×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

مدخل الى تاريخ التشيع في تونس / الصفحات: ٢٠١ - ٢٢٠

- المنصور : قد نقضت قولك وأكذبك الله بلسانك إذ زعمت أنّك جاهل بأهل الشرّ من أصحابك ثمّ هذا قولك في بني كملان وهم عهدتك، وعقدتك وآخر من خلص معك من أصحابك أصحاب الشيطان، ويل لك من الله.

- أبو زيد : فإنّي أتوب على يديك.

- المنصور : برئت إلى الله منك. لِمَ نقضت اعتقادَك وخالف قولُك فعلَك؟

- أبو يزيد : بماذا ؟

- المنصور : بالفرار من الزّحف، فهو من البائر عند أولياء الله وعندكم أيضاً أعداء الله، وأنت القائل : إنّ الموت عندك أشهى من الحياة، والضّامن لأصحابك أنّك لا تنهزم أبداً.

إلى أن قال له المنصور : قد أخذتك بالسيف قهراً، وصرت في يدي قسراً، أسيراً بلا عهد ولا عقد، فلأقتلنّك قتلة هي أضر عليك من كلّ قتلة.

- أبو يزيد : كيف ؟

- المنصور : بالإحسان إليك والإفضال عليك، والرّفق بك. ثمّ لا ينالك من عقوبتي شيء أكثر من سجنك في دار واسعة ورزق جار. لتعلم أنّي ولي الله وابن رسوله وأنّ الله فضّل أخلاقنا كما طهّر أعراقنا ليكون ذلك قاتلاً لك غمّاً وهمّاً، وكمداً وحسرة على ما فاتك من الفوز بطاعتنا، وعلى ما أعدّ الله لك من العذاب بمعاندتك. ومن أنت يا أيها الكلب؟ وما في قتلك

٢٠١

درك من فوت، ولا شفاء من غيظ . أخزى الله دولة لا يحييها إلّا موتك.

- أبو يزيد : جزاك الله خيراً، جزاك الله خيراً، فعلت ما يشبهك، سلام عليك(١) .

ثمّ اشتدت العلّة بأبي يزيد لما ناله من السقوط فمات سنة (٣٣٦هـ) فأمر المنصور به فسلخ جلده، وحشي بالتبن، بعد أن أخرجت أحشاؤه وملّح وعولج، حتّى ظهرت صورته كأنّها ناطقة، وجعل في صندوقين طويلين. وأمر المنصور بحمل الصندوقين، فكان إذا ورد مدينة أمر بإخراج ذلك الجلد، ويحمل على جمل ويلبس شيئا على رأسه. ورجل يمسكه من خلفه كي لا يميل، وينادي عليه، وعلى كتفه وصلبه قردان يصفعانه ويلعبان عليه(٢) .

وقال في ذلك الشاعر محمّد بن ناسك التونسي قصيدة طويلة جاء فيها:


ففاضت على غير ما ملّة وقد كثر الله أوزارها


فأركب تمثاله بازلاًيعرّ المطيّ و أكوارها

وزامل قردين فوق البعيركأسرى تفاوض أسرارها

فما يرعيان له حرمةإذا ما القرود رعت جارها

وقد علّما قبل أن يلقياهوحدا الأكف وأظفارها

فيا هامة قادر صحنهاوقد هتك الصكّ أستارها

١- المصدر السابق (ج٥/ص:٢٦٧-٢٧٣).

٢- المصدر السابق (ج٥/ص:٢٧٣-٢٧٤).

٢٠٢
ويا لحبة ذاك يلهو بها وهذا ينتف أوبارها
أتيت به خاسئا خاسراًيزور القرى لا كما زارها(١)

وبالقضاء على ثورة أبي يزيد انكسرت شوكة الخوارج في بلاد المغرب وولّى أمرهم إلى اضمحلال و أفول.

استتباب ا لأمر:

بعد الملاحم الكبيرة التي خاضها المنصور والتي كلّلت بالظّفر والنصر.استتب الأمر من جديد للفاطميين وقطع دابر أعدائهم.

ولقد تجاوز هذا النجاح « حدود الانتصارات العسكرية العادية إذ استأصل [الخليفة الفاطمي] بهذا النصر نهائياً جذور المذهب الخارجي..وفسح المجال لسكّان بلاد القبائل المستوطنين الذين تفرّغوا إلى ضمّ شتات بلاد البربر في دولة موحّدة »(٢) .

ولقد أدّى تخريب « تاهرت »، قلعة الإباضية الحصينة، على يد الفاطميين إلى إخماد جذوة الخوارج واضمحلال أنشطتهم فاضطرّوا إلى الانكماش والانكفاء و التعويض عن المواجهة بالتقيّة.

و« لئن تشتّتوا في الصحراء الجزائرية والتونسية، فإنّهم مازالوا إلى يومنا هذا موجودين بجبال نفوسة وجزيرة جربة وورقلة والمزاب »(٣) .

١- المصدر السابق (ج٥/ص:٢٧٤).

٢- « تاريخ إفريقيا الشماليّة » (ج٢/ص:٨٤-٨٥).

٣- المصدر السابق (ج٢/ص:٤٧).

٢٠٣

هذا ولقد تسابق الشعراء إلى مدح المنصور بعد الانتصارات الكبيرة التي حقّقها .

ومن بين هؤلاء، الشاعر « الفزاري »، الذي أنشد قصيدته المعروفة «بالفزارية»، والتي يمدح فيها المنصور ويعدّد ملاحمه. وجاء في مطلعها:


ولعمرك ما أوس بن سعدى بقومهولا سيّد الأوبار قيس بن عاصم


ولا كان ذو الجدّين بين كتائبلها ميم من بكر وحيّ اللّهمازم

ثمّ ذكر كبراء العرب إلى أن قال:


ولا كان قعقاع بن شور إذا اجتبىجليساً له لم يشقّ بين الأقاوم


بأمنع منّي في جوار خليفةعطوف على أهل البيوتات راحم

كريم الأيادي و المساعي نمت بهأبوّة صدق من ذؤابة هاشم

له من إمام المرسلين وصنوهعلي معال ثابتات الدعائم

معال هي الفخر الصحيح وغيرها معاني مجاز بين واه و سالم

ومن ذا يقيس الشمس في رونقإلى كوكب في غيهب الليل عاتم(١)

إشادة المنصور بكتامة وفضلهم:

كان لقبيلة كتامة دوراً حاسماً في الانتصارات التي حقّقها المنصور وآباؤه من قبله.وكان دأب الفاطميين الإشادة دوماً بفضل أنصارهم وفضائلهم ومكانتهم ودورهم . كما أنّهم رعوا حقوقهم وأناطوا لهم أهم الوظائف وأسمى المراتب وهذا أحد أسباب نجاحهم.

١- « عيون الأخبار » (ج٥/ص:٢٧٦-٢٧٧).

٢٠٤

ومن خطبة للمنصور في ذكر فضل كتامة . جاء فيها :

« يا أهل دعوتنا، يا أنصار دولتنا، يا كتامة احمدوا الله، واشكروه على ما خصّكم به من نعمته، وجسيم منّته، وفضّلكم به على كافّة الخلق في غرب وشرق بدأكم - عزّ وجلّ- بالنّعمة العظمى ثمّ شفّعكم بالمنّة الكبرى ووالى بينهما عليكم من سوابغ النعماء بما لا يحصى، بصّركم والنّاس عميان، وعلّمكم والخلق جهّال، وهداكم والعباد ضلال إلى دينه، ونصرة حقّه، وطاعة وليّه.. حتّى إذا قضى الله زلزال البلاد، واختبار العباد، جلّل الأرض الظلام، وزلزل الأقدام وعظمت الخطوب، واشتدّت الكروب، ويئست القلوب، عصمكم الله، وهدى قلوبكم، وثبّت أقدامكم، إلى أن جلّاها عنكم خاصّة وعن العباد كافّة بنا وعلى أيدينا فكانت عليكم نعمة وعلى العباد حجّة.

اللهم إنّي أصبحت راضياً عن كتامة لاعتصامهم بحبلك وصبرهم على البأساء و الضرّاء في جنبك.. اللّهمّ فارض عنهم، وضاعف حسناتهم، وامح سيئاتهم... »(١) .

بناء مدينة المنصورية :

وعلى إثر عودته إلى افريقية أمر المنصور بإنشاء مدينة بالقرب من القيروان سمّاها « المنصورية » إعلاناً لانتصاره وذلك سنة (٣٧٥ﻫ/٩٤٧م).

وتعرف المدينة أيضاً باسم « صبرة » وتقع على بعد نصف ميل من القيروان وكانت بها قصور وبناءات شامخة وأسواق. لكنّها اندرست ولم يبق منها إلّا بعض الأطلال.

١- المصدر السابق (ج٥/ص:٣٠٩-٣١٠) .

(٭) أو جوهر« الصقلّي »، وكلمة الصقلّي تحريف « للصقلبي ». وهو مولى يوناني الأصل اشتهر بالإخلاص والكفاءة العالية في خدمة الدولة الفاطمية،وبلغ أعلى المراتب.

٢٠٥

انتقال مركز الخلافة الفاطمية إلى مصر

بعد وفاة المنصور سنة (٣٤١هـ / ٩٥٣م) تولّى ابنه « المعزّ لدين الله » الخلافة .

واسمه أبو تميم معدّ. وكان أشهر الملوك الفاطميين على الإطلاق، وذلك بسبب الانجازات العظيمة التي تحقّقت على عهده .ومن أهمّها :

- استيلاؤه على « فاس » عاصمة الإمارة الإدريسية سنة (٣٤٨ هـ /٩٥٩ م)

- سيطرته على مصر سنة (٣٥٨هـ /٩٦٩م).

- ضمّه للرملة من بلاد فلسطين ثمّ لدمشق سنة (٣٥٩هـ /٩٧٠م) .

وكان لقائده الشهير جوهر الكاتب(٭) دوراً كبيراً في هذه الفتوحات. فلقد وجّهه إلى مصر لمّا بلغه من فساد أحوالها واضطراب أمورها بعد موت « كافور الإخشيدي » فافتتحها بدون مقاومة تذكر . وأسّس بها مدينة سمّاها « القاهرة المعزّية ». وأصبحت بذلك مصر جزءاً من الدولة الفاطمية.

وعلى إثر تلك الفتوحات الجليلة قرّر« المعزّ لدين الله » نقل مركز الخلافة الفاطمية وعاصمتها من المهدية إلى القاهرة التي وصلها سنة

٢٠٦

(٣٦٢ﻫ/٩٧٣م) بعدما استخلف على إفريقية والمغرب الأمير« بلكين بن زيري» الصنهاجي.

وصنهاجة هي قبيلة بربرية ذات عصبية قوية وبأس، نهضت لنصرة الفاطميين ونشر دعوتهم بالمغرب الأوسط (الجزائر) في عهد المنصور وابنه المعزّ لدين الله. وكانت الرئاسة فيها للأمير « زيري بن مناد » الذي تربطه وشائج قوية بالفاطميين، وله عندهم حظوة ومكانة خاصّة.

ورعاية لتلك العلاقة المميزة عهد المعزّ لابنه « بلكين » بإمارة إفريقية والمغرب سنة (٣٦٢هـ/٩٧٢م) .

وراعى بلكين بن زيري ولاية ما أنيط به أحسن رعاية. وأسّس خلال ولايته عدداً من المدن أهمّها: الجزائر ومليانة (بالمغرب الأوسط). كما خاض حروباً كثيرة كان له الظفر فيها.

ولما توفّي سنة (٣٧٣هـ /٩٨٤م) خلّفه ابنه المنصور، وكنيته أبو الفتح.وازدهرت البلاد في عهده.

وبعد وفاته سنة (٣٨٦هـ /٩٩٦م) خلّفه ابنه« باديس »، وكنيته « أبو مناد ».

وانقسمت الدولة في عهده، على إثر انشقاق عمّه « حمّاد » واستقلاله ببعض البلاد، إلى :

- إمارة شرقية مركزها القيروان.

- وإمارة غربية قاعدتها قلعة بني حمّاد (قرب المحمّدية أو المسيلة بالجزائر).

٢٠٧

وإثر وفاة باديس بن المنصور بويع ابنه المعزّ سنة (٤٠٦هـ /١٠١٦م) رغم حداثة سنّه، إذ إنّ عمره آنذاك لم يتجاوز ٨ أعوام.

وفي عهده وقعت اضطرابات أهلية خطيرة في القيروان، نبذ المعزّ على إثرها دعوة الفاطميين، وخلع طاعتهم، وأمر بأن يخطب بدءاً من سنة (٤٣٩ هـ /١٠٤٧م) باسم الخليفة العباسي القائم بأمر الله.

اضطرابات القيروان :

(أو وقعة الشيعة كما سمّاها بعض المؤرّخين):

في الواقع ليس هناك معلومات دقيقة وموثّقة حول هذه الوقعة وأسبابها. إلّا أنّ الظاهر من بعض المصادر، أنّ بعض وجهاء القيروان، من المالكية، قد ساءهم انحصار مذهبهم ببعض المدن، وسيطرة مذهب الشيعة (الإسماعيلية) على السواد الأعظم من البلاد (لاسيّما المدن الكبرى : كسوسة، والمهدية، وباجة، والكاف، ومعظم مدن الجنوب).

ثمّ إنّ انقسام الدولة الصنهاجية على نفسها إثر استقلال « حمّاد » جعل مركز الوالي ضعيفاً لاسيّما وأنّه بعيد عن حماته من البربر (وبالأخصّ كتامة وصنهاجة ).

وإذا علمنا بأنّ المعزّ بن باديس تربّى في حجر وزيره « أبي الحسن بن أبي الزجّال »، الذي أدّبه على مذهب مالك. واجتهد في تأليبه ضدّ الشيعة (مذهب آبائه وأجداده).

ولهذه الأسباب وجدت الطبقة السياسية المسيطرة في القيروان الفرصة

٢٠٨

سانحة لابتزاز هذا الأمير الضعيف والمذبذب فافتعلوا ما سمي « بوقعة الشيعة ».

وملخّصها:

أنّ نفراً من أهالي القيروان من المالكية قاموا بحرق ونهب بعض بيوت ومحلات الشيعة فيها. وسرعان ما تطوّرت الأمور إلى معارك دموية بين الطرفين.

استغلّ فيها المالكية نفوذهم المادي والمعنوي وقربهم من الوالي. فسيطروا على المدينة وأعملوا السيف في من خالفهم قتلاً ونهباً وتشريداً.

فقتل في ذلك اليوم ما ينيف على الثلاثة آلاف إنسان (من الشيعة) وسمّي موضع استشهادهم ببركة الدم(١) .

وقعة « الشيعة » في بعض كتب المالكية :

ورد في كتاب « الصراع المذهبي بافريقية »: « فاشتدّ ساعد المالكية... واستجمعوا قوّتهم حتّى وجدوا أنفسهم في عصر المعزّ بن باديس قوّة مكتملة العدّة وافرة العزم والحزم، فأنزلوا بالشيعة الويلات، وامتحنوهم شرّ امتحان، وفتكوا بهم في كلّ مكان وجدوا به من أرض إفريقية، وخصوصاً بالقيروان والمهدية.

وكانت مجزرة هائلة، عرفت لدى المؤرّخين باسم « محنة المشارقة » أو «وقعة الشيعة » .

١- المجذوب ( عبد العزيز): « الصراع المذهبي بإفريقية » (ص: ٨٤).

٢٠٩

وبذلك تمت السيادة لأهل افريقية،وعرفوا لأوّل مرّة طعم العزّة والسيادة في ظلّ التعاليم السنيّة المتمثّلة في مذهب مالك بن أنس.

يقول الدبّاغ: «... وبعد ذلك هجم أهل القيروان على هؤلاء الأشرار بعد ما تولّى المعزّ بن باديس، فقتلوهم عن آخرهم، وطهّر الله القيروان من رجسهم والحمد لله ربّ العالمين ».

ويرى صاحب معالم الإيمان، أنّ المعزّ قد أظهر خلاف الفاطميين، وبادئهم بالعداء، وأطلق أيدي السنّيين يفعلوا بالشيعة ما يريدون، لكن الأمر انقلب إلى فتنة كبرى وثورة أهلية واسعة هددت أمن دولته وسلامة عرشه، فأخذ الثائرين بالعنف والشدّة حتّى يقضي على الفتنة، وضغط على الفقهاء... »(١) .

ولم يكتف المالكية بذلك، بل أجبروا المعزّ بن باديس، على التبرّي من الشيعة ومذهبهم، وإصدار أمر بإجبار أهل افريقية على اعتناق المذهب المالكي(٭).

فأذعن المعزّ لذلك، مجاراة للقيروانيين، وخوفاً من انقلابهم عليه، وهو على ما هو عليه من ضعف وانكسار. فأعلن استقلاله عن الخلافة الفاطمية، واستبدله بالدعوة للعباسيين.

وكان لهذا القرار الخطير عواقبه الوخيمة ونتائجه الكارثية التي لاتزال آثارها وتداعياتها ماثلة للعيان إلى يومنا هذا.

١- المصدر السابق (ص:٢٢٢-٢٢٤).

(٭)حيث شبهه بعض الباحثين، بما فعله الأسبان مع مسلمي الأندلس..(مع فارق النحلة والمذهب طبعاً).

٢١٠

زحف بني هلال

بعد نبذه الخلافة الفاطمية ومبايعته للخليفة العباسي، أجبر المعزّ بن باديس أهل افريقية على اتباع المذهب المالكي.

وكان لتربيته (أو ثقافته) المالكية أثرها الكبير على سلوكه وعلى مواقفه المتطرّفة.

ولقد لقي أتباع المذهب الحنفي نصيبهم من الأذى أيضاً، شأنهم في ذلك شأن جميع الاتّجاهات الفكرية والدينية (غير المالكية). لكن الشيعة نصيبهم كان الأوفر ومصيبتهم الأعظم. إذ إن حملة المعزّ استهدفتهم بشكل خاص ومباشر،ممّا أدّى إلى تتبّعهم وتقتيلهم.

وإنّ « موجة الاضطهاد والقتل التي تعرّض لها أهل الشيعة في القيروان وفي المدن الأخرى، وضعت حدّاً للحرية الفكرية التي عرفتها القيروان، وبقيت تلك الموجة محل طعن وإدانة لحكم المعزّ بن باديس في افريقية »(١) .

لقد كانت هذه الجريمة وصمة عار في تاريخ إفريقية(٭٭)، وصفحة سوداء تضاف إلى تاريخ المسلمين والإنسانية.

هذا ولقد أدّى قرار المعزّ بقطع العلاقات مع الفاطميين إلى ردّ فعل

١- « القيروان » (ص:١٠٢).

(٭٭) بل وفي سجّل كلّ مذهب أو اتّجاه تمّت الجريمة باسمه ومباركته وتحت غطائه.

٢١١
مدخل الى تاريخ التشيع في تونس » عبدالحفيط البناني » (ص ٢١١ - ص ٢٤٠)

عنيف من قبلهم كانت له نتائج سياسية واقتصادية وديمغرافية خطيرة.

وتروي كتب التاريخ أنّه « لمّا مات وزير المستنصر بالله الفاطمي أبو القاسم أحمد بن علي الجرجرائي، تولّى الوزارة مكانه أبو محمّد الحسن بن علي اليازوري، وكان من أسرة لم يكن لها تاريخ تولّي مناصب الدولة العليا، حيث كان أبوه فلّاحاً بفلسطين، فأدّى ذلك إلى الاستهانة به من قبل بعض ولاة الفاطميين، وعدم تقديرهم له... فاستهان المعزّ بالوزير الجديد، وأدّى ذلك إلى غضبه فبعث يهدّد المعزّ، ولكن المعزّ زاد في سخطه على الفاطميين ومعارضته لحكمهم، فأعلن قطع العلاقات معهم، فاستغلّ اليازوري موقف المعزّ هذا من الدعوة الفاطمية، وألّب عليه الخليفة الفاطمي الذي وافق وزيره على تنفيذ خطّته الهادفة إلى القضاء على حكم ملوك صنهاجة في إفريقية، فاتّصل اليازوري بزعماء قبائل « رياح وزغبة »، وجماعة من بني عامر التي كانت مقيمة في الصعيد المصري، وأذن لهم بمغادرة مصر والاتّجاه نحو إفريقية،

(وكان ذلك ممنوعاً عليهم، حسبما أخبرنا به أحمد بن أبي الضياف) (١)، وأعطاهم أموالاً، ووعدهم بالمساعدة لو تغلبت عليهم جيوش المعزّ، وقال لهم جملته المشهورة: « سرحتكم لجواز النيل وأعطيتكم ما يملكه ابن باديس العبد الآبق ».

ولمّا اتجهت القبائل نحو المغرب كتب اليازوري للمعزّ رسالة يقول فيها : « أمّا بعد فقد أرسلنا إليكم خيولاً فحولاً، وحملنا عليها رجالاً

١- ابن أبي الضياف : « إتحاف أهل الزمان.. » (ج١/ص:١٣٠).

٢١٢

كهولاً، ليقضي الله أمرا كان مفعولاً »(١) .

وزحف « بنو هلال، وبنو سليم نحو طرابلس والجنوب التونسي في عدد كبير(٢)، وكانوا يحطّمون ويحرّقون كلّ ما يعترضهم في طريقهم »(٣) .

وحاول المعزّ الوقوف في وجوههم، لكن دون جدوى.

وكان للوضع السياسي الذي عليه الأسرة الصنهاجية الحاكمة آنذاك، والانقسامات التي كانت تعاني منها، وكذلك الأخطاء التي ارتكبها المعزّ ابن باديس ومنها سماحه بموجة الاضطهاد والتقتيل ضد الشيعة مما تسبب في نقمة البربر عليه (لاسيمّا قبيلتي كتامة وصنهاجة)، دوره الكبير والحاسم في خذلانه وهزيمته أمام الأعراب الذين أطلقوا عنانهم في أرجاء إفريقية، فاستولوا على أغلب مدنها وعاثوا فيها « فساداً وتخريباً ونهباً. واستباحوا القيروان حتّى أصبحت أثراً بعد عين »(٤) , وفقدت ما تبقى لها من قيمة سياسية واقتصادية وأفل نجمها ولفّها طي النسيان واستحالت «إلى مدينة صغيرة بعد أن كانت عاصمة طيلة قرون »(٥) .

وهكذا عمّت الفوضى إفريقية وما حولها. وكان لزحفة الأعراب من الآثار والنتائج، ما طبع بلاد المغرب بطابع لم تمحه القرون:

١- المصدر السابق (ص:١٠٣-١٠٦).

٢- زهاء الأربعمائة ألف (انظر« خلاصة تاريخ تونس » (ص:٨٢).

٣- «القيروان »(ص:١٠٦).

٤- « خلاصة تاريخ تونس »(ص:٨٢).

٥- « تاريخ إفريقيا الشمالية » (ج٢/ص:٩٨) .

٢١٣

فمن جهة نجد أنّهم أحدثوا ما يشبه التوازن بين الأجناس،بعد أن كانت كفّة البربر راجحة.

كما أنّهم نشروا اللغة العربية لكن بلهجات بدوية. فلقد « أتى البدو بلغتهم التي يمكن بسهولة تمييزها عن لهجات أهل المدينة الموروثة عن الفاتحين الأولين. ومن لغة البدو تفرّعت أغلب اللهجات العربية الريفية المستعملة في إفريقيا الشمالية»(١) .

ومن جهة أخرى نجدهم فرضوا نمط حياتهم وعاداتهم الرّعوية، فعمّت البداوة و« تحوّلت الأراضي المعدّة لزراعة الحبوب والخضر والأشجار المثمرة إلى غير ما جعلت له . واختنقت قرى ومدن صغيرة وخربت، ولم تسلم إلّا الأراضي الفلّاحية الكائنة على طول السواحل حول المدن الباقية أو داخل الجبال... »(٢) .

ثم تتابعت على إفريقية الدول :

- بدءاً من الدولة الموحّديّة التي ظهرت بالمغرب الأقصى، ثمّ سيطرت على المغرب الأوسط وإفريقية من سنة (٥٥٤هـ / ١١٥٩م) إلى سنة (٦٢٦هـ / ١٢٢٨م). وفي عهدها تمّ نقل عاصمة ولاية إفريقية إلى مدينة تونس، وهي لاتزال عاصمة البلاد إلى يومنا هذا.

ثمّ مروراً بالدولة الحفصيّة بين سنة (٦٢٦هـ /١٢٢٨م) وسنة

١- المصدر السابق .

٢- المصدر السابق .

(٭) مع بقاء الحكم شكلياً أو اسميّاً بيد البايات الحسينيون.

٢١٤

(٩٣٢هـ /١٥٢٥م) والتي يعود نسب اُمرائها إلى أحد مؤسّسي الدولة الموحّدية ودعاتها، وهو الشيخ « أبي حفص يحيى بن عمر الهنتاتي » .

وكانت « ولاية إفريقية » بأيدي الأُمراء من بني حفص، إلى أن أعلنوا استقلالهم عن الدولة الموحّدية بالمغرب.

- ثمّ أصبحت إفريقية (أو الأيالة التونسية) تحت الحكم العثماني من سنة (٩٨١هـ /١٥٧٤م) إلى سنة (١٠٤١هـ /١٦٣٠م)، إلى أن استقلّ بحكمها المراديوّن (نسبة إلى مراد باي مؤسّس الدولة المرادية بتونس) من سنة (١٠٤١هـ /١٦٣١م) إلى سنة (١١١٤ هـ/١٧٠٢م)، ثمّ الحسينيون (نسبة إلى الأمير حسين باي الأكبر) الذين حكموا البلاد من سنة (١١١٧هـ /١٧٠٥م) إلى سنة (١٢٩٨ هـ /١٨٨١م) .

ثمّ دخلت البلاد إثر ذلك تحت الحماية الفرنسية(٭) , إلى أن استقلّت في ٢٠ مارس ١٩٥٦م.

٢١٥

خلاصة (القسم الثاني)

بعد هذا العرض السريع لبعض المحطّات أو الصفحات من تاريخ التشيّع بإفريقية، يمكن أن تستخلص النتائج التالية :

١- بدأ انتشار التشيّع في إفريقية وبلاد المغرب مع بداية الفتح الإسلامي. بعد وصول فضائل أهل البيت عليهم السلام وفضلهم، بل ومظلوميّتهم، مع بعض الفاتحين الأوائل.

٢ - يعود اهتمام مدرسة الإمام الصادق عليه السلام بإفريقية وبلاد المغرب عموماً إلى القرن الثاني الهجري على الأقل. وذلك عبر إرسال الدعاة لنشر الدين الإسلامي وللتعريف بمدرسة أهل البيت عليهم السلام .

٣ - إنّ الدعوة إلى أهل البيت عليهم السلام والتعريف بفضلهم وفضائلهم قد سبق الدعوة الفاطمية (الإسماعيلية) بحوالي قرن ونصف.

٤ - إنّ ما قام به (أبو عبد الله) الشيعي الذي يعود له الفضل في نشر الدعوة الفاطمية وتأسيس دولتها في بلاد المغرب، لا يخرج عمّا يلي :

أ - الاستفادة من ولاء وتعاطف وتعلّق عموم البربر بأهل البيت عليهم السلام .

ب - توجيه هذا الولاء بما يخدم مصلحة الدعوة الجديدة .

ج - توظيفه سياسيّاً.

د - تحويله إلى تيّار ثوري منظّم.

٢١٦

٥ - إنّ جهود أبي عبد الله في الدعوة والتوطئة للفاطميين، ما كانت لتثمر لولا التعاطف الجارف مع أهل البيت عليهم السلام ، والذي كان، وما زال، السمة البارزة لأهل إفريقية وبلاد المغرب عموماً.

ويحدثنا « أحمد بن أبي الضياف » عن حبّ أهل إفريقية لآل البيت عليهم السلام فيقول:

« وأهل افريقية يدينون بحبّ علي وآله يستوي في ذلك عالمهم وجاهلهم جبلّة في طباعهم حتّى أنّ نسوانهم عند طلق الولادة ينادون : يا محمّد يا علي »(١) .

٦ - إنّ مسألة الدفاع عن الفاطميين وعمّا قيل عن اعتدالهم أو تطرّفهم، عن تسامحهم أو تعصّبهم، هي خارجة عن موضوع هذا البحث (تخصّصاً وتخصيصاً). لكن هناك كلمة (حقّ) لابدّ منها :

وهو أنّي وبعد الاطلاع على معظم المصادر الفاطمية، التي أمكنني الوصول إليها، لم أجد في أي منها ما يدلّ على:

- تعصّب القوم لمذهبهم.

- أو استخفافهم بغيرهم.

- أو نيلهم ممن خالفهم بالقول أو الفعل.

كما أنّ جلّ ما رماهم به أعدائهم لا أساس له من الصحّة. وإنّ من حكم بتكفيرهم من الفقهاء(المالكيين بالخصوص)، لم يقدّم أي دليل على

١- « إتحاف أهل الزمان.. » (ج١/ص:١٢١).

٢١٧

دعواه سوى بعض الأقاويل والظنون والأوهام والتخرصات، التي هي أقرب إلى أحاديث العامّة وأراجيفهم منها إلى فتاوى العلماء وكلماتهم.

وعلى كلّ فإنّ المذهب الإسماعيلي، وإن كان لا يمثّل الشيعة ولا التشيّع، لكنه لايجوز بأيّ حال من الأحوال أن يواجه أو يحاكم بالطريقة التي واجهه بها أعداؤه لعدّة أسباب، منها :

١- أنّ ذلك أبعد عن روح الدين الحنيف الذي علّمنا كيف نتحاور حتّى مع أعدائنا من المشركين(١) .

٢- أنّه يؤسّس إلى طريقة ظالمة في الحكم والتعاطي مع الغير، مبنية على التعصب و الحقد والكراهية.

٣- أنّ من أنكر على خصمه أمراً غير شرعي، وفق نظره واجتهاده، ربّما بدر منه ما هو أعظم وأدهى، لاسيّما وأنّ الجميع يدعي أنّه على الحقّ والصراط السوي، والمسألة في النهاية نسبيّة .

٤- أنّ فتاوى التكفير التي صدرت بحق الإسماعيلية وغيرهم، تلوح منها رائحة السياسة التي أفسدت على بعض الفقهاء دينهم وإن كانت قد أصلحت لهم دنياهم ( لكن إلى حين...).

٧ - كان انعكاس ما يسمّى بمدرسة الخلفاء، (أو المدرسة الرسمية)، واضحاً على الحياة العلمية والثقافية بل والدينية بإفريقية، (لاسيّما في عاصمتها القيروان)، مما أكسبها طابعاً خاصاً، جعلها أكثر ميلاً لكلّ ما هو

١- قال تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ﴾ آل عمران (٣): ٦٤.

٢١٨

رسمي يحمل ختم الخلافة و توقيعها.

وكان هذا السبب كافياً لانتشار المذاهب التي تحظى بموافقة هذه المدرسة و مباركتها. وبمرور الزمن ترسّخ هذا المبدأ وتعمّق، حتّى أصبح عبارة عن قانون (غير مكتوب). وكلّ من خالفه يعدّ خارجاً عن الدين والملّة، بل ربّما يحكم بتكفيره، كما وقع للفاطميين.

ثمّ إنّ لطبيعة البربر عموماً و مزاجهم الخاص، في عدم ميلهم للعقلانيات أو العلوم العقلية واهتمامهم بالمقابل بالنقليات أو العلوم النقلية (ومنها الفقه والحديث)، دوره في ترسيخ هذه الحالة غير الصحيّة التي أسهمت في تشكيل الذهنيّة المغربيّة لعدّة قرون.

ولا تزال، وللأسف، آثارها تتفاعل إلى يومنا هذا. حتّى إنّه يمكن القول بأنّ ما تعاني منه بلاد المغرب حالياً ممّا سمّي بظاهرة « التكفير » أو«السلفيّة»، إنّما هي إحدى إفرازات تلك الحالة وآثارها.

٨- لقد كان للسياسة كلمتها الأولى والأخيرة في كافّة الصراعات والفتن المذهبية التي عاشتها إفريقية بل الساحة المغاربية عموماً .

إذ إنّ الميول والأهواء السياسية عبثت بكلّ شيء حتّى بأقدس المقدّسات. فقد تمّ تسخير الشرع والدين والفقهاء في خدمة السياسة وأغراضها ممّا أدّى إلى فتن وكوارث بل جرائم في حقّ الدين والإنسانية. وإنّ المحنة التي مرّ بها شيعة إفريقية على عهد المعزّ بن باديس وبعده لا تخرج عن هذا الإطار.

فلقد كانت جريمة إبادة جماعية بكلّ المقاييس والمعايير. أزهقت فيها آلاف

٢١٩

الأرواح البريئة من أيّ ذنب سوى أنّها دانت بعقيدة مخالفة للسلطان ولعلماء السوء(١).

٩ - إنّ ثورة الخارجي (أبا يزيد صاحب الحمار)، وإن استطاعت أن تهدّد عرش الفاطميين لفترة من الزمن قبل أن يقوموا بالقضاء عليها . فإنّها أدّت كذلك إلى نتائج كارثية لاتزال ارتداداتها وانعكاساتها تتفاعل إلى يومنا هذا. ومن هذه النتائج :

أ- أنّها كشفت عن أمور منها :

- التناقضات الكبيرة والخلل العميق في بنية و تركيبة وعقلية الإنسان المغاربي.

- أن السلّم الاجتماعي المغاربي هش إلى درجة كبيرة حتّى أنّ أيّ صاحب دعوة مغرضة يمكن أن يزعزع هذا السلم أو يعرّضه للخطر.

- أنّ تدين الإنسان المغاربي قام منذ بدايته على أسس غير سليمة غيّبت العقل (أو المنطق) واستبدلته بالنقل المبني على قياسات ومعايير واهية لا يحترمها العقل ولا يؤيدّها الدين.

ب- أنّها برهنت على مدى الحاجة إلى ثورة ثقافية تعيد بناء وتشكيل الإنسان المغاربي، فكرياً وأخلاقياً وروحياً، على أسس سليمة ومتينة تعيد

١- وإنّ الإسلام بل كلّ الديانات لتتبرّى ممن ارتكب هذه الجريمة بالمباشرة أو المشاركة أو التدخّل سواء كان ذلك بالقول أو الفعل أو حتّى بالسكوت الكاشف عن الرضا.

وإنّها ستبقى لعنة على جميع من شارك فيها أو سمع بذلك فرضي به إلى يوم القيامة. وستظل وصمة عار في جبين الأُمّة بل والإنسانية جمعاء إلى يوم يبعثون.

٢٢٠