×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة من حياة المستبصرين (ج 03) / الصفحات: ٢١ - ٤٠

وتكمّل الوثائق التي ذكرناها شهادة جديرة في (الكامل في التأريخ) نافيةً بدورها تلك المزاعم والفرضيات الحائرة: "مانوية، أموية، زرداشتية، يزد،.. الخ". فأهمية تلك الشهادة تكمن في ميزات لابن الأثير مدوّن التأريخ المذكور، فهو وليد الفترة التي عاش فيها عادي، كما وأنه ابن تلك المنطقة الموصلية، والأعرف بتحولاتها، لم يأتِ أو يدلي في سطوره الأربعة عند ذكر ملّتنا ـ آنذاك ـ وعادي بقرينة أو إيحاء أو علاقة أو أيّة سابقة باحتمالات المؤلفين، أو أن فضلا لعادي بهدي قوم ما إلى الإسلام، إنما أشار ابن الأثير إلى صفة دينية مثل التزهد لعادي، والتي تجد وقعها عادةً في نفوس أهلها من المسلمين لطبيعتهم الدينية، وعلى هذا: ".. تبعه أهل السواد والجبال بتلك النواحي وأطاعوه، وحسنو الظن به.."(١) ثم شرع يستحدث منهم طريقته الصوفية".

كيف حصلت الفتنة:

بعد أن دافع الكاتب عن الأصل الإسلامي لقومه يتساءل عن كيفية حصول الانحراف وتمكن حلقات الفتنة من محاصرتهم، فيقول:

"التناقض بين الماضي الديني لقومنا وحاضرهم يبعث بدوره سؤالا عميقاً هو:

هل أن تحوّل القوم عن دينهم الإسلام من قبل، كان بإرادتهم أم بغير إرادتهم..؟

والجواب الكبير: إن تحول القوم عن دينهم لم يكن بإرادتهم، ذلك لأن أفكار الانحراف الصوفية كانت تُمرّر بغطاء ديني مُحبّب في عقائد أولئك المسلمين، وإنفاذها كان بطيئاً وبصفةً روحية، ولو أن انفصالهم عن دينهم كان شعورياً أو بمباشرة منهم لما تعيّنت صورته بعد أكثر من مائة عام، بدءً من يوم حطّ

١- الكامل في التاريخ: ١١ / ١٠٨.

٢١
فيه عادي في موطن الأجداد.

وأنجزت رواية السمعاني أهم مفردات ما ذكرنا ـ والذي توفي في (٥٦٢هـ) ـ أي بعد موت عادي بخمس سنوات، يشرح فيها السمعاني عن قومنا آنذاك في كتابه (الأنساب) في الصفحة (٦٠٠): ".. يتزهدون في القرى التي في تلك الجبال، ويأكلون الحال، وقلّما يخالطون الناس، ويعتقدون الأمانة ـ أي الإمامة ـ في يزيد ابن معاوية (!)، وكونه على الحق، ورأيت جماعة منهم في جامع المرج، وسمعت أن الأديب الحسن بن بندار البروجردي، وكان فاضلا مسفاراً، نزل عليهم بسنجار، ودخل مسجداً لهم..".

ومن الشاهد التأريخي نلمس أمرين، أحدهما: أن قومنا مسلمون وسِمَتهم المسجد والجامع. والآخر: بروز واحدة من مؤشرات الانحراف ـ آنذاك ـ من إيهام عادي لأجدادنا بقدسيّة رمز بغيض هو يزيد الأموي، وإدماج تلك الفكرة الشاذّة والمنشقة في عقيدة القوم الدينية، عبر توظيفه (أي عادي) مزالق التصوف لاعتبارات أمويّة.

وحاضرنا، ما زال يكتظّ بالنماذج المحرّفة والمبدّلة، والتي يكاد البعض منها ينطق لحاله عن أصل القوم الديني، والنموذج الآتي يُعبّر عن نتاج روحي مُشوّه لتلاقح فكري خاطىء، وكذلك يحمل نموذجنا دلالات عدة لموضوعات مختلفة سنطّلع عليها لاحقاً.

فقد يستحضر الذهن من كلمة (الحج) زيارة البيت المحرم في مكة المكرمة وما تضم من اعتلاء لجبل عرفات أيضاً، والارتواء من بئر زمزم هناك.. وغيرها، حيث تؤدى تلك الشعائر ـ كما هو معروف ـ في شهر ذي الحجة الحرام.. وعيد الأضحى.

أما حج ملتنا الممسوخ ـ وللأسف ـ ففي قرية موصلية نائية حيث قبر

٢٢
المدّعو عدي الأموي، وصعود تل بمقربة من القبر يسمونه جبل عرفات، وعين ماء أُلبست من قبل أسم زمزم، وكذلك في شهر ذي الحجة، أما عيد الأضحى فقد احتضنوه، واعتزوا به إلى اليوم ـ وإن دخل اعتزازهم أحاديث أخرى ـ لكنهم ظلّوا بحق يتوارثونه بصفاء إسلامهم من قبل عادي.

وهنا... لابدّ من صورة ما بدأت تترسّم أيضاً أمام القراء عن معنى وجود قبر ذلك الأموي بين تلك الموهمات، وهذا الأمر الذي عرضناه بما يكفي، يكشف عن مدسوسات فكرية أرساها الأموي في عقول أولئك المسلمين المعزولين.

ويدعم الكاتب كلامه هذا ببعض الشواهد ويوضّح سوء الفهم الحاصل عند البعض حولها، فيقول:

"وتتبين صحة هذا الأمر من شواهد مُلفتة:

الأول: التلاقف الأموي لمشيخة الطريقة الصوفية.

والآخر: تسخير مجالها الروحي لصالحهم وغاياتهم.

فمن عادي إلى صخر ومنه إلى عدي الثاني وثم إلى شمس.. وعن الأخير تنبعث التأوّلات أيضاً، إذ يبدأ المؤلفون بالسرد عن ظهور الزيغ والضلال والغُلو بين أتباع الطريقة الصوفية المذكورة في عهد مشيخة شمس للطريقة(١)، والقاء هؤلا المؤلفين فتنة الانحراف بكلها على عاتقه دون تسمية سابقيه، وذلك من خلال استدلالات ظاهرية، من انه أراد تنفيذ مطامح سياسية قديمة بالمريدين(٢)، وأنه أملى في كتابه الجلوة عقائده المخالفة للإسلام، وانه وجد نفسه ـ أي شمس ـ بمنزلة حتى نُبِزَ بالمتألّه.. إلى آخر الأقوال.

ونحن نتفق مع المؤلفين، غير أنَ لنا أنْ نسأل عن إمكانية حدوث كل تلك

١- راجع (اليزيديون) للحسني: ٢٧.

٢- راجع كتاب الدملوجي (اليزيدية) ط١، الصفحات: ٨٤ ـ ٨٥.

٢٣
المفاجآت في عده الأخير شمس، ما لم تُخصّب لها الأرضية من قبل؟

وهذا التساؤل يجيب بذاته، من أن التفجّر السلبي الحاصل، كانت نتيجة تراكمات صوفية مضطردة، إنما طَفحت دلائلها في عهد شمس المذكور، ليستغلها بالشكل الذي ذكره المؤلفون.

وبمعنى أيسر، إن شمس أفصح بعدائه عن اتجاه المقاصد الأموية الخفيّة لسابقيه، فلو أن التركيبة الأموية من قبل شمس (أي عادي، صخر، عدي الثاني) أهمهم أمر الدين، وعملوا للغاية الدينية في أوساط المريدين لما استطاع شمس أن يملي عقائده ضد الدين، ولما استدعى ظهور الزيغ والضلال، ولما تمرّد لإعادة الجاهلية، أو يُنبز بالمتألّه، ولكن النفر السابقين عملوا لترسيخ منحرفات التصوف وإشاعة أمويتهم.

ومن مفارقات الفتنة الظاهرة في عهد شمس، كان أهمها انشعاب غايتين، فالرباعي الأموي أراد من وسيلة التصوف الانفتال عن الإسلام والانفكاك عنه، واعادة الحلم الجاهلي القديم، أما الضحايا المريدون فقد أرادوا من وسيلة التصوف المغلوط نيل الآخرة، والغايتان المتشابكتان بدخولها باكورة الأحداث الدامية في عهد مشيخة شمس، خرجت بانتصار الغاية الأموية على غاية المريدين(١)، ليضحى الشيطان والأموية ورضاهما، هما معيار القربة والسخط، أو قبول الأعمال وردّها إلى هذا اليوم.

ثم.. وعلى هذا الضياع تُولَد أجيال قومنا، وعلى الظلمات ترحل أخرى".

١- احتمل الدملوجي في كتابه (اليزيدية) وفي الصفحة (٨٤): أن شمس هو الذي بدأ بإضلال الأتباع والمريدين، وألبس في روحياتهم الأفكار الصوفية المنحرفة، والتي أراد منها إبراز نفسه بمنزلة المتألّه على القوم، ـ وهذا خطأ شائن في تحليل المؤلف المذكور ـ، إذ أن الشواهد التاريخية والحاضرة التي ذكرناها تشير إلى من أفرغ فيهم أول بدء تلك الأفكار (ليتخذوا من قبره قبلة..).

٢٤

المنتفعون من الفتنة:

يوضّح الكاتب هنا مَن هو المستفيد من ضلال القوم بصورة أوضح مع إيراد امثلة وشواهد، فيقول:

"كما بدأت الفتنة ـ في القرن السادس الهجري ـ بالمكر، مضت على طبيعتها إلى اليوم تعتمد المكر، ولعل من فروق الفتنة بين أمسها وحاضرها، أن زارعها فرد، ورُعاتها اليوم كثُر (الأمير ومتمشيخوه).

لهذا كان وما زال التصنع، والتلفيق، والخرافة، والزيف هي السائدة في ظلمات هذا الضياع، فالمتمشيخون ولطمر الحقيقة الدينية للقوم، ولملأ الفراغ الحاصل، عمدوا منذ ذلك الوقت إلى صناعة بدائل روحية، أو التقاطها من عقائد أخرى، لترقيع المتطلبات الروحية التي فقدها القوم باستمرار على مدى ثمانية قرون أو أكثر. فلو راجعنا (وهذا فرض) كتابين يسمع بهما اليزيدي ولم يقرأهما هما الجلوة ورَش، لَعُرِف القصد من البدائل المزيفة، وبالأحرى التلفيق الأموي، والمكر.

ومن المكر أيضاً، ترويجهم بين البسطاء، الخوف من الوهم، أو الخرافة، أو الخوف من بيراجنوكي، وهي العجوز التي تخنق كل من يستحم، وكل خيّاط في الأربعاء.

وتلك المصطنعات لم تكن لتجد موقعاً في العقول ما لم يمهِّد له من قبل تحريم متمشيخي الأمراء للتعليم، وإلاّ من أين السبيل لاستبعاد عقول القوم باسم السماء، أو فرض سلطتهم عليهم بوجود الثقافة والعلم.

وسياسية التجهيل لها علاقة مباشرة مع مصالح الأمراء والمتمشيخين، وهنالك أمثلة كثيرة تعبر عن انتهازيتهم للجهل، الجهل الذي فرضوه علينا والمحمول على هالة تقديس مصطنعة، والقصة التي يذكرها أهل خوشابا مثالا

٢٥
لائقاً ينطبق على المنتفعين من التجهيل، فذلك المتمشيخ الذي أراد إبهام أهل القرية ـ لجمع دراهمهم ـ من أن الشيء السيّار اللامع في السماء هو طاووس ملك، والذي ما مرّ من سماء القرية إلاّ للاحتفاء به (!) ولولا أن تدارك الموقف في الليلة الثانية زائر راح يبين لهم أن الضوء السيّار اللامع (ومن بعد شرح) لم يكن إلاّ قمراً صناعياً، اقتضى مروره من فوق سماء القرية.

والشيء الطافي في القصه اسم طاووس ملك، حتى ليبدو أنه شيءٌ ذو هيبة، فالطاووس هو المميّز بين الطيور بألوانه وتكبره وتغنجه، أما ملك فيعنون به الملائكة، وحين تُقلب الأسماء الممقوتة إلى أسماء دعائية رقية فللتخفيف من وطأتها على السامعين، وبذلك وجد الرجيم ـ وبمكيدة الأموية السوداء ـ مكاناً بين هؤلاء القوم المغلوبين على أمرهم.

ثم إن المتمشيخين ـ ومن بعد إحلالهم الظلمات بالمكر ـ من قبل، لم يجدوا ما ينتفعون به بعدئذ من طاووس الضلال، فجسّدته مخيلتهم القديمة الضالّة دمية من معدن، ثم غدوا يدورون به القرى التابعة المسكينة، للتكسّب.

غير أن مواقف تكررت للأهالي الغاضبين من تلك الألاعيب جعلت من المتمشيخين لا يخرجون بطاووسهم من تلك النواحي والقرى إلاّ فراراً، حيث انتظرهم الأهالي، وبدلا من أن تتطاير النقود، جاءتهم الحجارة من كل صوب، وما دخلوا بحزاني بعد تلك الحادثة إلاّ بعد توسّط العجائز، ومثلها هزيمة المتمشيخين في قرية دهوله في سنجار.

وهؤلاء المتمشيخون ليس لهم إلاّ الفتات، إذ يبقى المنتفع الأول يقف وراء الستار، وهو على سرّ آبائه، ونفع الأمير من إبقاء قومنا على الظلمات أن تتضاعف أمواله الشخصية في مصارف الأموال الأجنبية، وتتكدس أرباحه من عائدات مصانعه في الخارج، وكأن كل هذا لم يكفه فتراه يبدأ في مطلع كل موسم بإجراء

٢٦
مزايدة علنية على قبر (..؟) في لالش، عدا ما يجمعه في المناسبات وبعناوين مختلفة.

ومن هنا يمكن استقراء الفاصل بين المتخم وأتباعه من جهة.. وبين الضحايا".

الخلاصة:

استطاع الكاتب أن يدافع عن قضيته بأدلة مقنعة ـ كما تقدّم ـ في صفحات قليلة، والانجاز الرئيسي له في هذا الكتاب هو اثبات الأصل الاسلامي للقوم قبل حصول التحريف الأموي، وهذه نقطة مهمة لكل يزيدي يعمل عقله للخلاص من الضلال، فهو إذا اهتدى إلى دين الله الحق يكون قد عاد إلى أصله الذي ضيّعه عليه ابناء الشجرة الملعونة وهذا ما يزيد في اخلاصه لدين الإسلام ورفضه لترهات الشيطان.

هذا وقد لخّص الكاتب نفسه ما أراد أو يوضّحه في هذا الكتاب، بالقول:

تعذّر على أكثر الباحثين ـ ممن تناولوا اليزيدية ـ تشخيص الأصل الديني لليزيديين، نظراً للتعقيد والتناقض الكبيرين في تقاليدهم الروحية،ويتضاعف مثل هذا الغموض والحيرة عند عامة اليزيديين.

وأورَدَت أهم البحوث والمؤلفات اِحتمالات شتّى عن الأصل الديني لليزيديين فألحقتهم بأصل زرادشتي تارة، ومانوي تارة أخرى وغير ذلك مثل صابئي، كلداني، مثرائي.. إلخ، أما "يزيدية" فقد احتمل بعض المؤلفين والباحثين عن كونه مشتقاً من مواطن وانتماءات محتملة مثل، يزد، يزدان، يزدُم.. أو قد يكونون من أصل أموي...

ولعل الملاحظة الأبسط على أسباب اضطراب التشخيص عند المؤلفين كانت حُسْن ظنِّهم بعادي أيضاً.

٢٧
الصفحات: ٢٨ - ٤٠ فارغة