×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)- ج19 / الصفحات: ٦١ - ٨٠

أنوار هدايتك)(١).

وبعد.. فإن حمل الناس على مر الحق سيكون صعباً، ولن تكون المهمة سهلة، وسيدفع ذلك الكثيرين من طلاب الدنيا إلى إثارة المشكلات في كل اتجاه، وسيضع وفاء الذين يرون أنفسهم متضررين من العمل بالحق على المحك، كما أن ذلك سيكون ثقيلاً على النفوس الأمارة بالسوء.

وبتعبير أوضح: إن إعادة الأمور إلى نصابها، ونقض سياسات الخلفاء قبله، والعودة بالأمور إلى عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وإحياء سننه، وإفشاء حديثه، ودعوة الناس إلى التأسي به (صلى الله عليه وآله)، وإدانة التمييز العنصري والقبلي وغير ذلك؛ سوف تنتج عنه هزات كبيرة وخطيرة في الواقع السياسي والإجتماعي الذي أقيم على أسس خاطئة ومرفوضة في الشرع والدين.

إن الناس الذين أسخطتهم سياسات عثمان حتى قتلوه أو رضوا بقتله لن ترضيهم سياسة العدل الإلهية، ولن يكون من السهل إخضاعهم لأحكام الشريعة حين تخالف رغباتهم أو تتصادم مع أهوائهم. خصوصاً وأن سخط الكثيرين من عثمان لم يكن لأجل حرص على رعاية أحكام الله. بل كان اتباعاً للهوى، وحرصاً على الدنيا، وما فاتهم من حطامها بعد أن خص به بني أبيه.

١- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٢٠ ص٢٩٩ والإمام علي بن أبي طالب للهمداني ص٧٢٨ والدرجات الرفيعة ص٣٨.

٦١

ثالثاً: إنه يريد للناس أن يروا هذا الإندفاع إليه، وهذا الإصرار عليه، وأن يشاهدوا بأم أعينهم الحرص من أعدائه قبل أصدقائه على البيعة له، لكي يروا بعد ذلك نكث الناكثين، وبغي الباغين عليه، لتكون الحجة له عليهم أبلغ، ولتكون الأمور في غاية الوضوح للناس كلهم، للذكي والغبي، والعالم والجاهل، والكبير والصغير..

رابعاً: إن ذلك يثبت للناس عدم صحة الدعايات التي سوف يطلقها أعداؤه ومناوؤوه، ومحاربوه من الزبيريين، والأمويين، وبعض نساء النبي (صلى الله عليه وآله) وسواهم، من أنه (عليه السلام) هو الذي حرك الناس لقتل عثمان، لتكون له الخلافة من بعده.

خامساً: يريد للناس أن يعرفوا أن نظرته للخلافة ليست نظرة من يريد الحصول على المكاسب، بل هي نظرة من يرى أن الخلافة لا تساوي عنده جناح بعوضة، أو أهون من عفطة عنز.. إلا أن يقيم حقاً، أو يبطل باطلاً.

سادساً: إنه يريد أن يأخذ منهم تعهدات بالعمل بشرع الله فيهم، حتى لا يتخذوا ذلك ذريعة لخداع الناس، وجرهم لحربه، وللخلاف عليه، بحجة أنه خالف فلاناً من الناس، أو وافقه..

سابعاً: إنه (عليه السلام) كان يعلم: أن أكثر الذين يبايعونه لا يبايعونه لأنهم يرونه إماماً مفترض الطاعة من الله، منصوباً من قبل الله ورسوله، وأن الأمر قد عاد إلى أهله ويجب على الناس عدم تحويله عن مقره. إنه (عليه السلام) يريد أن يعرفهم: أن أي إخلال ببيعته إنما يلحق الضرر بهم، وبإيمانهم وعقيدتهم، قبل أن يلحق الضرر بإمامهم.

٦٢

ولأجل ذلك كان (عليه السلام) يريد تغليظ الأمر عليهم، لا سيما مع وجود الشائنين والحاقدين، والمتربصين بينهم. حتى إذا حصل النكث في المستقبل، عرفوا من أين يأتي البلاء، ومن المخادع الطامع، ومن الزاهد المجاهد المضحي، والباذل نفسه في سبيل حفظ الدين وأهله..

ثامناً: قال المجلسي (رحمه الله): (كنت كارهاً أي طبعاً، وإن أحبها شرعاً. أو كنت كارها قبل دعوتكم لعدم تحقق الشرائط.

والمراد بالوالي: الوالي بغير الإستحقاق، والعامل بغير أمر الله فيها.

فعلى الوجه الأول: التعليل للكراهة طبعاً، لعسر العمل بأمر الله فيها.

وعلى [الوجه] الثاني: التعليل لعدم التعرض قبل تحقق الشرائط، لأنها تكون حينئذ ولاية جور أيضاً)(١).

تاسعاً: إن الخلافة بحد ذاتها ليست هدفاً يسعى له علي (عليه السلام)، وإنما هي وسيلة لإقامة الحق وإبطال الباطل. ولم يكن علي (عليه السلام) يجامل الناس حين حاول إبعادهم عن نفسه، بل هو إنما يفعل ذلك لقناعته بأن المصلحة تكمن في ذلك، لأن الأمور قد تغيرت، والمفاهيم قد تبدلت في أذهان الناس. ونشأت عوضاً عنها مفاهيم عوجاء وتفسيرات خاطئة للدين، وأحكامه، وشرائعه، ومفاهيمه، كرسها الحكام في سياساتهم وممارساتهم، أصبحت هي المانع الأكبر من إحقاق الحق، وإقامة العدل، ونشر الدين.

١- بحار الأنوار ج٣٢ ص٢٣.

٦٣

عاشراً: إن نصب الخليفة إنما يكون من قبل الله تعالى ورسوله، وليس للناس أي دور فيه، ولكن الخلفاء بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد نقضوا هذا القرار الإلهي، وجعلوا نصب الخليفة بأيدي الناس، فهم ينصبون ويعزلون، وأصبح ذلك تابعاً للأهواء والميول، ويتأثر بالمصالح الفردية والفئوية، وما إلى ذلك..

حادي عشر: إن خضوع الطامعين والطامحين لحكومة علي (عليه السلام) وقبولهم بها بعد قتل عثمان إنما جاء انحناءاً أمام التيار، حيث وجدوا أنه ليس باستطاعتهم مقاومة هذا المد العارم المُطالب بتولي أمير المؤمنين (عليه السلام) لمقام الخلافة.

إن هؤلاء الطامحين إنما قتلوا عثمان طمعاً بهذا الأمر بالذات، فإذا وجدوا أن علياً (عليه السلام) سوف يكرس سياسة تضرّ بطموحاتهم، وستخضعهم لسنة العدل، ولأحكام الشريعة، فإن ذلك سيثيرهم، وسيتداعون لمقاومته وإسقاط حكمه، والتخلص منه. وهذا سيجر البلاء العظيم على الناس. فلذلك كره (عليه السلام) ولايته عليهم.

ثاني عشر: إنهم إذا كانوا يرون: أن صلاحهم هو في التزام خط الخلفاء الذين سبقوا علياً (عليه السلام)، فلا شك في أن إمارته (عليه السلام) وولايته سوف تتصادم مع واقعهم هذا وستنقلهم إلى واقع آخر لا ينسجم مع قناعاتهم ومفاهيمهم هذه..

وهذا ما سوف يرفضونه ويقاومونه، ويعرضون أنفسهم للمهالك بسببه. وسيكون ما يصيبهم كارثة حقيقية عليهم في الدنيا والآخرة، لأن

٦٤

مقاومتهم للتغيير إنما هي تحدٍّ لإرادة الله، ورفض لما كان على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله).

وفي هذا الهلاك والبوار في الدنيا وفي الآخرة.

أما تركهم في واقعهم هذا، وبقاؤه (عليه السلام) في موقع المشير والوزير، الذي يقبل قوله تارةً ويرفض أخرى، فإنه يحمل معه احتمالات إصلاح الوضع بالتوبة والإنابة إلى الحق في يوم من الأيام.

ثالث عشر: إنه (عليه السلام) بكلامه هذا، وبسائر ما أورده في خطبته حين البيعة يريد أن يستعيد الناس استذكار المعايير الصحيحة للتعامل، ليختاروا مستقبلهم، ونهجهم، وطريقهم بأناة ووعي، وليكونوا على بصيرة من أمرهم، لكي لا يقول أحد: لو علمت بأن الأمور تصير إلى ما صارت إليه لم أدخل فيما دخلت فيه.

رابع عشر: إنه (عليه السلام) أراد أن لا يمتن عليه احد بأنه قد سعى لإيصاله إلى الخلافة، فله أن يطالبه بحصة له فيها.. فإن تعالي الصيحات لبيعته إنما تعني حاجة الناس إليه، ولا تعني أن يكون لهم فضل عليه. ولا يجيز لهم ذلك فرض آرائهم، ولا تبرر لهم حمله على العمل بما يتوافق مع أهوائهم..

خامس عشر: إنه (عليه السلام) يرى: أن الثورة على عثمان لم تكن لدى الأكثرية الثائرة لأجل إعادة الأمور إلى ما كانت عليه على عهد الرسول (صلى الله عليه وآله)، وإلزام الحاكم بالعمل بأحكام الشرع والدين، بل هي ثورة زادت الطين بلة، والخرق اتساعاً.. وتكونت بسببها

٦٥

ذهنيات عوجاء، ومفاهيم عرجاء، وسياسات هوجاء كانت لها آثار سلبية كثيرة على النفسيات، وعلى العلاقات، وعلى كل الواقع الذي كان يعيشه الناس.

يكرهها فلماذا يقبلها؟!:

وقد بين الإمام (عليه السلام) أسباب قبوله للولاية كما يلي:

١ ـ كتب (عليه السلام) لأهل الكوفة: ( والله يعلم أني لم أجد بداً من الدخول في هذا الأمر، ولو علمت أن أحداً أولى به مني لما تقدمت إليه)(١).

٢ ـ وقال (عليه السلام): (والله ما تقدمت عليها (أي على الخلافة) إلا خوفاً من أن ينزو على الأمر تيس من بني أمية، فيلعب بكتاب الله عز وجل)(٢).

٣ ـ وعنه (عليه السلام): (عدا الناس على هذا الرجل وأنا معتزل، فقتلوه، ثم ولوني وأنا كاره، ولولا خشية على الدين لم أجبهم)(٣).

١- الجمل للشيخ المفيد ص٢٥٩ و (ط مكتبة الداوري ـ قم) ص١٤٠ مصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج٤ ص١٨٣ ونهج السعادة ج٤ ص٦٠.

٢- أنساب الأشراف للبلاذري ج٢ ص٣٥٣ و (ط مؤسسة الأعلمي سنة ١٣٩٤هـ ١٩٧٤م) ص١٠٣ وحياة الإمام الحسين (عليه السلام" للقرشي ج١ ص٤٠٠.

٣- راجع: فتح الباري ج١٣ ص٤٨ وتاريخ الأمم والملوك ج٤ ص٤٩١ و (ط مؤسسة الأعلمي) ج٣ ص٥٠٥.

٦٦

٤ ـ وقال (عليه السلام) في خطبته المعروفة بالشقشقية: (أما والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء أن لا يقاروا على كظة ظالم، ولا سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أولها، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز)(١).

٥ ـ وعنه (عليه السلام): (اللهم إنك تعلم أني لم أرد الإمرة، ولا علو الملك والرياسة، وإنما أردت القيام بحدودك، والأداء لشرعك، ووضع الأمور في مواضعها، وتوفير الحقوق على أهلها، والمضي على منهاج نبيك، وإرشاد الضال إلى أنوار هدايتك)(٢).

٦ ـ وقال (عليه السلام) ـ فيما روي عنه ـ: (اللهم إنك تعلم أنه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان، ولا التماس شيء من فضول الحطام،

١- نهج البلاغة (بشرح عبده) ج١ ص٣٧ وعلل الشرائع ج١ ص٥١ والإرشاد ج١ ص٢٨٩ والإفصاح للشيخ المفيد ص٤٦ والأمالي للشيخ الطوسي ص٣٧٤ والإحتجاج للطبرسي ج١ ص٢٨٨ ومناقب آل أبي طالب ج٢ ص٤٩ والطرائف لابن طاووس ص٤١٩ وكتاب الأربعين للشيرازي ص١٦٨ وحلية الأبرار ج٢ ص٢٩٠ وبحار الأنوار ج٢٩ ص٤٩٩ وتذكرة الخواص (ط النجف) ص١٢٥ ونثر الدر ج١ ص٢٧٥ ومعاني الأخبار ص٣٦٢.

٢- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٢٠ ص٢٩٩ والدرجات الرفيعة ص٣٨ والإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام" للهمداني ص٧٢٨.

٦٧

ولكن لنرد المعالم من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك، فيأمن المظلومون من عبادك، وتقام المعطلة من حدودك)(١).

سياسات لا يمكن المساس بها:

قلنا في فصل سابق: إن السياسات التي اتبعت بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله), قد تركت آثارها في الناس, وأصبح التخلي عنها صعباً والمنع عنها خطراً للغاية, وقد شكى علي (عليه السلام) من هذا الأمر, وبين مدى خطورة المساس بها والتصدي لها, وأنه قد يؤدي إلى الإطاحة بكل شيء..

وكان التمييز العنصري، وتفضيل الرؤساء في العطاء وفي غيره، وتقديم طلاب الدنيا، وتفويض أمور الناس إليهم، وتخصيصهم بالولايات، وإطلاق أيديهم في التصرفات وحمايتهم حتى في قبال أحكام الشرع الشريف قد أذكى الطموحات، وأخرج الأمور عن دائرة السيطرة..

يضاف إلى ذلك، سياسات عديدة أخرى استهدفت الجذور، أشرنا إلى بعضها في كتابنا: الحياة السياسية للإمام الحسن (عليه السلام)، وفي كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم، في الجزء الأول منه.

١- نهج البلاغة (بشرح عبده) ج٢ ص١٣ وكتاب الأربعين للشيرازي ص١٩٤ والمعيار والموازنة ص٢٧٧ وتحف العقول ص٢٣٩ وبحار الأنوار ج٣٤ ص١١٠ وج٧٤ ص٢٩٥ والسقيفة للمظفر ص١٥٨ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٨ ص٢٦٣ وحياة الإمام الحسين (عليه السلام" للقرشي ج١ ص٣١٠.

٦٨

ومنها: إن إحراق ما كتبوه من حديث الرسول (صلى الله عليه وآله) والمنع من روايته، ومن السؤال عن معاني القرآن، ومن الفتوى إلا للأمراء، وإفساح المجال لعلماء اليهود والنصارى للرواية عن بني إسرائيل، قد نشأ عنه شيوع الأباطيل والترهات والأضاليل حتى حجبت غيومها شمس الحق وعميت السبل إلى الحقائق لولا جهود أهل البيت (عليهم السلام).

وقد رأينا كيف أن نقمة الكثيرين على عثمان إنما كانت لأجل استئثاره أو استئثار عماله بالأموال وبالولايات، وإن كان الثائرون عليه يحاولون الاستفادة من سائر المخالفات لإذكاء الشعور بالنقمة عليه وعلى عماله..

ثم لما جاءت حكومة علي (عليه السلام) كان أول ما أخذوه على علي (عليه السلام) مساواته وعدله قي القسم والعطاء، ورفضه التمييز العنصري فيه، وقالوا له: آسيت بيننا وبين الأعاجم؟! رغم أنه (عليه السلام) لم يزد على أن سار فيهم بسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله). وهي التي جرى عليها أبو بكر، وكذلك عمر شطراً من خلافته.

ثم ولأجل ذلك، صرح (عليه السلام) في أول خطبة له: بأن الآفاق قد أغامت، والمحجة قد تنكرت. وقال لهم: دعوني والتمسوا غيري، وأعلمهم بأنهم مستقبلون أموراً لها وجوه وألوان، لا يصبرون عليها..

وأخبرهم بأنه سوف لا يستجيب إلى مطامعهم، ولن يصغي إلى قول القائل، وعتب العاتب، بل سوف يقيمهم على المحجة البيضاء، ويسير فيهم بسيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله)..

٦٩

شكوى علي (عليه السلام):

ويوضح ما ذكرناه ما رواه علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عثمان، عن سليم بن قيس الهلالي، قال: خطب أمير المؤمنين (عليه السلام)، فحمد الله وأثنى عليه، ثم صلى على النبي (صلى الله عليه وآله)، ثم قال:

ألا إن أخوف ما أخاف عليكم خلتان: اتباع الهوى، وطول الأمل.

أما اتباع الهوى فيصد عن الحق.

وأما طول الأمل فينسي الآخرة.

ألا إن الدنيا قد ترحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ترحلت مقبلة. ولكن لكل واحدة بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وإن غداً حساب ولا عمل.

وإنما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع، وأحكام تبتدع، يخالف فيها حكم الله، يتولى فيها رجال رجالاً.

ألا إن الحق لو خلص لم يكن اختلاف، ولو أن الباطل خلص لم يخف على ذي حجى، لكنه يؤخذ من هذا ضغث، ومن هذا ضغث، فيمزجان فيجللان معاً، فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه، ونجا الذين سبقت لهم من الله الحسنى.

إني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: كيف أنتم إذا لبستم فتنة يربو فيها الصغير، ويهرم فيها الكبير، يجري الناس عليها ويتخذونها

٧٠

سنة، فإذا غير منها شيء قيل: قد غيرت السنة، وقد أتى الناس منكراً.

ثم تشتد البلية، وتسبى الذرية، وتدقهم الفتنة كما تدق النار الحطب، وكما تدق الرحا بثفالها، ويتفقهون لغير الله، ويتعلمون لغير العمل، ويطلبون الدنيا بأعمال الآخرة.

ثم أقبل بوجهه وحوله ناس من أهل بيته وخاصته وشيعته، فقال: قد عملت الولاة قبلي أعمالاً خالفوا فيها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، متعمدين لخلافه، ناقضين لعهده، مغيرين لسنته.

ولو حملت الناس على تركها، وحولتها إلى مواضعها، وإلى ما كانت في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) لتفرق عني جندي حتى أبقى وحدي، أو قليل من شيعتي الذين عرفوا فضلي، وفرض إمامتي من كتاب الله عز وجل وسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله).

أرأيتم لو أمرت بمقام إبراهيم (عليه السلام)، فرددته إلى الموضع الذي وضعه فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله).

ورددت فدك إلى ورثة فاطمة (عليها السلام).

ورددت صاع رسول (صلى الله عليه وآله) كما كان.

وأمضيت قطائع أقطعها رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأقوام لم تمض لهم ولم تنفذ.

ورددت دار جعفر إلى ورثته، وهدمتها من المسجد.

ورددت قضايا من الجور قضي بها.

٧١

ونزعت نساءاً تحت رجال بغير حق فرددتهن إلى أزواجهن، واستقبلت بهن الحكم في الفروج والأرحام.

وسبيت ذراري بني تغلب.

ورددت ما قسم من أرض خيبر.

ومحوت دواوين العطايا.

وأعطيت كما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعطي بالسوية، ولم أجعلها دولة بين الأغنياء.

وألقيت المساحة.

وسويت بين المناكح.

وأنفذت خمس الرسول كما أنزل الله عز وجل وفرضه.

ورددت مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى ما كان عليه.

وسددت ما فتح فيه من الأبواب، وفتحت ما سد منه.

وحرمت المسح على الخفين.

وحددت على النبيذ.

وأمرت بإحلال المتعتين.

وأمرت بالتكبير على الجنائز خمس تكبيرات.

وألزمت الناس الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم.

وأخرجت من أدخل مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مسجده ممن كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخرجه.

٧٢

وأدخلت من أخرج بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ممن كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أدخله.

وحملت الناس على حكم القرآن وعلى الطلاق على السنة.

وأخذت الصدقات على أصنافها وحدودها.

ورددت الوضوء، والغسل، والصلاة إلى مواقيتها وشرائعها ومواضعها.

ورددت أهل نجران إلى مواضعهم.

ورددت سبايا فارس وسائر الأمم إلى كتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله)؟!

إذاً لتفرقوا عني.

والله لقد أمرت الناس أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلا في فريضة، وأعلمتهم أن اجتماعهم في النوافل بدعة، فتنادى بعض أهل عسكري ممن يقاتل معي: يا أهل الإسلام، غيرت سنة عمر، ينهانا عن الصلاة في شهر رمضان تطوعاً!! ولقد خفت أن يثوروا في ناحية جانب عسكري.

ما لقيت من هذه الأمة من الفرقة، وطاعة أئمة الضلالة والدعاة إلى النار!! وأعطيت من ذلك سهم ذي القربى الذي قال الله عز وجل: {..إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ..}(١). فنحن والله عنى بذي القربى الذي قرننا الله بنفسه وبرسوله (صلى الله عليه وآله) فقال تعالى: {..فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ

١- الآية ٤١ من سورة الأنفال.

٧٣

السَّبِيلِ (فينا خاصة) كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا الله (في ظلم آل محمد) إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}(١). لمن ظلمهم، رحمة منه لنا، وغنى أغنانا الله به، ووصى به نبيه (صلى الله عليه وآله)، ولم يجعل لنا في سهم الصدقة نصيباً، أكرم الله رسوله (صلى الله عليه وآله) وأكرمنا أهل البيت أن يطعمنا من أوساخ الناس.

فكذبوا الله، وكذبوا رسوله، وجحدوا كتاب الله الناطق بحقنا، ومنعونا فرضا فرضه الله لنا.

ما لقي أهل بيت نبي من أمته، ما لقينا بعد نبينا (صلى الله عليه وآله)، والله المستعان على من ظلمنا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم(٢).

دعوني والتمسوا غيري مرة أخرى:

قد يقال: إذا كان (عليه السلام) هو صاحب الحق، فبيعة الناس له تكون واجبة، فما معنى قوله لهم: دعوني، والتمسوا غيري؟! أليس هذا نهياً لهم عن فعل ما يجب عليهم؟!

ونجيب:

بأنه (عليه السلام) يريد: أنهم إذا كانوا يريدون بيعته ليسير فيهم وفق السياسات التي اتبعها أسلافه، ووفق أهوائهم وعصبياتهم، فلا يراعي فيهم

١- الآية ٧ من سورة الحشر.

٢- الكافي ج٨ ص٥٨ ـ ٦٣ وبحار الأنوار ج٣٤ ص ١٧٢ ـ ١٧٥ والإمام علي بن أبي طالب للهمداني ص٧٣٤ ـ ٧٣٦.

٧٤

أحكام الشرع، ولا يعمل فيهم بكتاب الله وسنة نبيه، فيجب عليه ردعهم ومنعهم عن بيعة تستبطن هذه الشروط..

وليس هؤلاء ـ والحال هذه ـ هم الذين يمكنه أن ينتصر ويستعين بهم على إقامة الحق، وكبح جماح الباطل..

وهذا ما أراده (عليه السلام) بقوله في الخطبة الشقشقية: (لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أولها).

دعوني والتمسوا غيري مرة ثالثة:

١ ـ قد يقال: من الواضح: أن الإمام (عليه السلام) منصوص عليه، ومنصوب من قبل الله سبحانه وتعالى.. ولا خيار له في هذا الأمر، وليس له أن يتخلى عن هذا المقام بأي وجه..

فالإمامة كالنبوة، لا يبطلها كف اليد ولا بسطها، فلا معنى لقوله: دعوني والتمسوا غيري، إذا كان يقصد بذلك ترك التصدي لما فرض الله عليه التصدي له:

وأما إذا كان يقصد رفض نصب الناس له، وعدم الرضا بأن يكون سلطانه مأخوذاً منهم ومستنداً إليهم، ومن خلال بيعتهم له، فإن رفضه لهذه السلطنة يكون في محله.. لأن له كل الحق أن يرفض سلطنتهم المصطنعة والموهومة، والتي يريدون التوسل بها إلى أغراضهم الدنيوية..

٢ ـ وبالنسبة لتعهده بأن يكون أطوعهم لمن ولوه أمرهم، نقول:

٧٥

لا بد أن يفهم على أنه قرار فرضته التقية والمداراة في الحدود التي لا توقعه في محذور المخالفة لأحكام الله وشرائعه..

٣ ـ وأما كونه لهم وزيراً خير لهم منه أميراً، فإنما لوحظ فيه حالتهم التي هم عليها، والتي لا يريدون الخروج منها، فإن إمارته سوف تصادم أهواءهم ورغباتهم، ولربما يزين لهم الشيطان أن يخرجوا عليه ويحاربوه. ولا شك في أن هذا سيؤدي بهم إلى الهلاك المحتم في الدنيا والآخرة..

فبقاءهم في الدرجات الدنيا من المخالفة خير لهم من أن ينتقلوا إلى الدرجات العليا منها، التي هي غاية في الخزي والشقاء.

وربما يكون المقصود إجراء الكلام حسب زعمهم واعتقادهم، ووفق ما يفكرون به، ويرونه لأنفسهم، وهذا أسلوب معهود في المحاورات..

والله العالم بالحقائق..

تجنيات المعتزلي:

قال المعتزلي: (هذا الكلام يحمله أصحابنا على ظاهره، ويقولون: إنه (عليه السلام) لم يكن منصوصاً عليه بالإمامة، وإن كان أولى الناس بها، لأنه لو كان منصوصاً عليه لما جاز أن يقول: دعوني، والتمسوا غيري).

ثم ذكر أن الإمامية قالوا في تأويل هذا الكلام:

ألف: إنه أراد أن يقول: إنه سوف لا يسير فيهم بسيرة الخلفاء، ويفضل بعضهم على بعض في العطاء.

ب: أن الكلام جار مجرى التضجر والتسخط لأفعال الذين أعرضوا

٧٦

عنه في السابق للأغراض الدنيوية.

ج: إنه كلام خرج مخرج التهكم، كقوله تعالى: ذق إنك أنت العزيز الكريم. أي بزعمك.

ثم قال: واعلم أن ما ذكروه ليس ببعيد أن يحمل الكلام عليه لو كان الدليل قد دل على ذلك، فأما إذا لم يدل عليه دليل، فلا يجوز صرف اللفظ عن ظاهره(١).

ونجيب المعتزلي على كلامه هذا:

بما ذكره العلامة المجلسي رضوان الله تعالى عليه، حيث قال ما محصله:

أولاً: إن المعتزلي وأصحابه يقولون بأفضلية علي (عليه السلام) على غيره. ولكن كلامه هذا يقتضي أن تكون خلافته (عليه السلام) مرجوحة، وأن كونه وزيراً أولى من كونه أميراً. وهذا ينافي القول بأفضليته (عليه السلام).. لأن أفضليته تعني أنه لا يصح تفضيل المفضول عليه.

ولا يجوز للناس أن يعدلوا عنه إلى غيره.

ولا يجوز له هو (عليه السلام) أن يأمرهم بتركه، والتماس غيره، مع عدم ضرورة تدعو إلى ترك هذا الأفضل.

ثانياً: لنفترض أن الضرورة دعت إلى تقديم المفضول، فلا فرق بين قول الإمامية وقول غيرهم، إذ كما يجوز تقديم المفضول على الأفضل في الإمامة الواجبة بالدليل لأجل تلك الضرورة، كذلك يجوز تقديم المفضول

١- راجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٧ ص٣٥ وبحار الأنوار ج٣٢ ص٣٧.

٧٧

على الأفضل في الإمامة الواجبة بالنص ـ لأجل الضرورة أيضاً.

فالتأويل لازم على قول الإمامية والمعتزلة على حد سواء..

ولا نعلم أحداً قال بتفضيل غيره عليه، ورجحان العدول إلى أحد سواه في ذلك الزمان.

ثالثاً: إن ظاهر الكلام، بل صريحه، أنه (عليه السلام) حين قال لهم: دعوني والتمسوا غيري قد بيَّن: أن سبب قوله هذا هو أن الآفاق قد أغامت، والمحجة قد تنكرت، وأنهم مستقبلون أمراً له وجوه وألوان، وأنه إن أجابهم حملهم على المحجة.

وذلك يعني: أن السبب هو وجود المانع من القبول، وليس هو عدم النص ولا أنه لم يكن متعيناً للإمامة، أو لم يكن أحق وأولى بها(١).

وكانه (عليه السلام) يقول لهم: إن تصميمكم على متابعة شهواتكم، وعدم تراجعكم عنه يجعل من الأفضل لكم تركي، لأن إصراركم هذا يمنع من قبولي ما تعرضونه عليَّ. وأما بعد إصراركم، فإن الموضوع يكون قد تغير بسبب هذا الإصرار، وصار هذا القبول واجباً.

لعلي أسمعكم وأطوعكم:

ومن الواضح: أن قوله (عليه السلام): (لعلي أسمعكم وأطوعكم) يشير إلى أن الظروف كانت لا تزال تفرض المجارات في هذا الأمر، رعاية

١- بحار الأنوار ج٣٢ ص٣٧ و ٣٨.

٧٨

لمصلحة الإسلام العليا.. كما أنه يشير بكلمة (لعل)، إلى أن طاعته مشروطة بأمرين:

أحدهما: ما إذا تفاقم الأمر، إلى حد المساس بأسس الإسلام، وإلحاق ضرر به أعظم من ضرر مخالفتهم ومعصيتهم.

الثاني: ما إذا كان عصيانهم لا يشكل أي خطر، بل يكون مفيداً في تصحيح الخطأ، أو في أي مجال آخر.. كما جرى حين مخالفته لعمر في لباس إحرامه، ولعثمان في إتمام الصلاة بمنى، حيث لم يترتب على تلك المخالفة إلا ما هو خير وصلاح للدين..

أنا لكم وزيراً خير لكم مني أميراً:

وقد ذكرنا أيضاً: أنه (عليه السلام) أراد بـ (الخيرية) في قوله: أنا لكم وزيراً خير لكم مني أميراً: أنهم إذا كانوا مصممين على الاستمرار في النهج الذي كرسه الخلفاء السابقون، وظهرت بعض نتائجه في عهد عثمان، ويريدون البيعة لعلي (عليه السلام) على هذا الأساس، فمن الواضح: أن ذلك سوف يقود إلى أحداث بالغة الخطورة، لا يمكن تلافيها إلا بأن يصرفوا النظر عن علي (عليه السلام) الذي لن يرضى بأن يكون مطية لهم لتنفيذ أهوائهم، والسير في طريق لا يرضاه الله سبحانه..

فترك علي (عليه السلام) لهم أوفق بما يطمحون إليه، ويوفر عليهم مواجهة أخطار لا يحبون مواجهتها، وكونه ـ في هذه الحال ـ وزيراً يشير على الأمير بالحق، ويقلل من وقوع المخالفات، ويعلن حكم الله ويبينه لهم، ويقيم الحجة عليه وعليهم، ويواجههم بالحق، ليحيا من حيي عن بينة.. إن

٧٩

هذا خير لهم، بحسب ما يفكرون فيه، ويطمحون إليه. وليهلك من هلك عن بينة..

وهذا في الحقيقة انصياع لقاعدة الأهم والمهم، فإن حفظ الكيان العام من التصدع أهم من الوقوع في مخالفة بعض الأحكام، شرط أن لا يتحول الانحراف والباطل ليصبح هو الشرع والحق.

وهذا إنما يصح في صورة ما لو كانت وزارة علي (عليه السلام) تعطيه الفرصة في بيان ما هو حق وشرع، والمنع من التباس الحق بالباطل..

كما أن هذا البيان والتصدي يصبح مشروعاً ومطلوباً، ويكرَّس في الأمة على أنه نهج وطريقة متبعة في مجالات التعامل، وإجراء السياسات العامة..

والشاهد على أن هذا هو ما يرمي إليه (عليه السلام): أنه حين بويع (عليه السلام) بادر طلحة والزبير، ومن معهما إلى نكث البيعة، وخوض حرب طاحنة، ثم كان تمرد القاسطين والمارقين، لأنهم يريدون أن يكون علي (عليه السلام) كما كان عثمان وغيره لهم.

فظهر أن إمارته (عليه السلام) سوف تحمل معها مسؤوليات لا يحبون تحملها.. لأن علياً (عليه السلام) لا يرضى إلا بمرِّ الحق، ولن يقر له قرار حتى يحملهم على الجادة..

إذا كان علي (عليه السلام) أميراً:

لقد بات واضحاً: أن تكليف علي (عليه السلام) حين يكون إماماً

٨٠