصب والخوارج بل كلهم وبأعلى درجات التوثيق مع أنّهم منافقون كذّابون أفّاكون بنصّ قول رسول الله(صلى الله عليه وآله) وعهده

١- راجع الحديث في صحيح البخاري (٧/٢٠٨) عن أبي هريرة وغيرها كثير في البخاري وفي مسلم.

٢٤٤

لعليّ(عليه السلام) بذلك حينما أخبرنا(عليه السلام) بقوله: (والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة إنّه لعهد النبيّ الأمي(صلى الله عليه وآله) إلي أن لا يحبّني إلاّ مؤمن ولا يبغضني إلاّ منافق)(١)، وكلّنا يعلم بأنّ المنافق قد ذكر صفاته رسول الله(صلى الله عليه وآله) بأنّه: (إذا حدّث كذب)(٢) فكيف نوثّقهم ونصدّق أخبارهم ونأخذ الدين عنهم ونجتهد في مقابل النص لأجلهم ونجعلهم في أعلى درجات الوثاقة دائماً؟!

وأيضاً فإنّ الخوارج مثلاً ثقات ولا يكذبون عندنا وبحسب قواعدنا؛ لأنّهم يعتقدون كفر مرتكب الكبيرة والكذب كبيرة فهي كفر فهم لا يمكن أن يكذبوا أبداً، فيجب أن نوثّقهم! وبهذه الطريقة الحدسية الظنية الشاذة العجيبة والمخالفة للنصوص الشرعية وللواقع مع علمنا بقول واعتراف أحد كبار الخوارج بعد توبته ورجوعه عن قولهم: "إنّ هذه الأحاديث دين فانظروا عمّن تأخذون دينكم فإنّا كنّا إذا هوينا أمراً صيّرناه حديثاً"(٣)!! فهذا اعتراف واضح وصريح من قبل الخوارج أنفسهم بأنّهم أناس متّهمون كذّابون يضعون الأحاديث على رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فكيف نُكذِّبُ رسولَ الله(صلى الله عليه وآله) ونخالفه ونقوم بتوثيقهم بهذه الطريقة الظنية الساذجة، وهذه الموازين التي ما أنزل الله بها من سلطان؟!

وفي المقابل نجد بالعكس من هذه القاعدة تماماً نستعملها مع الشيعة، فنقول كما قال الذهبي وابن حجر: إننا لا نروي عن الرافضي ولا كرامة! ونبرر ذلك بأنّهم يسبّون أبا بكر وعمر ونتشدد معهم بعكس ما فعلناه مع النواصب والخوارج الذين يكّفرون ويسبّون

١- صحيح مسلم (١/٦٠).

٢- البخاري في سبع روايات ومواضع منها (١/١٤) ومسلم (١/٥٦).

٣- الكفاية للخطيب البغدادي (ص١٥١) وتفسير القرطبي (١/٧٨) وذكره ابن الجوزي في مقدّمة موضوعاته (١/٣٩) وكذلك الفتني في تذكرة موضوعاته (ص٧) وابن حجر في لسان ميزانه (١/١٠) وفي تهذيب تهذيبه (٨/١١٤) وغيرهم.

٢٤٥

ويبغضون ويلعنون عليّاً(عليه السلام)، مع أنّ النصوص الصحيحة تصرّح بذمّ من يسبّ عليّاً أو يبغضه وليس العكس! فقد قال الذهبي في ميزان اعتداله: "ثمّ بدعة كبرى كالرفض الكامل والغلو فيه والحط على أبي بكر وعمر والدعاء إلى ذلك فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة"(١).

فتبيّن من خلال ذلك بأنّ قواعدنا التوثيقية مخالفة لنصوص وموازين الشريعة تماماً وبلا دليل، بل مخالفة ومصادمة للأدلة!

بل أزيدك على هذا، أنّ الحافظ ابن حجر العسقلاني قد أكّد حصول عين ما قلته واستشكله وأقرَّ بأنّ مقاييس أهل السنّة تسير وتعمل بعكس ما تدل عليه ظواهر النصوص والموازين الشرعية! ولكنّه يؤوّله بعد ذلك ويحاول ترقيعه وارتضاء فعله وصدوره عن علماء الجرح والتعديل ؛ لأنّ هذه القواعد لولاها لساخ المذهب، فهي أعمدته وركائزه فلا يستطيع السني الاعتراف والانحراف عنها وإلاّ أصبح رافضياً لا محالة!

فقد قال ابن حجر ما نصّه: "وقد كنت أَستشكلُ توثيقهم الناصبي غالباً وتوهينهم الشيعة مطلقاً ولا سيّما أن عليّاً ورد في حقّه (لا يحبّه إلاّ مؤمن ولا يبغضه إلاّ منافق)، ثمّ ظهر لي في الجواب عن ذلك أنّ البغض ها هنا مقيَّدٌ بسببٍ وهو كونه نصر النبيّ(صلى الله عليه وآله) ؛ لأنّ من الطبع البشري بغض من وقعت منه إساءة في حقّ المبغض والحبّ بعكسه وذلك ما يرجع إلى أمور الدنيا غالباً، والخبر في حبّ عليّ وبغضه ليس على العموم (!!) فقد أحبّه من أفرط فيه حتّى ادّعى أنّه نبي أو أنّه إله تعالى الله عن إفكهم، والذي ورد في حقّ عليّ من ذلك قد ورد مثله في

١- ميزان الاعتدال (١/٦)، وذكره ابن حجر في لسان الميزان (١/٩) بلفظه، وفي تهذيب التهذيب (١/٩٤) بمعناه.

٢٤٦

حقّ الأنصار وأجاب عنه العلماء أنّ بغضهم لأجل النصر كان ذلك علامة نفاقه وبالعكس فكذا يقال في حقّ عليّ وأيضاً فأكثر من يوصف بالنصب يكون مشهوراً بصدق اللهجة والتمسّك بأمور الديانة بخلاف من يوصف بالرفض فإنّ غالبهم كاذب ولا يتورّع في الأخبار..."(١)!!

انظر ــ أخي القاريء ــ إلى محاولتهم الترقيع وضعفهم في ردّ ذلك ووضوح مخالفتهم للنصوص الصريحة ومعارضة موازينهم للنصوص! فتبرير وتأويل وصرف حديث عام مثل قوله(صلى الله عليه وآله) (لا يبغضك إلا منافق) تحريف وإبطال للدين والشريعة، وإلاّ فإنّ بغض حجر أو شجر لأجل كونه يحمي رسول الله(صلى الله عليه وآله) ويعينه على النصر كفر واضح، فلا خصوصية حينئذ ولا معنى للحديث البتة على هذا التفسير، فهذا خلط للأوراق والتواء على النصوص الواضحة العامّة الصريحة وتخصيصها بلا مخصص واقعاً.

فنرى بأنّ أئمة السنّة يروون عن مثل عمران بن حطان وإسحق بن سويد وحريز بن عثمان والجوزجاني ومروان بن الحكم وغيرهم من النواصب والخوارج، ويعرضون عن رواية الإمام الصادق والكاظم والرضا(عليهم السلام)، مع اعترافهم بإمامتهم وفضلهم في العلم والدين، بل وصلت النوبة للإمام الحسن(عليه السلام) وهو سيّد شباب أهل الجنّة! فلم يخرج له البخاري حديثاً واحداً! فلماذا هذا الجفاء لأهل البيت(عليهم السلام) والإصرار على موالاة أعدائهم؟!

أمّا مقدار الأحاديث فنرى التفاوت الكبير والهوّة العظيمة فيما نرويه عن الإمام عليّ(عليه السلام) بالمقارنة مع ما نرويه عن مثل أبي هريرة النكرة المجهول المثير للجدل!!

١- تهذيب التهذيب (٨/٤١١).

٢٤٧

بل إنّنا لم نرو عن أهل البيت(عليهم السلام) إلاّ ما كان موافقاً لرواياتنا، كما فعل ذلك وصرّح به الإمام مالك صاحب المذهب ومفتي المدينة وعالم السلطات والحكومات حين فعل ذلك مع الإمام الصادق(عليه السلام)، فقد نقلوا كيف تعامل مالك معه فقالوا: "لم يرو مالك عن جعفر حتّى ظهر أمر بني العباس"(١)، و"كان مالك لا يروي عن جعفر بن محمّد حتّى يضمّه إلى آخر من أولئك الرفعاء ثمّ يجعله بعده"(٢)، ويقول فيه إمامهم في الرجال يحيى بن سعيد القطان: "في نفسي منه شيء ومجالد أحبّ إليّ منه"(٣)!! مع اتّفاقهم على ضعف مجالد ووثاقة وإمامة جعفر حتّى قال أبو حنيفة: "ما رأيت أحداً أفقه من جعفر"(٤).

وكذلك هناك مشكلة عند السنّة مع أهل البيت(عليهم السلام)، وهي أنّهم مع روايتهم القليلة عنهم فهم لا يتّبعون رواياتهم ولا يحرصون على العمل بها إن هم رووها وصحّت عندهم! خذ مثلاً رواية البخاري عن عليّ(عليه السلام) في مسألة شرب الماء من وقوف، فقد كان الإمام عليّ في زمن خلافته الراشدة وكذلك أنكر على البعض

١- الكامل لابن عدي (٢/١٣١) وتاريخ الإسلام للذهبي (٩/٩٠) وتهذيب الكمال للمزي (٥/٧٦).

٢- نفس المصادر السابقة.

٣- نفس المصادر السابقة.

٤- الكامل لابن عدي (٢/١٣٢)، وتاريخ الإسلام (٩/٨٩)، وتهذيب الكمال (٥/٧٩)، مع أنّهم يقولون عن أبي حنيفة بأنّه أفقه الناس فهو بنفسه يعترف ويقر بأنّ الإمام الصادق أفقه الناس كما نقل الزيلعي ذلك في نصب الراية (١/٣٣): قال ابن الجوزي في (المنتظم): لا يختلف الناس في فهم أبي حنيفة وفقهه، كان سفيان الثوري وابن المبارك يقولان: أبو حنيفة أفقه الناس، وقيل لمالك: هل رأيت أبا حنيفة ؟ فقال: رأيت رجلاً، لو كلّمك في هذه السارية أن يجعلها ذهباً لقام بحجّته، وقال الشافعي: الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة، وقال القاضي عياض في (ترتيب المدارك): قال الليث لمالك: أراك تعرق؟ فقال مالك: عرقت مع أبي حنيفة، إنّه لفقيه يا مصري.

٢٤٨

الذين يتنزّهون عن شرب الماء من قيام فشرب(عليه السلام) قائماً وأخبرهم بأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قد فعل ذلك والرواية في أصح كتبنا(١) ومع ذلك لا نعمل بهذه الرواية، ونأخذ بقول ورواية أنس أو أبي هريرة، فأين اتّباعنا لأهل البيت(عليهم السلام)؟! بل سنّة النبيّ المؤكّدة التي ينقلها سيّد العترة والخليفة الراشد، وفي نفس الوقت نرى أنّ ابن عباس حبر الأمّة وترجمان القرآن يقول في عليّ(عليه السلام): "إذا أتانا الثبت عن عليّ لم نعدل به"(٢). فلا أدري متى نتّبعهم إذن إن تركنا ذلك مع هكذا حديث؟!

وعندنا مشكلة أخرى مع أهل البيت(عليهم السلام)، وهي كوننا جعلناهم في عزلة وفي محل ريبة وشبهة، ولا نروي عنهم هكذا وإنّما بتحرّز واختيار وعند موافقة رواياتهم(عليهم السلام) لرواياتنا، وفي الظرف الذي نريده نحن وليس مطلقاً، وهذا أمر غريب وتصرّف فريد لم نفعله مع راوٍ آخر أبداً!! فكما ذكرنا: (لم يرو مالك عن جعفر حتّى ظهر أمر بني العباس)، وكذلك (لم يرو عنه حتّى يضمه إلى رجل من أولئك)!! وأبو حنيفة يتّفق مع أبي جعفر المنصور على الإمام الصادق(عليه السلام) ليحرجه ويقلل فتنة الناس وحبّهم وإعجابهم وانبهارهم به التي كان أبو جعفر يشكو منها ويتضايق من ثبوتها للإمام الصادق(عليه السلام)، حيث روى أئمة السنّة قصة جميلة ومهمّة جدّاً وتكشف عن واقع أئمة وعلماء أهل السنّة وتعاونهم مع الحكومات ضدّ أهل البيت(عليهم السلام)!

فقد رووا ومنهم ابن عدي بسنده إلى حسن بن زياد يقول: سمعت أبا حنيفة، وسئل من أفقه من رأيت؟ فقال: ما رأيت أحداً أفقه من جعفر بن محمّد لمّا أقدمه المنصور الحيرة بعث إليّ فقال: يا أبا حنيفة إنّ الناس قد فتنوا بجعفر بن محمّد فهيّئ له

١- صحيح البخاري (٦/٢٤٨).

٢- الإصابة لابن حجر (٤/٤٦٧)، والاستيعاب لابن عبد البر (٣/١١٠٤)، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر أيضاً (٢/٥٨)، وتهذيب الكمال للمزي (٢٠/٤٨٦)، وتهذيب التهذيب لابن حجر (٧/٢٩٧).

٢٤٩

من مسائلك تلك الصعاب فقال: فهيّأت له أربعين مسألة، ثمّ بعث إليّ أبو جعفر فأتيته بالحيرة، فدخلت عليه وجعفر جالس عن يمينه، فلمّا بصرت بهما دخلني لجعفر من الهيبة ما لم يدخلني لأبي جعفر، فسلّمت وأذن لي أبو جعفر فجلست، ثمّ التفت إلى جعفر فقال: يا أبا عبد الله تعرف هذا؟ قال: نعم هذا أبو حنيفة، ثمّ أتبعها قد أتانا، ثمّ قال: يا أبا حنيفة هات من مسائلك سل أبا عبد الله، فابتدأت أسأله قال فكان يقول: في المسألة: أنتم تقولون فيها كذا وكذا وأهل المدينة يقولون كذا ونحن نقول كذا، فربما تابعنا وربما تابع أهل المدينة وربما خالَفنا جميعاً حتّى أتيت على أربعين مسألة ما أخرج منها مسألة، ثمّ قال أبو حنيفة: أليس قد روينا أنّ أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس(١).

فهذا التعاون بين أئمة السنّة والسلطات الحاكمة ضدّ أهل البيت(عليهم السلام) يثبت بأنّنا غير جادّين في اتّباع أئمة أهل البيت(عليهم السلام) كما ندّعي ونزعم، بل يمكن أن يكون الأليق والأصح وصفنا باتّباع الحكومات وأذنابهم!

ولذلك فإنّي أرى بأنّنا لا نستطيع أن نصرّح بذلك فقط، وأمّا واقعاً وفعلاً فأجزم بعدم متابعتنا لأهل البيت(عليهم السلام) وعدم مبالاتنا بهم، بل إنّنا نتّبع ونلتزم كلّ من يبتعد عنهم وندافع عنه ؛ لأنّنا جعلنا أهل البيت(عليهم السلام) مظان فتنة وشبهة وريبة، فمن يقترب منهم أو يروي عنهم سيكون مصيره الإهمال والاتّهام في صدقه ودينه مفارقاً للجماعة!

هذا وقد شكك علماء السنّة إمّا بأئمة أهل البيت(عليهم السلام) أنفسهم، وإمّا طعنوا في الرواة عنهم! حينما وجدوا بأنّ الكثير من رواياتهم لا تتوافق مع رواياتنا وأحكامنا، فمن تجرّأ ولم يعبأ بمنزلة ومقام أهل البيت(عليهم السلام) جرّحهم وطعن فيهم

١- الكامل لابن عدي (٢/١٣٢) وتهذيب التهذيب للمزي (٥/٧٩) وسير أعلام النبلاء للذهبي (٦/٢٥٨) وتاريخ الإسلام للذهبي أيضاً (٩/٨٩).

٢٥٠

مباشرة، كابن خلدون وابن حبان ومالك ويحيى بن سعيد القطان والجوزجاني وغيرهم، ومن تورّع عن ذلك شكك بالرواة عنهم ووصفهم ووصمهم بالكذب، فأضعنا عن طريق هذه الطرق الملتوية والمخفية رواياتهم وعلمهم شئنا أم أبينا.

فقال لي شيخي (أبو دعاء): أكمل وفضفض كلّ ما عندك، وأظهر لنا حقدك وبغضك لأهل السنّة وحقدك عليهم! لا أدري كيف غُسل دماغك بهذا الشكل ومن فعل بك ذلك؟! أنا لا أصدّق ما أسمع!! ولو حكاه لي عنك أيّ شخص آخر ولم أسمعه منك بنفسي فأقطع بأنّي سأكذبّه مباشرة، ولكن مع الأسف قد سمعته منك بنفسي! أنا يائس منك بعد ما سمعته، وسأخبر الإخوة بمقاطعتك حتّى ترجع إلى صوابك ورشدك وما كنت عليه من عقيدة وفكر! أمّا وأنت على هذا الحال فلا يمكننا تقبّل أفكارك أبداً، ولا أقبل مطلقاً أن تكلّم أحد إخوتنا بشيء ممّا قلته لي الآن مهما كان الداعي أو العذر وقد أعذر من أنذر!

هيّا اذهبوا إلى حيث شئتم، فلا أدري ما أقول!! ولكننا قطعاً قد خسرناكم وخسرتمونا مع شديد الأسف، ولكن نقول: بأنّ الله يهدي من يشاء ويضلّ من يريد وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

فخرجنا أنا وحارث من بيته مرتاحين مسرورين بدرجة كبيرة لم نكن لنتوقّعها، بل كنّا خائفين قبل المقابلة بدرجة كبيرة وكنّا قلقين ممّا سيفعله بنا لو صارحناه بما عندنا وما في قلبنا! فالحمد لله.

٢٥١

جولة مع باقي الأصدقاء

ثمّ جاء دور أصدقائنا من أبناء جامع الفردوس في حي أور والشعب، فقد كنت قد فاتحت أحدهم (المهندس أحمد شفيق) حين جاءني ليتأكد عن بعض ما سمع عنّي من قيامي ببحث ومراجعة بعض مواقف السلف والتفاصيل ومنزلتهم بينهم، فطرق باب منزلي عصراً، فلمّا خرجت إليه ورأيته استغربت كثيراً لمجيئه بمفرده! فهو لم يفعل ذلك من قبلُ أبداً، فعرفت بأنّ الأمر مهم وأنّ الرائحة بدأت تفوح ــ وأنا في الواقع لا أتضايق من ذلك ولا أخاف، بل أفرح كثيراً لمعرفة كلّ الناس بذلك لأنّني أريد لكل الناس الخير والهداية ليروا ما رأيت من نور أهل البيت(عليهم السلام) المخفى علينا والمحجوب عنّا بالدعايات المغرضة والإعلام المضلل ــ.

فتكلّمنا طويلاً أمام باب منزلنا حتّى قمت بإثبات فسق يزيد وجواز لعنه ووجوب البراءة منه، وفسق معاوية لقتاله عليّاً(عليه السلام) ووصف رسول الله(صلى الله عليه وآله) إيّاه وجيشه بأنّهم بغاة وأنّهم دعاة إلى النار ولعن عليّ(عليه السلام) له في قنوته، وما إلى ذلك من قول النسائي فيه، وأمره سعداً وغيره بسبّ عليّ، لأنّ من سبّ عليّاً أو قاتله فهو مبغض له قطعاً، ومن أبغضه فهو منافق بنصّ حديث رسول الله(صلى الله عليه وآله) الذي يرويه مسلم في صحيحه، وبالتالي فأنا ممّن ثبت عندي فسق معاوية والبراءة منه وحتى إمكانية لعنه اقتداءً بأمير المؤمنين(عليه السلام)!

فأجابني صارخاً منفعلاً مهدداً بعد أن ساق قوله تعالى: {مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ

٢٥٢

الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُـّلاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى}(١): إن سببت معاوية سأسبُّ عليّاً فكلاهما صحابة وما الفرق بينهما والله تعالى يقول: {وَكُـّلاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى}(٢)!!

فقلت له: عجيب أمرك والله! أنت تتولّى معاوية وتدافع عنه مع أنّه لم يثبت في فضله شيء مع ما غيّره من الدين، وما بدّله من الشرع المبين، وما بذله ترغيباً وترهيباً لأجل وضع الأحاديث والكذب على رسول ربّ العالمين(صلى الله عليه وآله)! مع خروجه على إمام زمانه الذي أجمع عليه المسلمون من الأنصار والمهاجرين، وحربه له وقتل آلاف المسلمين، وزعيم الفئة الباغية بنصّ النبيّ الأمين(صلى الله عليه وآله)، ثمّ تأتي وتقارنه برجل هو من رسول الله بمنزلة هارون من موسى، وهو باب مدينة العلم، وأوّل الناس إسلاماً، والذي تربى منذ صغره في حجر وأحضان رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فتأتي وتقارنه بالطليق ابن الطلقاء ألا تتق الله!! أيُّ دين هذا؟! وكيف ستقابل الله تعالى؟

فودّعني وهو مغضب ودون أيّ جواب!

وبعد ذلك أخبرني صديقنا الثالث (أديب) بأنّ (المهندس أحمد) قد أتاه بعد مناقشته لي متألّماً شاكياً ممّا صدر منه بفلتات لسانه من قوله في عليّ أمير المؤمنين، فأخبرني (أديب) بأنّه قال له: هل تعلم بأنّ عبد الحميد أفضل منك! فلو قبض الله تعالى روحيكما حينها لذهب هو إلى الجنّة وأنت إلى النار ؛ لأنّه حين تكلّم تكلّم عن دليل تابعه في قوله في معاوية، ومعاوية ليس من الدين في شيء ولم يرد في حقّ من لا يحبّه شيء، أمّا أنت فقد تجاوزت حدود دينك، وقلت ما لا دليل عليه، بل الدليل على خلاف قولك، وبالتالي فسوف يُعذر هو ولا تعذر

١- الحديد: ١٠.

٢- الحديد: ١٠.

٢٥٣

أنت أمام الله تعالى، فاستغفر ربّك وتب ممّا صدر عنك، ولا يأخذك الغضب والهوى إلى معصية الله تعالى وقول الباطل وإن لم تقصده.

وبعد مدّة ذهبنا أنا و(حارث) إلى (أديب) نفسه بعد أن دعانا للحضور عنده، وكان عنده (مهندس أحمد) نفسه الذي جاءني إلى بيتي وناقشته في معاوية ويزيد، ووجدنا عنده أيضاً (تحسيناً) صديق (أحمد) وأخاً (لأديب) اسمه (حكيم)، فتكلّم (أديب) بأدب رفيع كعادته وبهدوء تام بعد أن قلب بعض الكتب التي كانت أمامه من مجموع الفتاوى لابن تيمية، فأخرج لنا أحد أجزائه فقرأ علينا ما معناه: إنّه يجب الاعتقاد بأفضلية أبي بكر ثمّ عمر ثمّ عثمان ثمّ عليّ، وهذا الترتيب أصبح ضرورياً لحصول الإجماع عليه فتفضيل أبي بكر وعمر على عليّ أهم من التفضيل بين عثمان وعليّ ؛ لأن المهاجرين والأنصار أجمعوا على تفضيلهما عليه(١)، وقال: من فضّل عليّاً على الشيخين فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار!!

فقلت لهم: أنا لحدّ الآن لم أبحث مسألة تفضيل عليّ على الشيخين وإنّما أعتقد فيما بيني وبين الله بأنّ عليّاً لا يمكن أن يقرن بعثمان وفضل عليّ عليه عندي أوضح من الشمس في رابعة النهار!

فأجابني: هذه المسألة ليست هي بأهمية الأولى ؛ لأن الكثير من السلف وخصوصاً أهل الكوفة يفضّلون عليّاً على عثمان! فلا تعتبر بدعة عمّا كان عليه السلف ولا تُعدُّ من مختصّات الشيعة أو الرافضة أبداً، مع أنّ ابن تيمية كما قرأنا قبل قليل ادّعى الإجماع على تفضيل عثمان، وأنّ بعض الأئمة من الكوفيين رجعوا عن قولهم ووافقوا الأمّة فانعقد الإجماع! وعلى كلّ حال فهذه مسألة

١- راجع مجموع الفتاوى لابن تيمية (٤/٢٢٢ـ٢٣٠) فهو يختلف قليلاً عمّا نقلته عنه حسب ما أذكر.

٢٥٤

يمكن النزاع فيها بخلاف الأولى.

أمّا بالنسبة إلى الكلام في معاوية ويزيد فلا يقبل أهل السنّة الكلام في معاوية مطلقاً ؛ لأنّه صحابي، وقد قال تعالى: {لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُـّلاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}(١).

قلت له: إذن يجب أن نتكلّم في مسألة عدالة الصحابة عموماً أو في عدالة معاوية خصوصاً، أمّا معاوية فيكفيه عندي أنّ الإمام النسائي وغيره قد قالوا بأنّه لم يثبت في فضله شيء عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) حتّى ذكره البخاري في صحيحه بقوله باب في ذكر معاوية ولم يقل في فضل معاوية وهذه إشارة منه إلى ما قلناه!

ثمّ إنّ هذه الآية تتكلّم عن المخلصين المؤمنين المستحقين للثواب، أمّا المنافقون والمرتدون والفاسقون فلا يمكن أن يعدهم الله بالحسنى وهم مسيؤون، فأين العدالة الإلهية وأين الإنصاف؟! بالإضافة إلى عدم استدلال معاوية أو أحد من حزبه بهذه الآية، مع كونهم هم من نزلت عليهم هذه الآيات وهم أعرف بمواضعها ومقاصدها! فلماذا الدفاع عن هؤلاء الطلقاء بأكثر ممّا هم دافعوا به عن أنفسهم؟!

وكذلك عندي بأنّ معاوية حارب الإمام عليّ(عليه السلام) وخرج عليه دون وجه حقّ.

قال لي أديب: كان متأوّلاً، أيّ: مجتهداً مخطئاً فله أجر واحد بحسب القاعدة والحديث الشريف!

فأجبته: نعم، كلامك صحيح إن لم يثبت لنا العكس فقد قال فيه رسول الله: (يا عليّ سيقاتلك من بعدي الناكثون والقاسطون والمارقون)، وقال فيه أيضاً: (ويح عمار

١- الحديدة: ١٠.

٢٥٥

تقتله الفئة الباغية)، وصرّح أكثر وبيّن بأنّه لم يكن مجتهداً مأجوراً، بل كان قاصداً للبغي والظلم والخروج فوصفه بأنّه داعية إلى النار، فكيف يكون الباغي والقاسط والظالم والداعي إلى النار عادلاً ومأجوراً وفي الجنّة وموعوداً بالحسنى؟

قال: من أين لك بأنّه داعية إلى النار؟

قلت: حديث البخاري في عمار وقول رسول الله(صلى الله عليه وآله) له: (ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنّة ويدعونه إلى النار)(١)، فهذا نصّ صحيح صريح ينصّ على أنّ معاوية وجيشه وحزبه دعاة إلى النار، وأنّ عليّاً وحزبه وجيشه دعاة إلى الجنّة، هذا نصّ الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، وهذه حجّتي أمام الله تعالى في معاوية.

فكفاكم التواءً على النصوص بجعل معاوية كما قال لي أحد الأخوان من قبل: "هو الباب الذي ينبغي أن لا يكسر للحفاظ على عدالة الصحابة فلو كُسر وصل الشيعة إلى أعلى الهرم"!

وأمّا يزيد الخمِّير السكيِّر الذي قتل الحسين سيّد شباب أهل الجنّة وسبط رسول الله وريحانته من الدنيا، وقتل وقاتل أهل المدينة وروَّعهم واستباح أهلها وحرمها، وقد قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) فيها: (لا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلاّ أذابه الله في النار ذوب الرصاص أو ذوب الملح في الماء)(٢)، وهدم الكعبة وحرقها مع موته بأشنع ميتة وهو شاب بعد أعماله تلك بأشهر قليلة، ومع كلّ ذلك نتوقّف فيه ونتولاّه وندافع عنه لأجل حديث مكذوب نحاول تطبيقه عليه وإقحامه فيه والإصرار على ذلك، مع أنّه لا ينطبق عليه! بل الراجح والمقطوع عند المحققين

١- صحيح البخاري (١/١١٥) وغيره.

٢- صحيح البخاري (٢/٢٢٢) ومسلم (٤/١١٣،١٢٢).

٢٥٦

والمنصفين بأنّه لا يمكن أن ينطبق عليه، إذ ما خصوصية غزوة لبحر أو مدينة لم تفتح أصلاً حتّى يستوجب الجيش كلّه الجنّة بذلك أو تغفر ذنوبهم جميعاً وإن حاربوا الإسلام وهدموا أركان الإيمان؟! بل لو فتحتْ ماذا يعني ذلك أصلاً؟! وكم من مرّة غزيت وفتحت البحار أو مدن الروم فلا ندري ماذا يعني غزوها أو فتحها أوّل مرّة أو آخر مرّة؟ ولذلك لو قلنا بصحّة هذا الحديث وانطباقه على الإمام الخليفة الراشد الهادي المهدي(عجل الله تعال? فرجه الشر?ف) الذي ادّخره الله لهذه الأمّة كان ذلك مقنعاً، لوجود حكمة من الإشارة إلى فضيلة عظيمة للإمام المهدي(عجل الله تعال? فرجه الشر?ف)، وهي ثابتة له ولا يحتاج لفتح القسطنطينية أو غزوها كي يمدح أو تثبت عدالته وخلافته إلى أفضلية، بل هي ثابتة له بفتحها أو دون ذلك، فيكون الحديث الشريف فيه إشارة إلى أفضلية الإمام وعظمته وثوابه وثواب جيشه وأفضلية أولئك الناس الذين يقاتلون تحت يديه في آخر الزمان، ولكان ما قلناه أقرب للواقع وموازين الشارع.

ولذلك قال أكثر العلماء بعدم إمكان انطباق هذا الحديث على يزيد، بل عدم كونه أوّل من غزا البحر أصلاً! فانظر ــ أخي المنصف ــ كلام المنصفين والمحققين عسى أن تتضح لك الأمور.

قال العيني في عمدة القاري: "والأصح أنّ يزيد بن معاوية غزا القسطنطينية في سنة اثنتين وخمسين، وقيل: سيّر معاوية جيشاً كثيفاً مع سفيان بن عوف إلى القسطنطينية فأوغلوا في بلاد الروم، وكان في ذلك الجيش ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبو أيوب الأنصاري وتوفي أبو أيوب في مدة الحصار، قال صاحب (المرآة) قلت: الأظهر أنّ هؤلاء السادات من الصحابة كانوا مع سفيان هذا ولم يكونوا مع يزيد بن معاوية، لأنّه لم يكن أهلاً أن يكون هؤلاء السادات في

٢٥٧

خدمته وقال المهلب: في هذا الحديث منقبة لمعاوية ؛ لأنّه أوّل من غزا البحر، ومنقبة لولده يزيد؛ لأنّه أوّل من غزا مدينة قيصر.انتهى. قلت(العيني): أيُّ منقبة كانت ليزيد وحاله مشهور؟ فإن قلت: قال(صلى الله عليه وآله) في حقّ هذا الجيش: مغفور لهم، قلت (العيني): لا يلزم من دخوله في ذلك العموم أن لا يخرج بدليل خاص، إذ لا يختلف أهل العلم أنّ قوله(صلى الله عليه وآله): مغفور لهم، مشروط بأن يكونوا من أهل المغفرة حتّى لو ارتد واحد ممّن غزاها بعد ذلك لم يدخل في ذلك العموم، فدلّ على أنّ المراد مغفور لمن وجد شرط المغفرة فيه منهم"(١).

وكذلك قد يكون هو وأزلامه من وضعه خصوصاً أنّ رواته من أهل الشام، وأحد رواته هو ابن الأسود العنسي المتنبيء الكذّاب مدّعي النبوّة، فكيف نترك المحكمات ونأتي نلهث خلف المتشابهات الواضح عليها الكذب والتحريف، والتي يرويها أناس مشبوهون؟! فحديث ابن الأسود العنسي عن أم حرام يرويه أنس عن أم حرام بلفظ آخر غير هذا وليس فيه (أنّهم مغفور لهم) كما سنذكره.

فحديث البخاري ينفرد بروايته عمير بن الأسود العنسي عن أم حرام ونصّه: (أوّل جيش من أمّتي يغزون البحر قد أوجبوا... أوّل جيش يغزون مدينة قيصر مغفور لهم)(٢)، فهو نسخة محرّفة ومعدلة عن حديث أنس! والذي يرويه البخاري ومسلم بعدّة طرق عن أنس عن أم حرام أيضاً ونصّه:

عن أنس بن مالك عن خالته أم حرام بنت ملحان قالت: (نام النبيّ(صلى الله عليه وآله) يوماً قريباً منّي ثمّ استيقظ يتبسّم فقلت: ما أضحكك قال: أناس من أمّتي عرضوا عليَّ يركبون هذا البحر الأخضر كالملوك على الأسرّة قالت: فادع الله أن يجعلني منهم

١- عمدة القاري (١٤/١٩٨).

٢- البخاري (٣/٢٣٢).

٢٥٨

فدعا لها، ثمّ نام الثانية ففعل مثلها فقالت مثل قولها فأجابها مثلها فقالت: أُدعُ الله أن يجعلني منهم فقال: أنت من الأوّلين، فخرجتْ مع زوجها عبادة بن الصامت غازياً أوّل ما ركب المسلمون البحر مع معاوية فلمّا انصرفوا من غزوهم قافلين فنزلوا الشام فقرّبت إليها دابة لتركبها فصرعتها فماتت)(١)، فهذا حديث أم حرام ــ مع ما فيه من غرابة ونكارة ــ فليس فيه مدح ولا أنّهم أوجبوا ولا أنّهم مغفور لهم كما ترى!!

ثمّ إنّ الحديث المحرَّف عنه أيضاً ليس فيه تصريح بمدح أمير الجيش وقائده، ولا لزوم إرادة العموم منه، كما صرّح بذلك بعض علماء السنّة على ما ذكرناه، فكيف نجازف ونخالف كلّ هذا، وندافع عنه وكأنّ أمر دخوله وقصده بالحديث مفروغ عنه؟! فما يكون سنده بهذه الحالة من انفراد الشاميين (النواصب) بروايته هكذا ومخالفتهم لروايات غيرهم، ووجود ابن الأسود العنسي بين الرواة وهو موظّف شامي وقاضي عند السلطة الشامية ومخالفته لرواية أنس عن خالته أم حرام، وتوفّر دواعي كثيرة لوضع الحديث وتحريفه لتحسين صورة خليفة أهل الشام وملكهم وابن ملكهم الذي أفسد وأجرم بحقّ العباد والبلاد، مع وجود الدواعي من نفس يزيد لوضع هكذا حديث وفضيلة تغطّي على جرائمه، كلّ ذلك يدلّ على عدم صدوره ووضعه!

ثمّ إن صحّ مدح جيش يفتح القسطنطينية فإنّما يليق أن يقصد منه غير أمثال يزيد قطعاً، وإنّما هو ينطبق على الإمام المهدي(عجل الله تعال? فرجه الشر?ف) وجيشه الذي سيمثّل الإسلام الحقيقي من نبعه الصافي في آخر الزمان بحسب الروايات الصحيحة والمتّفق عليها، فالحديث الصحيح الذي يحكي فتح القسطنطينية ويمدح فاتحيها ورد بلفظ: (لتفتحن القسطنطينية

١- راجع صحيح البخاري (٣/٢٠١، ٢٠٣) و(٧/١٤٠) و(٨/٧٣)، وصحيح مسلم (٦/٤٩،٥٠).

٢٥٩

فنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش)(١)، وورد حديث آخر بأنّ ذلك الفتح يكون قبل قيام الساعة فورد بلفظ: (عمارة بيت المقدس خراب يثرب وخراب يثرب حضور الملحمة وحضور الملحمة فتح القسطنطينية وفتح القسطنطينية خروج الدجال)(٢).

فجزمت بأنّ هذا الحديث قد حرّفته السلطات الأموية وتلاعبت به وجعلته ينطبق على يزيد ليقلل من سخط واستياء الأمّة منه ومن أفعاله الشنيعة التي لا يمكن لأَحد الاعتذار منها أو تبريرها، فجعلوا هذا الحديث ينطبق عليه لكي يقول الناس ــ بعد أن يقعوا في الحيرة والشك ــ ما قلته أنت تماماً يا أخي العزيز، وما كنت أقوله وأردده أنا أيضاً من إنكار أعماله واستشناع أفعاله! ولكن لورود النص فيه من المعصوم وصاحب الشأن بأنّه مغفور له فما الذي بأيدينا نستطيع فعله مع وجود النص؟ وما الذي نستطيع فعله في هذه الحالة؟ هل نحن أحرص على الشرع من صاحبه؟ ولذلك أوجبنا على أنفسنا الدفاع عنه والاعتذار له دون خجل أو وجل أو حياء أو رادع! فهذا ما أرادوه حينما وضعوا مثل هذه الأحاديث المزوّرة والمكذوبة والمحرّفة ليضلّوا عن سبيل الله، فالله حسيبهم.

هذا هو قول السلفيين وبعض أهل السنّة في يزيد اللعين، وهذه هي عقيدتهم بالملوك والحكومات وأعداء أهل البيت(عليهم السلام) عموماً، فهم يحاولون تبرير جرائمهم الشنيعة مهما عظمت. ألمثل يزيد نحاول أن نعتذر ونتمنّى له الجنّة؟! إذن فعلى الإسلام السلام إن جُعل أمثال يزيد من أهل الجنّة ومن الأبطال المرموقين الممدوحين.

١- مسند أحمد (٤/٣٣٥)، والحاكم في المستدرك (٤/٤٢٢) وصححه ووافقه الذهبي، والهيثمي في مجمع زوائده (٦/٢١٨) وقال: رواه أحمد والبزار والطبراني ورجاله ثقات.

٢- مسند أحمد (٥/٢٣٢،٢٤٥)، وسنن أبي داود (٢/٣١٢)، وسنن الترمذي (٣/٣٤٦) وحسّنه وفيه (في سبعة أشهر)، والحاكم في مستدركه (٤/٤٢٠) وقال: صحيح موقوف ووافقه الذهبي.

٢٦٠