×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)- ج19 / الصفحات: ٣٠١ - ٣٢٠

قال: فإذا بايعتم، فقد قاتلتم. وأعفاهم من حضور الحرب(١).

٤ ـ إن القول المروي عن علي (عليه السلام): (إن كرهني رجل واحد من الناس لم أدخل في هذا الأمر)(٢). ينفي أن يكون جماعة من المعروفين في المهاجرين والأنصار قد امتنعوا عن بيعته؛ ولأجل ذلك ذكر المعتزلي: أن كراهتهم إنما كانت بعد البيعة(٣).

٥ ـ وقال اليعقوبي: (بايع الناس إلا ثلاثة نفر من قريش: مروان بن الحكم، وسعيد بن العاص، والوليد بن عقبة.. ثم ذكر ما جرى..

إلى أن قال: فقال مروان: بل نبايعك، ونقيم معك، فترى، ونرى)(٤).

٦ ـ وقال العسقلاني: (بايعه المهاجرون والأنصار، وكل من حضر)(٥).

٧ ـ قال ابن سعد: (بايعه طلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وعمار بن ياسر، وأسامة بن زيد، وسهل بن حنيف، وأبو أيوب الأنصاري، ومحمد بن مسلمة، وزيد بن ثابت، وخزيمة بن ثابت. وجميع من كان بالمدينة من أصحاب رسول الله (صلى الله

١- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٤ ص٩.

٢- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٤ ص٩.

٣- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٤ ص٩.

٤- تاريخ اليعقوبي ج٢ ص١٧٨ و ١٧٩ ونهج السعادة ج١ ص٢١٦ و ٢١٧.

٥- الغدير ج١٠ ص٢٩ وفتح الباري ج٧ ص٥٨ (وفي ط أخرى) ص٧٢.

٣٠١

عليه وآله)، وغيرهم)(١).

٨ ـ وفي نص آخر: اتفق على بيعته المهاجرون والأنصار(٢).

٩ ـ وقالوا: (لما قتل عثمان صبراً سعا الناس إلى دار علي (عليه السلام)، وأخرجوه، وقالوا: لا بد للناس من إمام. فحضر طلحة والزبير، وسعد بن أبي وقاص والأعيان، فأول من بايعه طلحة والزبير، ثم سائر الناس)(٣).

١٠ ـ وفي نص آخر: لم يتخلف أحد من الأنصار إلا بايع فيما نعلم(٤).

١١ ـ وحين جاؤا ليبايعوه، قالوا له: مد يدك لنبايعك.

فقال: أين طلحة والزبير وسعد؟!

فأقبلوا إليه وبايعوه. ثم بايعه المهاجرون والأنصار، ولم يتخلف عنه أحد(٥).

١- الطبقات الكبرى لابن سعد ج٣ ص٣١ وتذكرة الخواص ج١ ص٣٤٦.

٢- تذكرة الخواص ج١ ص٤٤٥.

٣- تاريخ الخميس ج٢ ص٢٧٦ عن دول الإسلام، وراجع: حياة الحيوان (ط مصر عام ١٣٠٦هـ) ج١ ص٥٠.

٤- تاريخ الأمم والملوك ج٤ ص٤٣٠ و (ط مؤسسة الأعلمي) ج٣ ص٤٥٤ و البداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ـ لبنان) ج٧ ص٢٥٣ والكامل في التاريخ ج٣ ص١٩١ و ١٩٢.

٥- جواهر المطالب لابن الدمشقي ج١ ص٢٩٤ ج٢ ص٥ وراجع: كشف الغمة ج١ ص١٥٠ و (ط دار الأضواء) ج١ ص٧٧ والمناقب للخوارزمي ص٤٩ وأسد الغابة ج٤ ص٣٢ و ٣٣.

٣٠٢

١٢ ـ وقال سليم بن قيس بعد ذكره بيعة الناس لعلي (عليه السلام) طائعين: غير ثلاثة رهط بايعوه ثم شكوا في القتال معه، وقعدوا في بيوتهم: محمد بن مسلمة، وسعد بن أبي وقاص، وابن عمر.

وأسامة بن زيد، سلم بعد ذلك، ورضي. ودعا لعلي (عليه السلام)، واستغفر له، وبرئ من عدوه، وشهد أنه على حق ومن خالفه ملعون حلال الدم(١).

١٣ ـ قال الحاكم في المستدرك:

(أما قول من زعم: أن عبد الله بن عمر، وأبا مسعود الأنصاري، وسعد بن أبي وقاص، وأبا موسى الأشعري، ومحمد بن مسلمة الأنصاري، وأسامة بن زيد قعدوا عن بيعته، فإن هذا قول من يجحد تلك الأحوال..).

ثم قال بعد أن ذكر أسباب اعتزالهم: ( فبهذه الأسباب وما جانسها كان اعتزال من اعتزل عن القتال مع علي (عليه السلام)، وقتال من قاتله)(٢).

١٤ ـ عن أبي مخنف: أنه (عليه السلام) لما هم بالمسير إلى البصرة، بلغه عن سعد بن أبي وقاص، وابن مسلمة، وأسامة بن زيد، وابن عمر تثاقل عنه، فبعث إليهم، فلما حضروا قال لهم: قد بلغني عنك [عنكم] هنات

١- منتهى المقال ج٢ ص٨ وسليم بن قيس ج٢ ص٧٩٧ وبحار الأنوار ج٣٢ ص٢١٥ و ٢١٦ وأعيان الشيعة ج٣ ص٢٥٠.

٢- المستدرك للحاكم ج٣ ص١١٥ و ١١٨ وتلخيص المستدرك للذهبي بهامشه.

٣٠٣

كرهتها. وأنا لا أكرهكم على المسير معي، ألستم على بيعتي؟!

قالوا: بلى.

قال: فما يقعدكم عن صحبتي؟!

قال سعد: أكره الخروج في هذه الحرب لئلا أصيب مؤمناً. فإن أعطيتني سيفاً يعرف المؤمن من الكافر قاتلت معك.

وقال له أسامة: أنت أعز الخلق علي، عاهدت الله أن لا أقاتل أهل لا إله إلا الله.

ثم ذكر قصة قتل أسامة على عهد رسول الله رجلاً مشركاً بعد أن قال لا إله إلا الله. وأنه حين اعتذر لرسول الله بأنه قالها متعوذاً، قال له النبي (صلى الله عليه وآله): ألا شققت عن قلبه!

فزعم أسامة أنه (صلى الله عليه وآله) أمره حينذاك أن لا يقاتل إلا المشركين، فإذا قاتل المسلمين ضرب بسيفه الحجر فكسره.

وقال ابن عمر لعلي (عليه السلام): لست أعرف في ذلك الحرب شيئاً. أسألك ألا تحملني على ما لا أعرف.

فقال لهم (عليه السلام): ما كل مفتون معاتب. وأخبرهم أن الله سيغني عنهم.

أو قال لهم (عليه السلام): ليس كل مفتون معاتب ألستم على بيعتي..

قالوا: بلى.

٣٠٤

قال: انصرفوا، فسيغني الله تعالى عنكم(١).

لماذا لا يعاتب كل مفتون؟!:

وأما المراد من قوله (عليه السلام): (ما كل مفتون يعاتب)، فهو أن الفتنة إن كانت بسبب عروض شبهة أوجبت التباس الأمور على ذلك المفتون، فيصح أن يعاتب ويقال له: إن حقيقة الأمر هي كذا وكذا.. والمفترض: أن يفيد هذا العتاب في إرجاعه إلى جادة الصواب.

وأما إذا كان سبب افتتانه هو مرض قلبه، وحبه للدنيا، فلا محل للعتاب معه، لأن العتاب لا يجدي في إرجاع الأمور إلى نصابها.

وهذا يفسر لنا ذكره (عليه السلام) العاهات التي أدت إلى افتتان هؤلاء الناس. فإن ابن عمر ضعيف. أما سعد فحسود.

وأما ابن مسلمة فذنب علي (عليه السلام) إليه أنه قتل أخاه يوم خيبر.

وذلك كله يدل على أن فتنتهم لم تكن لشبهة عرضت لهم، بحيث لو

١- الجمل للمفيد ص٩٥ و ٩٦ و (ط مكتبة الداوري ـ قم ـ إيران) ص٤٥ و ٤٦ وأشار في هامشه إلى المصادر التالية: الطبقات الكبرى لابن سعد ج٣ ص٤٤٤ و ٤٤٥ والمعيار والموازنة ص١٠٥ و ١٠٦ والأخبار الطوال ص١٤٢ و ١٤٣ والسيرة النبوية وأخبار الخلفاء ص٥٢٤ و ٥٢٥ والمغني ج٢٠ ق٢ ص٦٦ و ٦٧ والأمالي للطوسي ج٢ ص٣٢٧ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج١٨ ص١١٩ وبحار الأنوار ج٣٢ ص١٧٠.

٣٠٥

عولجت لعادوا إلى الصواب، بل هي فتنة منشؤها مرض القلب مثل الحسد، أو ضعف الشخصية، أو الحقد والضغينة، ونحو ذلك.

ويبدو أن المراد بالفتنة هنا: هو الافتتان بالدنيا، والتعلق بها، وليس المراد بها: الفتنة بمعنى التباس الحق عليهم بالباطل، لأن هؤلاء كانوا يعرفون الحق، ويعترفون به.

وشاهد ذلك ندم ابن عمر على تخلفه عنه (عليه السلام)، كما أن سعداً اعترف بأن الحق لعلي (عليه السلام)..

على أنه حتى لو كان المراد بالفتنة هنا هو الشبهة، وعدم اتضاح الحق، فإن علياً (عليه السلام) قد أزال ببياناته المتكررة تلك الشبهة، وأوضح الحق لهم بما لا مزيد عليه.

إذا بايعتم فقد قاتلتم:

تقدم: أن علياً (عليه السلام) لما دعا سعداً وابن عمر وغيرهما إلى القتال معه، امتنعوا، واعتذروا بما اعتذروا به، فقال لهم علي (عليه السلام): (أتنكرون هذه البيعة)؟!

قالوا: لا، لكننا لا نقاتل.

فقال: (إذا بايعتم فقد قاتلتم).

قال: فسلموا من الذم(١).

١- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج١٨ ص١١٥ وبحار الأنوار ج٣٤ ص٢٨٦.

٣٠٦

ونقول:

إن هذا موضع شك وريب شديد، لما يلي:

أولاً: إن هذه الرواية، وإن دلت على بيعة هؤلاء القوم له (عليه السلام)، ولكنها تدعي: أنه (عليه السلام) قد قبل منهم تخلفهم عن القتال، من دون أن يكون لهم عذر صحيح في ذلك، وعلي (عليه السلام) لا يفعل ذلك، فإن الله تعالى قد ذم المتخلفين عن القتال متذرعين بحجج واهية، فقال: {وَجَاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}(١).

ثانياً: ما معنى قوله: (إذا بايعتم فقد قاتلتم)، فإن البيعة لا تعني حصول القتال منهم.

ثالثاً: لو قبلنا ذلك لوقعنا في محذور أكبر، وهو: أنه (عليه السلام) يعطي بذلك الفرصة لتملص جميع الناس من القتال، استناداً إلى هذه الحجة الواهية.

رابعاً: إنهم لم يذكروا له البيعة، ولا أنكروها، فلماذا عطف هو (عليه السلام) عنان الكلام إلى البيعة، وما ربط تخلفهم عن القتال ؟! وما المبرر لسؤالهم عنها، وعن إنكارهم إياها وعدمه؟!

خامساً: ما معنى أن يكون تخلفهم عن القتال وعدم إنكارهم لبيعته قد أوجب سلامتهم من الذم؟! ولماذا لا يكون ذلك من موجبات تأكد

١- الآية ٩٠ من سورة التوبة.

٣٠٧

ذمهم؟! فإن الالتزام بالبيعة يفرض عليهم القيام بما تقتضيه، وهو نصرته، ومعاونته على أعدائه، إذ ليس معنى البيعة مجرد قبض العطاء من بيت المال.

وقفة مع الأعذار:

ونقول:

إننا نسجل هنا العديد من الأمور، ونستفيد في بعضها مما ذكره الشيخ المفيد (رحمه الله)، وذلك كما يلي:

أولاً: إنه (عليه السلام) وصفهم بأنهم مفتونون عن الجهاد، مجانبون للصواب في خلافه. فإن هذا الكلام يدل على أن الإمتناع إنما هو عن السير معه إلى الحرب، وأن هناك ما يصرفهم عن هذه المشاركة، وذلك لأن كل أحد يعلم بما جرى في غدير خم، وتسامع الناس ما قاله (صلى الله عليه وآله) في حقه (عليه السلام) يوم تبوك.. وفي مختلف المناسبات والأحوال.. الأمر الذي لا حاجة معه إلى الاستدلال والاحتجاج.. وقد دلت أعذارهم التي ساقوها على أنهم بصدد خداعه، وخداع الناس والتلبيس عليهم.

ثانياً: إن الأسباب التي دعت هؤلاء للقعود هي غير ما ذكره هؤلاء.

فأما سعد بن أبي وقاص، فسبب قعوده عن نصرة علي (عليه السلام) هو حسده له (عليه السلام)، فإن جعل عمر له في الشورى قد أطمعه وجرأه على طلب ما ليس أهلاً له..

وأما أسامة، فإن النبي (صلى الله عليه وآله) أمَّره في مرض موته على

٣٠٨

أبي بكر وعمر وعثمان(١).

ولم يتحرك ذلك الجيش حسب أوامر رسول الله (صلى الله عليه وآله).

ولكن الخلفاء خدعوه بمخاطبته بلقب الأمير مدة حياتهم.

ولا شك بأن أسامة لا يرتاح ولا يرضى بأن يحطه أحد عن المرتبة التي وضعوه فيها. وكان يعلم: أن علياً (عليه السلام) لن يرضى بقعوده عنه بهذا الأمر، وسيعامله كما يعامل سائر الناس.

أما محمد بن مسلمة، فإنه كان صديق عثمان، وخاصته وبطانته..

وأما ابن عمر، فكان ضعيف العقل، كثير الجهل ـ كما يقول المفيد (رحمه الله) ـ وكان ماقتاً لعلي (عليه السلام).

وقد زاد الطين بلة: أن علياً (عليه السلام) أحزنه حين أهدر دم أخيه عبيد الله لقتله الهرمزان، وأجلاه عن المدينة، وشرده في البلاد. وقد صرح

١- راجع: المغازي للواقدي ج٢ ص١١٧ وتاريخ الأمم والملوك ج٣ ص١٨٤ و (ط مؤسسة الأعلمي) ج٢ ص٤٦٢ والكامل في التاريخ ج٢ ص٣٣٤ وتاريخ الاسلام للذهبي ص١٩ وتاريخ اليعقوبي ج٢ ص١١٣ والسيرة النبوية لابن هشام ج٤ ص١٧٤ وتلخيص الشافي ج٣ ص١٧٧ والطبقات الكبرى لابن سعد ج٢ ص١٨٩ والمغني لعبد الجبار ج٢٠ ق١ ص٣٤٨ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج ١ ص ١٥٩ والدرجات الرفيعة ص٤٤١ وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج١٠ ص٥٧٨ وتاريخ مدينة دمشق ج٢ ص٤٩.

٣٠٩

علي (عليه السلام) بذلك(١).

ثالثاً: لو سلمنا أن هؤلاء وأضعافهم من بني أمية وغيرهم قد قعدوا عن علي (عليه السلام) فإن ذلك لا يقدح في إمامته، لا على مذهب الشيعة القائلين بأن دليل إمامته هو النص، ولا على مذهب غيرهم من القائلين بثبوتها بالاختيار، لأنهم يقولون: يكفي في ثبوتها بيعة بعض أهل الحل والعقد، خمسة نفر، أو أربعة، أو اثنين، أو واحد، حسب قول أكثرهم. فكيف إذا كان قد بايعه المهاجرون الأولون، وعيون الأنصار وفضلاء المسلمين، والتابعين لهم بإحسان، والخيرة من أهل الحجاز، ومصر والعراق وغيرها الذين كانوا في المدينة.

رابعاً: إن عبد الله بن حسن حين سئل عن سبب إباء حسان بن ثابت البيعة قال: إن حسان كان شاعراً، لا يبالي ما يصنع.

وزيد بن ثابت أيضاً: ولاه عثمان الديوان، وبيت المال. فلما حضر عثمان قال: يا معشر الأنصار، كونوا أنصاراً لله.. مرتين.

فقال له أبو أيوب: ما تنصره إلا أنه أكثر لك من العضدان(٢).

١- راجع: المعيار والموازنة ص١٠٨ والإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج١ ص٥٣ و ٥٤ و (تحقيق الشيري) ج١ ص٧٣ والمغني لعبد الجبار ج٢٠ ق٢ ص٦٨ وخلاصة عبقات الأنوار ج٣ ص٢٧ وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج٣٢ ص٤٦١.

٢- جمع عضيد. وهي النخلة التي لها جذع, يتناول منها المتناول.

٣١٠

وكعب بن مالك يقال: إن عثمان استعمله على صدقة مزينة، وترك له ما أخذه منهم(١).

كلمة الزهري في الميزان:

وقال الزهري: (والعجب أن عبد الله بن عمر وسعد بن أبي وقاص لم يبايعا علياً، وبايعا يزيد بن معاوية)(٢).

ويرد على كلام الزهري هذا: أن سعداً قد توفي في عهد معاوية، فيرون أنه سمه. فكيف يكون قد بايع ليزيد؟!

إلا أن يقال: إن سعداً قد توفي مسموماً، بعد أن بايع ليزيد في عهد أبيه، ويكون معاوية قد دس إليه السم خوفاً من عدم وفائه ببيعته أو بوعده بها..(٣).

١- تاريخ الأمم والملوك ج٤ ص٤٢٩ و ٤٣٠ و (ط مؤسسة الأعلمي) ج٣ ص٤٥٢ والكامل في التاريخ ج٣ ص١٩١ و ١٩٢ وأعيان الشيعة ج١ ص٤٤٤.

٢- تذكرة الخواص ج١ ص٣٤٩ والقول الصراح في البخاري وصحيحه الجامع للأصبهاني ص١٦٩.

٣- مقاتل الطالبيين ص٥٧ و (ط المكتبة الحيدرية) ص٤٧ وشرح الأخبار ج٣ ص١٢٨ والنص والإجتهاد ص٤٧٢ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج١٦ ص٤٩ والفصول المهمة في تأليف الأمة للسيد شرف الدين ص١٣٢.

٣١١

لا حاجة بمن لا يرغب فينا:

قال ابن أعثم:

أقبل عمار بن ياسر إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فقال: ياأمير المؤمنين! إن الناس قد بايعوك طائعين غير كارهين، فلو بعثت إلى أسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر، ومحمد بن مسلمة، وحسان بن ثابت، وكعب بن مالك، فدعوتهم ليدخلوا فيما دخل فيه الناس من المهاجرين والأنصار!

فقال علي (عليه السلام): إنه لا حاجة لنا في من لا يرغب فينا.

قال: فقال له الأشتر: يا أمير المؤمنين! إننا وإن لم يكن لنا في السابقة ما لهم، فإنهم ليسوا بشيء أولى من أمور المسلمين منا. وهذه بيعة عامة، الخارج منها طاعن علينا، فلا تدعهم أو يبايعوا، فإن الناس اليوم إنما هم باللسان وغدا بالسنان، وليس كل من يتثاقل عليك كمن يخفف عنك، وإنما أرادك القوم لأنفسهم، فردهم لنفسك.

فقال له علي (عليه السلام): يا مالك جدي ورأيي، فإني أعرف بالناس منك.

قال: وكأن الأشتر وجد من ذلك في نفسه، فأنشأ أبياتاً مطلعها:


منحت أمير المؤمنين نصيحة فكان أمرأ تهدى إليه النصائح

إلى آخره.

قال: فوثب إلى علي (عليه السلام) (رجل اسمه) زياد بن حنطلة التميمي، فقال: ياأمير المؤمنين! ما الرأي إلا ما رأيت، وإنه من عاند نفسه

٣١٢

فإنك غير مشفع به، فإن بايعك كرهاً. فدع عنك هؤلاء الراغبين عنك، فوالله لأنت الأمين والمأمون على الدين والدنيا، والسلام.

ثم أنشأ التميمي أبياتاً مطلعها:

أبا حسن متى ما تدع فينانجبك كأننا دفاع بحر

إلى آخرها(١).

ونقول:

١ ـ يبدو لنا: أن النص، المذكور آنفاً قد تعرض للتحريف والتزييف، فقد قلنا فيما سبق: إن النصوص وظواهر الأحوال تدل على أن جميع من زعموا: أنهم لم يبايعوا علياً كانوا قد بايعوه بالفعل. وأنهم إنما امتنعوا أو امتنع بعضهم عن الخروج معه لقتال الناكثين..

وقبل أن نلم ببعض ما نريد أن نقوله نشير إلى أننا حين نجد الدس والتحريف في كل اتجاه من قبل مناوئي علي (عليه السلام)، فلا يبقى مجال إلا للشك والريب في أكثر ما نراه بين أيدينا.. ونجد أنفسنا مضطرين للنظر إلى الروايات الأخرى التي لا تؤيدها السلطة، ولا تشجعها بل تعاقب عليها..

وقد بينت الوقائع الكثيرة: أن المنحرفين عن علي (عليه السلام) وأهل بيته لا يتورعون عن إيذاء كل من يتفوه بخلاف ما يحبون، أو يروي غير ما

١- الفتوح لابن أعثم ج٢ ص٢٥٦ ـ ٢٥٨ و (ط دار الأضواء) ج٢ ص٤٤٠ ـ ٤٤٢.

٣١٣

يتوقعون..

٢ ـ إن هذه الرواية، وإن كانت مسوقة ـ بحسب الظاهر ـ للترويج لمقولة تخلف أسامة، وابن عمر، وابن مسلمة، وابن ثابت، وابن مالك عن بيعة علي (عليه السلام)..

ولكننا قد بينا: أن ذلك غير صحيح، وأن الصحيح هو: أن عماراً طلب من علي (عليه السلام) أن يرسل إلى هؤلاء النفر، ويدعوهم إلى الخروج معه لقتال الناكثين والمارقين، فقول عمار: (ليدخلوا فيما دخل فيه الناس إلخ..) يريد به دخولهم في الحرب التي أثارها طلحة والزبير..

٣ ـ يؤيد ذلك: قول عمار في أول كلامه: إن الناس قد بايعوك طائعين غير كارهين.. فإنه لا يجوز جعل بيعة الناس طائعين مبرراً لإكراه من لم يبايع على البيعة.

فهذا التبرير لا يستقيم إلا إذا كان يريد به أن بيعتهم الطوعية تبرر له أن يلزمهم بلوازم البيعة التي اختاروها. ومن لوازمها الظاهرة قتال البغاة عليه. فهو يقول له: إذا كانوا قد بايعوك طائعين فلماذا يتخلفون عنك؟! ولماذا لا تلزمهم بالخروج معك، والدخول فيما دخل فيه الناس بما فيهم المهاجرون والأنصار وهو قتال البغاة، إذ لا معنى لامتناعهم عن أمر لم يتحرج منه إلا من يكون في قلبه مرض، أو من يجهل أحكام الشريعة(١).

٤ ـ لعلك تقول: إن الكلام المنسوب إلى الأشتر (رحمه الله) في هذه

١- الفتوح لابن أعثم (ط دار الأضواء) ج٢ ص٤٤١.

٣١٤

الرواية قد لا يساعد على هذا الفهم لكلام عمار، لأن الأشتر (رحمه الله) قد ذكر أن الخارج من هذه البيعة العامة يعد طاعناً فيها (فلا تدعهم أو يبايعوا).

غير أن هذا التأمل في الكلام يعطي: أن الأشتر لم يخرج عن سياق كلام عمار في شيء.. وأنه يريد أن يقول: أن هؤلاء القوم لا يحق لهم الخروج من هذا البيعة، لأنها كانت بيعة عامة فقوله: الخارج منها (والضمير يعود للبيعة) طاعن علينا يدل على سبق الدخول فيها منهم.. فلا يجوز السماح لهم بالخروج مما هم فيه، لأن هذا الخروج يعد طعناً في البيعة، وتشكيكاً بصحتها وبشرعيتها..

٥ ـ وأما قوله (رحمه الله): (فلا تدعهم أو يبايعوا)، فلعله قد تعرض للتصحيف من قبل الرواة، وأن الصحيح هو (يتابعوا) بدل (يبايعوا)، لأن عدم وجود النقط في السابق يجعل صورة هاتين الكلمتين واحدة.. ولو لم يكن كذلك لحصل الإختلاف بسبب قوله: أو يبايعوا.

٦ ـ وشاهد آخر أيضاً على ما نقول: هو قوله (رحمه الله): الخارج منها، حيث لم يقل: الخارج عنها..

٧ ـ وشاهد آخر يدل على ذلك هو قوله (رحمه الله): (وليس كل من يتثاقل عليك كمن يخف معك)، فإن هذا إنما يناسب التحرك معه (عليه السلام) لقتال الأعداء، فإن المتثاقل عن المسير معه إلى حرب عدوه ليس كالذي يخف معه..

٨ ـ أما الحديث عن موجدة الأشتر، فلا أثر له.. فإن قوله (رحمه الله)

٣١٥

عن أمير المؤمنين: وكان امرأً تهدى إليه النصائح، يدل على أنه لا زال يرى في أمير المؤمنين (عليه السلام) القدوة والمثل الأعلى، ولا يجد في نفسه عليه، بل هو لا يعتبر رده (عليه السلام) رداً للتضحية.

٩ ـ وأما كلام زياد بن حنظلة، فلم يظهر لنا مراده منه، ولعل فيه سقطاً أو تحريفاً.. ولعل.. ولعل..

غير أن الشعر المنسوب إلى زياد يشير إلى أن الكلام كان عن إجابتهم لعلي (عليه السلام) إلى قتال أعدائه، وأنهم يجيبون دعوته كأنهم دفاع بحر.. وليس المراد إجابتهم إلى البيعة، فإنهم هم الذين دعوه ليبايعوه، ولم يدعهم هو إلى بيعته.

رواية ابن أعثم، وما فيها:

إن ابن أعثم قد ذكر نفس هذه القضية، ولكنه اقتصر منها على ذكر سعد، فقال:

(أقبل سعد بن أبي وقاص إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فقال: يا أبا الحسن، والله ما أشك فيك أنك على حق، ولكني أعلم أنك تنازع في هذا الأمر. والذي ينازعك فيه هم أهل الصلاة، فإن أحببت أني أبايعك، فأعطني سيفاً له لسان وشفتان، يعرف المؤمن من الكافر، حتى أقاتل معك من خالفك بعد هذا اليوم..

فقال علي (عليه السلام): يا ابن نجاح! يا سعد! أترى لو أن سيفاً نطق بخلاف ما نزل به جبرائيل (عليه السلام) هل كان إلا شيطاناً؟!

٣١٦

ليس هكذا يشترط الناس على واليهم. بايع، واجلس في بيتك، فإني لا أكرهك على شيء.

فقال سعد: حتى أنظر في ذلك يا أبا الحسن.

قال: فوثب عمار بن ياسر، فقال: ويحك يا سعد! أما تتقي الله الذي إليه معادك؟!

أيدعوك أمير المؤمنين إلى البيعة، فتسأله أن يعطيك سيفاً له لسان وشفتان؟!

أما والله، إن فيك لهنات.

ثم أنشأ عمار أبياتاً مطلعها:

قال سعد لذي الإمام وسعدفي الذي قاله حقيق ظلوم..(١)

ونقول:

لا بأس بملاحظة ما يلي:

١ ـ اقتصرت هذه الرواية على ذكر سعد.. وصرحت بأن الكلام كان حول البيعة لا عن القتال.. فهل هي واقعة أخرى غير الواقعة المتقدمة التي أرسل فيها علي (عليه السلام) إلى حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وأسامة، وابن عمر، وابن مسلمة، فإنها كانت حين همَّ (عليه السلام) بالمسير إلى البصرة.. ثم نظر سعد في أمره، فرأى أن البيعة هي الخيار الصحيح له..

١- الفتوح لابن أعثم ج٢ ص٢٥٨ و(ط دار الأضواء) ج٢ ص٤٤٢.

٣١٧

فإن كان الأمر كذلك.. فلماذا عاد سعد إلى تكرار طلبه السيف الناطق الذي أبطله له علي (عليه السلام)؟! ألا يعني ذلك: أن الأرجح هو أن رواية أبي مخنف تعرضت للتلاعب والتشويه؟!

٢ ـ إذا كان سعد لا يشك في أن علياً (عليه السلام) على الحق، فلا معنى لطلب السيف الناطق، لأنه (عليه السلام) هو الذي ينطق بالحق. فإن قال له: قاتل هؤلاء، فإن قدرت على قتل أحد منهم فاقتله. أغناه ذلك عن نطق السيف.

٣ ـ إن الله تعالى قد أمر سعداً وغيره بقتال البغاة، فقال: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي}(١)، مع أن البغاة هم من أهل لا إله إلا الله أيضاً، فهل أعطى (عليه السلام) كل مسلم سيفاً ناطقاً يعرف المؤمن من الكافر منهم؟!

٤ ـ إن القتال الجائز ـ بل الواجب ـ لا ينحصر بقتال الكفار، بل يجب قتال البغاة، والمفسدين في الأرض. ويجب قتال المهاجم ودفعه عن النفس ولو أدى ذلك إلى قتله.

فهل لو هجم أحد المسلمين على سعد ليقتله أو ليسلبه ماله، هل يحتاج سعد إلى سيف ناطق يميز له المؤمن ليكف عنه، عن الكافر ليقاتله به؟! وممن سيأخذ هذا السيف؟!

٥ ـ لقد أفهم علي (عليه السلام) سعداً: أن السيف الذي ينطق قد

١- الآية ٩ من سورة الحجرات.

٣١٨

ينطق بما يريده الرحمان. وقد ينطق بخلاف ما جاء به جبريل فيكون شيطانا، فكيف يميز سعد أحدهما من الآخر؟!

٦ ـ إنه (عليه السلام) قد ميز لسعد بين البيعة، وبين المشاركة بالقتال، وأفهمه أنهما أمران مختلفان، وواجبان مستقلان، فيمكن لسعد أن يبايع، ثم يقعد عن القتال بسبب عجز أو مرض، أو غير ذلك مما يسوِّغ القعود. وقد يقعد عن القتال عصياناً.. فلماذا يجمع بين معصيتين، ولا سيما بعد أن أمن من عقوبة علي (عليه السلام)، حين أخبره بأنه (عليه السلام) لا يكرهه على القتال معه، بايع أو لم يبايع؟! ولماذا قال: حتى أنظر في ذلك؟!

لا يعطي يداً في فرقة:

قيل لنافع: ما بال ابن عمر بايع معاوية، ولم يبايع علياً؟!

فقال: كان ابن عمر لا يعطي يداً في فرقة، ولا يمنعها من جماعة، ولم يبايع معاوية حتى اجتمعوا عليه(١).

ونقول:

أولاً: من أين علم ابن عمر أن بيعة علي (عليه السلام) ستكون من مصاديق إعطاء اليد في فرقة.

ثانياً: إنه حين باشر يزيد قتل الحسين (عليه السلام)، وكذلك حين استباح المدينة، وضرب الكعبة بالمنجنيق، فإن يد ابن عمر كانت مع يزيد،

١- الإستيعاب ج٣ ص٤٧٢ و (ط دار الجيل) ج٣ ص١٤١٨.

٣١٩

فهل كانت في فرقة، أم في جماعة؟!

ثالثاً: إذا صح قولهم: إن ابن عمر لم يبايع أحداً طيلة حكومة علي (عليه السلام) وحكومة ولده الحسن (عليه السلام)، فلا بد أن نسأل: هل كان قد أخذ صكاً على الله تعالى بأن لا يميته طيلة تلك السنوات ميتة جاهلية؟! فإنه هو نفسه أحد رواة حديث: (من مات ولا إمام له مات ميتة جاهلية)(١).

رابعاً: هل تريث ابن عمر في بيعته لأبي بكر؟! أم سارع إليها، وهو يرى مخالفة علي (عليه السلام) وبني هاشم، وسعد بن عبادة وكثير من الصحابة، وبعد أن رأى ما يمارسونه من عنف ضد علي والزهراء (عليهما السلام)، وسواهما، بل استمر خلاف القبائل على أبي بكر، واستمر يحاربهم متهماً إياهم بالردة؟!

وهل لم يكن ابن عمر يعلم بأن الناس لم يجتمعوا على بيعة أبي بكر، ولا على بيعة عمر، بل انعقدت إمامة عمر بواحد، هو أبو بكر. وانعقدت خلافة عثمان بواحد هو ابن عوف؟!

وانعقدت إمامة أبي بكر بخمسة كما زعموا(٢).

١- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج١٣ ص٢٤٢ والعثمانية للجاحظ ص٣٠١ وراجع: الفصول المختارة ص٢٤٥ ومجمع الزوائد ج٥ ص٢١٨ ومسند الطيالسي ص٢٥٩.

٢- راجع: الغدير ج٧ ص١٤١ و ١٤٢ عن الأحكـام السلطـانيـة ص٤ وكتـاب = = الأربعين للشيرازي ص٣٩٦ وطرق حديث الأئمة الإثنا عشر ص٢٦ والشافي في الإمامة ج١ ص٦.

٣٢٠