×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة حديث الثقلين ج 4 (الاسماعيلية) / الصفحات: ٢١ - ٤٠

الاختلاف في مذهب القاضي النعمان

وقع الاختلاف في أنّ القاضي النعمان بعد أن تحوّل من المالكية إلى الإمامية ـ حسب ما ادّعاه المسبحي ـ هل صار إمامياً اثني عشرياً؟ أم أنّه صار إمامياً بمعنى أنّه شيعي إسماعيلي؟ فقد وقع الخلاف بين المحقّقين في هذه المسألة ، فذهب بعض إلى أنّه إمامي اثني عشري ، وذهب آخرون إلى أنّه شيعي إسماعيلي .

قال العلاّمة المجلسي ( ت ١١١١ هـ ) في البحار : النعمان بن محمّد ابن منصور ، قاضي مصر في أيّام الدولة الإسماعيليّة ، وكان مالكياً أوّلاً ، ثمّ اهتدى ، وصار إمامياً ، وأخبار هذا الكتاب ( دعائم الإسلام ) أكثرها موافقاً لما في كتبنا المشهورة ، لكن لم يرو عن الأئمّة بعدالصادق(عليه السلام) ; خوفاً من الخلفاء الإسماعيليّة ، وتحت ستر التقيّة أظهر الحق لمن نظر فيه متعمّقا . . . .

ثمّ ذكر كلام ابن خلّكان وكلام صاحب المعالم المتقدّم(١) .

فيرى العلاّمة المجلسي أنّ النعمان إمامي اثنا عشري ، والذي يظهر من كلامه أنّ دليله هو قول ابن خلّكان أولاً ، وثانياً كون كتابه موافقاً لما في كتبنا .

١- بحار الأنوار ١ : ٣٨ .

٢١

ولكن لم يرتض بعض المحققين هذا الرأي ، قال الأفندي ( ت حدود ١١٣٠ هـ ) في رياض العلماء : وقد اختلف في مذهبه ، فقيل : إنّه إسماعيلي ، وقيل : إنّه شيعي اثني عشري ، وقيل : إنّه مالكي . وعندي أنّه اثني عشري(١) ، تأمّل .

ولكن أوردناه في القسم الأوّل من كتابنا هذا لما ذهب إليه الأستاد الاستناد أيّده الله تعالى من كونه من أصحابنا .

ثمّ قال الأفندي : وأمّا الشيخ المعاصر(قدس سره) فقد اقتصر في أمل الآمل على إيراد كلام ابن خلّكان .

ثمّ قال : واعلم أنّ غاية ما يظهر من كلام ابن خلّكان وأضرابه أنّ هذا القاضي صار إمامياً بعد ما كان مالكياً ، ولم يعلم صيرورته اثنا عشرياً ، وهو المطلوب ، فتأمّل .

١- الظاهر يوجد سقط في عبارة : « وعندي أنّه اثني عشري » وأنّها : « وعندي أنّه ليس اثني عشري » وذلك لعدة قرائن:

القرينة الأولى : أنّ عبارة المتن لا تناسب الاستدراك الذي ذكره بعدها ، وهو قوله : « ولكن أوردناه في القسم الأول . . . » ; لأنّ القسم الأوّل من رياض العلماء هو القسم الذي ذكر فيه خاصّة أصحابنا الإماميّة الاثنى عشرية ، فلو كان رأيه أنّ القاضي النعمان اثنا عشري لما علّل ذكره هنا برأي صاحب البحار ، بل سوف يكون ذكره هنا حسب منهج هذا الكتاب ، فكأنّه يريد بكلامه دفع إشكال مقدّر ، وهو: لماذا أوردته إذن في القسم الأوّل؟ وهذا السؤال لا يصحّ إلاّ إذا كان رأي المصنّف أنّ النعمان ليس اثني عشرياً ، لذلك دفع هذا الإشكال بقوله : « ولكن أوردناه في القسم الأوّل من كتابنا هذا لما ذهب إليه الأستاد الاستناد . . . » أي : صاحب البحار .

القرينة الثانية : أنّه سوف يذكر بعد صفحة أنّ القاضي النعمان لم يثبت كونه اثني عشري ، كما سنذكره في المتن .

القرينة الثالثة : أنّ العبارة من جهة إعرابية لا تستقيم ، فإنّ الأنسب أن تكون : « وعندي أنّه اثنا عشري » لا « وعندي أنّه اثني عشري » أمّا إذا وضعنا « ليس » فتستقيم العبارة وتكون « أنّه ليس اثني عشرياً » .

٢٢

لأنّ كونه من الإمامية يشمل سائر مذاهب الشيعة وطوائفها ، بل كلّها ، فمن أين علم أنّه كان من أصحابنا ، وأنّه اتّقى الخلفاء الإسماعيليّة؟

فهل هنا إلاّ مجرد دعوى واحتمال ; إذ ما الدليل على أنّه لم يكن إسماعيلياً حقيقة من بين مذاهب الإمامية ، فتأمّل . على أنّ ابن شهر آشوب - كما عرفت - قد صرّح في معالم العلماء بأنّ هذا القاضي لم يكن إمامياً أصلا ، فتأمّل(١) .

فكلام صاحب الرياض واضح في أنّه لا يعتقد باثني عشرية القاضي النعمان .

وقال الخوانساري في روضات الجنات ـ بعد أن ذكر كلام ابن خلّكان ، والمجلسي ، والحر العاملي ـ : ولكن الظاهر عندي أنّه لم يكن من الإمامية الحقّة ، وإن كان في كتبه يظهر الميل إلى طريقة أهل البيت(عليهم السلام) ، والرواية من أحاديثهم من جهة مصلحة وقته ، والتقرّب إلى السلاطين من أولادهم ، وذلك لما حقّقناه مراراً في ذيل تراجم كثير ممّن كان يتوهّم في حقّهم هذا الأمر بمحض ما يشاهد في كلماتهم من المناقب والمثالب المتين ، يجريهم الله تعالى على ألسنتهم الناطقة لطفاً منه بالمستضعفين من البريّة ، وأنت تعلم أنّه لو كان لهذه النسبة واقعاً لذكر سلفنا الصالحون ، وقدماؤنا الحاذقون بأمثال هذه الشوؤن ، ولم يكن يخفى ذلك إلى زمان صاحب الأمل . . .

ومن جملة من نسبه إلى الإمامية ، ونسب كتاب دعائم الإسلام إليه هو سيدنا العلاّمة الطباطبائي في فوائده الرجالية ، فإنّه قال في طي ما قال :

١- رياض العلماء ٥ : ٢٧٥ .

٢٣

وكتاب الدعائم كتاب حسن ، جيّد ، يصدق ما قد قيل فيه ، إلاّ أنّه لم يرو فيه عمّن بعد الصادق(عليه السلام) من الأئمّة ; خوفاً من الخلفاء الإسماعيليّة ، حيث كان قاضياً منصوباً من قبلهم بمصر ، لكنّه قد أبدى من وراء ستر التقيّة حقيقة مذهبه بما لا يخفى على اللبيب(١) .

١- روضات الجنّات ٨ : ١٤٧ ] ٧٢٥ [ .

٢٤

نـظـرة فـاحـصـة لما استدلّ به النـوري

وقد حاول الشيخ النوري في المستدرك إثبات أنّ القاضي النعمان من الشيعة الاثني عشرية ، ودافع عن ذلك دفاعاً شديداً ، وذكر عدّة وجوه وقرائن على ذلك ، وناقش من لم يرتض هذا الأمر ، وقد تطرّق أوّلاً إلى قضيّة أنّه لم يرو عن الأئمّة بعد الإمام الصادق (عليه السلام) ، وأثبت خلافها ، ونحن سنركّز البحث مع النوري لتوسعته البحث أكثر من غيره ، ومع الرد عليه يتضح الجواب على من ذهب إلى ما ذهب إليه ،

قال في المستدرك : والأمر كما قالوا(١) ، إلاّ أنّي رأيت فيه(٢) الرواية عن أبي جعفر الثاني(عليه السلام) ، وعن الرضا(عليه السلام) ، ففي كتاب الوصايا: عن ابن أبي عمير أنّه قال : كنت جالساً على باب أبي جعفر(عليه السلام) ، إذ أقبلت امرأة فقالت : استأذن لي على أبي جعفر(عليه السلام) ، قيل لها : وما تريدين منه؟ قالت: . . .

والمراد به أبو جعفر الثاني(عليه السلام) قطعاً ; لأنّ ابن أبي عمير لم يدرك

١- أي : في أنّ النعمان لم يرو عن الأئمّة(عليهم السلام)بعد الصادق(عليه السلام) .

٢- أي : كتاب دعائم الإسلام .

٢٥

الصادق(عليه السلام) ، فضلاً عن الباقر(عليه السلام) ، بل أدرك الكاظم(عليه السلام) ، ولم يرو عنه ، وإنّما هو من أصحاب الرضا والجواد(عليهما السلام) وهو من مشاهير الرواة . . .

وفي كتاب الوقف عن أبي جعفر محمّد بن علي(عليهما السلام) أنّ بعض أصحابه كتب إليه : « أنّ فلاناً ابتاع ضيعة ، وجعل لك في الوقف الخمس » ، إلى آخر الخبر المروي في الكافي والتهذيب والفقيه ، مسنداً عن علي بن مهزيار ، قال : « كتبت إلى أبي جعفر(عليه السلام) إلى آخره ، وعلي من أصحاب الجواد والرضا(عليهما السلام) ، لم يدرك قبلهما من الأئمّة(عليهم السلام)أحداً ، فلاحظ .

وفي كتاب الميراث عن حذيفة بن منصور ، قال : مات أخ لي ، وترك ابنته ، فأمرت إسماعيل بن جابر أن يسأل أبا الحسن علياً « صلوات الله عليه » عن ذلك ، فسأله فقال : « المال كله لابنته »(١)(٢)

فأراد النوري بكلامه هذا أن يدفع الإشكال الوارد على القاضي النعمان من أنّه لم يرو عن الأئمّة بعد الإمام الصادق(عليه السلام)الذي هو قرينة على إسماعيليّته ، فأثبت صاحب المستدرك روايته عن الأئمّة بعد الإمام الصادق(عليه السلام) ، وهذا يكون قرينة على عدم إسماعيليّته ; لأنّه خلاف عقيدتهم في الأئمّة ، ولكن ناقش أكثر من واحد هذه الموارد التي ذكرها النوري :

١- خاتمة المستدرك ١ : ١٣٣ .

٢- سيأتي وجه الاستدلال بهذه الرواية عند نقاشها .

٢٦

نقاش المورد الأول :

إنّ المورد الأوّل الذي ذكره النوري غير موجود في الدعائم أصلاً ، أي : لم يروَ عن محمّد بن أبي عمير عن أبي جعفر ، بل إنّ ما موجود في الدعائم هو عن الحكم بن عيينة قال: « كنت جالساً على باب أبي جعفر(عليه السلام) إذ أقبلت امرأة . . . »(١) .

وهذا الخبر مروي أيضاً في الكافي(٢) ، والاستبصار(٣) ، والتهذيب(٤) ، والفقيه(٥) ، وغيرها .

وفي هذه المصادر : عن محمّد بن أبي عمير ، عن جميل بن دراج ، عن زكريا بن يحيى الشعيري ، عن الحكم بن عتيبة(٦) .

قال السيّد محمّد حسين الجلالي ـ مقدِّم كتاب شرح الأخبار للقاضي النعمان ـ : ليس في سند المطبوع ابن أبي عمير ، بل روي عن الحكم بن عيينة(٧) .

١- دعائم الإسلام ٢ : ٣٦٠ .

٢- الكافي ٧ : ٢٤ .

٣- الاستبصار ٤ : ١١٤ .

٤- تهذيب الأحكام ٩: ١٦٤.

٥- من لا يحضره الفقيه ٤ : ٢٢٣ .

٦- الظاهر يوجد تصحيف ، أي : تصحيف ابن عتيبة إلى ابن عيينة في دعائم الإسلام .

٧- شرح الأخبار ١ : ٣١ ، المقدّمة .

٢٧

فالمورد الأوّل غير ثابت ، وعلى فرض ثبوته ، أي : روايته عن ابن أبي عمير ، عن أبي جعفر(عليه السلام) ، فقد ناقش السيّد الخوئي في ذلك أيضاً ، قال في معجم رجال الحديث : أقول : قد تقدّم أنّ المسمّى بمحمّد بن أبي عمير رجلان : أحدهما ، وهو المعروف ، أدرك الكاظم والرضا والجواد(عليهما السلام) ، والثاني من أصحاب الصادق(عليه السلام) ، وقد مات في زمن الكاظم(عليه السلام) ، والمناقشة المزبورة مبنية على أن يكون المراد بابن أبي عمير هو الأوّل ، ولكنه لم يثبت ، بل الظاهر أنّ المراد به الثاني ; لانصراف أبي جعفر إلى الباقر(عليه السلام) ، ولا أقلّ من التردّد والاجمال(١) .

فهذا المورد غير ثابت .

١- معجم رجال الحديث ٢٠ : ١٨٤ .

٢٨

نقاش المورد الثاني :

المورد الثاني الذي ذكره النوري هو رواية القاضي النعمان عن أبي جعفر محمّد بن علي(عليهما السلام) ، واستظهر أنّ أبا جعفر هو الإمام الجواد(عليه السلام) ; وذلك لأنّه قد رويت هذه الرواية في الكافي والتهذيب والفقيه عن علي بن مهزيار ، عن أبي جعفر ، وعلي بن مهزيار من أصحاب الرضا والجواد(عليهما السلام) .

إذن قد ثبتت رواية القاضي النعمان عن الأئمّة (عليهم السلام) بعد الإمام الصادق (عليه السلام) .

وقد ناقش السيّد الخوئي في هذا الاستدلال ، قال : أقول : إنّ ما رواه المشايخ الثلاثة لا شكّ في أنّ المراد بأبي جعفر(عليه السلام) فيه هو الجواد ، إلاّ أنّه لا يكون دالاًّ على إرادة أبي جعفر(عليه السلام) من رواية دعائم الإسلام ; إذ من الممكن أن تكون القصّة متكرّرة ، فكما كتب علي بن مهزيار إلى الجواد(عليه السلام)كتب شخص آخر إلى الباقر(عليه السلام) ، ويمكن أن تكون القصّة واحدة نسبها المشايخ الثلاثة إلى الجواد(عليه السلام) ، ونسبه القاضي النعمان إلى الباقر(عليه السلام)(١) .

قال السيّد محمّد حسين الجلالي ـ مقدِّم كتاب شرح الأخبار للقاضي النعمان ـ : ليس في المطبوع عنوان كتاب الوقف ، وإنّما هو مدرج تحت عنوان كتاب العطايا ، والحديث هو برقم ١٢٩٠ ، ويبتدىء هكذا : « وعنه

١- معجم رجال الحديث ٢٠ : ١٨٥ .

٢٩

[ أبي جعفر محمّد بن علي ] أنّ بعض أصحابه كتب إليه أنّ فلاناً ابتاع ضيعة . . . » .

وما أكثر الروايات المتفقة نصّاً والمختلفة إسناداً ، فإنّ وجود تخريج للحديث في كتبنا لا يعني اتّحادهما(١) .

أقول : إنّ احتمال وحدة السند بين ما في الدعائم وكتبنا الحديثية وإن كان ممكناً إلاّ أنّ هذا بحاجة إلى قرينة واضحة تثبته ، خصوصاً فيما نحن فيه ; لأنّ القاضي النعمان لم يرو عن الأئمّة بعد الصادق(عليه السلام) في بقيّة كتبه ، فإثبات روايته عن باقي الأئمّة (عليهم السلام) بحاجة إلى دليل قوي ، ولا يكتفى بهذا الاحتمال .

١- شرح الأخبار ١ : ٣٠ ، المقدّمة .

٣٠

نقاش المورد الثالث :

المورد الثالث الذي ذكره النوري وأثبت فيه رواية القاضي النعمان عن الإمام الرضا(عليه السلام) ، وذلك من خلال استبعاد أن يروي إسماعيل بن جابر عن الإمام علي(عليه السلام) ; لأنّه من أصحاب الباقر (عليه السلام) فروايته عن أبي الحسن عليّ ، تعني روايته عن الإمام الرضا (عليه السلام) لا الإمام عليّ (عليه السلام) .

ولكن هذا المورد الذي ذكره النوري غير موجود في كتاب الدعائم أصلاً ، وهذه الرواية غير مذكورة في كتب الحديث الأخرى ، قال محقّق كتاب المستدرك : لم نعثر على هذه الرواية في النسخة المطبوعة من الدعائم ، ولم نعثر عليها في الكتب الحديثية ، ولعلّها مذكورة في نسخته(١) .

وقد ناقش السيّد الخوئي هذا المورد حتّى على فرض وجوده ، قال في المعجم : أقول : ليست في هذه الرواية قرينة على أنّ المراد بأبي الحسن هو الرضا(عليه السلام) ، ومن المحتمل أن يراد به أمير المؤمنين(عليه السلام) ، وذلك من جهة أنّ إسماعيل بن جابر من أصحاب الباقر(عليه السلام) ، وكما يبعد سؤاله أمير المؤمنين(عليه السلام) ; لتأخّر زمانه عن زمانه(عليه السلام) ، كذلك يبعد سؤال الرضا(عليه السلام) ; لتقدّم زمانه على زمانه(عليه السلام) ، فالرواية في نفسها لا تخلو عن شيء(٢).

إذن إلى الآن لم تثبت رواية القاضي النعمان عن الأئمّة(عليهم السلام)بعد الإمام الصادق(عليه السلام) .

١- خاتمة المستدرك ١ : ١٣٣ ، في الهامش رقم (٣ ) .

٢- معجم رجال الحديث ٢٠ : ١٨٦ .

٣١
موسوعة حديث الثقلين الجزء الرابع » مركز الابحاث العقائدية » (ص ٣١ - ص ٦٠)

قرائن وملاحظات على اثني عشرية القاضي النعمان :

تطرّق النوري إلى عدّة قرائن وملاحظات أثبت من خلالها أنّ القاضي النعمان من الإمامية الاثني عشرية ، وأنّه ليس إسماعيلياً ، قال في خاتمة المستدرك :

الثالث : في تصريح الجماعة بأنّه أظهر الحق تحت أستار التقيّة لمن نظر فيه متعمّقاً وهو الحق لا مرية فيه ، بل لا يحتاج إلى التعمّق في النظر(١) .

الوجه الأوّل الذي استدل به النوري :

قال : أمّا أوّلاً : فلأنّ الإسماعيليّة الخالصة ـ كما صرّح به الشيخ الجليل الحسن بن موسى النوبختي في كتاب الفرق - هم الذين أنكروا موت إسماعيل في حياة أبيه ، وقالوا : كان ذلك على جهة التلبيس من أبيه على الناس ; لأنّه خاف ، فغيّبه عنهم ، وزعموا أنّ إسماعيل لا يموت حتّى يملك الأرض ، يقوم بأمر الناس ، وأنّه هو القائم .

وأمّا الباطنيّة منهم فلهم ألقاب كثيرة ، ومقالات شنيعة ، وزعموا ـ كما في الكتاب المذكور ـ أنّ الله عزّ وجلّ بدا له في إمامة جعفر(عليه السلام) وإسماعيل ، فصيّرها في محمّد بن إسماعيل ، وزعموا أنّه حي لم يمت ، وأنّه يبعث بالرسالة وبشريعة جديدة ، ينسخ فيها شريعة محمّد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأنّه من أُولي العزم . . . ، وزعموا أنّ جميع الأشياء التي

١- خاتمة المستدرك ١ : ١٣٣.

٣٢

فرضها الله عزّ وجلّ على عباده ، وسنّها نبيّه ، وأمر بها ، لها ظاهر وباطن ، وأنّ جميع ما استعبد الله به العباد في الظاهر من الكتاب والسنة ، فأمثال مضروبة ، وتحتها معان هي بطونها ، وعليها العمل ، وفيها النجاة ، وأنّ ما ظهر منها ففي استعمالها الهلاك والشقاء ، وهي جزء من العذاب الأدنى ، عذّب الله به قوماً ; إذ لم يعرفوا الحق ، ولم يقولوا به ، إلى غير ذلك من مقالتهم الشنيعة التي نسبها إليهم في الكتاب المذكور ، وغيره في تصانيفهم في هذا الباب .

وأنت خبير بأنّه ليس في كتاب الدعائم ذكر لإسماعيل ، ولا لمحمّد أصلاً في موضع منه حتّى في مقام إثبات الإمامة ، وردّ مقالات العامّة وأئمّتهم الأربعة ، فكيف يرضى المنصف أن ينسب إليه هذا المذهب؟! ولا يذكر في كتابه اسم إمامه أو نبيّه ، مع أنّ خلفاء عصره الذين كان هو في قاعدة سلطنتهم ، ومنصوباً للقضاوة من قبلهم ، المدّعين انتهاء نسبهم إلى محمّد بن إسماعيل . . . ، كانوا في الباطن من الباطنية . . . ، ومع ذلك ليس فيه إشارة إلى هذا المذهب ، وفي مواضع لابد من الإشارة إليه لو كان ممّن يميل إليه(١) .

إنّ خلاصة ما استدلّ به النوري في كلامه هذا على عدم إسماعيلّية القاضي النعمان ، هو عدم ذكر النعمان عقيدة من عقائد الباطنية والإسماعيليّة في كتابه دعائم الإسلام ، ولا حتّى إشارة إلى مدّعيات الإسماعيليّة وآرائهم ، مع أنّه كان في دولتهم ، وهذا قرينة على عدم اعتقاده بالإسماعيليّة .

١- خاتمة المستدرك ١ : ١٣٣ ـ ١٣٥.

٣٣

الرد على الوجه الأول بأمور

الأمر الأوّل :

أنّ عدم ذكر القاضي النعمان هذه العقائد الباطنية خلاف التقية التي كان يعمل بها القاضي في الدولة الإسماعيليّة ، وهذه التقيّة ادّعاها للقاضي النعمان كل من كان يرى أنّه اثنا عشري ، فهو إمّا يعمل بالتقية فلابدّ أنْ يذكر هذه العقائد ، أو لا يعمل بها ، فلابدّ من ذكر عقيدته الاثني عشرية ، حسب زعم من يدعي له ذلك .

ولكن قد يقال : إنّ التقية لها حدود وأطر ، فإذا تحقّقت بالأقل يقتصر عليه ، فالقاضي النعمان كان يتّقي بحدود أنّه لا يظهر عقيدته الصحيحة ، ولا يتّقي في عدم إظهار عقائد القوم ويؤيّد هذا أنّ عدم ذكر عقائد الآخرين أهون بكثير من ذكر المخالف عقيدته ، بل هذا الوجه قرينة قويّة على عدم الإشكالية في هذا الأمر على ما ذكره النوري .

الأمر الثاني :

أنّ عدم ذكر القاضي النعمان عقائد الإسماعيليّة ، أو عدم إشارته إليها في كتابه « دعائم الإسلام » لا يعني أنّه يرفضها ، أو لا يقبلها ; لأنّ عدم ذكر الشيء لا يعني نفيه أو إنكاره ، بل يبقى الاحتمال قائم من أنّه قد يكون موافقاً لهذه العقائد وقد يكون مخالفاً .

الأمر الثالث :

أنّ عدم ذكر القاضي النعمان هذه العقائد في كتابه « الدعائم » لا يكفي

٣٤

لنفيها عنه ، وذلك لأنّ النعمان عنده عدّة كتب أخرى تعكس آراءه ومعتقداته ، فلابدّ من النظر فيها ، فإذا ثبت أنّه أشار إلى هذه المعتقدات في كتبه الأخرى ، فسوف ينهار جميع ما بناه النوري من الأساس ، وإذا لم يذكر هذه العقائد في جميع كتبه ، فإنّ هذا يصلح لأن يكون قرينة على عدم اعتقاده بها ، ومن ثُمّ يستظهر إسماعيليّته .

فنقول : إنّ للقاضي النعمان مؤلّفات عديدة ، استقصى منها المستشرق إيفانوف ـ وهو من المهتمّين بالتراث الإسماعيلي ـ في كتابه دليل الأدب الإسماعيلي ٤٥ كتاباً ورسالة ، وقد ذكر الكاتب الإسماعيلي بوناوالا من كتب القاضي النعمان ٦٢ كتاباً في كتابه مصادر الأدب الإسماعيلي(١) .

فمن كتبه كتاب تأويل الدعائم ، واسمه : « تربية المؤمنين بالتوقيف على حدود باطن الدين » .

وهذا الكتاب هو تأويل لما في الدعائم ، فإنّ ما في الدعائم هو ظاهر الشريعة والدين ، وفيه بيّن العبادات الظاهرية من صلاة وصوم وبقية الدعائم ، وفي هذا الكتاب يبيّن باطن هذه العبادات وحقائقها .

وله كتاب آخر اسمه ( أساس التأويل في الباطن ) .

قال الشيخ إسماعيل المجدوع في فهرسته ـ بعد أن ذكر كتب الظاهر ، ويعني بها الكتب التي اهتمّت بظاهر الدين من صوم وصلاة . . . ـ : ثمّ يتلو كتب الظاهر كتب ورسائل في علم التأويل والباطن ، الذي هو من أقسام العبادة العلمية ، كما ذكر ذلك من أقسام العبادة

١- شرح الأخبار ١ : ٤٢ ، مقدّمة السيّد الجلالي .

٣٥

العملية . . . ، ورأينا أن نبدأ أوّلاً بذكر ما وقت فيه . . . ، ثمّ نأتي بعد ذلك ممّا يليه ، فنقول : إنّ أوّلها ومقدّمها في رسم الدعوة الهادية المبتدىء في علوم الحقائق ترقّياً من الأدنى إلى الأعلى(١) .

ثمّ قال : كتاب تأويل الدعائم لسيدنا القاضي النعمان بن محمّد ( قس ) وسمّى به ; لأنّه أتى بهذا الكتاب بتأويل ما في ذلك الكتاب من ظاهر دعائم الإسلام ، صنّفه بعد كتابه الموسوم بأساس التأويل بأعلى درجة منه في وجوه التأويل ، والموجود منه تأليف النصف الأول من كتاب الدعائم ، وهو أيضاً نصفان ، كل نصف منها مجلّد برأسه ، في كل جزء ستّة أجزاء ، وكل جزء من الأجزاء يشتمل على عشرة مجالس .

ثمّ قال : وهو كتاب عظيم كما ذكره الداعي داود بن قطب ( قس ) المولى أمين بن جلال ( قس ) ، يحتاج إليه كل واحد من أبناء الدعوة الهادية من الدعاة المطلقين ، والحدود الميامين ، والمستجيبين المؤتمّين(٢) .

وقال المجدوع عن كتاب القاضي النعمان الثاني وهو « أساس التأويل في الباطن » :

كتاب أساس التأويل في الباطن ، تأويل ما في كتاب دعائم الإسلام لسيدنا النعمان ، والموجود كتاب الولاية الذي جمع فيه تأويل ما أتى من ظاهر قصص الأنبياء ، ممّن وردت أسماؤهم في كتاب الله المجيد ، إلى ذكر وصيّ نبيّنا محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وفيه من الفوائد والمعارف في أثناء كل مذكور من الأخبار ما يطول ذكره ، وسيقف عليها من وفقه الله تعالى لمطالعتها(٣) .

١- فهرست المجدوع : ١٢٠ .

٢- فهرست المجدوع : ١٣٥ .

٣- فهرست المجدوع : ١٣٤ .

٣٦

أقول : الذي يظهر من هذين الكتابين أنّ القاضي النعمان كان يعتقد بالتفريق بين الباطن والظاهر ، وأنّ لكل ظاهر باطن ، لذلك اعتنى بهذه الطريقة ، وألّف على نهجها كتباً ، والمعروف أنّ هذا المنهج وهذه الطريقة من الأمور التي اشتهرت بها الإسماعيليّة ، وصارت علماً لها حتّى سمّوا بالباطنية .

نعم ، قيل : إنّ القاضي النعمان من الباطنية الأقلّ تشدّداً في تأويل الظاهر ، والتعمّق في الباطن ، ولكن حتّى الاعتدال في طريقته التأويلية يمكن نقاشه .

وذلك من خلال أنّ القاضي النعمان يعتبر من المؤسّسين لهذه الطريقة ، بحيث اعتمد عليه كبار علماء الإسماعيليّة ، وأخذوا عن كتبه ، وتبنّوا آراءه ، ومن المعلوم أنّ هذه الطريقة كانت فتيّة ، وفي طور التأسيس ، لذلك صحّ وسمها بالاعتدال ، وذلك بالنسبة لمن جاء بعد النعمان من علماء متعمّقين في التأويل وعلم الباطن ، فسبب اعتداله هو تأسيسه لا اعتداله ، فالقضية نسبية لا أكثر .

فما ادّعاه النوري من أنّ القاضي النعمان لا يعتمد طريقة التأويل والباطن ليس في محلّه ، نعم لم يذكر هذا الأمر في كتابه الدعائم ، ولكنّه ذكره في باقي كتبه ، بل صنّف فيه كتباً .

٣٧

بـعـض عـقـائـد القاضي النعمان في بقيّة كتبه

هناك عقائد كثيرة أشار إليها القاضي النعمان في بقيّة كتبه ومؤلّفاته ، نذكر للقارىء بعضها ممّا موجود في كتبه التي وصلت إلينا ، فإنّ فيها التصوّر الكافي الذي يبيّن العقيدة التي كان عليها القاضي النعمان ، والتي تنسجم تمام الانسجام مع العقيدة الإسماعيليّة والفكر الباطني الإسماعيلي منها :

أولاً اعتقاده باستتار الإمام :

يعتقد القاضي النعمان باستتار الأئمّة في بعض الفترات تحت الظروف الصعبة التي يمرّون بها ، قال في كتاب افتتاح الدعوة : الحمد لله مؤيّد الحق ، وناصر أهله . . . ، الذي ختم بنبوّة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) نبوّة النبيّين . . . ، وتكفّل لأهله بالغلبة والتمكين والتأييد والإعزاز والتحصين ، ولم يخل الأرض من إمام فيها للأمّة ، وقائل بالحق ، وقائم بالحجّة ، وإن تغلّب فيها المتغلّبون ، واستتر للتقيّة الأئمّة المستحفظون ، وأنّ لهم بكل جزيرة من جزائر الأرض داعياً لهم ، وبكل ناحية من نواحيها دليلاً عليهم(١) .

١- افتتاح الدعوة : ١٥ .

٣٨

قال ـ بعد أن روى في شرح الأخبار عن صالح بن أبي الأسود ، قال : سمعت جعفر بن محمّد(عليه السلام) يقول : « سلوني قبل أن تفقدوني ، فإنّه لا يحدّثكم أحد بعدي مثلي حتّى يقوم صاحبكم » ـ : وكذلك استترت الأئمّة من بعد للتقيّة ، فلم يقم أحد منهم بظاهر علم ، ولا أظهره حتّى قام المهدي(١)

فهذه النصوص ، وما شاكلها تثبت عقيدة القاضي النعمان بقضيّة الاستتار ، وهي من العقائد المهمّة عند الإسماعيليّة ، والتي ذكروها كثيراً في كتبهم ، واصطلح عليها عندهم بدور الستر ، فهي قضيّة معروفة ، وواضحة ، ومن أوّليات مذهبهم .

ثانياً : اعتقاده بظهور الإمام المهدي المنتظر ووفاته :

قد أثبت القاضي النعمان أنّ الإمام المهدي المنتظر الذي أوصى به الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ووعد بظهوره ، من أنّه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً ، كما مُلئت ظلماً وجوراً ، قد ظهر ، وانتصر على أعداءه ، فقد نصره الله ، ومكّن له في الأرض .

قال القاضي النعمان في كتاب شرح الأخبار : ومن حديث قتادة يرفعه إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال : « المهدي أجلى الجبهة ، أقنى الأنف ، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً ، كما ملئت جوراً وظلماً » وكذلك كانت صفة المهدي ، أقنى وأجلى ، وهاتان الصفتان من أحسن صفات الجباه والأنوف ، وملأ عدله ما وصل إليه سلطانه من الأرض ، ويملأ باقيها من يأتي بعده(٢) .

١- شرح الأخبار ٣ : ٢٩١ .

٢- شرح الأخبار ٣ : ٣٧٩ .

٣٩

وقال أيضاً في شرح الأخبار : وكذلك استترت الأئمّة من بعد للتقيّة ، فلم يقم أحد منهم بظاهر علم ، ولا أظهره حتّى قام المهدي(١) .

وقال أيضاً في شرح الأخبار ـ بعد أن ذكر بعض من قام بالثورات ضدّ الأمويين والعباسيين ـ : فهذه أسماء الذين قاموا يدّعون الإمامة من الطالبيين إلى أن قام المهدي بالله أمير المؤمنين .

ثمّ قال : وإنّما ذكرنا هذه الجملة من أخبارهم عن تشبّههم من أفرد الله جل اسمه بالقيام بحقه ، وتقدّم الخبر أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بصفته(٢) وحاله ووقته ، وعن آبائه بذلك بالدلالة عليه ، والتحذر من ادّعى مقامه ، والتقدّم بين يديه(٣) .

ثُمّ قال عن الأئمّة : فلم يزالوا واحداً بعد واحد ، منهم مستترين ; لتغلّب أعداء الله عليهم ، حافظين لأمانة الله عندهم التي . . .(٤) من الإمامة التي أوجبها على عباد لهم ، وما استودعهم من مكنون علمه بنقله واحد إلى واحد منهم صار ذلك عنهم إليه صلوات الله عليه.

فلمّا آن وقته ، وحان حين قيامه الذي قدّره الله - عزّ وجلّ - فيه ، وحدّه له ، ودعت الدعاة إليه ، وسلّم من كان الأمر بيده إليه ما كان بيده منه (عليه السلام) ، فقام وحده وأوليائه والدعاة إليه بعيدون عنه وحيداً فريداً . . . ، ولا كان معه غير وديعة الله في يديه حجّته ، ووصيّه ، وليّ الأمر بعده ، وهو حينئذ طفل صغير . . . ، فلم يزل على ذلك ، والله يحميه ويستره ويقيه ،

١- شرح الأخبار ٣ : ٢٩١ .

٢- كذا في المطبوع .

٣- شرح الأخبار ٣ : ٣٤٩ .

٤- كذا في المطبوع.

٤٠