×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة حديث الثقلين ج 4 (الاسماعيلية) / الصفحات: ٤١ - ٦٠

ويدفع عنه حتّى أظهر منه وأعزّ نصره ، وأنجز وعده(١).

قال السيّد الجلالي - محقق كتاب شرح الأخبار - معلقاً على كلام المؤلّف : أقول : نستنتج من مفاد كلام المؤلّف أنّ من ادّعى الإمامة والمهدويّة فيما سبق الدولة الفاطمية باطلة ; لأنّها لم تدم . . . ، وأنّ المهدي الفاطمي هو الحقّ ، المهدي الموعود ; لأنّ دولته تدوم إلى الأبد ، وتشمل البلدان شرقاً وغرباً ، وتجسّد فيها كُلّ ما ذكره النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة الأطهار(عليهم السلام) من التنبّؤات والعلامات.

وبما أنّ هذه الدولة أزيلت كسابقتها ، ولم تدم بعد غزو صلاح الدين الأيّوبي على مصر ، وقتله الفاطميين ، بطلت هذه الدعوة ، وأنّ المهدي الذي ركّز المؤلّف عليه وادّعاه ، وجعله مصداقاً للأحاديث والأخبار التي يذكرها المؤلّف - فيما يأتي - وادّعى صحّتها متناً وسنداً ودلالة لم يكن هو المهدي الموعود(٢).

ثمّ ذكر القاضي النعمان وقت ظهور المهدي ، وكيفيّة ذلك ، وذكر صفاته ومعالمه والأحاديث في فضله عن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ، والأئمّة(عليهم السلام) ، وذمّ من تشبّه به ، وذكر أحاديث في فضل انتظاره ، ولزوم اتّباعه(٣) .

وكذلك عقد باباً في كتابه المناقب والمثالب حول ظهور المهدي ، وعلاماته ، وما يتعلّق بذلك ، وأنّه قد ظهر ، وأفضت الإمامة إليه ، إلى آخر كلامه(٤) .

١- شرح الأخبار ٣ : ٣٤٩ - ٣٥٤.

٢- شرح الأخبار ٣ : ٣٥٠.

٣- شرح الأخبار ٣ : ٢٥٥ ـ ٣٦٨ .

٤- المناقب والمثالب : ٣٩٢ ـ ٤٠٢ .

٤١

فالقاضي النعمان يعتقد بظهور الإمام المهدي الذي نصّ عليه الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في زمانه ، وهذه عقيدة بمفردها كفيلة بإخراج القاضي النعمان عن مذهب الإمامية ، وإدخاله في الإسماعيليّة ; لأنّها العقيدة التي استقرّ عليها الفكر الإسماعيلي .

ثالثاً : اعتقاده بالإمامة الإلهية لمن عاصره من الخلفاء الفاطميين ومن بعدهم :

قال في كتابه المجالس والمسايرات : ولقد كنت جمعت عن المهدي بالله ، والقائم بأمر الله ، والمنصور بالله صلوات الله عليهم ورحمته وبركاته ، وفيهم وفي فضائلهم من الكتب ما يطول ذكرها ، وألّفت سيرة المعز لدين الله صلوات الله عليه من الوقت الذي افضى الله عزّ وجلّ بأمر الإمامة إليه إلى اليوم ، وأنا ذائب في ذلك إلى أن ينقضي عمري - إن شاء الله تعالى - ويصلها من بعدي من عقبي وأعقابهم بتوفيق الله إيّاهم بطول بقاء وليّه ودوام عزَّه وسلطانه(١) .

وقال أيضاً : أمّا بعد ، فإنّا لمّا أثرنا ما أثرناه من الفضائل والحكمة والعلم والمعرفة عن أسلاف أئمّتنا ، بنقل من أدّى ذلك عنهم إلينا ، من صالحي إخواننا ، وأخاير أسلافنا ، وكان لهم بما يحملونه من ذلك إلينا ، فضل المبلّغ الحامل ، وثواب الصادق الناقل ، دعتنا الرغبة في ثواب ذلك إلى نقل ما سمعناه ، وتأدّى إلينا ورويناه ، وأثرنا عمّن شاهدناه وأدركناه منهم صلوات الله عليهم ، إلى غيرنا ممّن غاب عن ذلك من أهل عصرنا ; لينقلوا ذلك عنّا إلى من يأتي من بعدنا ، كما نقل إلينا ما أثرناه من أدركناه عمّن مضى من قبلنا(٢) .

١- المجالس والمسايرات : ٤٦ .

٢- المجالس والمسايرات : ٤٥ .

٤٢

وقال في كتابه اختلاف أصول المذاهب : أثبَتُ ما أعتمد في هذا الباب ، وأصلَحُ ما أحتجّ به لما قصدت إليه في هذا الكتاب ، بعد كتاب الله جلّ ذكره وسنّة رسوله ، ما عهده إليّ الإمام المعز لدين الله أمير المؤمنين ، صلّى الله عليه ، وعلى آبائه الهداة الراشدين في كتاب عهده ، كتبه لي في تأييد أمر القضاء ، رأيت إثبات نسخة منه في هذا الكتاب ; لما فيه من الحجّة لما قصدت إليه فيه ، ولكثرة فوائده ، وجزالة معانيه ، ولأنّه ممّا ولي نفسه تأليفه ، وما علمت أنّه تقدّم في عهود القضاة قبله مثله ، فرأيت مع ما فيه من الحجّة لما يدخل في هذا الكتاب إبقاء ذكره بتخليده في هذا الكتاب ، ولما في ذلك من إبقاء الذكر ، وتخليد الشرف بما ذكرني به فيه وليّ الله ، وهذه صورة ما فيه :

بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا الكتاب من عبد الله ووليّه معد أبي تميم ، الإمام المعز لدين الله ، أمير المؤمنين ، إنّ أمير المؤمنين للمحلّ الذي اصطفاه الله به من الخلافة السنيّ قدرها ، والإمامة العليّ خطرها ، وأن جعله سراجاً منيراً في أرضه ، يُهتدى به ، ويستضاء بنوره ، ونصبه علماً لخلقه ، وقائمة بحقّه ، وموطناً دائماً للإسلام .

إلى أن قال في مدح القاضي النعمان : وقد كان أمير المؤمنين الذي وقف عليه من ورعك وديانتك وأمانتك ونزاهتك وحميد طريقتك استكفاك القضاء . . . ، ثمّ رأى عندما وقف عليه من صدق موالاتك ، وتوخّيك الحق في أحكامك ، وما كشف عنك الامتحان ، ومخضك به الاختبار ، وحسنت منك فيه الآثار ، توكيد ذلك لك ، وادعامه وتسديده وتقويته والزيادة فيه بكتاب منشور .

٤٣

إلى أن قال موصياً للقاضي النعمان : مقتدياً في أحكامك وقضائك بكتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ، ولا من خلفه . . . ، وما لم تجد منه ولا في سنّة جد أمير المؤمنين محمّد رسول الله ربّ العالمين حكمه ، التمسها في مذاهب الأئمّة من ذرّيّته الطاهرين ، البررة الراشدين ، آباء مولانا أمير المؤمنين الذي استحفظهم الله أمر دينه ، وأودعهم خزائن علمه ، ومكنون وحيه ، وجعلهم هداة العباد ، وأنوار البلاد . . . ، وما التبس عليك ، فأشكل واشتبه الحكم وأعضل ، ما نهيته إلى أمير المؤمنين ; ليوقفك على وجه الحكم فيه ، فتتمثّله ، وتعمل عليه ، فإنّه بقيّة خلفاء الله تعالى المهديّين ، وسلالة الأئمّة الراشدين الطاهرين ، الذين أمر الله جلّ اسمه بسؤالهم ، والاقتباس من علمهم ، وردّ الأمر إليهم ، فقال جلّ ذكره ، وتبارك اسمه : ولو ردّوه إلى الرسول وإلى ولي الأمر منهم محمّد صلى الله عليه وعلى آله لعلمه الذين يستنبطونه منهم(١) .

وقال تعالى : ( فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)(٢) .

وقال النبي الناطق والرسول الصادق : « إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، فإنّهما لن يفترقا حتّى يردا على الحوض » فمن اهتدى بأولياء الله في أرضه فقد اهتدى ، إلى آخر كلامه(٣) .

وغيرها من النصوص العديدة التي تثبت اعتقاده باستمرار الإمامة إلى

١- من الواضح أنّه نقل مضمون الآية ، والآية هي : (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً) النساء : ٨٣ .

٢- سورة النمل : ٤٣ .

٣- اختلاف أصول المذاهب : ٤٦ .

٤٤

زمنه وبعد زمنه ، كما وقد خصّص فصولاً في كتابه « الهمّة في آداب أتباع الأئمّة » ذكر فيها آداب أتباع الأئمّة ، مع الأئمّة من كيفيّة المسايرة معهم ، والسلام عليهم ، والأكل والشرب في حضورهم ، والقيام والجلوس والتكلّم في مجالسهم ، وما شابهها ، فهذه أمور كلها تثبت اعتقاده باستمرار الإمامة إلى زمانه وما بعده ، كما هو واضح بأدنى تأمّل .

فصاحب هذه العقيدة كيف لا يكون إسماعيلياً؟ وكيف يمكن أن يتصوّر أنّه اثنا عشري؟!

رابعاً : ذكره للثورات الفاطمية وثناؤه عليها :

قال في كتاب افتتاح الدعوة : الحمد لله مؤيّد الحق ، وناصر أهله . . . ، ولم يخل الأرض من إمام فيها للأمّة ، وقائل بالحق ، وقائم بالحجّة ، وإن تغلّب فيها المتغلّبون ، واستتر للتقية الأئمّة المستحفظون ، وأنّ لهم بكل جزيرة من جزائر الأرض داعياً لهم ، وبكل ناحية من نواحيها دليلاً عليهم ، ولو ذكرنا كل إمام منهم صلوات الله عليهم ، ومن دعا إليه ، وقام بأمره ، لطال الكتاب بذكرهم ، ولكنّا آثرنا من ذلك ذكر أمر الدعوة بأرض المغرب إلى المهدي صلوات الله عليه ، وابتداؤها فيها .

إلى أن قال : ذكر ابتداء الدعوة باليمن ، والقائم بها ، والسبب الذي كان في قيامه بأسبابها ، بدأنا بذكرهذه الدعوة المباركة ; إذ كانت أصل الدعوة التي قصدنا إلى ذكرها ، وإليهما أرسل الداعي ، ومن اليمن نفذ إلى المغرب ، وعن صاحب دعوته أخذ ، وبآدابه تأدّب .

وصاحب دعوة اليمن هو أبو القاسم الحسن بن فرح بن حوشب بن زادان الكوفي ، وسمّي منصور اليمن ; بما أتيح له من النصر ، وكان إذا قيل له ذلك ، قال لهم : المنصور إمام من أئمّة آل محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) .

٤٥

ثمّ قال القاضي : والأخبار بذكر المنصور(عليه السلام) كثيرة ، روي عن جعفر ابن محمّد صلوات الله عليه أنّه قال : منّا المهدي ، ومنّا المنصور ، وفي حديث آخر : أبشروا فتوشك أيّام الجبّارين أن تنقطع ، ثمّ يأتي الجابر الذي يجبر الله به أمّة محمّد ، وهو المهدي ، ثمّ المنصور الذي ينصر الله به الدين(١) .

إلى آخر ما يذكره من أمر المنصور باليمن ، والمهدي ، ومن عاصرهم من ثوّار ، وأئمّة الفاطمية والإسماعيليّة .

وقال في شرح الأخبار : صاحب دعوة اليمن ، وهو الحسن بن فرج ابن حوشب بن دادان الكوفي ، وكان من أجلّة الدعاة وخيارهم وثقاتهم ، ومن أهل الصدق والورع والفضل والدين ، وإخلاص الولاية لأولياء الله تعالى ، وكذلك كان ، وعليه مات ، رضوان الله عليه(٢) .

وغيرها من النصوص التي تثبت تأييده للدعوات الفاطمية والإسماعيليّة ، بل واعتقاده بها .

خامساً : اصطلاحه على الدعاة بنطقاء وحدود :

قال في أساس التأويل : إنّ النطقاء يأخذون عن الحدود ، كما ذكر الله في قصّة إبراهيم ، وقوله للنجم « هذا ربي »(٣) .

ومن الواضح لمن له اطّلاع على أدبيات المذهب الإسماعيلي أنّ اصطلاح النطقاء والحدود وما شاكلها من أوّليّات المصطلحات الإسماعيليّة ، ومن الأمور المرتكزة عندهم .

١- افتتاح الدعوة ١٥ ـ ١٦ .

٢- شرح الأخبار ٣ : ٤٠٣ .

٣- أساس التأويل : ١٠٩ ، نقلاً عن فهرست المجدوع : ٢٤٦ .

٤٦

وهناك الملاحظات الكثيرة الموجودة في مجموع مؤلّفات القاضي النعمان ، والتي تثبت اعتقاده بما يعتقده الإسماعيليّة في الكثير من أساسيات الاعتقاد بالإمامة وما شاكلها .

٤٧

الامر الرابع الذي يجاب به عن الوجه الاول الذي ذكره النوري

الذي ذكره النـوري

بأن يقال : حتّى لو فرضنا أنّ القاضي النعمان لا يقبل بهذه العقائد ، وأنّ عدم ذكره لها يعني نفيه لها ، فهو لا يدلّ على أنّ القاضي النعمان من الإمامية الاثني عشرية .

النتيجة النهائية :

أنّ الأمر الأوّل الذي ذكره النوري ، واستدلّ به غير صحيح ، ولا ينفي أو يثبت شيئاً .

نعم إنّ بعض الاعتقادات التي ذكرها النوري في كلامه المتقدّم الذي نقله عن النوبختي في كتابه الفرق ، لم يرتضها القاضي النعمان ورفضها ، ولكن هذا لا يعني عدم إسماعيليّته ; لأنّ هذه العقائد موضع خلاف بينهم ، ولم يرتضها كثير من الإسماعيليّة ، فإنّ الإسماعيليّة فرق ومذاهب ، وبينهم اختلاف كثير في كثير من العقائد .

قال علي نقي منزوي في مقدّمة كتاب فهرست المجدوع : الإسماعيليّة اليوم على ثلاثة أقسام :

١ـ من يتمسّك بالظاهر من الدين ، وإن كانت كتبهم مليئة بالتأويل والباطن ، وهم المستعلية البهرة .

٤٨

٢ـ من يعمل بالظاهر تارة ويهمله تارة أخرى ، وهم النزارية الآغاخانية .

٣ـ من لا يعترف بالظاهر أبداً ، ويقولون بنسخ الشرائع كلّها ، ولا يعترفون إلاّ بالتوحيد ، ويسمّون بالموحّدين الدروز(١) .

وقد رفض كثير من الإسماعيليّة هذه الاعتقادات(٢)، ونسبوها إلى أعدائهم ، أي : أنّ أعداءهم افتروا عليهم بهذه الاعتقادات ، قال الدكتور مصطفى غالب في كتابه تاريخ الدعوة الإسماعيليّة : ولمّا شعرت الخلافة العبّاسية التي كانت تجوز مرحلة اضطراب وضعف ، ويتعاقب في خلافتها عدّة من الخلفاء الضعاف ، أقول : شعرت بخطر الحركة الإسماعيليّة الداهم ، فوكّلت رؤساء الدين ، وأصحاب المقالات الدينيّة بالطعن بمبادىء هذه الحركة ، والافتراء عليها بالأكاذيب ، ولينعتوا مذهبها ونظامها بالإباحية ، والزندقة ، والإلحاد ، والخروج عن الدين الإسلامي الحنيف ، ويطعنوا أيضاً بنسب أئمّة هذه الحركة(٣)(٤) .

وقال أيضاً : فالعقيدة الأساسية الجامعة للإسماعيليّة تترسّخ في حقائق ثابتة هي :

١ـ العبادة العملية ( أي : علم الظاهر )(٥): وهو ما يتّصل بفرائض الدين وأركانه .

١- فهرست المجدوع : ٣ ، مقدّمة المحقّق .

٢- التي ذكرها النوري فيما تقدّم .

٣- تاريخ الدعوة الإسماعيليّة : ٥ ، مقدّمة المؤلّف .

٤- نعم ، لا يمكن أن ينكر أحد أنّ بعض فرق الإسماعيليّة قد خرجوا عن الدين الإسلامي في كثير من عقائدهم كما في الدروز .

٥- واُنظر كتاب تاج العقائد لعلي بن محمّد الوليد فإنّه فصّل فيه هذه الأمور على أحسن وجه .

٤٩

٢ـ العبادة العلمية ( أي : علم الباطن ) : من تأويل ، ومُثُل عليا للتنظيمات الاجتماعية ، ومُثُل عليا للإدارة السياسية .

وكل هذه النقاط تعتبر من صميم العقائد ، تتداخل مع بعضها تداخلاً كلّياً ، وتعتمد كل واحدة على الأخرى ، فهم يقولون بالباطن والظاهر معاً ، وذهبوا إلى تكفير من اعتقد بالباطن دون الظاهر ، أو بالظاهر دون الباطن ، وفي ذلك يقول الداعي المؤيد في الدين : « من عمل بالباطن والظاهر معاً فهو منّا ، ومن عمل بأحدهما دون الآخر ، فالكلب خير منه ، وليس منّا » ومن أصول ومرتكزات العقيدة الإسماعيليّة ضرورة وجود الإمام المعصوم المنصوص عليه من نسل علي بن أبي طالب ، والنصّ على الإمام يجب أن يكون من الإمام الذي سبقه بحيث تتسلسل الإمامة في الأعقاب .

إلى أن قال : والإسماعيليّة يعتبرون من حيث الظاهر أنّ الأئمّة من البشر ، وأنّهم خلقوا من الطين ، ويتعرّضون للأمراض والآفات والموت ، مثل غيرهم من بني آدم ، ولكن في التأويلات الباطنية يسبغون عليه وجه الله ، ويد الله ، وجنب الله . . .(١) .

وأمّا عقيدتهم بالنبي والأئمّة فهي خالية عن التأليه وما شاكل ـ طبعاً عند بعضهم ـ قال علي بن محمّد بن الوليد ـ وهو من الفلاسفة والمتأوّلين المعروفين عند الإسماعيليّة ـ في رسالته « الإيضاح والتبيين في كيفية تسلسل ولادتي الجسم والدين » : وأشهد أنّ محمّداً خير شمس طلعت في سماء الدين ، وأرفع علم نصب لنجاة المهتدين ، وأشرف نبي . . . ، وأشهد أنّ علياً أشرف وصي فصّل مجمل تنزيله ، وأوضح حقائق تأويله . . . ، القائل : والله لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً ، الهالك فيه الغالي والمقصّر ،

١- تاريخ الدعوة الإسماعيليّة : ٣٩ ـ ٤٠ .

٥٠

والناجي بولائه المؤمن المستبصر . . . ، وعلى سيدة النساء وخامسة أصحاب الكساء ، درّة الفخر وممثول ليلة القدر ، التي هي خير من ألف شهر ، فاطمة الزهراء . . . ، وعلى سبطي النبوة والإمامة المتوّجين من حصانة الرسول ، وكفالة الملائكة بتاج الكرامة ، الحسن المستودع لسرّ الملكوت ، والكفيل المندوب للقيام بسكينة التابوت ، والحسين الجاري ذلك السرّ في عقبه إلى يوم الحساب . . . ، وعلى الأئمّة من ولد الحسين(١) .

وقال في كتابه تاج العقائد ـ موضّحاً للتشويش الذي حصل للكثير ـ : وأنّه لمّا طال الزمان ، وحدث في هذه الديار ما حدث من الغلاة ، وتشتّت أهلها ، درست تلك الكتب ، وفسدت خواطر أكثر الناس ، وجائت محن عدّة على أرباب هذا المذهب في عدّة أوقات ، أوقفت خواطرهم مع ما ورد من ديار الشام ، لمّا فتحت من المذاهب كالعادية والحاكمية والذهبية والدرزية والمحصبية والجليلية والنصيرية والتعلمية ، والذين يقولون بالحلول والتجسيم ، فاحتموا بهذا المذهب ستراً على ما هم عليه ، ودرسوا ما قد وجدوه من الكتب والحقائق ، واستمرّ الفساد ، فلم يبقَ من الدين إلاّ اسمه ، ولا من التوحيد إلاّ رسمه ، وزادت الغلبة منهم مع أسباب لا سبيل إلى ذكرها ، وجاء مقدمون يميلون إلى الدنيا ، فتصانعوا خوفاً على زوال الرئاسة ، فقلّ المتعلّم . . .(٢) .

وهو كلام واضح فيمن انحرف عن العقيدة الإسماعيليّة الأصليّة ، والدخلاء الذين تستّروا باسم الإسماعيليّة .

١- رسالة الإيضاح والتبين : ١٠٤ ـ ١٠٥ ، ضمن أربع رسائل إسماعيليّة ، صحّحها شتروطمان .

٢- تاج العقائد ومعدن الفوائد ١٢ ، مقدّمة المؤلّف .

٥١

وغيرها من النصوص التي تبيّن عقائد بعض الإسماعيليّة التي تغاير ما ذكره النوري ، ونحن لا نريد أن ندّعي عدم قول أحد منهم بهذه العقائد المذكورة ، ولكن نريد أن نبيّن أنّ هذه أمور خلافيّة بين أتباع الإسماعيليّة وعلمائهم - على أقلّ تقدير - ، وعدم ذكر القاضي النعمان لهذه العقائد لا يعني عدم إسماعيليّته .

بل الأمر أكثر من هذا ، فقد وقع اختلاف كبير في أصل تأسيس المذهب الإسماعيلي ، وكيفيّة نشوئه ، يقول الكاتب الإسماعيلي مصطفى غالب في كتاب تاريخ الدعوة الإسماعيليّة : ويستدلّ من المصادر التاريخية على أنّ هذه الحركة نشأت نشأتها الأولى سنة ١٢٨هـ ، في العراق وفارس ، كحركة دينية أوجدها الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) ، ولكن علماء الدعوة يذكرون بأنّ دعوتهم قديمة قدم هذا الوجود ، ولديهم ما يثبت هذا القول علمياً وعقائدياً ، وهناك قسم آخر منهم يذهب إلى القول بأنّ الدعوة الإسماعيليّة بدأت منذ عهد إسماعيل بن إبراهيم الخليل ، ويستدلّون على ذلك بنظريات فلسفية وعقائدية ، وبالرغم من أنّنا نملك أكثر من مصدر يؤيّد هذه الأقوال إلاّ أنّنا نذهب مع أكثر الباحثين والمؤرّخين فنبدأ ببحث هذه الدعوة منذ عهد الإمام إسماعيل بن جعفر الصادق(عليه السلام) ، وما بعده(١) .

قال الشهرستاني في الملل والنحل : قد ذكرنا أنّ الإسماعيليّة امتازت عن الموسوية ، وعن الاثني عشرية بإثبات الإمامة لإسماعيل بن جعفر ، وهو ابنه الأكبر ، المنصوص عليه في بدء الأمر . . . ، وقد ذكرنا اختلافاتهم في موته في حال حياة أبيه .

١- تاريخ الدعوة الإسماعيليّة : ٦ ، مقدّمة الطبعة الثانية .

٥٢

قالوا : وبعد إسماعيل محمّد بن إسماعيل السابع التام ، وإنّما تمّ دور السبعة به ، ثمّ ابتدأ منه بالأئمّة المستورين الذين كانوا يسيرون في البلاد سرّاً ، ويظهرون الدعاة جهراً .

قالوا : ولن تخلو الأرض قط من إمام حي قائم ، إمّا ظاهر مكشوف ، وإمّا باطن مستور . . . ، ثمّ بعد الأئمّة المستورين كان ظهور المهدي بالله ، والقائم بأمر الله ، وأولادهم نصّاً بعد نصّ على إمام بعد إمام(١) ، ومن مذهبهم أنّ من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية(٢) .

فالاختلاف في العقائد وارد جداً ، وعدم ذكر عقيدة خلافية لا يعني خروج من لم يذكرها عن المذهب ، وخصوصاً الاختلافات وصلت بهم إلى أصل التأسيس والتكوّن .

١- أقول : وهذا يناسب ما تقدّم نقله عن القاضي النعمان تماماً .

٢- الملل والنحل ١ : ١٩١ ـ ١٩٢ .

٥٣

الوجه الثاني الذي استدلّ به النـوري

قال في المستدرك : وأمّا ثانياً : فلأنّه صرّح في كتابه بكفر الباطنية ، وضلالتهم ، وخروجهم عن الدين ، فإنّه قال في باب ذكر منازل الأئمّة (عليهم السلام) ، وتنزيههم ممّن وضعهم بغير مواضعهم ، وتكفيرهم من ألحد فيهم ، ما لفظه : أئمّة الهدى صلوات الله عليهم ورحمته وبركاته ، خلق مكرّمون من خلق الله جلّ جلاله ، وعباد مصطفون من عباده ، افترض طاعة كل إمام منهم على أهل عصره ، وأوجب عليهم التسليم لأمره ، وجعلهم هداة خلقه إليه . . . ، ليس كما زعم الضالّون المفترون بآلهة غير مربوبين ، ولا بأنبياء مرسلين ، ولمّا كان أولياء الله الأئمّة الطاهرين . . . ، كان الشيطان أشدّ عداوة لأوليائهم ، وأهل طاعتهم . . . ، وقعد الشيطان كل امرئ منهم من حيث يجد السبيل إليه، وإلى الإجلاب بخيله ورجله عليه ، فمن كان منهم قصير العلم ، متخلّف الفهم ، ممّن تابع هواه ، استفزّه وأغواه . . . ، وسهّل عليهم العظائم في رفض فرائض الدين ، والخروج من جملة المسلمين بفاسد أقام لهم من التأويل ، ودلّهم عليه بأسوء دليل ، فصاروا إلى الشقوة والخسران ، وانسلخوا من جملة الإيمان .

ثمّ ذكر النوري ما ذكره القاضي النعمان من قصّة أبي الخطّاب ،

٥٤

وتجويزه لأتباعه فعل المحرّمات ، وترك الواجبات ، وتأويل الأحكام .

ثمّ نقل ذمّ الإمام الصادق(عليه السلام)لأبي الخطّاب أشدّ الذم ، وأنّ أبا الخطّاب ومن يعتقد بعقيدته خارجون عن الإسلام .

ثمّ ذكر قول النويختي : إنّ الإسماعيليّة هم الخطّابية أتباع أبي الخطّاب محمّد بن أبي زينب الأسدي الأجدع .

إلى أن قال النوري : ومن ذلك كلّه ظهر أنّ نسبة هذا العَلم الجليل ، صاحب هذا المؤلّف الشريف إلى هذا المذهب السخيف افتراء عظيم(١) .

١- خاتمة المستدرك ١ : ١٣٥ ـ ١٤٠ .

٥٥

الرد على الوجه الثاني بأمور

الأمر الأوّل :

أنّه تقدّم أنّ الإسماعيليّة على طوائف ، وبينهم اختلاف كثير في كثير من المسائل العقائدية ، ولم يقبل بعضهم عقائد بعض - كما تقدّم - فنفي القاضي النعمان هذه العقائد لا يخرجه عن الإسماعيليّة بصورة قاطعة .

الأمر الثاني :

أنّ القاضي النعمان لم يذمّ الباطنية وأهل التأويل بشكل مطلق، بل ذمّ من كانت تأويلاته تأويلات شيطانية مغشوشة ، بعيدة عن الصواب والحقيقة ، وهذا أمر وافقه عليه غيره من علماء الإسماعيليّة الذين لا يشكّ أحد بإسماعيليّتهم ، كما تقدّم ذلك عن الداعي المؤيّد في الدين ، والذي يدلّ على هذا المعنى أنّ القاضي النعمان يؤمن بالتأويل والباطن المعتمدين على أسس ومبادئ صحيحة من دون تدخّلات الشيطان ، لذلك فقد ألّف كتاب أساس التأويل ، وكتاب تأويل دعائم الإسلام ، وكتاب تأويل الشريعة، وكتاب تأويل القرآن ، وغيرها .

الأمر الثالث :

قد رفض الإسماعيليّة ـ وقد تكون مسألة وفاقية بينهم ـ دعوة أنّ

٥٦

مؤسّس الإسماعيليّة هو أبو الخطّاب ، بل عندهم بطلان هذه الدعوة من الواضحات .

قال مصطفى غالب في كتابه تاريخ الدعوة الإسماعيليّة ـ بعد أن ذكر كلام المستشرق برنارد لويس ، القائل بأنّ الإسماعيليّة تأسّست على يد أبي الخطّاب ، ومن ثمّ ولده ـ : ونحن إذ نستغرب أن يأتي مستشرق مشهور مثل برنارد لويس ليطلع علينا بآراء خاطئة ، تدلّ على قصر باعه في الأبحاث الإسماعيليّة ، نقول : بأنّ جميع المخطوطات التي بين أيدينا تنفي أن تكون للإسماعيلية أيّ علاقة بالخطّابية ; لأنّ جميع المصادر الإسماعيليّة ، وأغلب المصادر السنّية والشيعية تعترف بعدم وجود تلك العلاقة ، كما وأنّ الإسماعيليين أنفسهم يعدّون الفرقة الخطّابية من الفرق المارقة المغالية(١) .

فذمّ القاضي النعمان لأبي الخطّاب لا يعني أكثر من رفضه ورفض طريقته التي رفضها الكثير من الإسماعيليّة .

١- تاريخ الدعوة الإسماعيليّة : ١٢٧ .

٥٧

الوجه الثالث الذي استدلّ به النـوري

قال في المستدرك : وأمّا ثالثاً : فلأنّ لأرباب هذا المذهب ودعاته قواعد واصطلاحات ورموزاً وإشارات ، لا أثر لها في هذا الكتاب(١) ، ولا إشارة فيه إليها ، فعندهم أنّه لابدّ في كل عصر من سبعة بهم يعتدون ، وبهم يؤمنون، وبهم يهتدون ، وهم متفاوتون في الرتب ، إمام يؤدّي عن الله ، وهو غاية الأدلّة إلى دين الله ، وحجّة يؤدّي عن الإمام ، يحمل علمه ، وذومصّة يمصّ العلم من الحجّة ، أيّ يأخذه منه ، فهذه ثلاثة ، وأبواب وهم الدعاة . . .(٢) .

١- أي : دعائم الإسلام .

٢- خاتمة المستدرك ١ : ١٤٠ .

٥٨

الرد على الوجه الثالث بأمور

الأمر الأوّل :

أنّ عدم ذكر القاضي بعض العقائد الباطلة في كتابه دعائم الإسلام لا يعني عدم اعتقاده بها .

الأمر الثاني :

أنّ القاضي النعمان ذكر كثيراً من الأمور التي تتوافق مع المذهب الإسماعيلي في بقيّة كتبه ، كما تقدّم نقل ذلك ، ولا يكفي لنفي هذه الأمور عنه مجرّد عدم ذكرها في كتابه هذا ( دعائم الإسلام ) فلعلّه ليس بصدد بيان هذه الأمور ، والذي يؤيّد هذا ، ذكره لهذه العقائد في بقيّة كتبه ; لمناسبتها مواضيع تلك الكتب كما تقدّم نقل هذه الموارد في الجواب على الوجه الأوّل الذي استدلّ به .

الأمر الثالث :

أنّ القاضي النعمان قد أشار في كتابه افتتاح الدعوة بنحو مختصر إلى ما ذكره النوري من العقائد التي نسبها إلى الإسماعيليّة ، وقد تبنّاه القاضي كما هو ظاهر عبارته ، قال في افتتاح الدعوة ـ بعد الحمد والثناء ـ : ولم يخل الأرض من إمام فيها للأمّة، وقائل بالحق ، وقائم بالحجّة ، وإن تغلّب

٥٩

فيها المتغلّبون ، واستتر للتقيّة الأئمّة المستحفظون ، وأنّ لهم بكل جزيرة من جزائر الأرض داعياً لهم ، وبكل ناحية من نواحيها دليلاً عليهم(١) .

فمصطلح : قائل بالحق ، وقائم بالحجّة ، والاستتار ، والأئمّة المستحفظون ، وداعياً في جزائر الأرض ، ودليلاً عليهم ، هذه مصطلحات اختصّ بها المذهب الإسماعيلي دون غيره ، أي : اختصّ بمجموعها .

فهذا الأمر الذي استدلّ به النوري - أيضاً - لا يفي بالغرض ، ولا يثبت ما ادّعاه .

١- افتتاح الدعوة : ١٥ .

٦٠