×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

ثمّ شيّعني الألباني / الصفحات: ٢١ - ٤٠

ردّ الألباني على ابن تيميّة

على الرغم من أنّ الألباني كان من أتباع ابن تيميّة، والسائرين على نهجه العلمي، خصوصاً في العقائد، لكن مع ذلك نشاهده ينتقده ويردّ عليه في موارد كثيرة، نذكر اثنين منها ؛ لكونّها قد أثرّت كثيراً في المؤلّف، كما يذكر خلال سرده لقصته هذه:

أولاً: فمن العجب حقّاً أن يتجرأ شيخ الإسلام ابن تيميّة على إنكار هذا الحديث وتكذيبه في منهاج السنّة ، كما فعل بالحديث المتقدّم هناك (( من كنت مولاه )) مع تقريره أحسن تقرير - إلى أن قال -: هذا كلّه من بيان شيخ الإسلام وهو قوي متين كما ترى!! فلا أدري بعد ذلك وجه تكذيبه للحديث ؛ إلا التسرّع والمبالغة في الردّ على الشيعة )). الصحيحة حديث ٣٢٢٣.

ثانياً: وعند كلامه عن حديث الغدير قال: (( إذا عرفت هذا، فقد كان الدافع لتحرير الكلام عن الحديث وبيان صحته أنّني رأيت شيخ الإسلام ابن تيميّة قد ضعّف الشطر الأول من الحديث، وأمّا الشطر الآخر فزعم أنّه كذب! وهذا من مبالغاته الناتجة في تقديري عن تسرّعه في تضعيف الأحاديث قبل أن يجمع طرقها ويدقق النظر فيها، والله المستعان )). الصحيحة ٤: ٣٤٤.

٢١

وفاته

توفّي الألباني ووفد على ربّه بأعماله، إن كان محسناً فله، وإن كان مسيئاً فعليه، وذلك يوم السبت ٢٢ جمادى الآخرة سنة ١٤٢٠هـ في مدينة عمّان، وخلّف مجموعة آثار منها:

(( سلسلة الأحاديث الصحيحة ))، (( سلسلة الأحاديث الضعيفة ))، "صحيح الجامع الصغير"، "تمام النعمة"، تحقيق كتاب (( الاحتجاج بالقدر )) لابن تيميّة، تحقيق كتاب (( الآيات البيّنات في عدم سماع الأموات على مذهب الحنفيّة السادات )) للآلوسي، تحقيق كتاب (( الإيمان )) لابن تيميّة، رسالة (( الحديث حجّة نفسه في العقائد والأحكام ))، تحقيق (( شرح العقيدة الطحاوية )) لابن أبي العزّ الحنفي، تحقيق كتاب (( السنّة )) لابن أبي عاصم، اختصار كتاب (( العلو )) للذهبي، تحقيق كتاب (( كلمة الإخلاص )) لابن رجب الحنبلي، رسالة (( منزلة السنّة في الإسلام ))، بالإضافة إلى صحاح وضعاف للسنن الأربعة، وغيرها.

٢٢

هذا الكتاب

مؤلّفه الأخ الفاضل الشيخ عبد الحميد الجاف، كرديّ الأصل، شافعي المذهب، ثمّ سلفي، ثمّ اعتنق مذهب أهل البيت عليهم السلام نهاية عام ١٩٩٣م بعد دراسة وبحث عميق للمذاهب الإسلامية والمقارنة بينهما.

ولد في بغداد نهاية عام١٩٦٩م، الموافق لليلة٢٧ من شهر رمضان المبارك ودرس في مدارسها، وتخرّج من كليّة الفنون في جامعة بغداد قسم التصميم والديكور.

وفي نهاية عام ١٩٩٦م التحق بالحوزة العلمية في النجف الأشرف، وطوى مراحلها الأوليّة، وهو اليوم يحضر أبحاث الخارج فقهاً وأصولاً عند بعض أعلامها.

التقيته مرّات عديدة فوجدته فاضلاً، مُلمّاً بالكثير من المسائل الخلافيّة بين المذاهب الإسلامية، يتمتع بروح شفافة، وأخلاق حميدة، يتحدّث بصراحة عن مذهبه السابق وعقائده الوهابية الماضية.

وكتابه هذا سطّر فيه قصّة استبصاره بأسلوب أدبيّ، بعيداً عن التعقيدات التي شاهدناها من البعض، وضمّنه بعض الأبحاث العلميّة والتحقيقات الدقيقة، وذكر فيه كيف أن الشيخ الألباني صار سبباً لاستبصاره وركوبه سفينة النجاة واعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، علي وفاطمة والحسن والحسين والتسعة المعصومين من أولاده عليهم جميعاً سلام الله.

٢٣

وذكر في أوّله سبب تأليفه لهذا الكتاب، وهو إلقاء الحجّة على إخوانه الذين لا يزالون يسيرون على غير منهج أهل البيت(عليهم السلام)، ويتعبّدون الله على غير المذهب الحقّ، وذلك من باب (( الدين النصيحة ))، إذا فالهدف من الكتاب هو النصيحة، تمسّكاً بقوله تعالى: ? ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ?(١).

ثمّ بيّن انتقاله إلى السلفية، ومضيّ ستّ سنوات يتعبّد الله على المذهب الوهابي، وأكدّ أنّ السلفيّة ليسوا مذهباً واحداً بل عدّة مذاهب وفرق وإن جمعهم مسجد واحد أو بلد واحد، فكيف الحال مع التعدّد في البلاد والمساجد، فهم يختلفون في ما بينهم في الكثير من العبادات، فضلاً عن غيرها من الاعتقادات.

وبدأ سرد حكايته، وما الذي دعاه إلى التفكير بالمذاهب الإسلامية، والبحث عن الحقّ، وما الذي واجهه من صعوبات في بحثه هذا، وكيف أنّه أخيراً اقتنع بمذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وأعلن تحوّله المذهبي، الذي لاقى بسببه معاناة كثيرة، ضحّى بالكثير من أجله: من فقد بعض الأهل والأصدقاء والأحبّة، بل حتّى أنّ تحوّله المذهبي كان سبباً من منعه من الاقتران بالبنت التي اقتنع بها وقرّر أن تكون شريكة حياته وأمّ أولاده، إلاّ أنّ أهلها رفضوه لا لسبب فيه، بل لأنّه شيعي فقط وفقط!!! وهذا أمر لا يقف على حجم معاناته إلاّ من مرّ بهذه التجربة الصعبة والصدمة الكبيرة.

والميّزة الجديدة التي شاهدتها في هذا الكتاب، والتي قد تخلو عنها كتب المستبصرين وذكر قصص استبصارهم، هي أنّ المؤلّف ذكر قصّته كاملة، وذكر أسماء أبطالها - إن صحّ التعبير بهذه الكلمة - الحقيقيّة، والأماكن التي جرت

١- النحل : ١٢٥.

٢٤

فيها هذه القصة من مساجد وجوامع وحسينيات ومراقد مطهرة في مدن العراق.

ولا أريد استباق القاريء هنا بتعريف أبواب الكتاب ومباحثه، بل ليقف عليه القاريء بنفسه ويعرف فصوله، وكيف أنّ الألباني كان سبباً لتحوّل الكاتب مذهبياً.

وأخيراً نتمنّى للمؤلّف الكريم مزيداً من التوفيق والازدهار في حياته العلميّة وعمله في سبيل الدعوة للمذهب الحقّ، وآخر دعوانا أن الحمدُ لله ربّ العالمين.


محمّد الحسّون
٤/ جمادى الأولى١٤٣٠هـ
الصفحة على الأنترنيت: site.aqaed.com/mohammad
البريد الإلكتروني: [email protected]






٢٥

الإهداء

إلى كلّ محبٍّ للحقّ باحثٍ عنه ومتّبع له أينما كان ومع من كان.

مستعداً للتجرّد والحكم بإنصاف والكفر بالطاغوت أيّاً كان.

وترك تقليد الآباء ونبذ التعصب المقيت مهما كان.

والسائل عن الدليل والبرهان على كلّ قول أو مذهب أو دين؛ ليؤمن بالله حقّاً، ويستمسك بالعروة الوثقى صدقاً، ويدخل في السلم كافةً، كما أمره تعالى بذلك حتماً، ويميّز عن الباطل ما كان حقاً، ويتبع الحقّ مهما كان مرّاًً.

وهذا أمر غير متيسّر إلا لمن يوفّقه الله تعالى، ويمنَّ عليه بالهداية والتمييز بين المذاهب والعقائد والأقوال فيتّبع أحسنها، فيكون من الذين مدحهم الله تعالى بقوله:{فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ}(١).

١- الزمر: ١٧.

٢٦
٢٧

إلفات نظر

ومن باب (الدين النصيحة) أقول:

انظروا يا إخوتي في أدلّتي وقصّتي ثمّ احكموا عليها بعد ذلك وحاكموها، كما أمر بذلك الله تعالى حيث قال: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}(١)، وأمرنا بذلك أيضاً في قوله تعالى: {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}(٢)، فلعلّ أحداً يستفيد من تجربتي فيتّعظ بغيره ويكون من السعداء دون عناء فإنّ (السعيد من اتّعظ بغيره).

والبحث عن الحقيقة طريق صعب ووعر، وسالكه فرد نادر، والعقيدة هي الأساس، فمن يبحث في الأساس بعد البناء يحتاج إلى إزالة البناء الذي يعلوه: {ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ}(٣)، وإنّ من يجد عقيدة صحيحة توافق الدليل والبرهان وإن كانت عند غيره أو حتّى عدوّه فإنّه أحقّ بها إن كان مخلصاً لله تعالى باحثاً عن الحق، أينما كان ومع من كان، ليفوز باتّباعه وينجو لصدقه وإخلاصه ويكون مصداقاً لقوله تعالى: {نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ

١- البقرة: ١١١.

٢- المائدة: ٨.

٣- النور: ٤٠.

٢٨

وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}(١).

فيرى حينئذٍ تناسب الأساس مع حجم أو شكل ذلك البناء ليحصل التطابق والقوّة والمتانة، ليتمّ المطلوبَ ويحصل المحبوب، الذي من أجله شُرّعت الشرائع، وأرسلت الرسل، وأُسيلت الدماء، وبُذلت الأنفس على أحسن وجه وأكمل حال: {فَفِرُّوا إلى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ}(٢).

وأخيراً أُخاطبكم وأطلب منكم ما طلبه نبي الله شعيب(عليه السلام) من قومه: {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}(٣).

١- النور: ٣٥.

٢- الذاريات: ٥٠.

٣- هود: ٨٨.

٢٩

مقدمة مؤلف

بعد ستة أعوام كنت قد قضيتها سلفيّاً متشدداً مدافعاً عن مذهبي بقوّة وداعياً له، معتقداً ضلال من خالف وخسران من تخلّف، منتقداً للمذاهب الأخرى وأتباعها لاعتقادي عدم اتّباعهم الدليل الصحيح والفرقة الناجية والطائفة المنصورة! إلى أن حدثت معي حادثة لا بفعلي واختياري وإنّما بإرادة إلهيّة ونعمة ربّانية، فقمت بالبحث بسببها، وتيسّر لي اتّباع الحقّ من خلالها، ونبذت التعصّب وتقليد الآباء عن طريقها، فتبسّم لي الدليل الصحيح والبرهان الصريح والحجّة القويّة، فانبسطت جوانحي واستقرّت جوارحي واطمأنّ قلبي، بعد أن كنت متشدداً متشنّجاً شديداً فظّاً غليظاً متأسّياً بالفاروق! ــ كما نزعم كسلفيين ــ لا أكاد أرى أحداً إلاّ وقد صدر منه ما يخالف ما أنا عليه أو أدعو إليه من الحقّ باعتقادي، وظنّي حتّى مع أبناء جلدتي ومذهبي ومن هم على شاكلتي ــ وهذا حال جميع السلفيين ــ فإنّنا نختلف في المذهب الواحد إلى مذاهب (والفرقة الناجية) إلى فرق.

فالسلفيون وإن كانوا أبناء مسجد واحد فهم مختلفون فيما بينهم، ناهيك عن العلماء والبلدان فكلّ سلفي يفتي على ضوء فهمه وقناعته ومقدار اطّلاعه أو بحسب ما يقع تحت يده من كتب أو فتاوى؛ فترى أحدهم يوجب تحريك الإصبع في التشهّد(١)، والآخر يكتفي برفعه دون تحريك، وثالث يطالب من يحرّكه بلطف أن يحرّكه بشدّة ؛ لأنّ ذلك الإصبع أشدّ على الشيطان من مطارق الحديد، فيفهم هذا الحديث ويتخيّل أنّ الشيطان

١- وهذا ما يعدّه سائر المسلمين معيباًً وعبثاًً لا يليق بالصلاة أبداًً.

٣٠

قابع تحت إصبعه متربّع على فخذه يخشى ضرباته الحديدية بإصبعه الموجع؛ فيجب عليه أن يضرب به رأس ذلك الشيطان ويلقّنه درساً لن ينساه أبداً!!

وكذا الخلاف في مسألة الهوي للسجود، أيكون بوضع الركبتين أوّلاً كما يفعل سائر أهل السنّة واعتادوا عليه، أم يكون بالهوي باليدين دون الركبتين ولا يتشبّه بالبعير كما يفعل الآخرون على فتوى الألباني التي ظهرت في آخر الزمان؟! وأمّا من يقدّم الركبتين فيرى أنّ الآخر يسيء الأدب ويلعب ويعبث في الصلاة.

وهكذا في مسألة التكتّف والإسبال بعد الركوع! فالألباني وأتباعه في العالم كلّه يرون بأنّ أقرانهم من سلفية السعودية أهل بدعة ؛ لأنّهم يرون التكتّف بعد الركوع أيضاً دون الإسبال، فيسمّي الألباني هذا الفعل: بدعة الحجازيين وينصّ على أنّها بدعة وضلالة!! وكذا مسألة التكتّف فالاختلاف في كيفيته ومحلّه من الجسم مفتوح على مصراعيه دون حلّ، وكذا الجهر بآمين، وتقصير الثوب ومقداره، وكذا تقصير اللحية بمقدار قبضة، والصلاة في النعل والجورب السميك فقط أو القصير أيضاً!

وهكذا فكلّ واحدة من هذه المسائل توجب عند السلفيين إعمال الولاء والبراء والحبّ والبغض ــ دون مبالغة ــ لمن يخالفهم فيها ؛ لأنّ كلّ سلفي يرى أنّه موافق للسنّة الصحيحة والدليل الصحيح دون غيره من المقلدة الجهلة!! وهذا كلّه وأضعافه في أحكام الصلاة فقط! والتي هي عمود الدين وكان النبيّ(صلى الله عليه وآله) يؤدّيها عدّة مرّات يومياً، فكيف بأحكام العبادات الأخرى؟! مثل الوضوء وكيفية مسح الرأس ومقداره، والمحرّمات مثل تحريم الذهب المحلّق، وكذلك الاستعانة بالكافرين والمشركين على المسلمين، وتكفير ولعن المعيَّن، والتصوير والإنترنيت، والمعاملات كالطلاق الثلاث وبعض أنواع الزيجات المستحدثة، والعقائد كالموقف من الخليفة الفاسق، وممّن يحكم بغير ما أنزل الله، ، والتكوينيات كالأسباب والمسببات، وكروية الأرض وحركتها ودورانها وثبوت الشمس ! وما إلى ذلك.

٣١
 ثمّ شيّعني الألباني الشيخ عبد الحميد الجاف (ص ٣٢ - ص ٦٢)
٣٢

دواعي البحث

خلال تلك السنين الستة، حدثت معي حوادث عدّة، اضطررت معها لخوض هذا المضمار الصعب، والملف الساخن، والخضم المتلاطم، ولكوني سنّياً ــ أي: من أبوين سنّيين ــ بدأت بالعبادة على وفق مذهبي، واعتقدت ما يعتقدونه دون تمحيص أو معرفة أو دليل، خصوصاً في بلد مثل العراق بنظامه السنّي المستمر في حكمه منذ عقود، بل قرون!! بمناهجه المدرسية التي تناسب المذهب والتاريخ الموافق للسلطة والسلطان، فتعلّمناها وأخذناها على أنّها مسلَّمة لا شية فيها، ويجب التسليم بها دون شك يعتريها.

وقد كانت بداية التزامي بالدين والاستمرار على أداء الصلاة قد حدثت بسبب مفارقة لطيفة سبّبت لي ذلك الالتزام؛ حيث كنت طالباً في السادس الإعدادي (البكالوريا) عندما عرَّفني أحد زملائي وأصدقائي في المدرسة (ضياء) بأحد أصدقائه من طلبة البكالوريا أيضاً لأستفيد منه لكونه من مدرسة أفضل، ولكون مدرّسيه ممّن يساهمون في وضع أسئلة الامتحانات العامة، ولكون بيته أصبح يقرب من بيتنا الجديد الذي انتقلنا إليه منذ فترة وجيزة، وكان ذلك الطالب شيعياً بخلاف صديقي السابق الذي أصبح بيته بعيداً عنّي بعض الشيء حتّى افترقنا شيئاً فشيئاً.

فتعرّفت على صديقي الجديد (محمّد عبد الرسول)، ومن ثمّ عرّفني الأخير بدوره على بعض أصدقائه في منطقتنا منهم (كمال وأحمد ومكي وستار)،

٣٣

فأصبحنا بمرور الأيام مجموعة متجانسة نلتقي دائماً ونتسامر ليلاً ونتجوّل في شوارع المحلّة إلى وقت متأخّر من الليل، فلم أر منهم إلاّ الكلام الجميل والمشاعر اللطيفة والأخلاق الحميدة، وكانت قصصهم في الغالب دينية وبخصوص حياة وأحوال أهل البيت(عليهم السلام) وعلمهم وأخلاقهم وفضائلهم وخطبهم ووصاياهم، وشيء من التاريخ، وبعض مسائل الخلاف، وبعض المسائل العلمية والطبيعية، وشيء من النوادر والطرائف، فأحببتهم كثيراً وكنت أستمتع بالوقت الذي أقضيه معهم، وأستفيد منه بصورة كبيرة لجدّيتهم وثقافتهم وتدينهم.

فأصبح أصدقائي الجدد بعد فترة يضغطون عليّ ويرغبونني في التزام الصلاة والاستمرار عليها بعد أن أخبرتهم بأنّي أصلّي فترة وأترك أخرى، وقالوا لي بأنّ أفضل علاج لذلك هو الصلاة في المسجد كي تستمر عليها ولا تقطعها بعد ذلك، وبدؤوا يرغبونني بصلاة الجماعة ويذكرون لي أهميتها وفوائدها وما فيها من الأجر الجزيل والثواب العظيم.. وفجأةً سألتهم سؤالاً بدا وكأنّه كان محرجاً دون أن أعلم بذلك حينما قلت لهم: فلمَ لا نذهب إلى المسجد سوية ما دام الأمر بهذه الأهمية؟ ولماذا ترسلونني إلى المسجد وأنتم لا تذهبون {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ}(١) ؟!

فأجابوا بحسرة واضحة: ليتنا نستطيع ذلك!

فقلت: ولِمَ لا تستطيعون؟

قالوا: إنّ مذهبنا يشترط العدالة في الإمام وهذا الشخص تابع لوزارة الأوقاف ويأخذ مرتّبه من الدولة، ناهيك عن وجود بعض إشكالاتنا الشخصية عليه لكونه يسبّنا ويحرّض علينا ويتهجّم على مذهبنا كلّما ارتقى المنبر!

١- البقرة: ٤٤.

٣٤

قلت لهم: وكيف تأمروني بالصلاة خلف مثل هذا الشخص؟

فأجاب أحدهم بسرعة: لأنّكم لا تشترطون ما نشترط فإنّكم تروون عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) بأنّه يقول: (صلّوا وراء كلّ بر وفاجر)!

فقلت: كيف يصح ذلك؟

قالوا: لأنّكم تقولون بأنّ ذلك للتيسير!

فأجبت بحرج شديد ودون قناعة: الله أعلم!

فدخلت المسجد بعد ذلك وبدأت بالصلاة وداومت عليها بحمد الله وتوفيقه وفضله وإلى يومي هذا، وأسأله تعالى الدوام عليها حتّى آخر أنفاسي في الدنيا.

٣٥

البحث عن الحقيقة

بعد مدّة من مصاحبتي لأصدقائي الشيعة طلبوا منّي أن نتعاهد بأن نبحث عن الحقّ ونتّبعه جميعاً لأنّ الحقّ واحد، فإمّا أن نكون نحن أهل الحقّ أو أنتم فنجتمع عليه دون هذه الفُرقة والبغض والاختلاف الحاصل بيننا دون جدوى أو حل، والمستفيد الوحيد من ذلك هم أعداء الإسلام.

فأخبرتهم بأنّي لا أعلم من مذهبي ما يكفيني للدفاع عنه! فقالوا: تعلّم واسأل حتّى نستفيد جميعاً، فوافقت على استحياء وخوف من العواقب ؛ لأنّني أعلم يقيناً بأنّهم أعلم منّي وأثقف، بالإضافة إلى كثرتهم ووحدتي بينهم، فتعاهدنا على اتّباع الحقّ مهما كان ومع من كان، وأخبروني بأنّهم يتمنّون أن يجيز لهم مذهبهم الصلاة معنا.

وبدأنا نبحث في هذه المسألة وفي غيرها، فتعرّفت بسبب ذلك على بعض الوهابية الذين أرشدوني إلى بعض كتبهم المهمّة، وساعدني حينها أيضاً أحد أصدقائي (نزار) بأن عرّفني على شخص مختص بهذه المسائل، وكان هذا الشخص قليل الحضور إلى المسجد مع أنّه من طلبة كلية الشريعة ومثقف جدّاً، بل ومختص بالأديان والمذاهب، فعرّفني عليه حين صادف أن حضر في أحد الأيام إلى المسجد، فسألته عن أسباب تغيّبه عن المسجد مع أنّ صلاة الجماعة واجبة عندنا مع ما هو عليه من شأن ومن قرب وجوار للمسجد! فأخبرني برأيه

٣٦

السيّئ بإمام المسجد (فذكّرني ذلك بانتقاد جماعتي الشيعة لذلك الشيخ أيضاً) ولكن ماذا يفعل ــ والكلام له ــ وهو جار المسجد والنبيّ(صلى الله عليه وآله) يقول: (لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد)، وقال: "إنّني أدوس على نفسي في كلّ مرّة أحضر للصلاة وأتنازل حتّى ألبّي فيها النداء وأصلّي خلف عبد الوهاب هذا!".

وأخبرني بأنّه يضغط على نفسه أيضاً ليحضر صلاة الجمعة ليقوم بتوجيه النقد لذلك الإمام بعد الصلاة إذا ما أخطأ أو خالف المشهور أو ذكر في خطبته حديثاً موضوعاً تأدية لواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأعجبني علم ذلك الشخص وجرأته فأخبرته بحاجتي إليه في قصّتي مع الشيعة، فسرّ بذلك لسعة اطّلاعه في هذا المجال وحبّه له وقال لي: "متى تحتاجني أُطرق الباب بلا تردد وسأجيبك عن كلّ سؤال أو شبهة وبكل سرور"(١).

فبدأنا البحث، وكنت أجيب على إشكالاتهم بسؤالي لأستاذي الجديد (علي) والتسليم لردوده حتّى لو لم تكن مقنعة في بعض الأحيان! وأذكر من بين الأمور التي لم أقتنع بجوابه عليها حينها ــ مع حججه القوّية في غيرها غالباً ــ جوابه عن حديث (كتاب الله وعترتي) فإنّه ضعّفه مباشرة تقليداً لابن تيمية وأجاب كعادته بإجابات ابن تيمية بحذافيرها ــ لأنّه كان يحفظ منهاج سنّته عن ظهر قلب ــ فقال بأنّ العترة هنا لو سلّمنا بصحّة الحديث جدلاً يقصد منها العلماء السادة حملة السنّة والعلم والقرآن من قرابة النبيّ كعليّ وابن عباس والشافعي وما إلى ذلك لا مطلقاً، وإلاّ فإنّ منهم من لم يكن عالماً فكيف نتّبعه؟! ومنهم من هو كاذب عند الشيعة أنفسهم، فلذلك يجب حمل الحديث على العلماء منهم فحسب، فلا يكون

١- هذا الشخص اسمه (علي سرّي) وكان حينها طالباً في كلية الشريعة وهو سبط د. عبد الكريم زيدان أحد علماء أهل السنّة ومَنِّظر الإخوان المسلمين وأحد مؤسسيه في العراق.

٣٧

حينئذ دليلاً على ما يريده الشيعة.

فقلت له: فإذا كان الأمر كذلك فلماذا أوصانا النبيّ(صلى الله عليه وآله) بهم وخصّهم بالترك فينا من بعده مع كتاب الله وهم سواء مع سائر العلماء وبلا أيّ فرق وتميّز؟ فقال:كان ذلك لتأكيد فضلهم عند التساوي بالعلم مع غيرهم لا لتخصيصهم في الاتّباع ؛ لأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) أوصى في حديث آخر أصحّ من هذا بكتاب الله وسنّته!

فقلت له: أنا غير مقتنع بهذا المعنى فإنّه بعيد جدّاً لعدم وضوح فائدة تأكيد فضلهم عندي مع مساواتهم لغيرهم في العلم والحجّية والترك! فغضب فجأة وجَنَّ جنونه على غير عادته من الهدوء والضحك والتبسّم والسيطرة على المطالب وقال لي صارخاً: لا يجوز لك أن تخالف ما فهمه علماء السنّة أبداً لأنّك ستكون بذلك مثل الشيعة بالضبط!

فقلت له: لا لا!! أعوذ بالله أستغفر الله من أن أردّ عليك أو على أيّ عالم من علمائنا فكيف إن كان ذلك إجماعاً، فذهبت وتركته وأخبرت أصدقائي بما قاله لي أستاذي ومعلّمي الجديد (علي سري)، ولكنّهم تعجّبوا من ردّه وتضعيفه لذلك الحديث وفهمه له ــ فقد ردّوا عليه بما رددت به عليه تماماً ومن دون اتّفاق أو حديث مسبق بيننا ــ وقالوا هذا هو التلاعب الذي جعلنا لا نتّفق هذه المدّة الطويلة وإلى يومنا هذا !

ثمّ سألوني عن قناعتي الشخصية؛ فأُحرجت حينها ــ خصوصاً أنّي متعاهد معهم على البحث واتّباع الحقّ ــ فأخبرتهم عن ضعف قناعتي بكلام أصحابنا، ولكننا يجب أن نستمر في البحث حتّى تتم القناعة سلباً أو إيجاباً، فرحّبوا بذلك لعلمهم بجدّيتي في البحث وعدم تعصّبي، فحصل الاتّفاق واستمر البحث.

والغريب أنّي بعد فترة وجدت أنّ الحديث صحيح فقد صححه الكثير من

٣٨

علماء أهل السنّة، وكذلك شيخ السلفية ومحدّث العصر الشيخ محمّد ناصر الدين الألباني! ولكنّني بقيت أفهمه بما يتناسب مع الحديث الآخر (كتاب الله وسنّتي) الذي وصفه أستاذي الجديد بأنّه أصحّ من حديث العترة، وكذلك فهم وشرح الألباني له أيضاً، فلا يجوز لي أن أتجاوز فهم علمائي كما حذّرني صديقي وشيخي من فعل ذلك آنفاً!! وخصوصاً مع تصحيح الألباني لحديث (كتاب الله وسنّتي)!

وأودّ أن أذكر هنا شيئاً مهمّاً آخر ــ مع عدم ذكري لكثير من الأشياء المهمّة والمناظرات واللقاءات التي حصلت لي، إمّا لبعد الفترة وضعف التذكّر، وإمّا خشية الإطالة(١) ــ وهو أنّني فارقت أصدقائي الشيعة بعد فترة بعدما اعتقدت بأنّهم أَخلُّوا بالعهد ولم يذعنوا للحق، وذلك حينما وجدت في أحد الكتب التي كانوا يعيروني إياها لمطالعتها ــ وهو كتاب أجوبة مسائل موسى جار الله للسيّد شرف الدين ــ بأنّ الإمام عليّ(عليه السلام) كان يصلّي خلف أبي بكر وعمر دون أن يعيد الصلاة خالصاً لوجه الله، ونحن نقتدي به الآن ونصلّي خلف المخالف دون أن نعيدها بعد ذلك، فالصلاة خلف المخالف لا تشترط فيها عدالة الإمام كما يشترط ذلك في الإمامي. ففرحت لذلك فرحاً شديداً، ووضعت إشارة عند تلك الصفحة، وذهبت لبيت كبير أصدقائي الشيعة وأكثرهم ثقافة فلم أجده ووجدت أخاه فأعطيته الكتاب وقلت له: أوصله إلى (كمال) وبيّنت له ما وجدت، وأخبرته بأنّني سوف أنتظرهم في المسجد جميعاً حسب الاتّفاق إن كانوا صادقين في عهدهم وبحثهم،

١- ومن ذلك حصول الكثير من المناظرات بيني وبين أحد أصدقائهم وهو شيخ أمجد، ومن ثمّ أخذي من قبل هذا الشيخ إلى أحد علمائهم وخطبائهم المشهورين في بغداد وهو السيّد عبد الرسول الكفائي(رحمه الله) لمناظرته والاستفادة منه، وفي المقابل قمت أنا بالاستعانة بأستاذي علي سري في مناظراتنا الأخيرة معهم قبل الافتراق.

٣٩

فقد وجدت ما يجيز لهم الصلاة معنا ومن مذهبهم وعلى لسان عالم كبير مثل السيّد شرف الدين، وأخبرته بأنّني سوف أفارقهم ولن آتي بعد ذلك لزيارتهم أبداً إن لم أجدهم في المسجد!

فلم يأتوا لأيام انتظرتهم فيها طويلاً، فأُصبت بخيبة أمل، وتعجّبت لفعلهم وعنادهم! مع علمي بأنّهم كانوا مخلصين وصادقين في عهدهم معي، وفي المقابل كنت إذا رأيت أحدهم أو زارني بعضهم بعد ذلك وسأل عن سبب عدم لقائي بهم واعتزالي إياهم تذرّعت بضيق الوقت، فحسبوا أنّني قد أصبحت متعصّباً كسائر جيرانهم وأصدقائهم السنّة الذين يصلّون في المسجد ــ كما كانوا يشكونهم لي بسبب بعض تصرّفاتهم غير اللائقة مثل عدم تسليمهم عليهم مع أنّ بيوتهم متلاصقة وأنّهم أصدقاء منذ الطفولة ولأكثر من عشرين سنة ــ فكان ظنّهم بي غير صحيح، فافترقنا بصمت وسوء ظن ودون معرفة السبب الحقيقي الذي عرفناه بعد سنين من كون (أحمد) أخو (كمال) قد نسي ما أوصيته به، وأنّه لم يكن منتبهاً لكلامي أصلاً، فلم يخبر أخاه بشيء مطلقاً، وكذلك فإنّ ظنّي بأنّهم قد عرفوا الحقّ وعاندوه ولم يتّبعوه لم يكن في محلّه، ولكن وجبت علي مفارقتهم في حينها وبهذه الصورة، لضغط بعض أصدقائي وجيراني ــ ممّن يصلّون معي في المسجد ــ عليَّ كثيراً بتركهم، وأنّه لا فائدة من الكلام معهم, وأنّهم متعصّبون لمذهبهم! فاعتقدت حينها صدق مقولتهم فوافقتهم هذه المرّة على غير عادتي.

الصدمة الأولى!

بعد مفارقتي لأصدقائي الشيعة بسنوات حصلت تحوّلات وأحداث مهمة في المنطقة ومن أهم تلك الأحداث حرب الخليج الثانية في الكويت، وفي تلك الأثناء حصل اختلاف شديد بين علماء السلفية (علماء الصحوة) وبين الوهابيين

٤٠