×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

ثمّ شيّعني الألباني / الصفحات: ٦١ - ٨٠

سننه تكويناً) ليكمل بذلك لهم دينهم، وليتم عليهم نعمته، وليرضى لهم الإسلام ديناً، في آخر فرصة يجتمع فيها بالمسلمين يمكنه(صلى الله عليه وآله) من خلالها تبليغ مثل هذا الأمر المهم والعظيم(١) (بعد أن قاومت قريش ذلك ففوتت الفرصة الذهبية لتبليغ ذلك في نفس أيام الحجّ في عرفات أو منى)!! فجمعهم بعدما فرغوا توّاً من أداء حجّة وداع نبيّهم ورسول ربّهم، وبعد أن أقفل راجعاً بمصاحبة تلك الجموع الغفيرة التي حرص وأكّد على حضورها معه لشهودهم تلك الحجّة العظيمة التي أطلق عليها حجّة الوداع؛ ولكونهم في حالة نادرة يكون فيها المسلم أقرب صلة بالله وأكثر طاعة وتقبّلاً وتسليماً لأحكامه، في ظرف تكون القريحة فيه مفتوحة عادة لتقبّل الأوامر والتسليم بها والانقياد إليها، فالحجّ من أكثر الفرائض الإسلامية التي تزيد المسلم تواضعاً وخضوعاً وتذللاً وتسليماً، وتكون حينها مشاعرهم وعواطفهم مشدودةً ومُنشدَّةً ومتفاعلةً مع النبيّ الأعظم(صلى الله عليه وآله) أكثر من أيّ وقت آخر، فهم عمّا قريب سوف يتفرّقون عنه ويفارقوه وقد لا يلتقوه بعد ذلك أبداً، فأذّن(صلى الله عليه وآله) في الناس حينئذ أن توقّفوا عند غدير خم، فأرجع المتقدّم منهم وانتظر المتأخّر عنهم، وخطبهم وقدّم المقدّمات التي بيَّن من خلالها بأنّه يودّعهم وسيفارقهم قريباً، وأنّه يجب أن يكون هناك من يحلّ محله ويخلفه، ولابدّ من حصول ذلك، وأنّ هذا الأمر ليس اختيارياً وليس بيده ولا بأيديهم، وإنّما هو بيد الله تعالى الذي أمره بذلك وهدده وتوعّده إن لم يبلّغ هذا الأمر المهم والعظيم الذي من دونه سوف يضيع الدين وتذهب أحكامه وتتغيّر معالمه وتندرس أركانه

١- لكون الإمامة والخلافة الإلهية للنبي الأعظم(صلى الله عليه وآله) من أعظم أمور الدين وأصوله، حيث يصف رسول الله(صلى الله عليه وآله) من مات بلا إمام أنّ موتته جاهلية، فالميت على الجاهلية لا يقبل منه توحيد ولا نبوّة ولا عمل قط، ولذلك نزلت بعد تبليغ الأمر آية إكمال الدين، وأمّا من ترك الحجّ أو أخطأ في أدائه أو جهل بعض أحكامه فليس كذلك قطعاً وإجماعاً، فتدبّر.

٦١

ويختلف أتباعه وتتمزّق كلمته ويكفِّر بعضهم بعضاً ويضرب بعضهم رقاب بعض، فأراد تبليغهم هذا الأمر وبيان أهميته وأنّه من الله تعالى لا من عند نفسه ورغبته، ووجوب إيمانهم به وتسليمهم له والانقياد من بعده لخليفته ووصيه الشرعي، وطلب منهم أن يسلّموا بذلك ويذعنوا له ولو ظاهراً ومؤقتاً؛ لأنّ الله تعالى لا يرضى منه ولا منهم بأقل من ذلك ليُتِمّ ويُكمِل تعالى بذلك دينه ونعمته ويحفظ خاتمة شرائعه وأكملها.

أوّل تصدٍّ من قريش للنبيّ(صلى الله عليه وآله):

أنزل الله تعالى على نبيّه وخاتم رسله(صلى الله عليه وآله) قوله(عزوجل): {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}(١) في حجّة الوداع بعد أن منعه البعض ــ كما سنذكره قريباً ــ من تبليغ هذا الأمر والأصل المهم والأخير، ليودع النبيّ(صلى الله عليه وآله) أمّته مطمئن النفس مرتاح البال مستبشراً بالمآل مكملاً دين الله قبل الفراق والانتقال.

ولكنَّ بني آدم هم بنو آدم وليسوا بملائكة! فبعد أن أحست قريش ببوادر التبليغ بإمامة أهل البيت(عليهم السلام) وخلافتهم للنبيّ(صلى الله عليه وآله) وحصر ذلك الأمر بهم دونهم؛ امتعضوا من ذلك الأمر وانزعجوا كثيراً وأحسّوا بالخطر المحدق بهم وقطع عليهم كلّ طموحٍ وتَمنٍّ؛ فحاولوا حينئذ تعطيل هذا الأمر والتصدّي له ومنع تبليغه وانتشاره بين ذلك الجم الغفير، ومن ثمّ الالتواء عليه بكلّ وسيلة مهما كانت ليبقَ الأمر في دائرة السيطرة والهيمنة والزعامة القرشية الفاعلة ولتبق الخيارات مفتوحة أمامهم!

١- المائدة: ٦٧.

٦٢
 ثمّ شيّعني الألباني الشيخ عبد الحميد الجاف (ص ٦٣ - ص ٩٠)
٦٣

الإمامة وخلافة النبوّة في عليّ(عليه السلام) وسائر أهل بيت النبيّ(عليهم السلام) كي يركن إليهم؛ حاول النبيّ(صلى الله عليه وآله) حينئذ إلزامهم بذلك بواسطة جمعهم بعد حجّة الوداع وتبليغهم في غدير خم قبل أن يتفرّقوا عنه وتنصيبه لعليّ(عليه السلام) أميراً للمؤمنين من بعده، وطلبه مبايعتهم إيّاه ولياً للعهد مرّة، وكتابة ذلك أخرى كما في رزية يوم الخميس، وإبعادهم عن مسرح الأحداث وعن المدينة للغزو ثالثة حينما بعثهم في جيش الفتى والمولى أسامة بن زيد، وتصدّيه أيضاً لكثير ممّا كانوا يقومون به من أفعال وممارسات في مقابل هذا الأمر؛ مثل تقديمهم لأبي بكر وعمر للصلاة بالناس، أو تأخيرهم إنفاذ جيش أسامة، أو صياحهم وضجيجهم ورفع أصواتهم وتكبيرهم للتشويش عليه(صلى الله عليه وآله) حينما أراد التنصيص على الأئمة الاثني عشر تفصيلاً في حجّة الوداع! أو رمي رسول الله(صلى الله عليه وآله) بالهجر والهذيان وملئ سمعه الشريف بذلك الكلام الجريء المتهتك القبيح حينما أراد كتابة ذلك الأمر بحضورهم لإشهادهم عليه في رزية يوم الخميس! ومثل هذه التصرّفات إن دلّت على شيء فإنّما تدلّ وتنمّ عن عدم إيمان البعض بعصمة نبي ورسول لا يمكن أن ينطق عن هوى، وهو تجاسر صارخ منهم على مقام معصوم مبلّغ عن الله تعالى، وتشكيك برسالة إلهية خاتمة، وتمرّد عليها وعلى تعاليمها وأوامرها، واجتهاد في مقابل النص الواضح الصريح، وأيّ نص؛ إنّه أمان الأمّة من الضلال والضياع والفرقة والاختلاف من بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) وإلى يوم القيامة، فأيّ أمر ذي نفع عظيم على الأمّة فوّتوا؟! وأيُّ مصلحة وخير عليها ضيّعوا؟! وأيّ رزية لها جلبوا؟! كما وصف ابن عباس ذلك باكياً حتّى بلّت دموعه الحصباء(١)، وفي رواية بلفظ: "ثمّ جعل تسيل دموعه حتّى رأيت على خديه كأنّها نظام اللؤلؤ"(٢)، وكان ذلك من ابن عباس(رضي الله عنه) بعد تلك الواقعة المؤلمة بعقود وعقود؛ فعبّر من خلال تصرّفه هذا عمّا حمله من أسى وأسف ومرارة على

١- البخاري (٤/٣١) ومسلم (٥/٧٥).

٢- مسلم (٥/٧٦).

٦٤

ما فات على الأمّة من الخير العظيم، وما جرى عليها من الشرور والاختلافات والتقاتل على الدنيا، وكذا مخالفة الأحكام الصحيحة بل تغييرها، فكشف(رضي الله عنه) ببيانه هذا عن مؤامرة حصلت وتصرّفات سببت نخر جسد الأمّة وضعفها وانحرافها عن الجادة.

صراع الإرادات:

نعود إلى حديثنا عن القلاقل التي افتعلتها قريش في حجّة الوداع حينما حاول رسول الله(صلى الله عليه وآله) تبليغ النص على خلفائه فتصدّت له قريش حينما أدركوا خطر ذلك التبليغ عليهم، فحاولوا منع رسول الله(صلى الله عليه وآله) من تبليغ ذلك الأمر والنص على خلفائه بكلّ وسيلة ــ كما سنبيّن ذلك قريباًــ لئلا يقعوا بذلك المأزق من النص على خلافة عليّ وبنيه(عليهم السلام) من بعده وولايته للعهد دونهم، والذي سيؤدّي إلى غلق كلّ الأبواب أمام طموحاتهم الكبيرة التي تفوق الحد المشروع، وتتعدّى على حدود الله التي حدّها، وخلافته التي يريدها أن تكون في الأرض كما أكّد ذلك في قوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً}(١).

فحصل حينئذ صراع وصدام للإرادات بينهم وبين النبيّ(صلى الله عليه وآله)؛ فقد حالوا دون أن ينص رسول الله(صلى الله عليه وآله) ويصرّح بأكثر ممّا قاله وصرّح به، كالذي نحن فيه الآن من حديث (الأئمة الاثني عشر)، ونقلهم عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) بأنّه قال هنا (كلّهم من قريش) بعد أن لغطوا وكبّروا واعترضوا وضجّوا! والواقع أنّ هذا القول قد بلّغه وذكره لهم(صلى الله عليه وآله) سابقاً ليتهيّئوا لقبول تصريحه به لهم ونصّه عليهم وتنصيبه لهم(عليهم السلام) فيما بعد، دون تفصيل أو تصريح بأسمائهم، أو حتّى الإجمال بنحو كونهم من بني هاشم أو أهل بيته على سبيل المثال؛ ليخرج سائر قريش دونهم صراحة، ففعلوا

١- البقرة: ٣٠.

٦٥

في مقابل ذلك ما فعلوا من صراخ ولغط وضجيج وتكبير وقيام وقعود! حين وصف راوي الحديث ــ وهو الصحابي المجاهد جابر بن سمرة ــ فعلهم ذاك وأشار إليه بقوله(رضي الله عنه): (ثمّ قال كلمة أصمنيها الناس)؛ لأنّهم لو تركوه يقول ما يريد(صلى الله عليه وآله) وفسحوا له المجال ليكمل لقام(صلى الله عليه وآله) بإلزامهم وتبليغهم بأمرٍ لم ولن يقبلوه أو يتقبّلوه مهما كلّفهم ذلك، وهو قبول إمامة رجل يبغضه ويكرهه ويحسده الكثير من قريش إلاّ من رحم ربّي، بالإضافة إلى أنّ قبولهم وتسليمهم سيحرمهم الزعامة بعده وإلى الأبد! مع خوف النبيّ(صلى الله عليه وآله) من عدم حصول المصلحة المترتبة على تحقق الإمامة بهذا الشكل (أعني لو ألزمهم وأجبرهم على تنفيذها وتطبيقها) فعدم انقياد الناس وطاعتهم لإمامهم الشرعي سيؤدي إلى الفساد بدل المصلحة المتوخّاة من الإمامة(١).

وحينما يئس النبيّ(صلى الله عليه وآله) من طاعتهم له وإنصاتهم لتبليغه وانقيادهم لأمره من بعده؛ اكتفى(صلى الله عليه وآله) بالتلميح والإشارة دون التصريح وبالعبارة، بعدما ضجّوا ولغطوا في أثناء إخباره عن الأئمة الاثني عشر، ومنعوه من التصريح بأكثر ممّا صرح به على حين غفلة منهم وهم لا يشعرون، وفائدة ذلك هي إقامة الحجّة، فلمّا انتبهوا لخطورة موقفهم وفداحة الأمر المحدق بهم واستحالة إنكاره بعد تبليغه وبوح النبيّ(صلى الله عليه وآله) على الملأ به قاموا بما قاموا وأبدوا المقاومة واللغط والثرثرة والتشويش!

وهناك رواية دقيقة تصف الحال الذي وصفناه هنا تماماً، يرويها الإمام

١- وقد اتّضح ذلك بعد تولّيه(عليه السلام) خلافتهم وبإلحاحهم وإجماعهم (لوقوعهم في فتنة وحيرة ليس لها إلاّ أبا الحسن) وبعد ربع قرن بما فعلوه معه (بعد انتهاء حاجتهم واستتباب أمرهم وكشفه(عليه السلام) الأمور وإيضاحها وعلاجها) فقاموا بالخروج عليه بعد ذلك بحروب ثلاثة شنّوها عليه خلال خمسة أعوام فقط، فكيف لو تولّى الإمام أمورهم مباشرة وهم كارهون ومن دون انعقاد هذا الإجماع؟!!

٦٦

أحمد عن نفس هذا الصحابي الرائع الذكي الذي تحمّل أعباء وتبعات نقله لهذه الرواية وإيصال الحقيقة للناس وهو جابر بن سمرة، منفرداً بشجاعة فائقة بنقل هذا الحديث الشريف ونشره بألفاظ مختلفة حتّى أدّى ما جرى بشكل واضح جلي فقال: "خطبنا رسول الله(صلى الله عليه وآله) بمنى (وفي رواية: بعرفات) فسمعته يقول: (لن يزال هذا الأمر عزيزاً ظاهراً حتّى يملك اثنا عشر كلّهم)، ثمّ لغط القوم وتكلّموا فلم أفهم قوله بعد (كلّهم)، فقلت لأبي: ما قال بعد (كلّهم)؟ قال: كلّهم من قريش"(١)؛ وهي إشارة واضحة منه(رضي الله عنه) للتنبيه وللكشف عمّا حصل وصدر من تصرّفهم بذلك الشكل واعتراضهم على النبيّ(صلى الله عليه وآله) ومحاولتهم إسكاته ومنعه من التصريح بما يريد من أمر لا يروق لهم وما لا يقبلونه أبداً!

فأنكر عليهم رسول الله(صلى الله عليه وآله) لغطهم هذا واعتراضهم عليه ورفع أصواتهم فوق صوته، فأمر جرير بن عبد الله أن ينبّههم ويسكتهم ويستنصتهم ــ ولكن دون جدوى!! ــ كي يستمعوا لقوله(صلى الله عليه وآله)، لمخالفتهم أمر الله تعالى المعروف عندهم من قبل بالاستماع إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله) وعدم رفع أصواتهم فوق صوته وعدم جهرهم له بالقول كجهر بعضهم لبعض، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن جرير قوله: "قال لي رسول الله(صلى الله عليه وآله) في حجّة الوداع: (يا جرير استنصت الناس)"(٢)، فكانوا مأمورين بالسكوت والإنصات لا بالكلام ورفع الأصوات! وفعلهم هذا يوضّح لنا معنى حديث جرير من أمر النبيّ(صلى الله عليه وآله) له هنا بالذات، فلم نره في موضع آخر أو خطبة أخرى غير هذه أمرهم فيها بالسكوت والإنصات! ولم يبعث من يسكتهم ويستنصتهم لولا أنّهم أساؤوا التصرّف والأدب وأكثروا الكلام في غير محلّه،

١- رواه أحمد في مسنده (٥/٩٩)، والطبراني في الكبير (٢/١٩٦).

٢- البخاري (١/٣٨) و(٥/١٢٦) و(٨/٣٦،٩١)، ومسلم (١/٥٨).

٦٧

والمواجهة بادية في وجوههم، ظاهرة في قسماتهم، واضحة في تصرّفاتهم، لائحة في أفعالهم.

علماً أنّ كلّ ما روي في إسكات الناس يذكر حصوله في منى، وحديث جابر الذي ذكرناه آنفاً كان في منى أيضاً كما في إحدى رواياته، وقد روي حديث جرير في مصادر أخرى تحكي لنا ما جرى حينها بوضوح دون حذف أو تلاعب حينما فعلوا ذلك ولم ينصتوا ولم ينتهوا؛ فتصدى رسول الله(صلى الله عليه وآله) لذلك بقوله: (يا جرير استنصت الناس) ثمّ قال عند ذلك: (لا ألفينكم ــ لأعرفن ــ بعد ما أرى، أي: من تصرّفاتكم ترجعون بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)(١)، وهذا يثبت ما قلناه بوضوح!!

بالإضافة إلى أنّ المعروف والمنقول أنّ عادة المسلمين حينما يخطب النبيّ(صلى الله عليه وآله) يكونون من السكون والسكوت بحال كأنّ على رؤوسهم الطير(٢)، ولكن الحال هنا قد اختلف، كما هو الحال في موقف مصيري آخر حينما تجرّأت قريش وقامت برزية أخرى مماثلة ومشابهة لهذه الحادثة تماماً وهي رزية يوم الخميس، والتي سببت حدوث رزية الأمّة، كما وصفها وبكى بسببها ابن عباس حبر الأمّة وترجمان القرآن، حينما رموا رسول الله(صلى الله عليه وآله) وخاتم النبيين وأشرف خلق الله أجمعين بالهجر والفحش والهذيان!!

١- أخرجه أحمد في مسنده (٤/٣٦٦) والنسائي في سننه (٧/١٢٨) وفي الكبرى أيضاً وابن كثير في البداية والنهاية (٥/٢١٦)..

٢- وردت عدّة روايات بأنّ الصحابة حينما يكونون في حضرة رسول الله(صلى الله عليه وآله) يكونون كأنّ على رؤوسهم الطير، وذُكر ذلك في صفاته وشمائله(صلى الله عليه وآله) في غير حديث، والملفت أنّي وجدت رواية يرويها الهيثمي في مجمع زوائده (٩/٥٣) عن أنس بن مالك يقول: كنّا نجلس عند النبي(صلى الله عليه وآله) كأنّما على رؤوسنا الطير ما يتكلّم أحد منّا إلاّ أبو بكر وعمر!! وقال: رواه الطبراني...

٦٨

وأكثروا في حضرته الاختلاف واللغط ورفع الأصوات، فتصدّى لهم(صلى الله عليه وآله) وطردهم، مع عدم فعله لذلك مع أحد طيلة حياته كلّها، ولكن في هذين الموقفين فقط قام بإسكاتهم مرّة وطردهم أخرى، ليبيّن لأمّته فداحة ما فعلوا وينبّههم على ذلك وينذرهم خطر وسوء ما ارتكبوا وعن سبيل الحقّ كيف صدّوا، فإنّ الشدّة وعدم اللين في تصرّفه(صلى الله عليه وآله) عند هذين الموقفين يختلف عن المعروف والمعهود من صبره وسعة صدره وتحمّله لإساءات المسيئين، ولكن الموقف هنا يختلف عن غيره ؛ لأنّ الحرب هنا تشن على الدين وعلى مستقبل المسلمين، ورسول الله(صلى الله عليه وآله) يعلم ذلك جيّداً فهو المتصل بالوحي والسماء فتصرّف بحسب ما يقتضيه الموقف ؛ لأنّهم هنا خالفوا أمر الله لهم بالسكوت عند النبيّ(صلى الله عليه وآله) وعدم رفع أصواتهم فوق صوته، وكذا وجوب التأدّب معه(صلى الله عليه وآله) واحترامه وتعزيزه وتوقيره، فقد قاموا برفع الأصوات في حضرته وشوشوا ولغطوا وقطعوا كلامه واعترضوا عليه ومنعوا من وصول صوته، بل اضطروه(صلى الله عليه وآله) بتصرّفهم هذا وجرأتهم تلك على خفض صوته وقطع كلامه وإجمال ما كان يريد تفصيله لهم، لعدم جدوى رفع الصوت حينها لحصول منافاة بين رفع صوته للتبليغ وبين رفضهم لذلك التبليغ، فاكتفى بقول يأمن معه من مستطير شرّهم وكبير اعتراضهم وهيجان نقمتهم وشديد غضبهم خوفاً من إتمامه(صلى الله عليه وآله) لهذا الأمر، فخفض(صلى الله عليه وآله) صوته حينما لغطوا ورفعوا صوتهم فوق صوته، فكأنّه ردد الكلام مع نفسه فلم يسمعوا بعدما فعلوا وافتعلوا تكملة كلامه وإخباره بهذا الأمر العظيم والمكمل للدين والمتمم لنعمة ربّ العالمين!!

وكان الأجدر بهم في حال بيان مثل هذا الأمر العظيم أن ينصتوا ويستمعوا له(صلى الله عليه وآله) ويعوا أمره جيّداً، خصوصاً مع تحريم الله تعالى عليهم مثل هذا

٦٩

الفعل، بل وتهديده لهم بإحباط أعمالهم إذا هم فعلوه فقال(عزوجل): {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النبيّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ}(١).

(١) الحجرات:٢.

٧٠

يوم الغدير الحاسم

أمر الله تعالى نبيّه(صلى الله عليه وآله) ــ بعد تكشّف نوايا القوم ــ بعدم الخوف منهم على نفسه وعلى الدين، فهم أقل من أن يعترضوا إرادة الله تعالى ويتغلّبوا على قدرته(عزوجل)، فأوجب عليه بعد تلك المحاولة تبليغهم أمر خلافة عليّ(عليه السلام) وولايته عليهم، وعقد البيعة له وجعلها في أعناقهم في حياته دون أدنى تردد؛ لأهمية هذا الأمر، بل توقف الرسالة والدين عليه، وأنّه(صلى الله عليه وآله) لم يبلغ الدين إن توانى وتردد بتبليغ هذا الأمر العظيم واستسلم للمعترضين، فطمأنه تعالى بأنّه سيتكفّل عصمته منهم عند تبليغه هذا الأمر بقدرته وتأييده، كما أشار لذلك تعالى بقوله بعد فعلهم ولغطهم ومنعهم النبيّ(صلى الله عليه وآله) من تبليغ ذلك، فأنزل عليه آية التبليغ مطمئناً له مهدداً إيّاه بأنّه سوف لا يكون مبلّغاً للرسالة دون تبليغ هذا الأمر المكمّل لها والمتمم لمصلحتها والمحافظ عليها والحامي لأحكامها، غاضباً على فعلهم وعدم طاعتهم بعدم فسحهم المجال لرسول الله(صلى الله عليه وآله) ليبلّغ هذا الأمر العظيم الذي لا يتمّ الدين إلاّ به، فأنزل(عزوجل) مؤكّداً هذا الأمر: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ}(١)، فطمأنه بالعصمة والحفظ منهم وأنجاه الله تعالى بصرفهم عنه بعنايته وإعجازه تعالى، فاستطاع(صلى الله عليه وآله) حينئذ تبليغهم رغم أنوفهم، وأخذ البيعة لعليّ(عليه السلام) منهم، دون أن يمسّه

١- المائدة:٦٧.

٧١

شرّهم، وعجزهم عن الاعتراض عليه، فبلَّغ(صلى الله عليه وآله) وتمّ بذلك دين الله تعالى ونعمته رغم أنوف وإرادة الحزب القريشي المعارض.

ويتّضح هذا جليّاً من بعض الأحاديث التي حكت وحاكت هذه الوصية لعليّ(عليه السلام).

فعن عائشة أنّها قالت: "من حدّثك أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) كتم شيئاً من الوحي فلا تصدّقه وأنّ الله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ}"(١).

وكذلك ما قاله الأسود بن يزيد: "ذكروا عند عائشة أنّ عليّاً كان وصياً قالت: متى أوصى إليه وقد كنت مسندته إلى صدري أو قالت: حجري فدعى بطست فلقد انخنث في حجري فما شعرت أنّه مات فمتى أوصى إليه"(٢).

وروى البخاري ومسلم عن طلحة بن مصرف أنّه سأل عبد الله بن أبي أوفى: هل كان النبيّ(صلى الله عليه وآله) أوصى؟ فقال: لا، فقلت: كيف كتب على الناس (المسلمين) الوصية أو (فَلِمَ) أمروا بالوصية؟ قال: أوصى بكتاب الله!(٣).

وحديث ابن عباس أيضاً يلمح للوصية هذه، ولكن الإنكار والنسيان المدّعى هو الفيصل عند نقل هذه الأمور! فقد روى البخاري عنه أنّه قال: "يوم الخميس وما يوم الخميس, ثمّ بكى حتّى خضب دمعه الحصباء فقال: اشتدّ برسول الله(صلى الله عليه وآله) وجعه يوم الخميس، فقال: (ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً)، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع, فقالوا: هجر رسول الله(صلى الله عليه وآله)، قال: (دعوني فالذي أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه) وأوصى عند موته بثلاث أخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت

١- البخاري (٨/٢١٠). المائدة: ٦٧.

٢- البخاري (٣/١٨٦)، ومسلم (٥/٧٥).

٣- البخاري (٣/١٨٦) و(٥/١٤٤) و(٦/١٠٧)، ومسلم (٥/٧٤).

٧٢

أجيزهم وسكت عن الثالثة أو قال: فنسيتها!!!"(١).

فمن كلّ هذه الروايات يتبيّن لنا أنّ هنالك أمراً ووصية مشهورة كان يقول بها ويثبتها البعض لعليّ(عليه السلام)، وأنّ هنالك شكوكاً حول موضوع وصية رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وأنّ هنالك أمراً خطيراً غامضاً مخفياً أو مخيفاً، وأسئلة تحتاج إلى جواب!!

بالإضافة إلى أنّ هناك أحاديث أخرى تشير إلى ما قلناه، من أنّ آية التبليغ نازلة بخصوص الوصية لعليّ(عليه السلام) وولايته على المؤمنين، وأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) كان يعلم بهذا الرفض، وأنّهم قد يرتدون وقد يصدر عنهم ما يقتضي حذره وتقيته منهم ومداراته لهم وتدرجه معهم! فقد ذكروا بعض الأحاديث التي تشير إلى أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) خشي من الناس في تبليغ هذا الأمر.

فقد روي عن مجاهد أنّه قال: لمّا نزلت: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ}، قال: يا ربّ كيف أصنع؟ إنّما أنا وحدي يجتمع علي الناس، فأنزل الله: {وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}(٢)(٣).

وروي عن الحسن في هذه الآية أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) قال: (إنّ الله بعثني برسالة فضقت بها ذرعاً وعرفت أنّ الناس مكذّبي، فوعدني لأبلغن أو يعذّبني فأنزلت: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ...}(٤).

١- البخاري (٤/٣١)و (٥/١٣٧)، ومسلم (٥/٧٥)، وعند أحمد في المسند (١/٢٢٢): فقالوا: ما شأنه أهجر؟ قال سفيان: يعني هذى استفهموه فذهبوا يعيدون عليه فقال: دعوني فالذي أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه وأمر بثلاث، وقال سفيان مرّة: أوصى بثلاث قال: وسكت سعيد عن الثالثة فلا أدري أسكتَ عنها عمداً وقال: مرّة أو نسيها؟ وقال سفيان مرّة: أمّا أن يكون تركها أو نسيها..

٢- المائدة: ٦٧.

٣- تفسير ابن كثير (٢/٨٠)، وتفسير ابن أبي حاتم (٤/١١٧٣)، وزاد المسير لابن الجوزي (٢/٣٠١)، ولباب النقول في أسباب النزول للسيوطي (ص٩٤).

٤- عمدة القاري للعيني (١٨/٢٠٦) قال: وذكر الثعلبي عن الحسن: قال سيّدنا رسول الله(صلى الله عليه وآله): لما بعثني الله(عزوجل) برسالته ضقت بها ذرعاً وعرفت أنّ من الناس من يكذبني وكان يهاب قريشاً واليهود والنصارى فنزلت، والثعلبي في تفسيره (٤/٩١) والواحدي في أسباب نزوله (١٣٥) وأبو حيان في بحره المحيط (٣/٥٣٨) والسيوطي في دره المنثور (٢/٢٩٨) ولباب النقول (٩٤) والشوكاني في فتح القدير (٢/٦٠).

٧٣

بل نقل العيني في عمدة القاري ما ينص على ما قلناه تماماً عن إمامنا أبي جعفر محمّد الباقر بن عليّ بن الحسين(عليه السلام) قال: (بلّغ ما أنزل إليك من فضل عليّ ابن أبي طالب فلمّا نزلت هذه الآية أخذ بيد عليّ وقال: من كنت مولاه فعليّ مولاه)(١).

وكذلك قال الشوكاني (الوهابي) في تفسيره: "وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال: لما نزلت: {بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} قال: (يا رب إنما أنا واحد كيف أصنع؟ يجتمع عليّ الناس)، فنزلت: {وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}.

وأخرج أبو الشيخ عن الحسن أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: إنّ الله بعثني برسالته فضقت بها ذرعاً وعرفت أنّ الناس مكذّبي، فوعدني لأبلغن أو ليعذّبني فأنزلت: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ}.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} يعنى إن كتمت آية ممّا أنزل إليك لم تبلّغ رسالته.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري قال:

١- تفسير الرازي (١٢/٤٩-٥٠) وقال فيه:

التاسع: كان يهاب قريشاً واليهود والنصارى، فأزال الله عن قلبه تلك الهيبة بهذه الآية.

العاشر: نزلت الآية في فضل علي بن أبي طالب(عليه السلام)، ولما نزلت هذه الآية أخذ بيده وقال:" من كنت مولاه فعلي مولاه اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه" فلقيه عمر فقال: هنيئاً لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة، وهو قول ابن عباس والبراء بن عازب ومحمد بن علي.

٧٤

نزلت هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} على رسول الله(صلى الله عليه وآله) يوم غدير خم في عليّ بن أبي طالب.

وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: كنّا نقرأ على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله): {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ (إنّ عليّاً مولى المؤمنين) وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}..."(١).

وكذلك أخرج السيوطي في الدر المنثور حديثين في سبب نزول هذه الآية:

أحدهما: عن ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري قال: "نزلت هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} على رسول الله(صلى الله عليه وآله) يوم غدير خم في عليّ بن أبي طالب".

والثاني: عن ابن مردويه عن ابن مسعود قال: كنّا نقرأ على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله) {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ (أنّ عليّاً مولى المؤمنين) وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}"(٢)!!

كلّ هذا يدلّ على أنّ الآية نازلة في تبليغ أمر مهم ومكمّل للدين ومن أصوله وأركانه وليس الكلام عن الدين كلّه، خصوصاً وأنّ هذه الآية نازلة في أواخر حياة النبيّ الأعظم(صلى الله عليه وآله) وبعثته بالإجماع، وقبل (ثمانين) يوماً فقط من وفاته(صلى الله عليه وآله)، فلا معنى للقول بأنّها تأمر النبيّ(صلى الله عليه وآله) أن لا يخاف الكفّار والمشركين وقريش واليهود والنصارى في دعوته وأن يدعوهم إلى الدين ولا يترك ذلك ؛ لأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) في ذلك الوقت دك كلّ حصونهم ومعاقلهم فلم يخف منهم أبداً، وقد أذعنوا له بعد فتح مكة وخيبر ووفد نصارى نجران وعام الوفود الذي سبق

١- فيض القدير للشوكاني (٢/٦٠).

٢- الدر المنثور للسيوطي (٣/١١٦).

٧٥

حجّة الوداع، فلا يمكن أن ينهاه الله تعالى عن الخوف من تبليغهم الرسالة بعد أن قام بذلك على أتم وجه وأفضل قيام ونجح نجاحاً باهراً وحقق النصر المبين.

خصوصاً لو نظرنا وتأمّلنا في ذيل الآية وهو قوله تعالى: {وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}(١) الذي يؤيّد ما ذهبنا إليه بوضوح مع عدم توافقه مع تفسيرهم للآية بل هو نقيضه، خصوصاً وحصول كلّ هذا في آخر أيام حياة النبيّ الأعظم(صلى الله عليه وآله) وبعثته، وبعد دعوة دامت ثلاث وعشرين سنة؛ إذ كيف يتوافق صدر الآية الذي يطمئن النبيّ(صلى الله عليه وآله) ويحفزه على التبليغ وعصمة الله له ممّن يهدده، وتنتهي الآية بأنّ هؤلاء الكافرين سوف يبقون في غيّهم ولن ينتفعوا بتبليغك ولن يهتدوا، مع حصول عكس ذلك تماماً خلال فترة الرسالة؟! فلماذا هذا التهديد وهذا الأمر بالتبليغ. إذن وما معناه وما الفائدة منه؟ وذيل الآية ــ على تفسيرهم ــ يناقض الصدر تماماً! فيكون هذا نفياً للغرض، فلا يبقى لهم مآل إلاّ الرجوع عن تفسيرهم للآية ككل ورجوعهم إلى ما ذكرناه؛ من كون الكلام عن المتظاهرين بالإسلام، وهم بعض قريش الذين لا يرغبون ولا يقبلون بولاية عليّ(عليه السلام) عليهم، فبعد رفضهم لها في حجّة الوداع واعتراضهم على تبليغ رسول الله(صلى الله عليه وآله) لهذه الولاية أنزل الله تعالى على رسوله الكريم هذه الآية يأمره فيها بعدم الاكتراث بهم وعدم خوفه، فالله تعالى تعهّد بعصمته منهم وصرفهم عنه هذه المرة (في غدير خم) لتبليغ وإقامة الحجّة شاءت قريش أم أبت!!

فما فعلوه برسول الله(صلى الله عليه وآله) في حجّة الوداع لم يستطيعوا تكراره هذه المرّة يوم الغدير لإرادة الله ذلك وتأييده لنبيّه ولدينه، فتمّ التبليغ لهذا الأمر من خلال هذه المعجزة وهذا التأييد، وظهر للمرّة الأولى والأخيرة بهذا الشكل الواضح والصريح

١- البقرة: ٢٦٤.

٧٦

دون تشويش ولا اعتراض، ورضخ الجميع لذلك شاؤا أم أبوا دون أن يستطيعوا التكلّم ببنت شفة، فتمّ التبليغ على أحسن صورة وأتمّ وجه، بل بايعت قريش كلّها عليّاً(عليه السلام) وهنّئوه بإمرة المؤمنين والولاية عليهم(١)، وهذا غاية ما كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) يتوقّع حصوله، ولذلك كان عيداً وفرحة وشكراً لله تعالى، فأمرهم(صلى الله عليه وآله) بصيامه وجعل فضله أعظم وأجزل جزاءً وثواباً على عمل أو صوم(٢)، لكون إرادة الله تعالى وقدرته قد تدخلت هنا بكلّ قوّة ففاقت كلّ قدرة وإرادة ومكر وكيد مهما حاول أهل الباطل التكالب، ومهما تعاضد المكابر المعاند، ومهما مكر وكاد فالله

١- ذكرأحمد في مسنده (٤/٢٨١): حدّثنا عبد الله حدّثني أبي ثنا عفان ثنا حماد بن سلمة أنا علي بن زيد عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب قال: كنّا مع رسول الله(صلى الله عليه وآله) في سفر فنزلنا بغدير خم فنودي فينا الصلاة جامعة وكسح لرسول الله(صلى الله عليه وآله) تحت شجرتين فصلّى الظهر وأخذ بيد علي فقال: ألستم تعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أنّي أولى بكلّ مؤمن من نفسه؟ قالوا: بلى، قال: فأخذ بيد علي فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه، قال فلقيه عمر بعد ذلك فقال له: هنيئاً يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كلّ مؤمن ومؤمنة، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه أيضاً (٧/٥٠٣)، ونقلها بلا تمريض علاّمة الوهابية المباركفوري في تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي (١٠/١٤٨) فقال: وقول عمر لعلي أصبحتَ مولى كلّ مؤمن أي: ولي كلّ مؤمن.

٢- ورد في الحديث: (من صام يوم الثامن عشر من ذي الحجة كتب الله له صيام ستين شهراً) أخرجه العجلوني في كشف الخفاء (٢/٢٥٨) والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (٨/٢٨٤) وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٢/٢٣٣) وابن كثير في البداية والنهاية (٥/٢٣٣) و(٧/٣٨٦) وابن مردويه في مناقب علي (٢٣١) وغيرهم؛ ولكن لم يفهموا هذا الحديث فقاموا بإنكاره وردّه لمخالفته ونسفه لعقيدتهم، فقالوا في ردّه وإنكاره: إنّ صيام شهر رمضان كلّه، يعدل صيام عشرة أشهر فقط فكيف يكون صوم يوم واحد يعدل صيام ستين شهراً؟!!، وقال ببطلانه وغرابته ابن كثير والذهبي بادّعائهما نكارته، ولكنهما نظرا إلى متن الحديث لا إلى سنده، وهذه ليست طريقة المحدثين أبداً، وإنّما هي طريقة أهل البدع والهوى فتأمّل، وأذكر هنا كلام الشيخ الألباني حين قام بتصحيح حديث (الأنبياء أحياء في قبورهم يصلّون) قال: هذا الحديث قد يستفيد منه المبتدعة ولكنني لا أستطيع تضعيفه لأجل ذلك، ولذلك فنحن نسلم بصحّته ونكل تفسيره إلى الله فإنّ الحقّ أحق أن يتّبع (الصحيحة).

٧٧

تعالى خير الماكرين ويجعلهم هم المكيدون.

ويشهد لاشتهار وأهمية وعظمة هذا اليوم، تفطن اليهود أيضاً له وللآية التي نزلت فيه، حيث سألوا ابن الخطّاب عنه؟ فتحايل لذلك بحيلة مفضوحة في جوابهم، وحرف ذلك اليوم لإخفائه، وادّعى بأنّه كان في عرفة وهو يوم عيد! مع عدم قول أيّ مسلم بأنّ عرفة يوم عيد، ولكنه فعل ذلك لغاية في نفسه قضاها ومآرب أراد نيلها!

ويشهد لما قلناه ما قاله الإمام الغزالي في كتابه سرّ العالمين مبيّناً وواصفاً حال عمر وحزبه القرشي وما عملوه وما صدر عنهم في هذا الشأن وما فعلوه تماماً كما وصفناه؛ كما في سير أعلام النبلاء للذهبي:

لأبي المظفر يوسف سبط ابن الجوزي في كتاب (رياض الإفهام) في مناقب أهل البيت(عليهم السلام) قال: ذكر أبو حامد في كتابه (سرّ العالمين وكشف ما في الدارين) فقال في حديث: (من كنت مولاه فعليّ مولاه) أنّ عمر قال لعليّ: بخ بخ، أصبحت مولى كلّ مؤمن ومؤمنة.

قال أبو حامد: وهذا تسليم ورضى، ثمّ بعد هذا غلب عليه الهوى حبّاً للرياسة، وعقد البنود، وأمر الخلافة ونهيها، فحملهم على الخلاف، فنبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمناً قليلاً، فبئس ما يشترون، وسرد كثيراً من هذا الكلام الفسل الذي تزعمه الامامية، وما أدري ما عذره في هذا؟ والظاهر أنّه رجع عنه، وتبع الحق، فإنّ الرجل من بحور العلم، والله أعلم(١).

فللّه الحمد من قبل ومن بعد على إكمال الدين، وله الشكر والمنّة على تمام النعمة، وله الفضل والثناء كلّه على رضاه لنا الإسلام ديناً، ولذلك ختمها تعالى

١- سير أعلام النبلاء (١٩/٣٢٨).

٧٨

بإنزال آية عظيمة تتكلّم في هذا الشأن وتبيّن أهمية هذا الأمر ووصفه وتوضيحه ومبلغ أهميته وكونه ركناً من أركان الدين ومكمّلاً أساسياً له ومتمماً للإسلام الحقيقي، فقال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً}(١)!! فها هو الإمام الغزالي يعترف بما جرى فيتّضح أنّ الحجّة قائمة واضحة لائحة في الأفق لكلّ من أراد أن يرى ذلك كما وعد الله تعالى بذلك وقال: {فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ}(٢).

فما اضطروه وأكرهوه(صلى الله عليه وآله) عليه قبل أيام في حجّة الوداع من إخفات صوته وإخفاء كلامه بسبب لغطهم ورفع أصواتهم وتكبيرهم في أثناء كلامه وتبليغه(صلى الله عليه وآله)؛ لم يحصل هنا في غدير خم لتكفّل الله تعالى بإتمامه لرسوله(صلى الله عليه وآله) هنا وعصمته المؤقتة منهم حتّى إتمامه تبليغ هذا الأمر، بعد أن أراد توضيحه لهم وبيان صفة خلفائه ومن أي عشيرة هم، والنص عليهم وتشخيصهم وتنصيبهم على الأمّة بوضوح وعلى مرأى ومسمع من كلّ المسلمين في حجّة الوداع، ليأمنوا وتأمن بذلك جميع الأمّة من الرزايا والاختلاف والقتال والكفر والضلال والتكفير والطمع وتنصيب غير اللائقين بهذا المقام، وتضييعهم لأنفسهم ودينهم بعد رحيله(صلى الله عليه وآله) إلى الرفيق الأعلى، وإبعاداً لأمّته عن الفتنة والطمع بأشياء لم يجعل الله

١- المائدة: ٣، وقد روى في نزولها يوم الغدير كلّ من ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق (٤٢/٢٣٣) وابن كثير والخطيب البغدادي وغيرهم كابن مردويه في مناقب علي، عن أبي سعيد الخدري وعن أبي هريرة أيضاً قال: لما نصب رسول الله(صلى الله عليه وآله) علياً(عليه السلام) بغدير خم فنادى له بالولاية هبط جبريل(عليه السلام) بهذه الآية: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً}، راجع ما خرّجناه آنفاً في حديث صوم يوم الغدير عن أبي هريرة فهو نفس هذا الحديث، وسند حديث أبي هريرة قوي وجيد، وقد وثّق فحول علماء الرجال رجال سنده فلا يمكن ردّه أو تكذيبه.

٢- الأنعام: ١٤٩.

٧٩

تعالى لهم نصيباً فيها ولا كفلاً منها؛ ولكن ومع كلّ ذلك: هيهات هيهات وقد سبق القضاء بنقض الميثاق!

وبالتالي فإنّ يوم الغدير المبارك حصلت فيه معجزة من معاجز النبوّة وتأييد إلهي للنبيّ(صلى الله عليه وآله) وللإسلام وللمسلمين أيضاً، فبعد أداء المسلمين لهذه الشعيرة العظيمة والتي تعتبر من أهم العبادات وأعظمها تواضعاً وتسليماً وانقياداً لله تعالى وأوامره ــ حيث يعتبر هذا الجو مناسباً، بل هو أفضل ما يمكن توفّره لتقبّل مثل هذا الأمر الصعب القبول على النفوس ــ وبمصاحبة رسول الله(صلى الله عليه وآله) يداً بيد وبعد حثّ الله تعالى لرسوله(صلى الله عليه وآله) وحبيبه ووعده ووعيده وتأمينه وتسكين قلقه من اعتراض قريش وتكفّل حمايته وعصمته منهم، قام رسول الله(صلى الله عليه وآله) عند غدير خم في الجحفة في طريق العودة من حجّة الوداع، وبعد التي واللتيا صدع(صلى الله عليه وآله) فيهم بأمر ربّه قائلاً: (ألا أيّها الناس إنّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربّي فأجيب، وإنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي؛ أحدهما أعظم من الآخر الثقلين ــ وقال عنه الهيثمي وإسناده جيد: (خليفتين، أمرين) وفي رواية الحاكم: إن اتبعتموهما، وفي رواية أخرى عند الألباني عن الترمذي والطبراني وكذا عند أحمد: ما إن أخذتم به ــ كتاب الله حبل ممدود بين السماء والأرض وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتّى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما)(١)، وفي رواية أخرى قال: ثمّ قال: (ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: ألست أولى بكم من أنفسكم)؟ قالوا: بلى، قال: (فمن كنت مولاه فعليّ مولاه اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه)(٢).

١- أخرجه مسلم بتفصيل والحاكم في مستدركه (٣/١١٠)، والترمذي وأحمد والطبراني وابن أبي عاصم والدارقطني والديلمي، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله والطحاوي، وصحح بعض طرقه الحاكم ووافقه على أكثرها الذهبي، وحسّنه الترمذي وصححه الألباني اُنظر السلسلة الصحيحة له: (ح١٧٦١) والهيثمي وغيرهم كثير.

٢- مسند أحمد (١/١١٩) و(٤/٢٨١)، وابن ماجة (١/٤٣)، والحاكم في مستدركه (٣/١١٠) وصحح أحد أسانيده على شرط الشيخين، والآخر على شرط مسلم.

٨٠