×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

ثمّ شيّعني الألباني / الصفحات: ٤١ - ٦٠

الذين ينظرون للسعوديين بحسب المعاهدة والاتّفاق التأسيسي فيما بينهم! فقام وعّاظ السلاطين من الوهابيين بإصدار الفتاوى الجاهزة للسلطة لتبرير أفعالهم مهما كانت!(١) فقام مفتي الديار ابن باز ومن معه ممّن على شاكلته كابن عثيمين وابن جبرين، بتجويز وتبرير الاستعانة بالكافرين على المسلمين بحجّة أنّ العراقيين بين شيعة رافضة قبوريين وسنّة بعثيين وأكراد علمانيين !!

ولم يكتفوا بالضرورة وما إلى ذلك ولكنهم قاموا بتكفير جميع المسلمين العراقيين!! ومن ثمّ جعلوا ذلك من باب الاستعانة بالكافرين على الكافرين، ممّا سبب إثارة حفيظة الكثير من علماء السلفية المستقلين.

فأحدث ذلك الأمر تشتتاً وفرقة في صفوف السلفيين ممّا أدّى إلى الاختلاف والأخذ والرد والإنكار، كالذي حصل بين ابن باز وجماعته من جهة وبين العلماء الآخرين من غير السعوديين من جهة أخرى، كالألباني الذي أنكر على الوهابيين تكفيرهم للعراقيين جميعاً لوجود آلاف السلفيين من تلاميذه العراقيين ممّن درسوا في جامعات الوهابيين في السعودية بزعمه!، والتشريد الذي حصل لسفر الحوالي وسعيد بن مسفر وغيرهم، والسجن الذي لحق بسلمان العودة وعائض القرني وغيرهم، والإقامة الجبرية لسائر المعترضين والناقمين، والمبعدين من المعترضين كالشيخ عداب الحمش النعيمي الذي أبعد خارج المملكة.

وكنت أعرف هذا الشيخ سابقاً من خلال كتبه لكونه رجالياً وكوني مهتماً

١- هذا ما كان أحد الأخوة في المسجد يصرّح لي به (وهو الأخ مصطفى من رجالات الإخوان المسلمين ومن ملازمي الشيخ محمّد عياش الكبيسي وخواصّه) فكان يؤذيني بذلك كثيراً حتّى أغضب وأنفعل منه وكان يشبه الشيخ ابن باز وابن عثيمين وابن جبرين والفوزان بمثل عبد الغفار العباسي وقاريء السلطة علاء الدين القيسي وصبحي الهيتي فهم برأيه لا يختلفون في كونهم موظفين عند السلطة فكان يعدني بأنّي سأعرف ذلك في يوم ما، فسبحان الله العظيم!

٤١

بعلم الحديث والرجال، وكان له عندي كتابان وبتقديم ابن باز وأمره بطباعتها، ففوجئت بوجوده عندنا في العراق وفي مثل هذه الظروف! حين قرأت إعلاناً معلّقاً على جدار مسجدنا (غير السلفي) ــ في أحد أيام رمضان أثناء الحرب وتحت وابل القصف بالقنابل والصواريخ ــ بأنّ الشيخ عداب الحمش سيلقي قريباً محاضرة في مسجد آخر في منطقتنا (وهو مسجد بيد السلفية) فسررت بذلك كثيرا،ً وأخبرت كلّ جماعتي السلفيين في مسجدنا بأهمية حضورنا جميعاً لأنّ هذا الرجل سلفي وقد طرد من السعودية بسبب موقفه من الحرب مع أنّ الشيخ ابن باز نفسه كان قد راجع كتابه في علم الرجال وقرّضه وأمر بطبعه ومدح مؤلّفه!!

وكذلك فإن موضوع محاضرته يعتبر مهمّاً جدّاً بالنسبة لنا وسينفعنا كثيراً في دعوتنا وهو (أهمية ومكانة السنّة النبوية) ؛ لأنّ السلفيين لا همّ عندهم إلاّ موضوعين هما: (التوحيد والشرك) من جهة، و(السنّة والبدعة) من جهة أخرى، فالسنّة تعتبر حجر الزاوية في المنهج السلفي والأساس الذي يقوم عليه؛ فهي موضوع أساسي منهجي مهمّ جدّاً بالنسبة لنا وخصوصاً نحن السلفيون العراقيون فإنّنا فقراء في المنهج والفكر والتنظير للمذهب لقلة المصادر أو منعها وقلّة العلماء السلفيين في العراق، ولقرب عهد هذا الفكر عندنا أصلاً.

فأقبلَ يومُ المحاضرة ببطءٍ شديد لاشتياقنا وتلهّفنا أشدّ التلهّف لذلك، وبعد أداء صلاة العشاء بإمامة الشيخ الضيف قام بإلقاء محاضرته فحصل ما لا تحمد عُقباه (بنظري في حينها طبعاً) عندما صُدمتُ بقوله بعد بداية محاضرته بقليل: "أنا أستغرب من مشايخنا ودعاتنا وخطبائنا وكتّابنا بأنّهم كثيراً ما يلهجون بذكر حديث (كتاب الله وسنّتي) ولا يذكرون حديث (كتاب الله وعترتي أهل بيتي) لماذا يا أخي لا تذكر هذا الحديث، لا تذكره لوحده يا أخي! اذكرهما معاً لا بأس، لماذا هذه الحساسية من أهل البيت؟ لماذا نتركهم لغيرنا ألسنا أولى بهم

٤٢

منهم؟! علماً بأنّ الشيخ محمّد ناصر الدين الألباني(حفظه الله) يصحح حديث العترة ويضعّف حديث السنّة"!!

فقلت في نفسي: يا كاذب يا رافضي يا مدسوس بانَ كذبك ودسّك! لأنّني أذكر جيّداً بأنّ الألباني يذكر حديث (كتاب الله وسنّتي) دائماً سواء في كتبه أو في محاضراته، فلا يمكن تصوّر مخالفة الشيخ لمنهجه بعدم جواز ذكر الحديث الضعيف والاستدلال به! بل إنّ هذا الحديث هو قوام المذهب السلفي وأساسه، فكيف يضعّفه شيخ السلفية الألباني!! مع أنّني بالإضافة إلى ذلك أتذكّر جيّداً بأنّ الشيخ الألباني قد صححه أثناء تصحيحه لحديث العترة!!

فلمّا أكمل الحمش محاضرته خرجت مضطرباً مغموماً مصاباً بخيبة أمل كبيرة وإحساس بالخجل من أصدقائي بعدما وعدتهم بأن يتحفنا هذا العلاّمة بشيء من علمه الذي طالما افتقدناه سابقاً لعدم وجود المد السلفي المدعوم من الدولة الوهابية عندنا في العراق حينها بعكس ما عليه الحال في سائر الأمصار المفتوحة لهم لكثرة إنفاق أموالهم في دعم ونشر مذهبهم بين المسلمين!! سوى ما اتّفق عليه الملك فهد مع الطاغية صدام عند زيارته الوحيدة للعراق وتبرّعه بمبلغ كبير لطباعة كتب ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ومحمّد بن عبد الوهاب وكتب الوهابية الأخرى، كفتح المجيد وقرة عيون الموحدين وما إلى ذلك بحسب ما نُقل، فوضعوا النقود في جيوبهم وأذنوا فقط بطبع هذه الكتب فطبعها بعض السلفيين العراقيين تبرّعاً وعلى نفقاتهم الخاصّة فرحين بذلك مسرورين شاكرين! فحصل بذلك الانفراج الكبير وغير المتوقّع أبداً، فاستطعنا بذلك معرفة المزيد وأضيف لنا بعض الاطّلاع وبعض التواصل العلمي فحصل الانتشار وبدأ بالظهور حينذاك!

وبعد خروجنا من المسجد قلت لجماعتي التي أتيت بها ليستفيدوا وينتهلوا

٤٣

المزيد والجديد: يبدو أنّ هذا الشيخ مدسوس ورافضي خبيث! (أستغفر الله) ولولا أنّه كذلك لما طردوه من المملكة!! فسحقاً وتعساً له من شيخ سوء مدسوس مخيب للآمال فالله حسيبه من مضلل أفّاك! فتعجّب أصحابي من قولي هذا المناقض تماماً لقولي السابق فيه وأنّه محدّث زمانه وأوحد أقرانه وو!

فقالوا متعجّبين مندهشين: ما الذي جرى وما الذي غيرّ رأيك هكذا فما عدا ممّا بدا!!

قلت لهم: ألا ترونه كيف يكذّب بوقاحة وافتراء ويهدم عمدة أدلة أحقّية أهل السنّة بأسلوب ملتو خبيث؟! فقد افترى وكذب على الشيخ الألباني وزعم أنّه يضعّف حديث (كتاب الله وسنّتي)، مع أنّ الشيخ يذكر هذا الحديث كلّما تكلّم أو كتب، فكيف يستدل الشيخ بحديث ضعيف فيخالف مذهبه ومنهجه؟! من هنا نعلم بأنّ هذا الرجل إمّا أن يكون صدامياً أو رافضياً يعمل بالتقية!!

٤٤

بداية البحث

بعد المحاضرة ذهبت إلى البيت مباشرة وبدأت بالبحث عن كلام الشيخ الألباني في هذا الحديث في مظانّه، فبحثت عنه في السلسلة الصحيحة فلم أجده فتعجّبت من ذلك!! ثمّ تذكّرت بأنّني قد قرأت سابقاً كلاماً للشيخ ــ بشأن تصحيح حديث الكتاب والسنة في أثناء تصحيحه لحديث الثقلين والرد على من يضعّفه ــ في كتاب لأحد تلاميذه وهو محمّد بن إبراهيم الشيباني قد ألّفه هذا في حياة أستاذه! وأسماه (حياة الألباني)، فلمّا تصفّحت هذا الكتاب تأكّدت من تصحيحه لحديث العترة وردّه الشديد على من يضعّفه ويردّه، وفي ختام بحثه هذا قام كذلك بالردّ على من يضعّف حديث (كتاب الله وسنّتي) أيضاً، ففرحت لذلك وصرخت قائلاً: أين هذا الأفّاك الكذّاب الذي لا أدري من أين أتانا ليشككنا بديننا؟ فليأتِ ولينظر قول الشيخ جيّداً حتّى لا يكذب ولا يفتري عليه مرّة أخرى مستغلاًّ انقطاع العراق عن العالم وحرمانه من مواكبة وتطوّر العلم والمعلومات!!

الصدمة الكبرى!

لم تدم فرحتي طويلاً! فبعد أن أكملت قراءة تلك السطور من كلام الألباني، صدمت وصعقت وأصابتني قشعريرة ووقف والله شعر رأسي وكلّ شعرة في جسمي!!

لقد فوجئت بطريقة تصحيح الألباني لحديث (كتاب الله وسنّتي) على غير

٤٥

طريقته ومنهجه وأصوله، بل على غير عادة علماء الحديث في التصحيح، حيث قال كما في كتاب (حياة الألباني) وكذا في (سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني) في أثناء تصحيحه لحديث الثقلين (كتاب الله وعترتي) برقم (١٧٦١) وبعد أن صحح أكثر طرقه وشواهده ومتابعاته: "وله شواهد من حديث أبي هريرة عند الدارقطني (٥٢٩)، والحاكم (١/٩٣)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (١/٥٦)، وابن عباس عند الحاكم، وصححه ووافقه الذهبي، وعمرو بن عوف عند ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢٤ـ١١٠). وهي وإن كانت مفرداتها لا تخلو من ضعف؛ فبعضها يقوّي بعضاً، وخيرها حديث ابن عباس...".

فأردت البحث في أسانيده، ولكنني كنت قد اطلعت على كلام الألباني نفسه في بعضها وكانت بين المعضل والمرسل (بلاغ)، فبحثت في إسناد خير طرقه وأقواها على حدّ تعبير الألباني بعد اعترافه بأنّ كلّ أسانيده ضعيفة، فهي إذن لا تقوم بها حجّة بنفسها عنده.

وهذا الطريق يرويه الحاكم عن ابن عباس، وفي إسناده رواة مطعون بهم وفيهم كلام كثير، كإسماعيل بن أبي أويس، وأبيه أبي أويس، وثور بن زيد، وعكرمة.

ولننظر في ترجمة كلّ واحد من هؤلاء لنرى هل أنّ خير تلك الطرق لهذا الحديث يمكن أن يشفع للطرق الأخرى الضعيفة جدّاً ليقوّي بعضها بعضاً كما يدّعي الألباني ذلك أم العكس هو الصحيح:

١ــ إسماعيل بن أبي أويس: قال عنه الحافظ ابن حجر في مقدّمة فتح الباري في معرض دفاعه عن أحاديث البخاري التي انتقدها وضعّفها الدارقطني، فقال عند الحديث الثالث والأربعين منها ما نصّه: "قال الدارقطني فيما وجدت بخطه

٤٦

أخرج البخاري حديث إسماعيل بن أبي أويس عن... قال: وإسماعيل ضعيف، (قلت): سيأتي الكلام عليه، وأظن أنّ الدارقطني إنّما ذكر هذا الموضع من حديث إسماعيل خاصة وأعرض عن الكثير من حديثه عند البخاري لكون غيره شاركه في تلك الأحاديث وتفرّد بهذا فإن كان كذلك فلم يتفرّد به، بل تابعه عليه معن ابن عيسى.. والله أعلم... "(١).

قلت: وهذا اعتراف واضح من الدارقطني بضعفه، وإقرار من ابن حجر أيضاً بضعفه لو انفرد كما توقّع هو إحساناً للظن بالبخاري وبرواته كما يرى من يطّلع ويتابع دفاعه واعتذاراته للبخاري.

ثمّ ترجم له ابن حجر فقال: "إسماعيل بن أبي أويس ابن أخت مالك بن أنس(!!) احتجّ به الشيخان إلاّ أنّهما لم يكثرا من تخريج حديثه ولا أخرج له البخاري ممّا تفرّد به سوى حديثين، وأمّا مسلم فأخرج له أقل ممّا أخرج له البخاري, وروى له الباقون سوى النسائي فإنّه أطلق القول بضعفه، وروى عن سلمة بن شبيب ما يوجب طرح روايته, واختلف فيه قول ابن معين فقال مرّة: لا بأس به، وقال مرّة: ضعيف، وقال مرّة: كان يسرق الحديث هو وأبوه، وقال أبو حاتم: محلّه الصدق وكان مغفلاً، وقال أحمد بن حنبل: لا بأس به، وقال الدارقطني: لا أختاره في الصحيح.

فقال ابن حجر للجواب عن ذلك وللدفاع عنه: "قلت: وروينا في مناقب البخاري بسند صحيح أنّ إسماعيل أخرج له أصوله وأذن له أن ينتقي منها وأن يُعلِّمَ له على ما يحدِّث به ليحدّث به ويُعرض عمّا سواه، وهو مشعر بأنّ ما أخرجه البخاري عنه هو من صحيح حديثه ؛ لأنّه كتب من أصوله، وعلى هذا لا يحتج

١- مقدّمة فتح الباري (٣٦٢).

٤٧

بشيء من حديثه غير ما في الصحيح من أجل ما قدح فيه النسائي وغيره إلاّ إن شاركه فيه غيره فيعتبر به"(١).

١- مقدّمة فتح الباري (٣٨٨)

لو نظر أيّ منصف لترجمة هذا الرجل لما ارتاب لحظة في ضعفه وطرح رواياته، ولكن المشكلة كلّ المشكلة هي أنّ هذا الرجل ممن يروي له البخاري كثيراً وكذا مسلم وسائر الكتب الستة فهو ممن يجب أن يكون قد جاز القنطرة، ولكن لنذكر بعض أقوال العلماء الذين طعنوا وجرحوا هذا الرجل لتتبين الحقيقة وتنجلي الغبرة لعلّها تأخذ بالتعصّب الأعمى معها بإذنه تعالى ولطفه وتوفيقه:

قال ابن حجر في تهذيب التهذيب في ترجمته (١/٢٩١) باختصار:...ابن أخت مالك ونسيبه(!!) عن أحمد ورواية عن ابن معين: لا بأس به، وقال معاوية بن صالح عنه: ضعيف هو وأبوه، وعن ابن معين رواية أخرى قال: ابن أبي أويس هو وأبوه يسرقان الحديث، وفي رواية أخرى عن ابن معين: مُخلِّط يكذب ليس بشيء، وقال النسائي: ضعيف، وفي موضع آخر: غير ثقة، وقال اللالكائي: بالغ النسائي في الكلام عليه إلى أن يؤدّي إلى تركه، ولعلّه بان له ما لم يبن لغيره ؛ لأنّ كلام هؤلاء يؤول إلى أنّه ضعيف،... وقال الدولابي في الضعفاء: سمعت النضر بن سلمة المروزي يقول: ابن أبي أويس كذّاب، كان يحدّث عن مالك بمسائل ابن وهب، وقال العقيلي في الضعفاء بسنده عن ابن معين: ابن أبي أويس يسوي فلسين، وقال الدارقطني: لا أختاره في الصحيح، وحكى ابن أبي خيثمة أنّ إسماعيل قد ارتشى من تاجر عشرين ديناراً حتّى باع له على الأمير ثوباً يساوي خمسين بمائة، وذكر الإسماعيلي في المدخل فقال: كان يُنسب في الخفة والطيش إلى ما أكره ذكره، وقال ابن حزم في المحلى: قال أبو الفتح الأزدي: حدّثني سيف بن محمّد أنّ ابن أبي أويس كان يضع الحديث، وعن سلمة بن شبيب: سمعت إسماعيل بن أبي أويس يقول: ربما كنت أضع الحديث لأهل المدينة إذا اختلفوا في شيء فيما بينهم، قلت(ابن حجر): وهذا هو الذي بان للنسائي منه حتّى تجنّب حديثه وأطلق القول فيه بأنّه غير ثقة، ولعلّ هذا كان من إسماعيل في شبيبته ثمّ انصلح، وأمّا الشيخان فلا يظن بهما أنّهما أخرجا له إلاّ الصحيح من حديثه الذي شارك فيه الثقات، وقد أوضحت ذلك في مقدّمة شرحي على البخاري، والله أعلم.

قلت: إنّ هذا الاعتذار غير مجد من ابن حجر، فالكذّاب كذّاب فلا يمكن قبول روايته بمثل هذا الاحتمال الذي ما أنزل الله به من سلطان، فالأصل بأنّه متهم فيبقى على ذلك حتّى يثبت العكس، ولا ترفع مثل هذه الأمور بالاحتمالات المزاجية التبرعية التعصّبية وغير المنصفة ولا المعقولة!

٤٨

وهو كلام جيّد يتبيّن من خلاله حال هذا الرجل مع دفاع ابن حجر المستميت عنه لكونه من رجالات البخاري، وهو في صدد الدفاع عن كلّ رجاله وأحاديثه كما فعل في تغليق التعليق في دفاعه عن مسند أحمد بن حنبل، ومع ذلك لم يستطع توثيقه ولا الاعتذار للبخاري في الرواية عنه أو تخريج حديثه وخصوصاً ما ينفرد به!!

فتبيّن ضعف هذا الحديث وهذه الزيادة، لعدم وثاقة راويها، ورميه بالكذب، وسرقة الأحاديث، ووضعها، وعدم متابعة الثقات له فيها وخصوصاً ذكر كلمة (وسنّتي)، وكذلك اشتراط ابن حجر لصحّة روايته أن يخرجها البخاري في صحيحه مع متابعة غيره له فيها وعدم تفرّده؛ فعدم تخريج البخاري لهذه الرواية مع اطّلاعه على جميع روايات ابن أبي أويس دلّ بشكل قاطع على عدم ارتضاء البخاري لها وتضعيفه إيّاها، خصوصاً لو علمنا مدى احتياج مذهب أهل السنّة لهكذا رواية مهمة تعتبر الأساس الذي يقوم عليه المذهب، وكذلك بالنسبة للبخاري فقد جعل في صحيحه كتاباً بعنوان (الاعتصام بالكتاب والسنّة) ولم يخرّج هذه الرواية فيه مع مناسبتها للكتاب، بل هي أصل لهكذا كتاب فتأمّل! وكذلك روى البخاري حجّة الوداع وخطبتها ولم يرو هذه الخطبة وهذه الزيادة هناك، بل روى عن ابن عباس وابن عمر وأبي بكرة و... خطبة الوداع وليس فيها كلّها الوصية بالكتاب والسنّة.

ويكفي في ردّ حديث (كتاب الله وسنّتي) أيضاً بالإضافة إلى ما ذكرناه إنّه قد روى مسلم ما يخالف ويعارض هذه الرواية عن الصادق(عليه السلام) عن الباقر(عليه السلام) عن جابر الأنصاري(رضي الله عنه) بلفظ: (وقد تركت فيكم ما لن تضلّوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله)(١)، وهي رواية أصحّ وأقوى من تلك! وبذلك تعتبر تلك الرواية منكرة

١- صحيح مسلم (٤/ ٤٠).

٤٩

إن لم نحكم بوضعها، لكونها رواية ضعيف، بل متهم ومخالف للثقات!

٢ــ أبو أويس: قال العيني عنه في عمدة القاري: "أبو أويس ضعّفه أحمد وابن معين وأبو حاتم، فلا يحتج بما انفرد به فكيف إذا انفرد بشيء وقد خالفه فيه من هو أوثق منه؟!.. "(١).

أقول: فالكلام فيه هو عين الكلام في ابنه تماماً، فتكون في الحديث علتان تكفي الواحدة منهما لسقوطه فكيف بهما مجتمعتين؟!

وسأذكر بعضاً من ترجمته ومن جرحه تتميماً للفائدة وإيضاحاً لحاله بالبيّنة والدليل، فأقول:

لنستذكر أوّلاً قول ابن معين الآنف الذكر كما في مقدّمة فتح الباري، وتهذيب التهذيب: "ابن أبي أويس وأبوه يسرقان الحديث، وكذلك قوله عنهما: هو وأبوه ضعيفان"(٢).

وكذا قال عنهما أحمد كما عند ابن عدي في كامله وغيره: "ابن أبي أويس ليس به بأس وأبوه ضعيف الحديث"(٣).

وهذا يدلّ على أنّ أبا أويس أضعف من ابنه عند أحمد، وصرّح بذلك ابن عدي في كامله في آخر كلامه في ابنه إسماعيل ما نصّه: "والبخاري يحدّث عنه الكثير(٤) ، وهو خير من أبيه أبي أويس"(٥). فتأمّل ولاحظ جيّداً!!

١- عمدة القاري (٥/ ٢٨٦).

٢- مقدّمة فتح الباري (٣٨٨)، تهذيب التهذيب (١/ ٢٧١).

٣- الكامل لابن عدي (٤/١٨٢).

٤- كما ذكر ذلك صاحب كتاب (زهرة المتعلّمين في أسماء مشاهير المحدّثين) أن ّالبخاري روى عن إسماعيل بن أبي أويس قريباً من مائتي حديث، ومسلم قدر عشرين حديثاً، راجع هامش كتاب تهذيب الكمال في أسماء الرجال للحافظ المِزِّي تلميذ ابن تيمية (٣/١٢٩) من كلام محققه الدكتور بشار عواد معروف ناقلاًً ذلك عن إكمال لمغلطاي (١/ الوقة: ١١٨)، أقول: وراجع إكمال تهذيب الكمال لمغلطاي (٢/١٨٤) حيث قال: وقال صاحب الزهرة: روى عنه البخاري قريباً من مائتي حديث، ومسلم قدر عشرين حديثاً.

٥- الكامل (١/٣٢٤).

٥٠

وكذا جعله أبو حاتم الرازي أسوء حالاً من ابنه حين ضعّفه ووثّق ابنه، كما روى عنه ذلك ابنه في الجرح والتعديل: "يكتب حديثه ولا يحتج به وليس بالقوي"(١)، مع إنّه قال في ابنه إسماعيل: محلّه الصدق وكان مغفلاً.

وختم الكلام فيه ابن عدي في كامله بقوله: "وفي أحاديثه ما يصح ويوافقه الثقات عليه، ومنها ما لا يوافقه عليها أحد وهو ممّن يُكتب حديثه"(٢).

وقال عنه ابن معين: صدوق وليس بحجّة... وهو مثل فليح في حديثه ضعف، وقال عنه مرّة: صالح ولكن حديثه ليس بذاك الجائز، وأخرى ضعيف الحديث، وأخرى ليس بشيء، وقال عنه النسائي: ليس بالقوي، وقال عنه علي بن المديني: كان عند أصحابنا ضعيفاً(٣).

ونختم بنقل الطامة الكبرى في أبي أويس وابنه، وهي قول الحسين بن فهم: ثلاثة أبيات كانت عند يحيى بن معين من أشر قوم؛ المحبر بن قحذم وولده، وعاصم بن علي وولده، وآل أبي أويس، كلّهم كانوا عنده ضعافاً جدّاً(٤).

فتأمّل واعرف حال هذا الطريق هل يصلح أن يقوّي طريقاً آخر أضعف منه؟!

١- الجرح والتعديل (٥/٩٢).

٢- الكامل (٤/١٨٤).

٣- راجع ترجمته في تاريخ بغداد (١٠/٨)، وتهذيب الكمال (١٥/١٦٩).

٤- راجع تهذيب التهذيب لابن حجر (٥/٤٤)، وتهذيب الكمال للمزي (١٣/٥١٢)، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي (١٢/٢٤٣) والأطم منها هو ما فعله مؤلف كتاب تهذب الكمال الحافظ المزي تلميذ ابن تيمية حينما حاول رفع كلمة (أشر) من كلام ابن معين كما قال ذلك محقق الكتاب حينما أثبت هذه الكلمة وقال: ضبب عليها المؤلف. كلّ هذه المحاولات البائسة تأتي في سياق إخفاء الحقائق حفاظاً على كرامة وقدسية الصحيحين، فأين الأمانة العلمية يا مسلمين؟!!

٥١

٣ــ ثور بن زيد: مع أنّ فيما ذكرنا كفاية لردّ طريق هذه الرواية ولكن نذكر أيضاً حال بقية من طعن فيه من رجال هذا السند الذي اعتبره محدّث العصر الألباني بأنّه أقواها وخيرها، فقد قال عنه البيهقي: مجهول، واتّهمه ابن البرقي بالقدر، وقال عنه ابن عبد البر: وهو صدوق لم يتّهمه أحد بكذب، وكان ينسب إلى رأي الخوارج والقول بالقدر، ولم يكن يدعو إلى شيء من ذلك، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الآجري: سئل أبو داود عنه فقال هو نحو شريك يعني ابن أبي نمير.

وشريك هذا قال عنه ابن حجر: صدوق يخطيء، واشترط ابن عدي لقبول روايته أن يروي عنه ثقة، ولا يحتج بحديثه إذا حدّث عنه ضعيف(١)، وكذلك قال ابن عدي والنسائي عنه: ليس بالقوي، واتّهمه ابن حزم بوضع الحديث! وقال الألباني: هو غير.. النخعي، وهو مثله في الضعف أو أشد.

٤ــ عكرمة: وما أدراك ما عكرمة! فهذا الرجل وقع الخلاف والطعن فيه أكثر وأوضح من كلّ من ذكرنا آنفاً، وهذا الرجل بالذات له مواقف معادية واضحة لأهل البيت(عليهم السلام)، ويكفي موقفه وقوله وشذوذه عن الأمّة في آية التطهير، حيث كان يتجوّل في الأسواق والأزقة ويتحدّى كلّ الناس بأنّ الآية ليست نازلة فيما يظن الناس كلّ الناس والمشهور عندهم والمقطوع به لدى جميعهم، وإنّما هي نازلة في نساء النبيّ(صلى الله عليه وآله) خاصّة، ويطلب المباهلة ممّن يقول بخلاف قوله، فالله حسيبه!

ويكفينا في هذه العجالة قول الحافظ ابن حجر فيه ناقلاً تجريحه الواسع النطاق: "وقد رأيت أن ألخّص ما قيل فيه هنا... فأمّا أقوال من وهّاه فمدارها على

١- وقد رأينا من الذي يحدّث عنه إنّه واحد من أسوء ثلاثة أبيات وأشر قوم عند ابن معين إنّهم آل أبي أويس.

٥٢

ثلاثة أشياء: على رميه بالكذب، وعلى الطعن فيه بأنّه كان يرى رأي الخوارج، وعلى القدح فيه بأنّه كان يقبل جوائز الأمراء، فهذه الأوجه الثلاثة يدور عليها جميع ما طعن به فيه..."(١).

أقول: وكلّ واحد منها قاصمة للظهر فما بالك بها إذا اجتمعت!!

وعموماً فإنّ هذا الرجل هو المرشح الأقوى والمتهم الأقرب في وضع مثل هذه الأحاديث المقابلة والمضادة لفضائل أهل البيت(عليهم السلام) كما فعل من قبل مع آية التطهير.

فتبيّن بأنّ هذا الطريق ضعيف جدّاً، ولا يمكن لأحد قبوله كشاهد فكيف بتحسينه وجعله جابراً لبقية الطرق الأضعف منه؟! كما قال بذلك الشيخ الألباني حيث اعتبر هذا الطريق خير طرقه!!

إذا علمت هذا أخي القاريء المنصف والباحث عن الحقّ ومبتغيه يتبيّن لك بطلان قول الشيخ الألباني وخطأه الجسيم حينما قال في نهاية بحثه وتصحيحه لحديث الثقلين: "إذا عرفت ما تقدّم فالحديث ــ كتاب الله وعترتي ــ شاهد قوي لحديث الموطأ بلفظ: (تركت فيكم أمرين لن تضلّوا ما تمسكتم بهما؛ كتاب الله وسنّة رسوله) وقد خفي وجه هذا الشاهد على بعض من سوّد صفحات من إخواننا الناشئين اليوم في تضعيف حديث الموطأ، والله المستعان..."(٢).

وأقول: إنّ كثرة طرقه وتعدد مخارجه لا تغني فقره ولا تجبر كسره ولا تقوّي ضعفه؛ لأنّ القاعدة التي قررها جميع علماء هذا الفن وجهابذته؛ هي عدم إطلاق كون الحديث الضعيف يتقوّى مع تعدد طرقه، بل اشترطوا فيه كون ضعف الراوي

١- مقدّمة فتح الباري (٤٢٤).

٢- سلسلة الأحاديث الصحيحة: (ح١٧٦١).

٥٣

ناشئاً من سوء حفظه وليس من تهمة في صدقه أو دينه، فإنّ هذا قد يزداد ضعفه بكثرة طرقه ناهيك عن الحكم عليه ببقاء ضعفه وعدم انجباره، فقد يتقوّى احتمال كذبه وتواطيء رواته على وضعه فيرد حينئذ ويسقط اعتباره ويطرح جانباً ولا يحتج به أبداً.

والمشكلةُ الكبرى، أنّ هذه القاعدة قد قال بها وأكّدها الألباني نفسه فقد قال في كتابه تمام المنّة تحت عنوان: (القاعدة العاشرة تقوية الحديث بكثرة الطرق ليس على إطلاقه): "من المشهور عند أهل العلم أنّ الحديث إذا جاء من طرق متعددة فإنّه يتقوّى بها، ويصير حجّة، وإن كان كلّ طريق منها على انفراده ضعيفاً، ولكن هذا ليس على إطلاقه (والكلام للألباني)، بل هو مقيّد عند المحققين منهم بما إذا كان ضعف رواته في مختلف طرقه ناشئاً من سوء حفظهم، لا من تهمة في صدقهم أو دينهم، وإلاّ فإنّه لا يتقوّى مهما كثرت طرقه، وهذا ما نقله المحقق المنّاوي في (فيض القدير) عن العلماء"(١).

فصرخت من أعماق قلبي بخيبة أمل وحال يرثى لها: تباً لك يا ألباني!! إن كان هذا دليلك في تصحيح مثل هذا الحديث الذي عليه مدار المذهب!! كيف تقول مثل هذا القول الذي لا يمكن أن يتفوّه به طفل أو مجنون فضلاً عن بالغ عاقل فكيف بعالم كبير!! بل محدّث العصر وابن تيمية زمانه وخليفته، بل مجدد العصر كما يزعم تلاميذه وكما نزعم نحن أتباعه؟!

كيف يكون أهم دليل للشيعة شاهداً ومقوّياً لأهم دليل للسنّة؟!! فإنّ هناك رايتين مختلفتين ولافتتين متناقضتين يرفعُ إحداها أهل السنّة ولسان حالهم يقول: نحن الفرقة الناجية وأهل الحقّ والمذهب الصحيح، بل الممثل الشرعي للإسلام؛

١- تمام المنّة (٣١).

٥٤

وذلك لتمسّكنا بوصية رسول الله(صلى الله عليه وآله) وهما الكتاب والسنّة، والراية الثانية يرفعها الشيعة، حيث يقولون: بأنّ أهل البيت(عليهم السلام) أدرى بما فيه، وأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) قد أوصى بمتابعة كتاب الله وعترته أهل بيته وقد تركهما وخلّفهما فينا من بعده وأمر بأخذ الدين والأحكام عنهما كي نأمن من الضلال من بعده، وأمرنا بالتمسّك بهم دون غيرهم إن أردنا الهداية، وإلاّ فالضلال المبين والعياذ بالله؛ لأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) لم يشهد بالنجاة لمن اتّبع أو أخذ عن غير أهل بيته، وكذلك لم يأمرنا أصلاً بالتمسّك بغير أهل البيت(عليهم السلام) من الصحابة أو أصحاب المذاهب أو أصحاب المناصب أو السنّة بغض النظر عن ناقلها من أيٍّ كانوا، ولم يخبرنا بضلال من تركهم كما أخبرنا بذلك في وصيته لنا بأهل بيته(عليهم السلام)، فترك أهل بيته في أمّته من بعده يخلفونه في قيادة الأمّة وهدايتها فإنّهم يتفرّدون دون غيرهم باجتماع الأمّة على تعديلهم وإمامتهم، بالإضافة إلى كونهم مأمونين ناصحين هادين مهديين عالمين عابدين باتّفاق الأمّة ؛ فهم عدول الأمّة وعلماء الملّة لا يختلف في فضلهم وطهارتهم اثنان، كما نص حديث أبي داود في الاثني عشر خليفة في أنّهم: (كلّهم تجتمع عليه الأمّة)، وفي رواية عند البزار والطبراني (اثنا عشر قيماً من قريش لا يضرّهم عداوة من عاداهم)(١).

فكيف يسوغ للألباني ــ بعد كلّ هذا الاختلاف والتنافي بين الفريق المستدل بحديث عترتي أهل بيتي والفريق المقابل الذي يستدل بحديث سنّتي ــ بأن يأتي ويدّعي بعد ذلك: أنّ الحديثين بمعنى واحد، وأنّ أحدهما يشهد للآخر ويصححه ــ مع اعترافه هو نفسه ضمناً بأنّ أسانيد حديث (سنّتي) لا يصح منها شيء ولا تقوم بها حجّة لوحدها، فتشبث لأجل ذلك بهذا الشاهد (حديث عترتي) وأنّه لولاه لما

١- قال الهيثمي في مجمع زوائده (٥/١٩١): رواه الطبراني والبزار، ورجال البزار ثقات.

٥٥

صح حديث كتاب الله وسنّتي!! ــ فالحديثان عنده سيّان والمعني في عترتي هو المعني في سنّتي والوصية هنا بعينها هناك، فلِمَ كلّ هذا الاختلاف يا إخوان؟! ولِمَ لا تحملون بعد هذا الفهم راية واحدة ويافطة فاردة؟!

وأقول له: عجباً لك يا علاّمة عصرك، ومحدّث زمانك، وفريد أوانك، أيّها الألباني الشامي!! أهكذا تُفهم أحاديث بهذه الأهمية؟!

فقلت في نفسي: بأنّ مثل هذا الكلام لا يمكن القول به أو قبوله أيّاً كان قائله ؛ لأنّ فيه مغالطةً وخلطاً أو جهلاً على أقل تقدير إن أحسنت الظن بالشيخ المحدّث! فالدليل هنا أخص من المدّعى كما يقول أهل المعقول؛ لأنّ تفسير الألباني لقول النبيّ(صلى الله عليه وآله): (وعترتي أهل بيتي) بأنّه يقصد العالمين بالسنّة من أهل البيت(عليهم السلام) العاملين بها فقط، فاستثنى وخصص البعض من أهل البيت(عليهم السلام) بلا دليل ولا قرينة وهذا خلاف الظاهر، هذا أوّلاً.

وثانياً: إنّ أهل البيت(عليهم السلام) عنده مهما بلغوا فإنّهم لا يحملون جميع السنّة ؛ لأنّ وجود السنّة أعم من كونها عند أهل البيت، فالسنّة التي عندهم هي بعض سنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله) لعدم إحاطة أحد بجميع السنّة عند أهل السنّة مطلقاً، والمراد من السنّة في الحديث جميع سنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله)! فتبيّن لنا الفرق الشاسع والواضح بين السنّة والعترة وعدم التساوي بينهما قطعاً، فالنتيجة هي أنّ العترة لا تساوي السنّة أبداً بحسب أصول الألباني وجميع أهل السنّة! وأنّ حديث الثقلين لا يمكن أن يكون شاهداً عندهم لحديث (سنّتي) ؛ لأنّ (عترتي) تعني مَنْ كانت عنده بعض الأحاديث وهو من العترة، وسنتي يعني كلّ الأحاديث، فلا يمكن حينئذٍ التسوية بين السنّة والعترة على قولهم وعلى قواعد مذهبهم ؛ لأنّه سيكون بينهما عموم وخصوص من وجه، فكيف يدّعى معه التساوي والترادف ليصح أن يكون شاهداً

٥٦

له؟! وعلى هذا فإنّ حديث عترتي أصلاً سيكون بلا معنى ولا فائدة ولم يكن فيه أيّ فضل أو مزيّة لأهل البيت(عليهم السلام).

فتبين لي بأنّ الألباني أخطأ هنا ولم يصب الحقّ، وكذلك عند تصحيحه لحديث (كتاب الله وسنتي) بهذه الطريقة غير العلمية وتقويته عن طريق حديث مناقض ومباين له وهو حديث (وعترتي أهل بيتي) وجعله مساوياً لحديث هو نقيضه ومعارض له دون أيّ وجه مقبول (مع تضعيفه سنداً واعترافه بعدم قيام الحجّة به في نفسه!!).

بل إنّه بفعله هذا قد جمع بين المتناقضات!! وساوى بين المختلفات!! لأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) فسّر قوله: (عترتي) بقوله: (أهل بيتي)، فعرّفهم للأمّة وبيّنهم بأحسن البيان وأوضحه، ولم يقل (وعترتي سنّتي)! أو (وعترتي ممّن يحملون سنّتي)!! وهو قادر على ذلك، وهو أفصح من نطق بالضاد وأبلغهم، فضلاً عن كونه في مقام البيان لا الإجمال، فافهم!

فلو أراد(صلى الله عليه وآله) من العترة السنّة لما فسّرها بقوله: (وعترتي أهل بيتي)، ولكننا رفضنا الاعتراف بهذه الحقيقة الناصعة ولم نستطع قبول هذا البيان الواضح ؛ لأنّه لا يتوافق مع ما نحن عليه وآباؤنا من تركنا لأهل البيت(عليهم السلام)، وعدم الرواية عنهم، وجعلهم كأيّ راوٍ آخر مهما كان مغموراً أو نكرة أو فاسقاً، بل وتفضيل مثل هؤلاء عليهم، والإعراض عمّن أوصانا رسول الله(صلى الله عليه وآله) بهم وأخذ الدين عنهم، وأمرنا بالتزامهم وعدم التقدّم عليهم أو التخلّف عنهم!

فلمّا وصلتُ إلى هذه الحقيقة المرّة، فإذا عروش أهل السنّة عندي أصبحت هاوية! وأسسهم ومبانيهم مهدّمة! وأصولهم وعقائدهم وأقوالهم متلاشية! فلم أستطع قبول تبريراتهم كالسابق، ولم أعد أثق بأقوالهم وتفسيراتهم وفهمهم لأدلة

٥٧

مسائل الخلاف، وراودني الشك في كلّ ما تعلّمته والتزمته، فاخترت الحياة بدل الموت، والحرية عقب التقليد، والتفتّح بعد الانغلاق، وقررت الانطلاق بدل التقيّد والتعصّب، وأوجبت على نفسي البحث عن الحقّ متجرّداً من كلّ خلفية مسبقة، أو تبرير واضح البطلان أو ساذج أو بعيد أو غير مقبول عند المنصف والمتجرّد(١)، وتركت كلّ ما ورثته عن الآباء وما التزمته من مقولات الأسياد والكبراء خلف ظهري بعد أن ظهر لي أنّها كانت مجرد سراب يحسبه الظمآن ماءً.

ولكنني ترددت كثيراً في ذلك وقلت في نفسي: أيّ فضل لي على غيري يجعل منّي عارفاً للحقّ مدركاً للحقيقة دون سواي؟! وكيف بالألباني وابن باز وابن عثيمين وابن تيمية وابن القيم وابن كثير وابن حجر حتّى أهتدي أنا ويضلّوا!! أبداً لا أصدّق بأنّ الله تعالى اختارني واصطفاني لخالص رحمته وأنا العبد الآبق الجاهل الذي عرف ربّه ودينه من بضعة سنوات فقط!!! فتذكرت ذمّه تعالى للكافرين والمعاندين للحقّ وعدم قبوله لقولهم عندما قال عنهم: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ}(٢)، وفي آية أخرى {مُّهْتَدُونَ}(٣)، فكيف أتردد وأخاف خوض غمار بحر البحث بهذا الشكل؟! وكيف يصعب علي السير فيه وأنا مأمور بسلوكه إن أردت النجاة ورضا الله تعالى والجنّة والخلاص من النار؟!

فحضرتْ أمامي وارتسمتْ صورةُ ذلك الصحابي الجليل سلمان الفارسي المحمّدي ــ الذي قال فيه أشرف الخلق(صلى الله عليه وآله): (سلمان منّا أهل البيت)(٤)، فهو الباحث عن الحقّ بحق، وهو الذي انتقل

١- وأذكر بعض تبريراتنا الباردة الساذجة ما قاله الساجي في ترجمة أحد رواة مسلم وهو جعفر ابن سليمان فقد ذكروا بعد توثيقه إنّه شيعي، بل تصريحه ببغض الشيخين! فقام الساجي بتبرير ذلك بقوله وادّعائه بأنّ جعفراً لا يقصد أبا بكر وعمر وإنّما يقصد جارين له كان قد تأذّى منهما فكان يقول عنهما: فأمّا السب فلا وأمّا البغض فيا لك!

٢- الزخرف: ٢٣.

٣- الزخرف: ٢٢.

٤- أخرجه الحاكم في مستدركه (٣/٥٩٨) والهيثمي في مجمع زوائده (٦/١٣٠) وقال: رواه الطبراني وفيه كثير بن عبد الله المزني وقد ضعّفه الجمهور وحسّن الترمذي حديثه وبقية رجاله ثقات.

٥٨

من ديانات متعددة حتّى وصل إلى الحقّ، واستمر في البحث عنه دون توقف حتّى النفس الأخير، فبعد أن كان مجوسياً ــ كما يظهر من كتب التاريخ ــ أصبح يهودياً ثمّ نصرانياً ثمّ مسلماً ثمّ موالياً لعلي(عليه السلام)، ولذلك كرَّمه(صلى الله عليه وآله) ونسبه إلى أهل البيت(عليهم السلام) شرفاً واتّباعاً وتسليماً.

فزاد بذلك شوقي للبحث، واطمأن فؤادي بعد الخوف، وتيقّن قلبي بعد التردد والشك فتوكّلت على الله بعد أن أقسمت أن أخوض بكلّ تفان وإخلاص وعدل وإنصاف غمار البحث في هذا البحر اللجي المظلم الكؤود الذي ابتعدت عنّا معالمه الحقيقية لأزمان غبرتْ، وطالت فيه الخصومات حتّى كلَّت، وكثرت مناظراته وما حُسمتْ، ولكن عزائي في إدراك الحقّ كان يقيني بتعهّد الله تعالى حين قال: {فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ}(١).

فهم جديد للأحداث بعد إزالة الحجب:

قبل اثنتي عشرة سنة من الآن تقريباً بدأت رحلتي إلى الثقلين عندما كنت سلفياً متشدداً، وبعد اللتيا والتي اقتنعت بوجوب اتّباع الأمّة لأهل بيت النبيّG دون غيرهم؛ حينما بلّغ رسول الله(صلى الله عليه وآله) هذا الأمر للناس إبان حجّة الوداع وبشكل واضح وصريح ورسمي، بعد إقفالهم من الحجّ وفي طريق العودة بين مكة والمدينة عند الجحفة بغدير خم قبل أن يفارقه الناس، وأمام أكثر من مائة ألف صحابي ومسلم جمعهم من المناطق المحيطة بمكة والمدينة وأكثر بلاد جزيرة العرب ليحج بهم حجّة الوداع؛ فرسول الله(صلى الله عليه وآله) لم يكن يريد تعليم الناس فريضة الحجّ فحسب، بل يبدو أنّ هناك أموراً مهمّة أخرى، فالحج عموماً فريضة غير غريبة عن المجتمع العربي في تلك الفترة، ولم تكن من مختصّات التشريع الإسلامي والدين الجديد، والناس يعرفون

١- الأنعام: ١٤٩.

٥٩

أغلب مراسيم الحجّ منذ الجاهلية، وكان المسلمون يحجّون في زمان النبيّ الأعظم(صلى الله عليه وآله) كلّ عام، وكان عليّ(عليه السلام) قد حج بهم العام السابق وبيَّن أكثر مسائل الحجّ حين أعلن البراءة من المشركين وترك حجّ الجاهلية ونبذ عهودهم وأمر بتطهير البيت الحرام من كلّ مشرك ومن كلّ عريان... ومع كلّ ذلك كان باستطاعة النبيّ(صلى الله عليه وآله) أداء حجّه مع أهل المدينة ومن ثمّ ينقل الصحابة الحجّ للناس كسائر الأحكام مع كون الحجّ في الإسلام ليس فرضاً وواجباً إلاّ على المستطيع، ولكن رسول الله(صلى الله عليه وآله) دعا كلّ أمّته للحضور معه ورغّبهم بذلك وأطلق على هذا الموسم (حجّة الوداع) تنبيهاً وتشويقاً للمسلمين في الحضور معه فيها، فهناك أشياء مهمّة يريد(صلى الله عليه وآله) لأجلها جمع أكبر عدد ممكن ليشهدهم عليها! فحجّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) بهم بهذه الحجّة، وإطلاق هذا الاسم الملفت عليها، وجمعهم بهذا الكم الغفير، لا يمكن أن يكون لأجل فريضة الحجّ فقط!

بل كان النبيّ(صلى الله عليه وآله) ذاهباً لأمر أهم وأعظم من تعليم الناس فريضة الحج(١)! فكان الأهم من ذلك كلّه هو (تبليغهم آخر أوامر الله تشريعاً، وهدايتهم إلى أهم

١- لكون الحجّ كان معروفاً لهم في الجملة مألوفاً عندهم، والحجّ من فروع الدين وليس بواجب على كلّ المسلمين، وإنّما هو يجب على من استطاع إليه السبيل، ومع ذلك فقد حاول النبي(صلى الله عليه وآله) جمع وأخذ كلّ المسلمين معه ولم يقتصر على العلماء ليعلّموه من بعده لغيرهم وينقلوه ويبلّغوه عنه، وكذلك فإنّ هذه الجموع الغفيرة سوف يسقط عنها جميعاً فرض الحجّ ووجوبه، فلا حاجة لهم لتعلّم أحكام الحجّ لأنفسهم فيما بعد، فالإصرار على تجميع كلّ المسلمين وجلبهم معه واصطحابه إيّاهم يفسّره أهمية الإمامة وأمر خلافته من بعده، وخصوصاً مع تسمية الحجّة لذلك العام بأنّها حجّة الوداع، ففي تسميتها بذلك إشارة لطيفة لدنوّ أجل رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وقد أشار(صلى الله عليه وآله) إلى هذه النكتة في خطبته فيها وتكراره وترديده القول: (إنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربّي فأجيب).

فنزول آية (التبليغ) وآية (إكمال الدين) في هذه الحجّة مع عدم علاقتها بالحجّ يدلّ بوضوح بأن ّالغاية الأهم في هذه الحجّة الوداعية هو بيان إمامة أهل البيت(عليهم السلام) وخلافتهم لرسول الله(صلى الله عليه وآله) وإنّ هذا الأصل الأصيل من أصول الدين.

٦٠