×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)- ج19 / الصفحات: ٤١ - ٦٠

يترتب عليه ذلك التخصيص.

ثانياً: إنه جماع كرامة، فلا يستحقه إلا أهل الكرامة، والطهارة، والنبل، ودليل هذين الأمرين:

ألف: قوله تعالى: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً}(١). فإن الله لا يرضى لعباده إلا السلامة والكرامة.

وقال تعالى أيضاً: {حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ}(٢).

ب: إنه تعالى قد بين حججه، وهي صريحة في جامعية دينه لهذه الخصوصية..

٤ ـ وقد دلنا كلامه (عليه السلام) هنا على أن المناهج التي تعالج قضايا الإنسان، لا بد أن يكون الله تعالى هو الواضع لها، لأنه تعالى هو الخالق المطلع على الحقائق. والعالم بما يصلح هذا الإنسان ويبلغه إلى مقاصده والغايات من خلقه.

٥ ـ وعلى أن النهج لا يفرض ولا يتعامل معه بغباء ولا ببَّغائية، بل لا بد من تأصيله في عقل ووجدان المطالبين بالالتزام به بالدليل والحجة، ولذلك قال (عليه السلام): (اصطفى الله تعالى منهجه، وبين حججه).

٦ ـ ثم بين أن هذا الدليل والحجة لا بد أن يكون ظاهراً وميسوراً

١- الآية ٣ من سورة المائدة.

٢- الآية ٧ من سورة الحجرات.

٤١

للناس، لا بالإحالة على المصطلحات الغائمة، والإيغال في الإبهامات والتعقيدات.

وذكر أن هذه الحجة تندرج تحت عنوانين:

أحدهما: ظاهر علم.

والآخر: باطن حكمة..

فالتعبير بكلمة (ظاهر) بالنسبة للعلم يشير إلى أن هذا العلم ميسور للناس، من حيث أنهم يملكون الطرق إليه.. ويمكن لكل أحد أن يناله.. عادلاً أم فاسقاً، بل مسلماً أو غير مسلم..

والتعبير بكلمة (باطن) بالنسبة للحكمة ربما للإشارة إلى أن الحكمة هي أسرار وخفايا، تؤخذ من خالق الكون والحياة، بتعليم من أنبيائه وأوصيائه، لأن الحكمة هي واقع نظامي اقتضته حقائق التكوين وأهدافه. وهذا لا يعلمه إلا الله تبارك وتعالى.

٧ ـ وبديهي أن ما اقتضت الحكمة بيانه من بواطن الحكمة، وما تيسر الوصول إليه من العلوم، من خلال الوسائل المتوفرة، هو أقل القليل. ولا بد أن تكتشف البشرية المزيد، تبعاً لما أحرزته من تقدم في العلوم.. كما أن الإمام المعصوم لا بد أن يبين من أسرار الحكمة كلما تفرض المصلحة والحكمة بيانه للناس، بملاحظة ما يستجد من حاجات.

وهذا ما أشار إليه (عليه السلام) بقوله: (لا تفنى غرائبه، ولا تنقضي عجائبه).

والظاهر: أنه (عليه السلام) يقصد غرائب ما سيكشفه العلم من أمور

٤٢

جديدة وغريبة، وغير مألوفة، ولا معروفة..

ويقصد بالعجائب: ما يبينه المعصوم من أسرار الحكمة، حيث تبدو للناس، كعجائب لا يدركون ـ في الغالب ـ لها تفسيراً ولا تبريراً..

٨ ـ ثم ذكر (عليه السلام): أن هذا الإسلام يتكفل بأمرين أساسيين، لا يمكن للحياة أن تستقر أو أن تستمر بدونهما، وهما:

الأول: إن فيه مرابيع النعم. والمرابيع هي الأمطار التي تجيء في أول الربيع، فتكون سبباً في ظهور الربيع، وفي حياة الأشجار، وفي تكوُّن الثمار، وبدون هذه المرابيع لا نبات، ولا حياة، ولا ثمار.

وإنما عبر بالمرابيع هنا لأن الإسلام يحمل معه الوسائل التي تجعل الإنسان قادراً على الإستفادة من آثارها، بمقدار ما يختار أن يقوم به من جهد في توظيف تلك المرابيع. أي أن الإسلام لا يحدد لك قدراً محدوداً من النعم بنحو يجعل لك الخيار في زيادته وفي نقيصته، بل يحمل لك وسائل الحصول على ما تشاء، ويقول لك: أنت تختار أن تحصل على النعم، وتختار أن لا تحصل، وأن تحدد المقدار الذي تريده منها. فإن المرابيع تعطيك ما يصلح لك الأرض كلها، ويهيؤها للعطاء..

الثاني: إن الإنسان يدخل على هذا العالم، ويبدأ هو باكتشافه، ويجد أن فيه الحلو والمر، والخير والشر، والحسن والقبيح، والضار والنافع، ويجد الواضحات والمبهمات، ويواجه الأنوار والظلمات، فيصير بحاجة إلى الدلالة والهداية، لأنه يحتاج في الظلمة إلى نور، وفي الشبهة إلى التبصر، والإسلام هو الذي يعطيه هذا النور.

٤٣

وهذا ما قصده (عليه السلام) بقوله: (فيه مرابيع النعم، ومصابيح الظلم، لا تفتح الخيرات إلا بمفاتيحه، ولا تكشف الظلمات إلا بمصابيحه إلخ..).

ونحن نكتفي بهذا المقدار، ونعتذر عن متابعة شرح سائر الفقرات..

تفضيل علي (عليه السلام) على المسلمين:

قال الإسكافي: (لما اجتمعت الصحابة بعد قتل عثمان في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أمر الإمامة أشار أبو الهيثم بن التيهان، ورفاعة بن رفاعة، ومالك بن العجلان، وأبو أيوب الأنصاري، وعمار بن ياسر بعلي (عليه السلام)، وذكروا فضله وسابقته، وجهاده، وقرابته.

فأجابهم الناس.

فقام كل واحد منهم خطيباً يذكر فضل علي (عليه السلام)، فمنهم من فضله على أهل عصره خاصة، ومنهم من فضله على المسلمين كافة (١).

بايعوا أفضلهم:

عن عوف، قال: كنت عند الحسن، فقال له أبو جوشن الغطفاني: ما أزرى بأبي موسى إلا اتباعه علياً.

١- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٧ ص٣٦ والمعيار والموازنة ص٥١ وبحار الأنوار ج٣٢ ص١٦ ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج٢ ص٦ والإمام علي بن أبي طالب للهمداني ص٦٦٥.

٤٤

قال: فغضب الحسن، ثم قال: ومن يتبع؟! قتل عثمان مظلوماً؛ فعمدوا إلى أفضلهم فبايعوه، فجاء معاوية باغياً ظالماً، فإذا لم يتبع أبو موسى علياً فمن يتبع؟!(١).

ونقول:

أولاً: بالنسبة لقول الحسن: قتل عثمان مظلوما. نلاحظ: أنه لا ينسجم مع الخطبة الشقشقية لأمير المؤمنين (عليه السلام) حيث قال عن عثمان: (كبت به بطنته، وأجهز عليه عمله).

وقوله (عليه السلام): (استأثر فأساء الأثرة، وجزعتم فأسأتم الجزع).

ثانياً: لقد بلغ حقد أبي جوشن الغطفاني على علي (عليه السلام) مبلغاً حتى صار يرى اتباع علي (عليه السلام) منقصةً يفترض التنزه عنها..

ولا نريد أن نذكّر القارئ الكريم بفضل ومقام علي (عليه السلام)، فإن الحسن البصري قد أجاب أبا جوشن بما أسكته وأفحمه، حين قرر له أن علياً (عليه السلام) كان أفضل الناس، وقد بايعه الناس لأنه أفضلهم، وأن معاوية كان باغياً وطاغياً.. ولو وجد أبو جوشن مناصاً وخلاصاً من هذا لبادر إليه.

ولعله كان يرى أن الحسن منحرف عن علي (عليه السلام)، فأطلق تلك الكلمة الخبيثة، ففاجأه الحسن بما يخالف توقعاته..

١- أنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج٢ ص٢١٥.

٤٥

ذلك لأهل بدر:

عن سعيد بن المسيب، قال: لما قتل عثمان جاء الناس إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، حتى دخلوا داره، فقالوا: نبايعك، فمد يدك، فلا بد للناس من أمير.

فقال: ليس ذلك إليكم وإنما ذلك لأهل بدر، فمن رضوا به فهو خليفة.

فلم يبق أحد من أهل بدر إلا أتى علياً (عليه السلام)، وقالوا: ما نرى أحداً أحق بها منك، فمد يدك نبايعك.

فقال: أين طلحة والزبير، فكان أول من بايعه طلحة(١).

وعند ابن الدمشقي الباعوني، بعدما ذكر ما تقدم: أنه (عليه السلام) قال: أين طلحة والزبير وسعد؟!

فأقبلوا إليه وبايعوه، ثم بايعه المهاجرون والأنصار، ولم يتخلف عنه أحد(٢).

ونقول:

لا بأس بالتوقف عند الأمور التالية:

١- كشف الغمة للأربلي (ط سنة ١٤٢٦هـ) ج١ ص١٥٠ و (ط دار الأضواء سنة ١٤٠٥هـ) ج١ ص٧٧ والمناقب للخوارزمي ص٤٩.

٢- جواهر المطالب لابن الدمشقي الباعوني الشافعي ج١ ص٢٩٤ وج٢ ص٥ وعن العقد الفريد ج٣ ص٣١١ وراجع: تاريخ مدينة دمشق ج٣٩ ص٤١٩.

٤٦

١ ـ قوله (عليه السلام): ذلك لأهل بدر: قد استبعد به المبادرة من يد العامة، إذ لولا ذلك لتخيلوا: أن الرفع والوضع بيدهم، وأن ذلك يخولهم الحصول على امتيازات وحقوق ليست لهم.

وربما ظن بعضهم أن على علي (عليه السلام): أن يكون السامع المطيع لما يطلبه الناس، وأن يخضع لأهوائهم وإراداتهم وقراراتهم، مهما كانت خاطئة، وعشوائية، أو متأثرة بالمصالح الشخصية، وبالعصبيات غير المشروعة..

٢ ـ إن حصر الأمر في أهل بدر يحجب عن الطلقاء وأبنائهم فرصة التوثب على هذا الأمر، ويمنع من تأثيرهم السلبي فيه، ويحد من نفوذهم.. وهو بذلك يكون قد حفظ لأهل السابقة حقهم في منع من دونهم من التقدم عليهم وأدب الناس بحفظ هذه الحقوق وعدم تجاوزها..

وهو بذلك يكون قد حفظ لأهل السابقة حقهم في منع من دونهم من التقدم عليهم، وأدب الناس بحفظ هذه الحقوق وعدم تجاوزها.

٣ ـ إن المتوقع أن يكون أهل بدر الذين حضر أكثرهم سائر المشاهد، أقرب إلى الغيرة على هذا الدين، وأكثر حرصاً على صيانته من الحوادث والأخطار، لأن المفروض أن الكثيرين منهم قد بذلوا من أجل هذا الدين جهداً، وربما قدموا تضحيات، وصار لهم تاريخ مجيد في حركته ومسيرته، وأصبح عزيزاً عليهم، ويصعب على الكثيرين منهم التفريط به، لأنهم يرون أنهم يفرطون بكراماتهم، وبمجدهم، وتاريخهم..

ولعل هذا وما سبقه هو السبب في حصر الأمر في أهل بدر.

٤٧

وحين يجتمع أهل بدر على أمر، فمعنى ذلك: أن أهل الدين وأهل السابقة والفضل قد اجتمعوا عليه.

وهذا يبعد أجواء التكاثر والتباهي، والإحتجاج بالأرقام والأعداد، فإن أهل الأطماع، وطلاب اللبانات هم الأكثر في كثيرٍ من الأحيان.

٤ ـ واللافت هنا: أن أهل بدر لم يكتفوا بالمبادرة إلى بيعته، بل هم قد سجلوا اعترافاً قبل البيعة بأنهم لا يجدون أحق بالخلافة منه، ثم بايعوه على أساس هذا الإعتراف..

٥ ـ صرحت الرواية بأن طلحة كان أول من بايعه.

٦ ـ وصرحت أيضاً ببيعة سعد بن أبي وقاص له أيضاً..

٧ ـ وكان التصريح الأقوى والأوفى والأتم هو أن المهاجرين والأنصار قد بايعوه (ولم يتخلف عنه أحد).

٨ ـ إنه (عليه السلام) قد حدد بموقفه هذا ضابطة يمكن الرجوع إليها في الحالات المشابهة، تبين أن أهل الحل والعقد لا بد أن يكون لهم سوابق في التضحية والجهاد، وتاريخ مشهود في الإستقامة على طريق الحق. ولا تكفي الوجاهة والزعامة، التي قد يكون لكثرة العشيرة، أو لوفرة المال، أو لغير ذلك أثر في صنعها، مع عدم وجود مقومات حقيقية لها..

الزبير أعلن خلافة علي (عليه السلام):

قال ابن قتيبة: وذكروا: أنه لما كان في الصباح (بعد قتل عثمان) اجتمع الناس في المسجد، وكثر الندم والتأسف على عثمان، وسقط في أيديهم،

٤٨

وأكثر الناس على طلحة والزبير، واتهموهما بقتل عثمان، فقال الناس لهما:

أيها الرجلان، قد وقعتما في أمر عثمان، فخليا عن أنفسكما.

فقام طلحة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:

(أيها الناس، إنَّا والله ما نقول اليوم إلا ما قلناه أمس، إن عثمان خلط الذنب بالتوبة، حتى كرهنا ولايته، وكرهنا أن نقتله، وسرَّنا أن نُكفاه، وقد كثر فيه اللجاج، وأمره إلى الله).

ثم قام الزبير، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:

(أيها الناس، إن الله قد رضى لكم الشورى، فأذهب بها الهوى، وقد تشاورنا فرضينا علياً فبايعوه.

وأما قتل عثمان فإنا نقول فيه: إن أمره إلى الله، وقد أحدث أحداثاً، والله وليه فيما كان).

فقام الناس، فأتوا علياً في داره، فقالوا: نبايعك(١).

ونقول:

ربما أراد هذا النص أن يخلط الوقائع بالأباطيل، لحاجات في النفس يعرفها من اطلع على حقائق الأمور، فلاحظ الأمور التالية:

١ ـ إن التأسف على عثمان بالنحو الذي تصوره الرواية لا معنى له، بعد كل هذا الإصرار الذي أظهره المهاجرون والأنصار على قتله، وبعد

١- الإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج١ ص٤٦ و ٤٧ و (تحقيق الشيري) ج١ ص٦٥.

٤٩

حصاره الذي استمر شهرين أو أكثر.

كما أن التأسف والندم على قتل عثمان مباشرة، وفي اليوم الثاني بالذات، لا يتلاءم مع إلقائهم جثته على المزابل طيلة ثلاثة أيام، ومع منعهم من دفنه في مقابر المسلمين، ومنعهم من الصلاة عليه.

ولو صح أنهم تأسفوا عليه، لكانوا أو بعض منهم شيعوا جنازته.. فكيف لم يشارك أحد في ذلك سوى أربعة؟! وكيف يمنعون من دفنه، حتى أمرهم علي (عليه السلام) بالتخلي عن هذه الممانعة، فلم يمكنهم مخالفته؟!

وكيف يتلاءم ذلك مع إعلان عشرين ألفاً مسربلين بالحديد أنهم هم قتلة عثمان؟! كما أنهم في مورد آخر سألهم أمير المؤمنين عن قتلته، فقام الناس كلهم، إلا نفر يسير ـ وقالوا: كلنا قتله.

ولعل المقصود: أنهم حين لم يرض علي (عليه السلام) أن يبايعوه بالخلافة أشفقوا من انتشار الأمر، وانفلات الزمام، ومن أن تحدث أمور بينهم وبين عمال عثمان في مصر والشام والعراق. ولا يكون لهم قائد يجمعهم، ويقود مسيرتهم، ويحفظ حوزتهم. ولذلك يقول النص: وسقط في أيديهم.

٢ ـ هذا النص يشير إلى أن طلحة والزبير قدما أنفسهما لتولي الأمر، ولعل ذلك بعد رفض علي (عليه السلام) قبول ذلك. فرد عليهما الناس بالقول: فخليا عن أنفسكما، لأنكما باشرتما قتل عثمان، الأمر الذي سيتخذه معاوية، وابن أبي سرح، وابن عامر، وسواهم ذريعة للخلاف، ورفض البيعة، وظهور الشقاق.

فحاول طلحة ان يخفف من وطأة ذلك، وأن يتكلم بكلام يجعله

٥٠

مقبولاً حتى لدى الحزب الأموي.. فلم ينفع ذلك..

٣ ـ وأدرك الزبير أن الناس لن يرضوا بغير أمير المؤمنين (عليه السلام)، فعاد ليؤكد على التزام جانب علي (عليه السلام).. فادعى أنه من أهل الشورى، وادعى أنه تشاور مع نظرائه في هذا الأمر، وأنهم اختاروا علياً (عليه السلام).

٤ ـ غير أن الغريب في الأمر هنا قول الزبير: إن الله قد اختار للناس الشورى، وهذا غير صحيح، فإن عمر هو الذي اختارها، والله سبحانه قد أسقطها. لأنه تعالى قرر أن الخلافة والإمامة بعد النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي.. ولم يكل الأمر إلى الشورى ولا رضيها لهم.

٥ ـ قول الزبير: إن الله تعالى قد اذهب الهوى بالشورى، غير صحيح أيضاً، فقد قال علي (عليه السلام) في خطبته المعروفة بالشقشقية: (فصغى رجل منهم لضغنه، ومال الآخر لصهره، مع هن وهن)(١).

علي أمير المؤمنين حقاً:

عن أبي راشد: انتهت بيعة علي إلى حذيفة، وهو في مدائن، فبايعه بيمينه وبشماله، ثم قال:

لا أبايع بعده لأحد من قريش ما بعده إلا أشعر أو أبتر.

١- نهج البلاغة (بشرح عبده) ج١ ص٣٥ (الخطبة رقم ٣) ومناقب آل أبي طالب ج٢ ص٤٩ والصراط المستقيم ج٣ ص٤٣ والأربعين للشيرازي ص١٦٨.

٥١

وحسب نص الحاكم: (قال: لا أبايع بعده إلا أصعر أو أبتر)(١).

قال أحمد بن إبراهيم: إن حذيفة قال: من أراد أن يلقى أمير المؤمنين حقاً فليأت علياً(٢).

ونقول:

نلاحظ هنا ما يلي:

١ ـ إننا لم نعهد في تاريخ الخلافة بعد الرسول: أن يبايع الأشخاص بمفردهم لخليفة غائب، تفصله عنهم مئات الأميال؛ بمصافحة إحدى اليدين للأخرى. وإن كنا لا نرفض ذلك لو نقل عن غير علي، بنحو يمكن السكون والركون إليه.

٢ ـ ربما تكون العبارة التي نقلها الحاكم عن حذيفة أقرب وأصوب، فقد دلت على أن من يتصدى من قريش لهذا الأمر غير علي (عليه السلام)، إما مستكبر مصعِّر خدَّه للناس، أو أبتر، وهو المنقطع من الخير أثره(٣).

وأما النص الآخر فمفاده: أنه يرفض البيعة لأحد من قريش بعد أمير المؤمنين (عليه السلام). وسبب رفضه هذا هو أن من سيتصدى هو إما أشعر (ولعل الصحيح أصعر) أو أبتر.

١- أنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج٢ ص٢١٦ والمستدرك للحاكم ج٣ ص١١٥.

٢- أنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج٢ ص٢١٦.

٣- المختار من صحاح اللغة ص٣٠.

٥٢

ولعله يريد الإخبار عما تلقاه من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أو عن علي (عليه السلام) من أخبارٍ عما سيكون. أو أنه يخبر عن المنافقين الذين عرَّفه النبي (صلى الله عليه وآله) بهم، وذكر له أسماءهم فهو يقول: إن الطامحين لهذا الأمر بعد علي (عليه السلام) هم من هؤلاء، أو هو على الأقل يريد الإخبار عن معرفته بهم.

٣ ـ أما قوله: من أراد أن يلقى أمير المؤمنين حقاً إلخ.. فلعله تعريض بمن سبق علياً (عليه السلام)، فإنه ليس أمير المؤمنين حقاً، لأن هذا اللقب قد اختص الله ورسوله به علياً (عليه السلام)، دون كل أحد. وقد تقدم بعض الكلام في ذلك.

٥٣

الفصل الثاني:

لماذا يمتنع علي (عليه السلام)؟!

٥٤
٥٥

بين الوزارة والإمارة:

وقال (عليه السلام) لما أريد على البيعة بعد قتل عثمان:

(دعوني والتمسوا غيري، فإنا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان، لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول، وإن الآفاق قد أغامت، والمحجة قد تنكرت. واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، ولم أصغ إلى قول القائل، وعتب العاتب، وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، وأنا لكم وزيراً خير لكم مني أميراً)(١).

كراهة علي (عليه السلام) للولاية لماذا؟!:

أظهرت النصوص الكثيرة: أن الناس بعد قتل عثمان أرادوا علياً (عليه السلام) على البيعة، فامتنع، فما زالوا يصرون عليه مرة بعد أخرى حتى رضي، ولكن بشروط، وذلك بعد مضي عدة أيام من قتل عثمان..

وقد صرح هو (عليه السلام) بكراهته لهذه البيعة في نفس خطبة

١- نهج البلاغة (بشرح عبده) ج١ ص١٨١ بحار الأنوار ج٣٢ ص٣٥ و ٣٦ وج٤١ ص١١٦ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٧ ص٣٣ وموسوعة أحاديث أهل البيت للنجفي ج١٢ ص١٥٧ وراجع: مناقب آل أبي طالب ج١ ص٣٧٨.

٥٦

البيعة، حيث قال:

(أما بعد، فإني قد كنت كارهاً لهذه الولاية ـ يعلم الله في سماواته وفوق عرشه ـ على أمة محمد (صلى الله عليه وآله) حتى اجتمعتم على ذلك، فدخلت فيه)(١).

وفي نص آخر: (إني قد كنت كارهاً لأمركم، فأبيتم إلا أن أكون عليكم)(٢).

ومن كلماته المعروفة حين أرادوه على البيعة: (دعوني والتمسوا غيري. فإنا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان. لا تقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول الخ..)(٣).

ومن أقواله (عليه السلام) لهم حين عرضوا الولاية عليه: (لا تفعلوا

١- راجع: بحار الأنوار ج٣٢ ص٢٦ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج١٠ ص٦.

٢- راجع: بحار الأنوار ج٣٢ ص٨ وتاريخ الأمم والملوك ج٤ ص٤٢٧ و (ط مؤسسة الأعلمي) ج٣ ص٤٥١ والكامل في التاريخ ج٣ ص١٩٣ وحياة الإمام الحسين (عليه السلام" للقرشي ج١ ص٤٠١ وراجع: العبر وديوان المبتدأ والخبر ج٢ ق١ ص١٥١.

٣- راجع: مناقب آل أبي طالب ج١ ص٣٧٨ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٧ ص٣٣ وج١١ ص٩ وأعيان الشيعة ج١ ص٤٤٤ وبحار الأنوار ج٣٢ ص٨ و ٢٣ و ٣٥ وج٤١ ص١١٦ والفتنة ووقعة الجمل ص٩٣ وتاريخ الأمم والملوك ج٣ ص٤٥٦ والكامل في التاريخ ج٣ ص١٩٣.

٥٧

فإني أكون وزيراً خير من أن أكون أميراً)(١).

وقال: (لم أرد الناس حتى أرادوني، ولم أبايعهم حتى أكرهوني)(٢).

وقال (عليه السلام) في جواب طلحة والزبير: (والله، ما كانت لي في الخلافة رغبة، ولا في الولاية إربة. ولكنكم دعوتموني إليها، وحملتموني عليها)(٣).

١- راجع: بحار الأنوار ج٣٢ ص٧ وتاريخ الأمم والملوك ج٣ ص٤٥٠ والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج٢ ق١ ص١٥٠ وأنساب الأشراف ج٣ ص١١ و شرح إحقاق الحق (الأصل) ج١٨ ص١٤٨.

٢- راجع: نهج البلاغة (بشرح عبده) ج٣ ص١١١ وبحار الأنوار ج٣٢ ص١٢٠ و ١٢٦ و ١٣٥ وكشف الغمة ج١ ص٢٣٨ و (ط دار الأضواء) ج١ ص٢٤٠ ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج٤ ص١٦٥ و ١٦٩ ومناقب آل أبي طالب ج٢ ص٣٣٨ وموسوعة أحاديث أهل البيت للنجفي ج٧ ص١٣ ونهج السعادة ج٤ ص٦٣ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج١٧ ص١٣١ والإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج١ ص٦٦ و (تحقيق الشيري) ج١ ص٩٠ وكتاب الفتوح لابن أعثم ج٢ ص٤٦٥ والمناقب للخوارزمي ص١٨٣ ومطالب السؤول ص٢١٢ والفصول المهمة لابن الصباغ ج١ ص٣٨٦ وسفينة النجاة للتنكابني ص٢٧١.

٣- راجع: نهج البلاغة (بشرح عبده) ج٢ ص١٨٤ والأمالي للشيخ الطوسي ص٣٤٠ و (ط دار الثقافة ـ قم سنة ١٤١٤هـ) ص٧٣٢ وبحار الأنوار ج٣٢ = = ص٣٠ و ٥٠ والمعيار والموازنة ص١١٤ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج١١ ص٧ وفضائل أمير المؤمنين (عليه السلام" لابن عقدة الكوفي ص٩٤.

٥٨

وعنه (عليه السلام): (عدا الناس على هذا الرجل وأنا معتزل، فقتلوه، ثم ولوني وأنا كاره، ولولا خشية على الدين لم أجبهم)(١).

دعوني، والتمسوا غيري:

ولنا هنا سؤال يقول: لا ريب في أن علياً (عليه السلام) لم يزل يلهج بأن الآخرين الذين سبقوه قد غصبوا حقه، وخالفوه على أمره، فلماذا يقول للناس الآن ـ وهو يرى انثيال الناس عليه للبيعة ـ: إن كونه لهم وزيراً خير لهم منه أميراً، ويقول: (دعوني، والتمسوا غيري)؟!

ولماذا يفر منهم إلى حيطان المدينة، حتى مضت خمسة أيام؟!

هل يريد أن يتعزز عليهم، لعلمه بأنه لا غنى لهم عنه، أو أنه أراد أن يزيد من حماسهم لهذا الأمر؟!

أم أنه خاف من تحمل المسؤولية في مثل تلك الظروف الصعبة، أم ماذا؟!

ونجيب:

إن الهدف قد يكون أموراً عديدة، لعل منها:

١- راجع: فتح الباري ج١٣ ص٤٨ وتاريخ الأمم والملوك ج٤ ص٤٩١ و (ط مؤسسة الأعلمي) ج٣ ص٥٠٥.

٥٩
٦٠