×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

في ظلال الغدير / الصفحات: ٦١ - ٨٠

مساوياً لعدم تبليغ الرسالة الإلهية، وهذا ممّا يُبيّن أهمّية مسألة الإمامة والقيادة ويفهم هذا المعنى من قول الله تعالى: ﴿ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ.. ﴾.

(٤) إنّ المخطّط الإلهي للحياة البشرية مخطّط حكيم وكامل ولا يمكن أن يهمل مسألة قيادة الأمّة الإسلامية بعد الرسول صلى الله عليه و آله و سلم بدون تخطيط أو يترك الأُمّة من غير راع وولي، وهذا ممّا يدفع بالأُمّة إلى الانزلاق نحو هاوية الفتن والصراعات والتناقضات ، ويكون سبباً لإهدار أتعاب الرسالة، وهو ما لا يقبله العقل السليم ولا يصدّقه الشرع طبعاً.

(٥) إنّ نزول آية الإكمال وهي: ﴿... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا... ﴾(١) في يوم الغدير بعد إبلاغ النبي صلى الله عليه و آله و سلم الناس بولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام لدليل واضح على أنّ اكتمال أهداف الرسالة وضمان عدم وقوع انحراف أو فراغ تشريعي أو قيادي أو سياسي بعد الرسول صلى الله عليه و آله و سلم، إنّما يتحقّق في حالة استمرارية القيادة المنصوبة والمنصوص عليها من قبل الله عجل الله تعالى.

وفي ضوء ما تقدّمت الإشارة إليه من النقاط يمكن أن نفهم عمق العلاقة بين النصوص القرآنية(٢)، في يوم الغدير الذي تمّ من خلاله تعيين

١- المائدة (٥): ٣.

٢- المراد من النصوص القرآنية الآيات التالية:

١) آية التبليغ وهي: ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ{ المائدة (٥): ٦٧.

٢) آية الإكمال وهي: } ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا...{ المائدة (٥): ٣.

٣) الآيات الأوائل من سورة المعارج، وهي: } سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِّلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ{ المعارج (٧٠): ١ – ٣ ، ولقد صرّح غير واحد من المفسّرين والمحدثين بنزول العذاب على جابر بن النضر بن الحارث بن كلدة العبدري – أو غيره على خلاف – وهلاكه ، والقصّة يرويها الحافظ أبو عبد الله الهروي كالتالي: لمّا بلّغ رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم غدير خم ما بلغ، وشاع ذلك في البلاد، أتى جابر بن النضر بن الحارث بن كلدة العبدري، فقال: يا محمّد أمرتنا من الله أن نشهد أن لا إله إلّا الله، وأنك رسول الله، وبالصلاة والصوم والحج والزكاة فقبلنا منك ، ثمّ لم ترض بذلك حتّى رفعت بضبع ابن عمّك ففضّلته علينا، وقلت: من كنت مولاه فعلي مولاه، فهذا شيء منك أم من الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: «والذي لا إله إلّا هو إنّ هذا من الله» فولى جابر يريد راحلته وهو يقول: اللهم إن كان ما يقول محمّد حقّاً فأمطر علينا حجارة من السماء، أو أتنا بعذاب أليم، فما وصل إليها – أي إلى الراحلة – حتّى رماه الله بحجر فسقط على هامته وخرج من دبره وقتله، وأنزل الله تعالى: } سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ... { الآية. الغدير في الكتاب والسنّة والأدب١: ٢٣٩، للعلامة الشيخ عبد الحسين الأمينيR، وقد ذكر المؤلف مجموعة من المصادر التي ذكرت أنّ الآية نزلت بهذه المناسبة.

٦١
في ظلال الغدير » السيد جمال محمد صالح » (ص ٦١ - ص ٩٠) الخليفة والإمام من قبل ربّ العالمين، وبواسطة رسوله الأمين صلى الله عليه و آله و سلم.

وأخيراً: فإنّ للحديث أن يحمل دلالة واضحة وصريحة على إمامة

٦٢
أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام باعتباره المرشّح الوحيد لتسلّم زمام الأمُة بعد النبي صلى الله عليه و آله و سلم، وكونه الولي الشرعي المنصوب من قبل ربّ العالمين بواسطة سيّد الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه و آله و سلم.

وهو الأمر الذي اعتبره الله عجل الله تعالى تكميلاً للرسالة وتتميماً للنعمة إذ قال: ﴿ ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا... ﴾ وللوقوف على تفاصيل أكثر لحديث الغدير وكلّ ما يتعلّق به سيّما دراسته بصورة دقيقة وشاملة يمكن مراجعة الكتب التالية:

١) الغدير في الكتاب والسنّة والأدب، للعلّامة الشيخ عبد الحسين الأميني قدس سره.

٢) المراجعات، للعلّامة السيّد عبد الحسين شرف الدين الموسوي قدس سره.

٦٣

الفصل الخامس

في انتظار الزمن الذي لم يأتِ بعد!

عود على بدء

كما لو كنا نحتفل بالغدير في كلّ يوم مرّة أو أكثر

أو في كلّ عام مرّة

أو في كلّ أيامنا وبكلّ لحظاتها وساعاتها

ولكن

رضينا أم لم نرض

فإنّ أيام ذكرى يوم الغدير..

هي لا زالت تطلّ علينا في العام مرّة

لكنّها لا تصادفنا ولا ننتظرها إلّا كما كانت تحيى معنا أبداً

فنعود نحتفل بها ونحتفي بكلّ شؤونها في كلّ يوم مرّة

وأكثر من مرّة.

ولذا علينا أن نترك العمل لخمسة أيام

نتّخذها عطلة رسمية لنا ولأجيالنا التي تأتي من ورائنا

كي ننتبه لها أكثر

٦٤
ونحتفل بها أكثر

شريطة أن نترك لأيام عيد الفطر ثلاثة أيام

ولأيام عيد الأضحى أربعة أيام

لأنّها ليست بأعظم من عيد الغدير

لذا علينا أن نمتحن أنفسنا بخمسة أيام

نفضي فيها إلى علوم آل محمّد

سعادة وبهجة وفرح

نتزاور ونتصافح ونتآخى

كما لو كنّا إخوة مذ ولدتنا أمهاتنا

بل أعظم

لأنّنا إخوة يوم الغدير

نتآخى في علي وولايته

وولاية أولاده من الأئمّة المعصومين

وولاية من تبعه إلى يوم الدين

إنّها ذكرى ليست بالغريبة علينا

ولا تفاجئنا أيّامها وساعاتها بكلّ ذكرياتها وأشواقنا إليها كلّما طلّت علينا.

لأنّها تعيش معنا في الحنين والذكرى واليوم والنهار منه (والليل إذا

٦٥
يسري هل في ذلك خبر لذي حجر)!

لأنّ ذكراها ما زالت حبلى بالأماني التي لا زالت تعيش في قلوبنا قبل أن تحيى في أذهاننا التي تشهد لها الأقدار وكلّ الأحايين.

إذ أنّها ما كانت إلّا ريحانة الأعصار التي تمتدّ فوق أثيل المجد الذي ظلّ يغطي سحابة الأمس والحاضر.

ثمّ.

هل يمكن أن يمتزج الحلم باليقظة؟

هل يمكن أن يلتئم الجرح فيلبس ليل الدم بصبح البلسم؟

وهل يمكن لقبضة من قمح أن تنقلب شمعة تضيء في كلّ مساء...

وهل يمكن لغربة أن تتحدّر فيصيب رذاذها معين حبّ يطوف خياله في بحر من الأنسام التي لا يقرضها سوى ريح الطريق...

ثمّة قمر يطوف في الأرجاء، ويبحث له عن عشّ كي لا تفارقه لحظة فرح. ربّما غرق في وهدة تركته يفتّش عن نصيبه من الحبّ والوفاء وكيف له أن يثبت ولاءه للأفلاك وكيف له أن يثبت حسن سيرته لمنارات الأنجم التي تراكمت في أعالي السماء؟

وكيف لفرحة البشر أن تفوق حجم الوصف؟

ولكن هل يمكن للسبب نفسه أن يستوحي – وفي غمرة كلّ هذا السيل من الجموح العاطفي وتفجر المشاعر – صفات ترسل عليه آيات

٦٦
العزّ والوفاء؟

لكن الجو قائظ والسماء تفيض بلهبها المشحون بكلّ نبال الحرّ القيظ.. هل يمكن أن تفلح السنون فتزرع غصوناً في الدرب من قبل أن تفيض هذه بورودها المدمّجة برائحة الأصيل؟

هل يمكن أن تحرث الشمس بحرارتها أرض الصحراء فتورثها حبّ النخيل ولمس العذب من ماء الغدير.

ولكن ما من غدير بإمكانه أن يتّسع لكلّ هذه السنين من الأحلام وليس بوسع أي غدير أن يضمّ بين حناياه ويشتمل بين ثناياه على كلّ ما يحلم ويفكّر به المرء!

هل بميسور شخص ما أو أكثر أن يحيل عصب الحياة إلى شيء أشبه بذلك أو أن يقذف بليل الظلمات الذي يغطّي صعيد الأيام ليبدّلها بنهار النور؟

ولكن كيف للصحراء أن تبلّ غليل عطشها وتطفئ حرّ نيران صعيدها؟ هل يمكن أن يمتدّ عصب وشريان في ضلع من المساحات ليفرغ رزمات من الوعد والوعيد؟

هل يمكن أن تنمحي الظلمات وتندلق ليال من السحب غير المتوهجّة لتثير غيرها من وافدات الخير والبهاء طلعتها في كبد السماء المؤتلقة بريح كان بوسعها منذ قديم الزمان أن تبلّ عطش كلّ ربوع الأحياء وكلّ وهاد الأرض وهضابها!

٦٧
غير أنّها اليوم ما أرسلت إلّا لتلقي بتحيّتها صوب قطر كان ينثال بأثيرية طاغية في السماح والنبل والسخاء.

بيد أنّ السماء ما زالت تطفح بمياه عالقة في أرجائها!

هل آثرت على نفسها؟ فبدلاً من أن تطفئ لوعة أديمها المكتئب بلحن من ألحان السيب الذي يمكن أن يزدحم به سديم كلّ شئ كان توزّع – ومن قبل – في أنواء تلك السماء الشاهقة.. فبدلاً من أن تفعل مثل ذلك خلدت إلى لحن كان يمثل لديها أكثر الخلود خلوداً وأعظم من الصباح صباحاً لأنّها كانت ترى فيه دوام عزّها وسبباً هامّاً في قيامها ما حييت الألوان من الخلق والأنواع من الموجودات!

لكنّها ما كانت لتصبر على منح ذراها وهي التي ما كانت رأتها من قبل إلّا سامية ولكنّها اليوم كانت ألفت كلّ ذراها يلتئم في حلقات تسافر بها صوب الأرض حيث صعيد صحراوي يغلي من شدّة وهج الشمس التي ما كانت ترغب في إحراق ما ينحدر فوق بساطه من أيّما شعاع لها إلّا وسحاب يأجّج الأنام كي تلمح فيها ثقل هيام ولفحة برودة فلا يتعاظم شيؤها كلّ العظمة ولا تعظم رمضاء بطاح تلك البقاع أيّ عظمة..

ولكنّها اليوم كانت مُرغمة أن تكتب كلّ قصائدها حقيقية فوق صعيد الأرض التي أراد بها كبرياء إلهي حقيقي هو الآخر أن يمتحن أفئدة عباده لاسيّما خُلّصهم الخلوصين!

وكيف لا ويوم عصيب يفوح من ريحانه كلّ طيب لا يبيّن له ملمح

٦٨
ولا أثر إلّا الأرض والسماوات بأشملها!

وكيف لا وهو ما كان إلّا يوم أشعر أفق الكواكب قبل أرضينه بهالات كلّ الأضواء التي تميل بخيلاء فوق نور عليائه وروح أشيائه كما لو كان التيه هنا ورقة لا يغامر بها أحد إلّا من كان له قلب وأخفض سمعه وهو شهيد ذلك أنّ المقامرة ليس لها سجال ها هنا لأنّ كلّ الأيام استحالت حرارة فما من مغامرة تفوق المبادئ وما من مغامرة تستأهل الكفاح من أجل استيعاب كلّ الضياء، وإطلاق كلّ شعاعات الأنوار في وقت واحد في كلّ الأصقاع ؛ لأنّ الحلم فيه كان بوسعه أن يهضم حرارة كلّ الأفلاك ويستعير لون الأقداح كما لو كانت بلورات ثلج عائمة وسط مخالب ناتئة تحوم في كلّ أرجاء محيطات وبحيرات القطب والانجماد.

إنّها كانت مطيعة لخالقها لأنّها شمس تعيش في إحدى نقاط الوجود «لزمكانية» والتي يعود ملكها إلى موجدها وصانع النار فيها تلتهب كالكرة لا تهدأ ولا تنطفئ. وهو الذي كان أوحي لها بأنّ الأمر ما كان يعدوها.

ولكن عجلة الزمان لم تتوقف إلّا لأجل انصياع كلّ الذوات إلى الذات العليا، ذات الإله ، ولم تنصع ساعة الأوقات إلّا لأجل مهمّة أعظم ومشاقّ جهد أكبر وأوسع نطاقاً.

إنّ الوقت يكاد ينقضّى وتعجل عربة القضاء والقدر لتلقي بأثقالها التي اكتنزها الزمان وخبّأها عنوة في حسابات خفية لا يدركها إلّا أساطين العلم وجحاجيح الفراسة.

٦٩
تلك المسافات كان يطويها الحجّاج وكان يفترض في كلّ حاجّ يودّ العودة إلى أرضه ووطنه أن يقطعها إن كان يستلزم طريق رجوعه امتطاء ظهر تلك المسافات رويداً رويداً.

الطريق بين مكّة والمدينة. كثيرة هي الأصوات ومتعدّدة هي تعاريج الكثبان الرملية وتلولها التي تكاد تلامس حناجر المسافرين في هذه الطرق حينما تعانق ذرّاتها المتطايرة أجواف حلوقهم وتضرب في أوتارهم الصوتية وتلبسهم ثوب الحرمان من جمالية السفر وعنفوان الرحيل إلى كلّ زمان ومكان.

الناس جميعاً يرومون قطع المسافة مهما كلّف الأمر، والحاجّون الذين أنهوا حجّهم واستمعوا إلى خطبة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم كان التعب قد أرهقهم وهدّهم لبعد المسافة وثقل الأحمال والمؤنة لكن وجود الرسول إلى جانبهم كان يخفّف من عبء السفر فضلاً عن اعتقادهم المتأصّل بنبيّ الإسلام واعتناقهم المذهب عن إيمان واعتقاد لاسيّما أنّ أكثرهم كان من أهل الشام واليمن يضاف إليهم جمع عظيم أيضاً من الأنصار والمهاجرين من أهل المدينة.

لكنّهم يغذون السير دون هوادة تحدوهم طموحات كثيرة.

كيف سيعلنون عن الدين بين أهليهم وكيف سيبشرون بالنبيّ الأعظم وهم الذين رأوه فكان عليهم أن يتزوّدوا منه الكثير كي لا يعوزهم ما يشعرون بالافتقار إليه حينما يصلون إلى أسرهم وعشائرهم وقبائلهم.

٧٠
ولكن أيّ أمل يدفعهم لمواصلة الطريق بل أي آمال كانت هي التي حدت بهم إلى المجئ إلى مكّة وتعلّم مناسك الدين الجديد.

إنّهم أناس حديثو عهد بالإسلام وفيهم الكثير أيضاً ليس تديّنهم وانتماءهم إلى الإسلام من الحداثة بشئ لأنّهم اعتنقوه منذ سنوات لكن كثير منهم كان ينظر إلى هؤلاء المحدّثين بالدين نظرة حقد وحسد ربّما لأنّ الطهارة في الانتماء تنقصهم في نفس الوقت الذي كانوا يجدون مثل هذه الروح الطيبة في هؤلاء الجدد من ذوي الأنفاس الحديثة عهداً بدين التوحيد ومبدأ الإيمان والبعث والإمامة والنبوّة والعدل.

ربّما كان جملة من القدامى ينظرون إلى هؤلاء ويفكّرون في احتمالية الإفادة من كلّ هذا العدد الهائل لضمّه إلى أصواتهم في حال حدوث أي اعتراض أو اختلاف أو...

هل يمكن أن ينضمّ كلّ هذا العدد إلى ميولهم وهم يجدون الرسول على وشك أن يغادر إلى ربّه وأن لا يغادر الآن فإنّه سوف يرحل يوماً ما وهل لهم أن ينتهزوا الفرص يعني فرصة غيبته ويتنكّروا لكلّ ما دعاهم الرسول لما يحييهم فيه وبأمر من الباري جلّ وعلا؟ وهل بإمكانهم مواجهة كلّ هذا العدد الهائل والكم العظيم من الناس فيما لو هم اعتقدوا باعتقاد غير الذي يعتقدون هم به أو في حافل أنّهم انقلبوا على الرسول بعد موته ورحيله هل سيكون بوسعهم إقناع كلّ هذا العدد من الناس لكسبهم إلى جانبهم ومن ثمّ تجنيدهم لصالح مطامعهم وإركابهم مركبهم الذي يشتهون؟

وهل أنّهم يعتقدون بأنّ الرسول قد فاته أن يؤكّد لمثل هؤلاء ما

يريد

٧١
التأكيد عليه بصدد ما يتعلق بأمر الإمامة والوصاية من بعده وهم الذين يعلمون علم اليقين أنّه يقصدها ويعلمون علم اليقين أنّ معاشر القبائل ومجاميع الناس الذين قدموا من كلّ البقاع ومختلف الأصقاع والأمكنة ومن الوهاد والجبال والهضاب والتلال والصحاري هم لا يحملون الصورة الأساسية عن هذا المبنى أو هذا المعلم من معالم الدين الحقيقية أو قل لا يدركون أو فيهم من يجهل بالتمام حقيقة وصاية علي بن أبي طالب وإمامته بعد رحيل الرسول وأنّه القائم مقامه ونائبه بالحقّ في حال غيبته أو سفره وهو المؤدّي عنه في كلّ الأوقات والأزمنة وهو الكفؤ من بعده؟

ولكن أنّى لهؤلاء أن يهدأ لهم بال وهم ما زالوا يتطلّعون إلى الحكم والسلطة وها هو ملك محمّد بن عبد الله – حسبما يتصوّرون ؛ لأنّهم بعد لم يدخل الإيمان في قلوبهم مدخله الحقيقي والصحيح – وإذن لقد بلغ ما بلغ ووصل صيته وقوّته في كلّ الأرجاء وقامت له السماوات والأرضين وذاع أمره ودان له القصيّ والبعيد.

إنّهم ما فتئوا ينظرون إلى الأمر على أنه أمر تسلّطي وغلبي وإنّهم إن لم ينتهزوا الفرصة ويغتنموا الأمر فإنّ غيرهم سيسبقهم إليه ويستحوذ عليه كما أنّهم لا ينظرون إلى الأمر من الناحية الإلهية لذا فهم يفتقرون بعد إلى الإيمان الواعي أو قل الإذعان للأمر الإلهي ؛ لأنّ نفوسهم ما زالت تغالبهم وتصارعهم للحصول على الشهوات والمطامع الدنيوية، وليس فيهم من تردعه نفسه وتهديه لسواء السبيل وتطالبه بالتخلّي عن

أفكاره والانصياع لنداء الرسول الذي ما رأوه إلّا قبليّاً وأنّه يفضل علي بن أبي طالب لأنّه ابن

٧٢
عمّه وأنّه زوج البتول ابنته وأنّه المطيع له بكلّ حواسه وجوارحه.

فما زال الأمر يوحي لهم بكثير وكثير وهم ما زالوا يئنّون تحت وطأة احتمال القضية لوجوه متعدّدة ونواحي مختلفة.

وهم يعلمون أنّهم ليسوا الوحيدين الذين بإمكانهم التصيّد في المياه العكرة فهناك غيرهم كثير ممّن تلوّثهم الأحقاد الجاهلية من الموتورين والذين لم يدخل الإيمان في قلوبهم إنّما نازعتهم نفوسهم إلى حفظها والإبقاء عليها فأعلنوا إيمانهم بالسنّة والكتاب وأعلنوا عن اعتقادهم بالرسول وشرعة القهار لكنّهم في قرارة أنفسهم لم يقنعوا بكلّ ما جاء به الرسول ولم يكن بالسهل أن يتخلّوا عن أفكارهم القديمة أو طباعهم وسجاياهم وما احتكمت إليه نفوسهم من قبل وما اعتادت عليه قرائحهم من عيش وهضم للأموال وطمع وشره هو لم يزل بعد يجري في دمائهم ويتفاقم أمره في عروقهم أزيد وأكثر خاصّة كلّما فتح الله على الإسلام فتحاً فإن كان فيه مغنم قالوا ألم نكن معكم وإن كان فيه بلاء وامتحان للمسلمين قالوا ألم نحذّركم ولقد كفانا الله ما أصابكم(١).

ولكن مهلاً فالركب يتوقّف والناس في حيرة من أمرهم ترى ماذا يريد زعيم القافلة رسول الله من إيقاف الركب بكلّه؟

هل ثمّة أمر مهم يودّ إطلاعهم عليه أو أنّ قضيّة حسّاسة أو أمراً

١- قال تعالى في سورة النساء (٤): ١٤١: } الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللّهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ...{.

٧٣
طارئاً ربّما بدره فاسترعاه ممّا اضطرّه إلى استرعائهم هم الآخرون؟

ولكن الوقت في الظهيرة والحرّ في أوجّه والشمس قائمة في السماء تتوسّط كبد الأفلاك وما من معين على القيظ سوى الخالق وما من مظلّة تشمل الجمع وتستر الأعين سوى أجفان المرء وها هي تختلج وتستشعر الأمر السيئ.

كان إحساس السوء هذا لا يلازم إلّا من كان يعلم بنيّة الرسول وبحقيقة الأمر الذي لم يعد يخفى على أحد ولكن للتأكيد.

لو كان بيد البعض لما كان لهم أن يسمحوا للرسول بإيقاف هذا الحشد العظيم ؛ لأنّهم يعون أنّ الأمر عظيم وأنّ الرسول لا يقدم على مثل هذا الفعل إلّا لغاية أشرف وأعلى منزلة.. ولكن..

هل كانت الصلاة تعلن عن وقتها ولكن هم يعلمون أنّ الصلاة إن قامت سيقوم الرسول بعدها بمقالة وأخرى وأخرى وهو ما يعنيه سيلقمه قلوب الناس جميعاً وسيؤلب بذلك العالمين باعتبار أنّ بوسعه البوح بما لا يريدون بوحه أمام كلّ هذا الجمع العظيم؟

ولكن أيّ صلاة.. لقد صلّوا في مكّة

والآن الرحيل إلى المدينة وكلّ من كان معهم عليه أن يستسلم للانقياد صوب سبيله الموصل إيّاه نحو باديته وشعاب قبائله وبطاح حواضره وقراه.

ولكن الأمر أعظم..

٧٤
إنّ الرسول يتوقّف ويعلن عن حاجته لبناء منبر ويأمر بحقّ به، إنّه يوصي بصنعه وبسرعة.. تحلقة العيون إليه لا تدري ما يقول، والحناجر تتهافت بالقول، والأسماع تصيخ لتعرف إلى أيّ بشرى أم مصيبة ستستمع..

إنّ الرسول يعتلي المكان والأعين تراقب والقلوب واجفة والحرارة ترتفع في الجماجم قبل أن تلتهب الصدور من روع ما سيقول أو يحدّث:

أوقع شيء؟ أحدث شيء؟ أيريد الرسول أن يخبر عن أمر ما كان أخبر عنه في حجّة الوداع التي أعلن فيها عن قرب رحيله؟ ولهذا كانت قلوب العصابات التي تخبئ تآمرها المحموم ونياتها المأزومة مازالت تعتلج بالسوء وتختمر بصدف الرهان الذي ما عادت تفكر بغيره لأنّه ما كان بوسعها أن تستمع أو تصغي إلى لحن أي صوت عداه!

لقد تهامس الجمع ؛ إنّه يريد أن يفضحنا ويفضح الأمر الذي نخطط له، إنّه يحاول أن يجهض كلّ محاولاتنا المستقبلية للانقضاض على عرشه والاستيلاء على سلطة هذه الدولة التي استطالت إلى شيء لم يكن يتوقّع أمره أيّ امرئ ما حيي ولا حتّى أساطين السياسة والدول في المقاطعات والأصقاع المجاورة.

مرحى لمن سيكون حظّه من هذه الدولة مكانة الرسول وعرشه وسلطانه ؛ فإنّه سيأمر وينهى ويسيطر على العقول والأذهان قبل أن يضع يده على بيت مال المسلمين وأموال العباد وإقطاعيات الأراضي وأصقاع المعمورات وبساتين الأمصار ونخيل الولايات. سوف يعيّن وينصّب من يشاء وسوف يعزل من يشاء ويفصل من يشاء. سيكون الربّ ضمنياً

٧٥
والحاكم علنياً!

سوف يحصل على الأصفر والأحمر والأبيض من الذهب والفضّة والأموال. سوف يجني الغنائم ويقتطع الخراج ويستحوذ على أموال الفيء والجزية والضرائب والعمولات وأموال الأصقاع وواردات المصالح من الأمصار والإقطاعيات.

وسوف يختصّ من سيحتلّ مكان الرسول من بعده بأبناء عشيرته والأقربون من أهليه كلّ منصب وموقع مهم. سوف يوزّعهم على الولايات والأمصار والحواضر والقرى والأرياف. سوف يرسلهم بأمر سلطاني لا يختلف عن أوامر قيصر وكسرى وبالتالي سوف يصبح الملك كسروي وقيصري وينحصر الملك في أهله وعشيرته ومعارفه وأصحابه ويستبعد من يكره ويبغض وسوف يقطع الأعطيات والإقطاعيات لمن يحبّ ويهوى وسوف يحرم من يشاء منها ويقطع أرزاق من يشاء من عبيد مملكته.

إنّ الأمر أكبر ممّا يتصوّره المتآمرون والناس عموماً.

فالأمر ما زال بيد الرسول ولا يستطيع أحد أن يتحدّث بشأن من الشؤون التي تؤرّقهم ولكن بوسعهم أن يكيدوا ويتآمروا على سلطان من يخلف الرسول وبميسورهم أن يقضّوا مضاجع العالمين قبل أن يقضّ مضاجعهم أمر الرسول واستخلافه عليّاً!

إنّ الوقت يضيع وعليهم أن يتظاهروا بالحبّ والمودّة لرسول الله علّه يعطف عليهم ويولّيهم شيئاً من حطام الدنيا ولكن أنّى لهم هذا وإنّ

المرء

٧٦
على نفسه لبصيرة وهم أعلم الناس بأمر دخائلهم وما يضمرون وهم يعلمون علم اليقين أن محمّد بن عبد الله صلى الله عليه و آله و سلم رسول الله وما ينطق عن الهوى إن هو إلّا وحي يوحى ، وكم من مرة أعلن لهم عن نيّاتهم وما تضمره قلوبهم وما تحكيه جوارحهم وتنطق به افئدتهم. وإذن هو أعرف منهم بنيّاتهم وقرائحهم وما يكنون من أمر في دواخل وبواطن نفوسهم فكيف سيولّيهم ويمنحهم المناصب وهو أعلم بما في نفوسهم وكيف سيستأمنهم على أمور العباد وهو الذي لا يفرق بين أسود وأبيض ولا يفضل عربي على أعجمي؟

وإذن فهو سوف يكون حدّياً معهم إلى أبعد الحدود وسوف لا يمنحهم إلّا ما يستحقّونه من بيت المال حتّى ولو بلغ أمرهم أمر والي أو حاكم أو حتّى خليفة يستخلفه على أمر المسلمين.

إنّه سوف لا يصيبهم من الذهب والفضّة والأموال والإقطاعيات إلّا ما سيصيب أضعف خلق الله من المسلمين.

كما أنّ من سيستخلفه سوف لا يكون غير الرسول بل إنّهم أعلم الناس إنّه ما من أحد يشبه الرسول في أخلاقه وطبعه وصفاته وطبيعة تعامله وصور شمائله أكثر من علي بن أبي طالب، فهو الوصي من بعده، والخليفة الذي سيستخلفه كما استخلفه بالأمس، وأعلنها مراراً وامررها عملياً حين استخلفه على المدينة كموسى الرسول حين استخلف هارون يخلفه على قومه في غيبته ، كما أنّهم يعلمون أنّ علياً لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا هو من الذين يقدّمون ويؤخرون شؤون الدولة الإسلامية

وفق

٧٧
حسابات قهرية أو معادلات تحتمل مجريات يقع في حبائلها الإنسان الطبيعي كأن يتملّكه الحرج فيقبل بأمر عشيرته وقبيلته بتعيين فلان وفلان من الناس على فلان أمر أو منح فلان أكثر من غيره أو تقديم كذا أمر على كذا أمر خدمة لمصالح قبلية أو صراعات فردية أو مصالح شخصية أو أهداف لا تخدم إلّا أشخاصاً معيّنين أو قبائل أو أقواماً أو طوائف دون أخرى وأناس دون آخرين. وهكذا وهلمّ جرّاً!

ولكن كان الأمر يسبق الفرص الزمنية وها هو الرسول وعلي بن أبي طالب يعتلي المكان ويشاركه الوقوف أمام معاشر الأقوام وكلّ كيانات البشر التي كانت في مختلف من الطرق للعودة إلى أمصارها وشعبها ومناخ ركابها وبلدانها حتّى اجتمع العدد الأكبر مثلما كان الرسول ينتظرهم حتّى تراكمت أعدادهم وهم يتآلّفون زمراً زمراً، ويتعاقبون على الوقوف فرقاً فرقاً.

ولكن علينا أن نثير الأجواء ونترك الناس يتذمّرون من حرارة الأجواء ورمضاء التراب وحرّ المكان ووهج الشمس القاتل. فلنشغلهم عن الاستماع إلى ما سيقوله الرسول، وسيقول كلّ من لم يفهم كلام الرسول أو لم يصغ جيداً إليه أو لم يصل إليه صوت الرسول بوضوح إنّ الرسول ما قال إلّا كلاماً عادياً وأنّه أوصانا وأوصى الجمع بحسن الخلق وعدم الاقتتال ونبذ الخلافات وإنهاء كلّ الصراعات.

فلنحرّك في الناس روح التذمّر ونهيّج مشاعرهم ونلهي أسماعهم عن هذا الكلام كما كنّا نفعل أول زمان دعوته حينما كنّا نلغو في قرآنه ونرد

٧٨
السامع عن سمع كلام ربّه! ولنجعل الناس يقومون ويجلسون وينهضون ويقعدون من شدّة الحرّ وضيق المكان، ونوقع في قلوبهم ضرورة أن يتقدّم الجمع صوب الرسول وأن يتكالبوا عليه كي يصيب سمعهم أكبر قدر من وضوح كلامه ويفهمون ما يقول، وهم لا يعلمون أنّنا ما قصدنا من ذلك إلّا إشغال الجمع بالتجمهر والتحلّق حول الرسول، وما يعلمون أنّهم لو صمتوا وسكنوا كان لأفراد الجمع كلّهم أن يستمعوا بوضوح وشفافية إلى ما يحكيه محمّد بن عبد الله وينطق به ويلقيه على مسامعهم وسيغيب عن بالهم أنّ مجرد هذه الحركات والتقلّبات وتغيير المواقع هو الأساس في إفساد مخطّط محمّد بن عبد الله، وسيتمّ لنا بذلك ما نريد من كيد ضدّ علي وبني هاشم وآل الرسول من أبناء فاطمة!

ولكن إنّ الحال يتقضّى والسحاب ينحسر والناس يستمعون. فمع كلّ هذا اللغو وإثارة الفوضى التي اعتملنا فإنّ الناس بدأوا يصغون أكثر ويفهمون ما يقول ويدركون ما يعلن عنه محمّد !

لقد انجلى الأمر وانكشف الغمام أكثر من ذي قبل.

لقد زال الشك وانهدم كلّ أمل في الوصول إلى الأمل التليد واستمكان المملكة واستحواذ الأنفس على ما تشاء من أهواء مملكية وسلطانية.

ولكن مهلاً فما زال في الأمر متّسع والوقت غير بعيد. شأنه في ذلك كشأن أي أمر باستطاعة أي امرئ منهم أن يقوم به ويأتي به إن هم اتّحدوا في التخطيط له والإيمان به!

٧٩
فما زال في الوقت متسع للتخطيط لإجهاض كلّ ما يحصل الآن أو يعلنه الرسول ويخطّط له النبي، فإزاء كلّ تخطيط يجب أن يكمن تخطيط، وفي مقابل كلّ مخطّط يجب أن يكون صراع ضدّ وتصدّي معاكس كي يتمّ إحباط أفكار الرسول. وإيقاف الخطّ الذي يمكن أن ينمو في قرارة الأمر إن تمكّن علي بن أبي طالب من الوصول إلى سدّة الحكم وإن تمكّن الرسول من تنفيذ مخطّطه بالكامل وإن تمكّن بني هاشم من الوقوف إلى جنب علي بن أبي طالب فسيكون الأمر قبليّاً، وستكون ثمّة عشائرية تجرّ بنار الخلافة إلى قرصها وبالتالي ستكون ثمّة موارثة انتزاعية رغماً عن الأنوف ؛ لأنّ هناك حسناً وحسيناً، وهكذا دواليك فسيخلّفها علي لولده الحسن، وهذا الآخر سيخلفها من بعده لولده أو لأخيه الحسين أو ربّما سيتقاسمها مع أخيه الحسين بالوصاية أو بالحاكمية الزمكانية أو بأيّ وسيلة أخرى.

خلاصة الأمر إنّ القضية تحتاج إلى أكثر ممّا يتصوّره العقل. وما يزيد عن هذا الأمر علينا أن نعلم من يشاركنا مثل هذه الأفكار كي نتوقّاه ونحذر مكره، ونقعد له كلّ مقعد، وآخر كما سنقعد لعلي وبني هاشم ونحاول الإيقاع فيما بينهم أنفسهم قبل أن يوقعوا بنا ويتحدّوا ضدّنا ويؤلّبوا الناس ضدّ معسكرنا وبالتالي سنخسر أموال الغنائم والأصقاع والزكاة والخراج والخمس وغيرها.

ولكن الوقت يضايقهم فعليهم بتكثير العدد من العصابة وتأمين مواردها واستئمانهم على الأسرار وضمّ أكبر عدد من الأنصار إليهم كي

٨٠