×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

في ظلال الغدير / الصفحات: ٤١ - ٦٠

فكيف تقتلون أولاد نبيّكم؟!

ثمّ تحاولون ملاحقة أشياعهم.

كما لو أنّكم تحيون شرعة فرعون والطواغيت من قبلكم

بأقوامهم التي لاحقت أنبياء الله، وقتلت النبيين بغير حق كبني إسرائيل

أولئك الذين ضربوا الرقم القياسي في قتل الأنبياء،

بل حطّموه

أكنتم خلفاً لأسلافهم؟

وحينها سيكون لهم أن يقولوا:

لا.

لم نقتل النبيّين، ولو كان أمثال هؤلاء من الذين تدّعون،

هم أشياع أولاد النبيّ

فأين كان النبيّ قد وعد برعايتهم؟

وهم الذين يشركون بالله من حيث لا يشعرون

فيعبدون أولاد نبيهم من حيث لم يخبروننا بذلك ولم يأمروهم بمثله

كعيسى بن مريم

أأنت قلت للناس أعبدوني أنا وأمي من دون الله؟

قال: معاذ الله أن أقول ما ليس لي به علم!

٤١
ومالم تأمرني به(١)!

إذن هم يمارسون التعلّل بالحقّ من أجل إثبات غير الحقّ كلمة حقّ يراد بها باطل

لم يكن ليفعلوه إلّا بعد أن نبذوا ما آتاهم الله به من قبل وراء ظهورهم

فانقلبوا ينؤون بسفسطاتهم غير المحدودة

وينبذون كلّ الحقّ وراء الظهور

يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعضه!

يؤمنون برسالة محمّد ويكفرون بضيائها المتواصل!

يؤمنون بالقرآن الصامت.

وينبذون إيمانهم بناطقه وراء كلّ أيامهم الصمّاء البكماء!

لأنّ آل محمّد لم يقولوا لأحد أن اعبدونا من دون الله كما قال عيسى ابن مريم للناس

: أن لا تتخذوني إلهاً من دون الله

لذا

ما كان لشيعة آل محمّد أن تعبد آل محمّد

١- اشارة لقوله تعالى: }وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ { المائدة (٥): ١١٦.

٤٢
ولا كان لها أن تتّبعهم أن أمروا بمثله

لأنّهم موحّدين لا يعبدون إلّا الله، ولا يشركون به أحداً

لكن

لمّا كان هو وبنفسه وفي قرآنه المجيد قد أمرهم

بكلّ مودّة

أن يودّون من اصطفاهم على العالمينا

وأن يسمعوا لهم

ويطيعوا

ويعظّموا شعائرهم

ويزوروا مراقدهم أركان الأرض وأفياء السماء في بسيطته الفيحاء

ويبنوا لهم في كلّ ريع آية للرحمن وليس آية للشيطان كي تستحق نبذه وذمّه ومن ثمّ نقمته

لذا

فقبورهم ما كانت إلّا بيوت كان أمر الله بها أن يذكر فيها اسمه،

يقوم فيها رجال يسبّحون باسمه وحده

ويتوسّلون إليه باسمه

لأنّ أئمة الحقّ من آل محمّد ما كانوا إلّا أنوار اسمه

تلك الأنوار التي لم تذنب شيئاً

ولم تقترف معصية

٤٣
ولم تجرم ولم تجترئ على حرمات بارئها

أليس الدعاء سيكون له حقّه في الإجابة؟

سيّما وأنّه يتمّ في ظلّ تلك القباب التي أخفى الله أولياءه تحتها،

وتحت تلك المنابر الذهبية الحفيّة بكلّ فنون رحمة الرحمن وشيعة آل محمّد ما كانوا يبتغون هناك إلّا الوسيلة

بعد أن كانوا يثبتون للحقّ تعالى

أنّهم عند حسن ظنّه

في تلبية وصية رسوله

﴿ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ﴾(١)

بعد أن والوا الربّ

وآمنوا بموالاة نبيّه، وأبناء بضعته من أولاد وصيّه

وأحفاد نفس المصطفى صلّى الله عليه وآله وسلّم

سيّما حين أمرهم بما حدّثهم به في قرآنه:

﴿ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ ﴾(٢)

فلبّوا كرامته، وقاموا بتحقيق طلبته

حينما ابتغوا إليه الوسيلة

١- الشورى (٤٢): ٢٣.

٢- المائدة (٥): ٣٥.

٤٤
لأنّه ما كانت الوسيلة إلّا بهم

بآل محمّد حيث ما كان قد عرف إلّا الصواب

ولم يتمّ هناك أي شرك

بل قمّة العنفوان في قمّة العبادة للربّ العزيز

وإذن

لم يحق على شيعة آل محمّد

ما حقّ على شيعة عيسى من اليهود

الذين قتلوه!

حتّى شبّه لهم

أو من المسيحيين الذين ألّهوه

فعبدوه من دون الله

لأنّ شيعة آل محمّد موحّدون

ولا يؤمنون بآل محمّد إلّا لأنّهم نبراس التوحيد

ووصيّ رسوله ما كان إلّا مولى الموحّدين

وقائد الغرّ المحجّلين

وابنه الحسين بن عليّ شهيد الطف

ما كان إلّا أبا الأحرار من الموحّدين

والأئمة من ولده

٤٥
ما كانوا إلّا عيون الله في أرضه

والتي تسهر على إقامة دولة التوحيد

حتّى يحين أجل دولة العدل والإحسان في أرضه

علي يدي آخر إمام منهم

وما كان إلّا حجّة الله على عباده

المهدي المنتظر

والذي له أن يبثّ أنوار يوم الغدير وبكلّ تجلّياتها

في كلّ أرض الله وسمائه

كي يحيي سنّة الله أبداً

وينشر أعطاف العدل بين ظهراني كلّ عباده من خلقه!

ثمّ وثمّ وثمّ...

هل أنّ من يحاول إماتة ذكرى مثل هذا اليوم في نفوس العالمين يفهم بالضرورة كيف أنّ لمثل هذا اليوم الذي احتفى به في واقعيته آلاف الناس بما ينيف على المائة ألف شخص فيسعى أن يقضي على أبدية مثل هذا اليوم في نفوس أبنائهم، والخلف لهم كي لا يستذكروا ما كان يفعل الزمان بالأمس أو ما حصل مع آلاف مؤلّفة في الأمس، فلا يودّون أن يتكرّر الموقع ويعاود الزمان حصائله فيعيد ذكراه الماجدة؟!

ولكن ليس هذا السبب الواحد

لكن السبب الأكثر وعداً هو أنّ الآلاف من البشر التي كانت

حضرت

٤٦
بالأمس وحاولت فلول منها أن تميت هذا الوحي في نفوسهم في وقتها فإنّ مثل هذه الآلاف قد أصبح في اليوم يعدّ بالملايين المؤلّفة وإنّ هذه الفلول من المتمردين على وحي الإله قد أصبحوا آلافاً.

والخطأ الجسيم أنّ هؤلاء الأخيرين يعني المناوئين حينما وجدوا أعدادهم قد زادت وتضاعفت وأصبحت تكراراً لأرقام عدّة ظنّوا أنّهم قد أخذوا بأطراف الأرض قاطبة ومن كلّ جهاتها.

وخانتهم المروءة و الذاكرة والفهم والعلم والجغرافيا بأنّ أولئك الآلاف المؤلّفين للحضور في يوم الغدير من الناس الذين عادوا مع رسول الله للرجوع إلى أهاليهم ومواطنهم في شتّى أصقاع الأرض حول مكّة والمدينة أو في شمالهما وشرقهما أو في غربهما وجنوبهما. نعم غاب عن ذهن هؤلاء الغابنين بالقوة والفعل لحقّ الوصيّ وأهل بيته ولحقّ الرسول قبل كلّ شيء في أن يسمع له ويطيع كلّ العرب والعجم من خلق الله في قاطبة أرضه والغابنين أيضاً لحق الإنسانية والتاريخ والبشرية.

نعم ثانية فإنّه قد غاب عنهم أنّ أعداد هؤلاء المحيطين بالنبيّ والوصيّ قد تضاعف أضعافاً مضاعفة وبشكل خطير. فإن زاد عددهم فإنّ أعداد هؤلاء أيضاً قد تضاعف وانظر إلى العدد حينما ينتشر من آحاده كيف لجملة من الأعداد أن تتضاعف هي الأخرى فلو تضاعف عدد٦ هل يمكن أن يعادل مضاعفة العدد١٢٠.٠٠٠ فستّة حين يتمّ ضربها في عدد نفسها سوف تصبح٣٦ ولكن حينما يتمّ ضرب العدد١٢٠.٠٠٠ في نفسه فإنّه يصبح ١٤٤.٠٠٠.٠٠٠.٠٠ !

٤٧
اُنظر إلى التفاوت في هذين الرقمين ونسبة التضاعف في كلّ منهما . فلو تبصّرنا في قضية هذه المعادلة لوجدنا أنّ الشرّ مقموع ، وإلى آخر العمر، وأنّ الحقّ قائم حتّى لو كان للظلم أن يسعى سعيه في كلّ أقطاب الأرض، ويأتيها من كلّ أقطارها ؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى أبى إلّا أن يأتي الأرض من أقطارها!

حتّى لو استطاعت أيادي الخبث واللؤم والظلم أن تسكت كلّ هذه الأصوات الملياردية أو البليونية أو حتّى الترليونية إن مضينا في المبالغة في صورها غير الخيالية لأنّها أقرب إلى الواقع من حيث مضاعفة أعداد النصرة الإلهية في القرآن الكريم سيّما حينما يؤكّد حول مضاعفة النصر الإلهي وإرساله من لدنه بتعزيز قدرات جيش الرسول برفده بملائكة من عنده مسوّمين ؛ فإنّ النفس الإنسانيّة غير المحابية لأسرار القرآن وحقائق الدين إلّا عن صدق ومروءة ، ولا تداهن الوضع بل تكشف الصحّة من الفعل دون الغلواء في الخطأ فإنّ لها أن تعدل عند الله هي الأخرى آلافاً من البشر.

أتحسب أنّك جرمُ صغير

وفيك انطوى العالم الأكبر

يعني أنّ الإنسان حينما ينقلب صورة تعكس كلّ الوجود فإنّ لهذا الأخير في بعض الأوقات أن يجتمع فيه ويكون نسبة هائلة من الوجودات التي لها أن تنطوي فيه وتنعكس في داخله وفي خارجه.

كذلك الفئة القليلة حينما تنتصر على الفئة الكبيرة وبإذن الله هل لها أن تعني بأنّ فعلاً إعجازياً يتمّ إنجازه أو أنّ هذا العدد القليل كان قد

اشتمل

٤٨
على مناصرين آخرين فزاد عددهم في الحقيقة دون إظهار مثل هذه الزيادة والكشف عنها؟

كما أنّها هل يمكنها أن تعني أنّ القدرات تضاعفت وأصبح البشر القليلين يحملون هيمنة أعداد أكبر من أعدادهم وأكثر من مصداقيتهم الرياضية وأن قدراتهم قد تضاعفت فأصبح الشخص والواحد فيهم يعبّر عن قدرات عدّة أشخاص يشتمل عليها وتعكس فيه قدرته التي هي في الحقيقة ما كانت إلّا عدّة قدرات لعدّة أشخاص اجتمعت في شخصه وبفعل قوة إلهية هائلة كان أعدّها الله لنصرة أوليائه؟

﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ﴾(١).

إذن فهذا العدد الذي يمكن أن يختال بمضاعفته أولئك الذين لا يحبّون لمثل هذه المناسبة أن تحيى بين القلوب وتعيش في الأذهان أبداً فاتهم أنّ العدد بالمقابل (يعني عدد الناس الذين لهم أن يسمعوا لقول الرسول وأن يفهموا نداءه الذي له أن يتكرّر اليوم على لسان أوليائه وشيعته من أنصار علي بن أبي طالب ويكرّرون نداءه الذي هتف به في صحراء الغدير وأعلن عنه هناك قبل قرون مضت) له أن يتضاعف بالشكل الرهيب والذي له أن يبقي أرقهم في حيز التفعيل ممّا يؤدّي بهم إلى حرج أكيد وعجز صريح في أن يواصلوا أفانين أحابيلهم بشكلها الطبيعي ممّا سيدفع بهم إلى استلهام الشيطان لأفكار التحدّي والتصدّي

للمؤمنين ممّا يقود بهم

١- الحج (٢٢): ٤٠.

٤٩
إلى تحريم العصا ونكتها في كلّ الرماد والنيران والحطب كي تغيثهم وتسعف خططهم غير الإلهية بل الماكرة بفعل مكر الشيطان الذي ليس له أن يدوم أو بفعل كيده الذي ما كان إلّا ضعيفاً (١)، ككيد الساحر الكافر!

لذا ، فإنّ لذكرى الغدير وفي أيامنا هذه وعصرنا هذا أن تعيش بحرارتها في قلوب الملايين ، وليس في قلوب مائة وعشرين ألفاً أو يزيد من الذين لهم أن لا يفهموا أو يستوعبوا كلام الرسول على حقيقته أو ينسوه أو يتناسوه لكنّنا اليوم نعيش في عصر يحمل بين ثناياه كلّ عصور المعلوماتية التي لها أن تتكاثر في اللحظة والأخرى وأن تنقل المعلومة في أسرع من لغة الضوء أو أن تضخ إلى العقل البشري في أقصى بقاع المعمورة كلّ ما يحتاجه من معلومات أو بكلّ ما يكن أن تبلّ عطشه الفكري وتجيب عن كافة أسئلته التي لا يجد لها مجيباً.

إذن الخطر مرّة أخرى يحدق بلغة الكافرين. فانتدبوا من يشغل الشباب العربي والمسلم والأُمّة الإسلامية جمعاء عن اللحاق الفكري بكلّ هذه الإعجازات العلمية والثقافية في لغة المعلومات المعاصرة وهي لغة الإنترنيت العالمية يعني الشبكة العنكبوتية للمعلومات، وعمدوا إلى إشغال الناس بأفكار واهمة وبرامج لا أخلاقية كي يشغلوا عصب الإنسان عن التفكير في واقعية العيش الحقيقي ويلهونه عن اللحاق بقصب السبق في العثور على إجابات مقنعة لكافة أسئلته بل عمدوا حقيقة إلى إشغال

الناس

١- } إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا{ ، النساء (٤): ٧٦.

٥٠
عن التفكير... يعني مجرّد التفكير بقضية الولاية أو الحاكمية أو مصداقية أهل البيتF بالانفتاح على موروث تاريخي غير صدوق وإلهائهم به ودفعهم للانكباب عليه دون تحصيل ولا حتّى أي حاصل وتحفيزهم لترك أي موروث شيعي صحيح ؛ لأنّه بنظرهم موروث زائف لا يمتّ إلى التاريخ بصلة ، وما كان هذا في الحقيقة هو همّهم الأساس ، ولكن همّهم الأساس من أراد أن يخفي إحداثيات السفينة المذكورة في البحر لا خوفاً من نفس السفينة أو حتّى من ركوب البعض فيها ، ولكن خوفهم من أن يكتشف الناس ما في السفينة من أسرار تشتمل على سرّ آل محمّد وأحقّيتهم في الولاية وهداية البشر، وحكومة العالم، كما سيحصل إن شاء الله بظهور صاحب العصر و الزمان حجّة الله الغالب كيما يقيم حكومة العدل الإلهية بين البشر.. ويحكم ملّة آدم وحواء كما أراد الله لخليفته أن يحكمهم.

إذن المشكلة ليست تكمن في نفس التاريخ لكنّها تكمن في محصول من محاصيل تاريخية وفي زمن معين ممّا دفع بالعصبة الماردة إلى أن تكرّس فعلها للنهوض بأسباب الأخذ بتاريخ مزيف بدل أن ترشد الناس إلى تاريخ صحيح فجعلت تكبر في أعين الناس حصائل تاريخية ليست على تلك الأهمّية وليست من القدرة العقلية والإنسانية بمكان من أجل أن تعمّ على أخريات من الحقائق، وتكافح في تدليس حقائق مثيرة لو اطّلع الناس على واقعيتها لاتبعوا أصحابها مثل ما يقول الإمام الرضا عليه السلام: « لو عرف الناس علومنا لاتبّعونا » (١).

١- انظر معاني الأخبار للشيخ الصدوق: ١٨٠، طبعة جماعة المدرسين- قم.

٥١
لذا فإنّ كلّ هذه التحريكات والأنشطة من أجل نشر علوم دينية أو بشرية بشكل غريب ومكثّف ما كانت لغاية إلهية إنّما هي من أجل إشغال الناس وإلهاء أوعيتهم عن مناطات أكثر وقعاً في النفس كي لا ينشغلوا بها أو يهتمّوا بها قيد لحظة ممّا يبعث بالفئة الضالّة إلى نشر وتكثيف إنفاقاتها في سبيل نشر موروث معين وترك الناس تعتاد عليه ، ولا تعتاد على غيره فلا تفكر بعده في أي علميات أخرى وإن حصل للبعض أن تعرّف على علوم غير تلك العلوم كان لهم أن يقعدوه عن مجرّد البحث في أسسها بعد تخريب أفكاره بمجمل الصدود، وبعد أن يقرأوا في ذهنه ، ويعبّئوا نفسيّته بآلاف الحجج المختلقة والتي لها أن تقف بوجه لحق الإنسان بحقائق إلهية دامغة والتصدّي لطريق الحقّ عبر الإملاء على عقليته بأنّ ما يجده في بطون مثل هذه الكتب من معارف ما هي إلّا أفكار مختلقة نهضت بها مجموعة من البشر لا تريد للإنسان أن يصل بنفسه إلى مستوى رفيع بل تريده أن ينحرف عن لغة الصحابة وتاريخ الرسالة مع أنّهم لا يبغون في ذلك إلّا عوجاً، وصرف الأنظار الإنسانية عن طريق الحقّ الصحيح عبر كلّ هذه الإشغالات الممجوجة فيحرفون الكلم عن مواضعه والأذهان عن طريقها الإلهي الصحيح عبر بثّ الشبهات وتفعيل الغايات الإلهية في التصدّي لشيعة آل الرسول وإغراء كلّ ذي عقل رخيص بمحاولات أكثر رخصاً في محاولة إسكات مثل هذا الضخّ الإلهي تحت ذرائع واهية وتمجيدات كافرة كاذبة لا تريد للإنسان أن يحيا بألفة ومودّة بل تريد له الدمار عبر زرع نار الفتنة بين المسلم وأخيه المسلم.

٥٢
وما كانت هذه المحاولات اللئيمة إلّا أساساً ركيزاً من أسس ومرتكزات الاستعمار الحديث والتي أصبح أذنابه من المسلمين الشاذّين والعملاء له يقومون بمهامّة التي ما عاد هو يقوم بها بعد أن وجد في مثل تلك الفتن وهؤلاء المغرّر بهم كلّ لهوه ومؤدّاه وغايته! كيما يتسلط على الأمّة الإسلامية ويفني أسسها ويذيب القها بعد أن يحرق وجودها ويشعل نيران الضلالة بين أفرادها فلا يبقى بعدها مسلم يقف بوجهه ؛ لأنّه في وقتها سيكون قد انشغل في قتال أخيه المسلم، وحسب !

٥٣

الفصل الرابع

فلسفة حديث الغدير

كما اشتقّت من المصادر

يُعتبر حديث الغدير من الأحاديث التاريخية الهامّة والمصيرية التي أدلى بها رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم في السنة الأخيرة من حياته المباركة ، وهي من الأحاديث التي تثبت إمامة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وتوجب ولايته على جميع المؤمنين بعد ولاية الله تعالى وولاية رسوله المصطفى صلى الله عليه و آله و سلم بكلّ صراحة ووضوح.

ثمّ إنّ حديث الغدير حديث متواتر (١) رواه المحدّثون عن أصحاب النبي صلى الله عليه و آله و سلم وعن التابعين بصيغ مختلفة، تؤكّد جميعها على إمامة الإمام

أمير

١- صرّح بتواتر حديث الغدير جماعة من علماء السنة، كما اعترف جماعة بصحته، نذكر منهم:

١) الغزالي: أبو حامد محمّد بن محمّد ، المتوفى سنة: ٥٠٥ ﻫ في كتابه: سرّ العالمين: ١٣، طبعة مكتبة الجندي ـ مصر.

٢) شمس الدين الشافعي: أبو الخير شمس الدين بن محمّد بن محمّد بن الجزري، المتوفى سنة: ٨٣٣ﻫ في كتابه: أسنى المطالب: ٤٧، طبعة طهران ـ إيران.

٣) القسطلاني: في كتابه: شرح المواهب اللدنية ٧: ١٣، طبعة المطبعة الأزهرية ـ القاهرة.

٤) المنصور بالله: الحسين بن أمير المؤمنين المنصور بالله ، القاسم بن محمّد المتوفّى سنة: ١٠٥٠ﻫ في كتابه: هداية العقول إلى غاية السؤول في علم الأصول ٢: ٤٥، طبعة صنعاء ـ اليمن.

٥٤
المؤمنين عليه السلام، لكون الجوهر الأصلي فيه واحد وإن اختلفت بعض العبارات.

أمّا نسبة الحديث إلى الغدير فيعود سببه إلى أنّ النبي أدلى بهذا الحديث على أرض غدير خم(١) في اجتماع حاشد يضم ما يربو على مائة ألف من المسلمين وذلك بعد رجوعه من أداء مناسك الحجّ في آخر سنة من حياته المباركة.

وقد تناقلت المصادر الإسلامية السنيّة والشيعيّة على حدّ سواء حديث الغدير في كتب التفسير والحديث والتاريخ والكلام وغيرها بأكثر من عشر صيغ وفي ما يقارب المائة من الكتب المعتبرة المعتمدة.

أمّا رواة حديث الغدير الذين تمكّن التاريخ من ضبط أسمائهم فهم: من الأصحاب (١١٠) صحابياً ومن التابعين (٨٤) تابعياً، وأما رواة هذا الحديث من العلماء والمحدثين عددهم (٣٧٠) راوياً(٢)، كما ألّف علماء الإسلام كتباً مستقلة في هذا الحديث إذعاناً منهم بأهمية هذا الحديث وصحته ومصيريّة موضوعه (٣).

١- غدير خم: موضع بين مكّة المكرمة والمدينة المنوّرة على مقربة من الجحفة التي هي من المواقيت التي يُحرم منها الحجاج للحجّ أو العمرة.

٢- لمعرفة أسماء رواة حديث الغدير يراجع: الغدير في الكتاب والسنة والأدب، لمؤلفه القدير العلامة الشيخ عبد الحسين الأميني قدّس الله نفسه الزكية، المتوفّى سنة١٣٩٠ﻫ .

٣- لمعرفة أسماء المؤلفين في حديث الغدير يراجع: الغدير في الكتاب والسنّة والأدب١: ١٥٢ – ١٥٧.

٥٥
وفي ما يلي نذكر بعض النماذج التي أوردها بعض أكابر علماء السنّة في كتبهم رعاية للاختصار، من ثمّ سنعمد إلى التعرّض إلى أوفى النقول، ومن شاء التفصيل فليراجع مصادر الحديث (١):

١) أحمد بن حنبل: أبو عبد الله أحمد بن حنبل بن هلال الشيباني، المتوفّى سنة٢٤١ﻫ ، عن البراء بن عازب، قال: كنّا مع رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم في سفر فنزلنا بغدير خم، فنودي فينا الصلاة جامعة ، وكسح لرسول الله صلى الله عليه و آله و سلم تحت شجرتين فصلّى الظهر وأخذ بيد علي رضي الله عنه

فقال: « ألستم تعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم»؟

قالوا: بلى.

قال: « ألستم تعلمون أنّي أولى بكلّ مؤمن من نفسه »؟

قالوا: بلى.

فأخذ بيد علي!

١- المصادر التي ذكرت حديث الغدير كثيرة جداً ، لكنّنا هنا نشير إلى بعضها كما يلي مع انّنا سنتعرّض لها فيما بعد:

١) مسند أحمد بن حنبل ٤: ٣٦٨، طبعة دار صادر ـ بيروت.

٢) خصائص أمير المؤمنين للنسائي: ٩٨، طبعة بيروت.

٣) السيرة الحلبية ٣: ٢٧٤، طبعة دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.

٤) كنز العمال ٥: ٢٩٠، طبعة منشورات التراث الإسلامي ـ حلب.

٥٦
فقال: « من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه».

فلقيه عمر بعد ذلك فقال له : هنيئاً يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كلّ مؤمن ومؤمنة(١).

٢) الخطيب البغدادي: أبو بكر أحمد بن عليّ ، المتوفّى سنة٤٦٣ﻫ ، عن أبي هريرة ، قال : من صام يوم ثمان عشرة من ذي الحجّة كتب له صيام ستين شهراً، وهو يوم غدير خم لمّا أخذ رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم بيد عليّ بن أبي طالب عليه السلام فقال: « ألست أولى بالمؤمنين »؟

قالوا: بلى يا رسول الله.

قال: « من كنت مولاه فعليّ مولاه ».

فقال عمر بن الخطاب: بخٍ بخٍ لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كلّ مسلم (٢).

٣) ابن حجر: أحمد بن حجر الهيتمي، المتوفّى سنة٩٧٤ﻫ ، أنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال يوم غدير خم: « من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، واحبّ من أحبّه، وابغض من أبغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدرّ الحقّ معه حيث دار » .

١- مسند أحمد بن حنبل ٤: ٢٨١، طبعة دار صادر ـ بيروت.

٢- تاريخ بغداد ٨: ٢٩٠، طبعة دار الكتب العلمية – بيروت.

٥٧
وقال ابن حجر حول حديث الغدير: إنّه حديث صحيح لا مريّة فيه ، وقد أخرجه جماعة كالترمذي والنسائي وأحمد ، وطرقه كثيرة جدّاً، ومن ثمّ رواه ستّة عشر صحابياً، وفي رواية لأحمد أنّه سمعه من النبي صلى الله عليه و آله و سلم ثلاثون صحابياً وشهدوا به لعليّ لمّا نوُزع أيام خلافته(١)... وكثيراً من أسانيدها صحاح وحسان، ولا التفات لمن قدح في صحّته (٢).

وممّا تقدّم يمكن استخلاص النقاط التالية:

(١) إنّ رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم إنّما أدلى بهذا الحديث بأمر من الله تعالى وذلك بعد نزول آية التبليغ وهي:

١- تجدر الإشارة هنا إلى أنّ الإمام أمير المؤمنين عليه السلام عندما نُوزع في الخلافة جمع الناس في «الرحبة» واستشهدهم قائلاً: انشد الله كلّ امرئ إلّا قام وشهد بما سمع – أي بما سمع من رسول الله يوم الغدير – ولا يقيم إلّا من رآه بعينه وسمعه بأذنيه، فقام ثلاثون صحابياً فيهم اثنا عشر بدرياً، فشهدوا.. يقول العلامة السيد عبد الحسين شرف الدينR: ولا يخفى أنّ يوم الرحبة إنّما كان في خلافة أمير المؤمنين، وقد بويع سنة خمس وثلاثين، ويوم الغدير إنّما كان في حجّة الوداع سنة عشر، فبين اليومين – في أقل الصور – خمس وعشرين سنة، كان في خلالها طاعون عمواس، وحروب الفتوحات والغزوات على عهد الخلفاء الثلاثة، وهذه المدّة – وهي ربع قرن – بمجرد طولها وبحروبها وغاراتها، وبطاعون عمواسها الجارف، قد أفنت جُل من شهد يوم الغدير من شيوخ الصحابة وكهولهم، ومن فتيانهم المتسرّعين – في الجهاد – إلى لقاء الله عزّ وجلّ ورسوله صلى الله عليه و آله و سلم حتّى لم يبق منهم حيّاً بالنسبة إلى من مات إلّا القليل والأحياء كانوا منتشرون في الأرض... المراجعات: ١٧٢، طبعة دار المرتضى.

٢- الصواعق المحرقة في الرّد على أهل البدع والزندقة: ٦٤، طبعة ـ القاهرة .

٥٨
﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾(١)، في يوم الغدير تحثّه على تنصيب الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام خليفة له وإماماً للناس(٢).

١- المائدة (٥): ٦٧.

٢- صرّح الكثير من المفسرين بأنّ نزول آية التبليغ كان في يوم الغدير لدى رجوع النبي صلى الله عليه و آله و سلم من حجّة الوداع في مكان يسمّى بـ« غدير خم » ، وفي ما يلي نشير إلى بعض من صرّح بذلك:

١) أبو الحسن علي بن احمد الواحدي النيسابوري، المتوفّى سنة٤٦٨ﻫ ، عن أبي سعيد الخدري، قال: « نزلت هذه الآية: } يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ { يوم غدير خم، في علي بن أبي طالب رضي الله عنه » أسباب النزول: ١١٥، طبعة : المكتبة الثقافية ـ بيروت.

٢) عبيد الله بن عبد الله بن احمد ، المعروف بالحاكم الحسكاني من أعلام القرن الخامس الهجري: روى بإسناده عن ابن عباس في قولهU : } يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ { الآية ، قال : نزلت في علي، أمر رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم أن يبلغ فيه ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم بيد علي فقال : « من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه » شواهد التنزيل ١: ١٩٠، طبعة منشورات الأعلمي ـ بيروت.

٣) فخر الدين الرازي ، المتوفى سنة٦٠٤ﻫ ذكر من جملة الوجوه الواردة في سبب نزول آية : } يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ { أنّها نزلت في الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، وعدّه الوجه العاشر من الوجوه المذكورة ، قال: نزلت الآية في فضل علي بن أبي طالب عليه السلام، ولمّا نزلت هذه الآية أخذ بيده وقال: « من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه»، فلقيه عمر فقال : هنيئاً لك يا ابن أبي طالب ، أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة.

وهو قول ابن عباس والبراء بن عازب ومحمّد بن علي، التفسير الكبير ١٢: ٤٢، طبعة دار الكتب العلمية ـ بيروت .

٤) جلال الدين السيوطي، المتوفى سنة٩١١ ﻫ روى بإسناده عن أبي سعيد الخدري قال: « نزلت هذه الآية : } يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ{ على رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يوم غدير خم في علي بن أبي طالب » الدر المنثور ٣: ١١٧ ، طبعة محمّد أمين - بيروت.

٥) أبو الفضل شهاب الدين محمود الآلوسي البغدادي، المتوفّى سنة١٢٧٠ﻫ ، عن ابن عباس ، قال : نزلت الآية: } يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ { في علي حيث أمر الله سبحانه أن يخبر الناس بولايته ، فتخوّف رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم أن يقولوا حابى ابن عمّه وأن يطعنوا في ذلك عليه ، فأوحى الله تعالى إليه ، فقام بولايته يوم غدير خم، وأخذ بيده ، فقال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: « من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه » روح المعاني٤: ٢٨٢، طبعة دار الفكر – بيروت.

٥٩
(٢) التدبّر في الآية السابقة ولهجتها الصارمة بصورة عامة، مضافاً إلى التدبّر في دلالة ﴿ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ...﴾ يكشف لنا عن حساسية القضية وخطورة المسألة المطروحة.

(٣) إنّ انتخاب « غدير خم » الصحراء القاحلة التي يلفحها الهجير وتلتهب رمالها بوهج الظهيرة كمكان لإلقاء حديث الغدير، وانتخاب المقطع الأخير من حياة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم كزمان لإلقاء الحديث، وانتخاب الاجتماع التاريخي الحاشد الذي يشكّله الحجّاج العائدون من بيت الله الحرام كمستمعين لهذا الخطاب التاريخي الهام، إلى غيرها من الأمور إن عبرت عن شيء فإنّما تعبّر عن أهمية ما أمر الله النبي صلى الله عليه و آله و سلم بإبلاغه، وهو تعيين المسار القيادي للأُمّة الإسلامية دينيّاً وسياسيّاً.

كما أنّ عدم إبلاغ النبي صلى الله عليه و آله و سلم الناس بولاية أمير المؤمنين عليه السلام يُعدّ

٦٠