×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

مدخل الى تاريخ التشيع في تونس / الصفحات: ٢٢١ - ٢٤٠

الاعتبار للعقل والدين معاً.

١٠ - ينظر البعض إلى الزحف الهلالي على أنّه، وإن كان، شرّاً في ظاهره، إلّا أنّه خير و نعمة في باطنه وجوهره . وذلك بالنظر لما أدىّ إليه من تعريب وترسيخ للغة القرآن.

لكن الحقيقة غير ذلك فهو نقمة وكارثة وبلاء بجميع المقاييس . إذ أنّه أدّى إلى انتكاسة حضارية وثقافية واقتصادية لاتزال إفريقية وبلاد المغرب عموماً تعاني من تبعاتها وآثارها إلى يومنا هذا وعلى أكثر من صعيد .

١١ - إنّ تجربة الفاطميين مع قبائل البربر لاسيما « كتامة » أثبتت مدى إخلاصهم ووفائهم وتفانيهم في خدمة الدعوة التي آمنوا بها واتّبعوها، بصرف النظر عن صحّة هذه العقيدة أو عدمه، فإنّ الأمر بحدّ ذاته جدير بالتنويه والإعجاب والثناء(١) .

بعض الملاحظات حول الخلافة الفاطمية:

١- بالنسبة لنظام الحكم : كان الحكم في ظلّ الخلافة الفاطمية مطلقاً، يستأثر الخليفة فيه بجميع السلطات الروحية والزمنية،شأنه في ذلك شأن سائر الدول الإسلامية في العصور الوسطى.

-٢رغم أنّ الدولة الفاطمية كانت تتميّز بصبغتها المذهبيّة العميقة، فإنّها اتّسمت على الصعيد الديني، بسياسة ثابتة، وهي سياسة المرونة مع

١- وأين منه تخاذل أهل المشرق (لاسيّما العراق) مع أئمّتهم (من المعصومين حقيقة لا ادّعاء)؟ فليت أهل المغرب كانوا هم أهل المشرق و لو لحين؟

٢٢١

الأديان والمذاهب الأخرى.وذلك لاستمالتهم وكسب ودّهم ودعمهم وتأييدهم.حتّى عدّ العصر الفاطمي عصر الحرّيات الدينية بامتياز.

٣- امتازت الدولة الفاطمية بنظمها السياسية والإدارية المبتكرة .حيث عمدت إلى الابتكار في تنظيم الأصول والخطط الدستورية، وفقاً لحاجاتها وغاياتها السياسية والمذهبية. وكانت مراسمها وسائر مظاهرها ذات طابع باذخ ومترف.

٤- و من ميزات هذه الدولة أيضاً كثرة الأعياد والمناسبات الدينيّة، والمظاهر المرافقة لها.

فلقد تميّز العصر الفاطمي بالاهتمام بالأعياد والاحتفالات العامّة والخاصّة التي شرعت لغايات دينية وسياسية.

ومن الأعياد العامّة: رأس السنة الهجرية، وليلة المولد النبوي الشريف، وعيد الفطر، وعيد الأضحى.

ومن الأعياد الخاصّة:مولد أمير المؤمنين عليه السلام، والزهراءI، والحسن والحسين عليهما السلام . ويوم عاشوراء (أو العاشر من محرم).

٤- كما أنشئت في ظلّ هذه الخلافة، ولأوّل مرّة، هيئة رسمية خاصّة للنظر في شؤون العلوية والمنتسبين لآل البيت عليهم السلام ، وعرفت هذه الهيئة يومئذ بنقابة الطالبيين، وكان يتولى النظر عليها واحد من أكبر شيوخهم وأجلّهم قدراً، يسهر على صحّة الأنساب وإثباتها،ورعاية شؤونهم ومصالحهم،وفيما بعد عرفت هذه الهيئة باسم « نقابة الأشراف »(١).

١- للمزيد يمكن الرجوع إلى المصادر التالية:

١- حسن الأمين : « موسوعة دائرة المعارف الشيعية ».

٢- عارف تامر : « الموسوعة التاريخية الفاطمية ».

٣- محمّد عبد الله عنان : « تاريخ الخلفاء الفاطميين في المغرب ».

(٭) كيف لا و آياته تتلى في كلّ آن وحين وفيها ذكر أهل البيت عليهم السلام الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً. وجعلهم عدل الكتاب وجعل مودّتهم أجراً للرسالة، وقرن ولايتهم بولايته عزّ وجلّ وولاية نبيه صلى الله عليه و آله وسلم، وجعل طاعتهم من طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه و آله وسلم، وبولايتهم كمل الدين وتمّت النعمة ورضي الرب سبحانه وتعالى.

٢٢٢

٦- وعموماً كان للفاطميين أثر كبير في التاريخ الإسلامي بشكل عامّ والتونسي بشكل خاصّ، حيث تقدمت العلوم والمعارف، وانتشرت الكتب. وكانت المساجد مراكز ثقافية.

وارتبطت الكثير من العادات والتقاليد والطقوس بالدولة الفاطمية، حيث مازال التأثير الفاطمي يظهر في تونس أثناء شهر رمضان المبارك والأعياد.

كما ارتبط العصر الفاطمي بالكثير من الحكايات الشعبية، التي تفتقر للسند التاريخي، (كقصّة الإمام علي مع رأس الغول وغيرها).

٢٢٣

التشيّع الحديث

ويمكن تقسيمه إلى مرحلتين :

الأولى : قبل انتصار الثورة الإسلامية في إيران.

الثانية : بعده.

ملاحظة :

إنّ التأريخ للتشيّع الحديث بتونس بما قبل انتصار الثورة الإسلامية في إيران وما بعده لايعني بأنّ هذه الثورة المباركة هي العلّة في ظهوره.

وإنّما لكون التشيّع الحديث هو أحد ثمار الصحوة الإسلامية الحديثة ولكون هذه الصحوة مرتبطة بهذه الثورة المباركة ارتباطاً كبيراً. وبما أنّه يصعب تحديد بدايات هذه الصحوة بدقّة. فلذلك، آثرت التأريخ للتشيّع بانتصار الثورة.

التشيّع قبل انتصار الثورة الإسلامية:

يمكن أن نحدّد أهم ملامح التشيّع في إفريقية، خلال هذه المرحلة، ضمن النقاط التالية:

١- رغم الظروف التاريخية القاسية والفصول العصيبة بل والمأساويّة التي مرّ بها التشيّع في هذه البلاد، فإنّه لم يختف (تماماً) ولم يمح من الوجود (كلياً) كما ادّعى بعض المتعصّبين.

لان وجوده ليس سطحياً ولا عرضياً وإنّما هو ذو جذور قوية وعميقة،

٢٢٤

وهو موجود وباق ما بقي الإسلام والقرآن(٭) .

ويمكن القول بأنّ التشيّع، وإن لم يستطع العيش بسلام وحرية في بيئة متعصّبة ومعادية، فإنّه نجح في البقاء والاستمرار متأقلما مع الظروف العسيرة التي مرّت عليه، وذلك عبر أشكال ومظاهر مختلفة، منها : بعض طرق الصوفية، ومزارات الأولياء و الصالحين، لاسيّما ذوي الأصول الشريفية (أو الأشراف)، وكذلك بعض الزوايا الدينية التي كانت بمثابة مدارس قرآنية وفقهية.

وكان لحركة التصوّف دورها الهام في استمرار التشيّع. فلقد اندمجت فيها قطاعات كبيرة من الشيعة.

ونظراً للعلاقة الوثيقة بين الاثنين، فإنّ بعض الباحثين ذهب إلى استنتاج، ربّما يكون مبالغاً فيه، مفاده أنّ حركة التصوف في تونس هي وليدة التشيّع،أو هي الوجه الآخر للتشيّع. وهذا أحد أسباب قوّتها وشعبيّتها. إذ استطاعت هذه الحركة أن تلعب دوراً وطنيّاً بارزاً وأن تحول دون اختراق الدعوات الهدّامة، (ومنها الدعوة الوهابية)، للشارع التونسي.

ومهما يكن من أمر،فإنّ طائفة كبيرة من الشيعة آثرت التظاهر بالتسنّن تقيّة.وبمرور الزمن تحوّل هذا التظاهر من ادّعاء إلى حقيقة على يد الأبناء

٢٢٥

والأحفاد،الذين عاشوا في ظلّ ظروف مختلفة افتقدوا فيها إلى أيّ وسيلة أو أداة تقودهم أو ترشدهم إلى معتقد الآباء.

وفي حين فضل الكثير من الشيعة الاندماج فإنّ البقية آثروا الاعتزال والانطواء على النفس في أقاصي الجنوب حيث الصحراء القاحلة،أو في شعب الجبال،حيث يصعب الوصول إليهم.

٢- إنّ بعض الدارسين لتاريخ المذاهب بإفريقية وبلاد المغرب عموماً، ربما اشتبه عليهم الأمر حينما وضعوا التشيّع في نفس الخانة مع المذاهب التي أندثرت أو لم يكتب لها البقاء أو انحسر وجودها بشكل كبير وملفت، كالمذهب الحنفي والشافعي والحنبلي وغيرها، لأنّ هذا التشبيه (أو القياس) باطل من وجوه:

أوّلها : أنّ التشيّع ليس مجرّد مذهب فقهي بل هو مدرسة فكرية وعقائدية متكاملة.

ثانياً : لأنّه أعمق وأرسخ من أن يمحى بمرسوم كالذي وقّعه المعزّ بن باديس حين حمل أهل إفريقية على اتباع المذهب المالكي.

ثالثاً : لأنّه لم يكن مذهباً خاصاً بفئة أو طبقة معيّنة اجتماعية أو ثقافية، ولا بجالية أجنبية ارتبط وجوده بوجودها، بل كان مذهب عامّة الشعب رغم المحن التي تعرّض لها.

٣- كانت السمة البارزة لهذه المرحلة هي: حالة من الذوبان و التلاشي و التشرذم للوجود الشيعي في إفريقية وبلاد المغرب عموماً، وذلك بفعل عدّة عوامل:

٢٢٦

(١) - ما علّق هذا الكيان الأصيل من غبار السنين.

(٢) - ما يختزله هذا الكيان في تاريخه من مظلومية وقهر، جعلته يختفي أحياناً (بل غالباً)، من على السطح ليستقر في الأعماق بل وفي أعماق الأعماق.

(٣) - عدم وجود المراكز العلمية والدينية.

(٤) - عدم وجود نظام إداري محلي خاص بأتباع المذهب على غرار بعض الأقلّيات الأخرى، ( ما هو الحال عند الخوارج الإباضية لاسيما في جزيرة جربة).

(٥) - انعدام الكتب والمصادر وندرتها.

٤- عانى الشيعة في إفريقية ولا يزالون ممّا يسمى بأزمة ضياع الهوية، وذلك لعدة أسباب، منها:

١)- انطوائهم على أنفسهم وعدم انفتاحهم على بعضهم البعض .

٢)- اندماجهم السلبي في أوساط مجتمعاتهم إلى درجة الذوبان وفقدان الهويّة .

٣)- غياب أي رؤية لجمع كلمتهم ولمّ شملهم وترتيب بيتهم.

٥- من الغريب حقّاً تعجّب بعض الناس من وجود الشيعة بتونس أو ببلاد المغرب، وكأنّ في الأمر غرابة أو خروج عن المألوف .ومردّ ذلك، في نظري، إلى سببين:

أوّلها : الجهل بالتاريخ والجغرافيا وبالمذاهب وربّما بالدين أيضاً.

٢٢٧

وثانياً: تقصير الشيعة في التعريف بأنفسهم وبمذهبهم.

٦- يرى البعض بأنّ السمة الغالبة على تشيّع تونس وبلاد المغرب هو المذهب الإسماعيلي وذلك بسبب انتشار دعوتهم ودولتهم في هذه الربوع.وهذا الرأي على وجاهته، غير دقيق لأكثر من سبب:

(١) - إنّ التشيّع في هذه البلاد سابق على انتشار دعوة الفاطميين ودولتهم .

(٢) - إنّ التشيّع الذي ارتبط وجوده بالفاطميين نشوءاً وبقاءً هو التشيّع السياسي. أمّا التشيّع المذهبي فهو أصيل أصالة الإسلام، و هو ذو جذور قوية وعميقة في هذه البلاد.

٧- يعتقد البعض بأنّ مصطلح « الشيعة » قد حمّل تاريخياً من قبل أعدائهم، بأشكال وألوان من النعوت والصفات السلبية، بل والبذيئة (أحياناً)، ممّا ترك وقعاً وأثراً سيئاً عند الكثير من الناس، لاسيّما العوام، ولهذا السبب فإنّ معظم الشيعة في تونس يفضّلون استخدام مصطلح أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام .

وهذا الرأي وإن كان مبرّراً، إلى حدّ ما، إلّا أنّه من المهم أيضا السعي والدفاع عن اسم « الشيعة » وتنقيته ممّا علّق به من غبار السنين(١).

٨- لا توجد معلومات دقيقة حول عدد الشيعة أو تعدادهم بتونس في

١- لاسيّما و أنّ هذا الاسم هو أقدم اسم ظهر في تاريخ الإسلام على عهد رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم وبعلمه ومباركته ورضاه .

٢٢٨

هذه المرحلة وذلك لعدّة أسباب، منها :

١) ابتعادهم أو خوفهم من الظهور العلني بسبب خشيتهم من ظلم الحكّام وبطشهم لاسيّما وأنّهم قد ورثوا عن أسلافهم الاحتياط وعدم الثقة.

٢) التزامهم الشديد « بالتقية »(١) إلى درجة مبالغ فيها أحياناً رغم أنّها لا تعني السلبية أو الفرار من أداء الواجب بل العمل مع الحذر.

٣) عدم وجود مؤسّسات خاصّة تعنى بالشيعة و التشيّع.

٩- إنّ ما يهمّنا في هذه المرحلة، على الأقلّ، هو أن نتأكّد جازمين من أصل وجود الشيعة والتشيّع بتونس وبلاد المغرب عموماً.

أمّا تفاصيل هذا الوجود من حيث الكمّ والكيف والمكان والزمان فهي مرجئة لبحث آخر.

١٠- لم ينجح الشيعة في تونس في إيجاد هياكل إدارية وسياسية محلّية أو منظومة تتجسد فيها الحياة الجماعية، وتكون لها قوّة سياسية واجتماعية واقتصادية. وذلك لسببين على الأقل:

أحدهما: موضوعي يتعلّق بحالة الحصار والقهر والتهميش التي كانوا يعيشونها منذ قرون .

والآخر: ذاتي يتعلّق بغياب أيّ رؤية للعمل الجماعي أو الجماعوي بشكل يحفظ خصوصيات الذات أو الكيان ويحميها من الذوبان.

١- وتعني الحيطة والحذر عند الخوف أو توقع الضرر.

٢٢٩

وربّما كان وراء ذلك مبدأ التقية التي التزمت به الجماعة بشكل مبالغ فيه وحرمت نفسها بالتالي من أيّ دور سياسي أو اجتماعي أو ديني.

التشيع بعد انتصار الثورة الإسلامية :

١- كان لانتصار الثورة الإسلامية في إيران (سنة ١٩٧٩م) صداه في تونس و في بلاد المغرب عموماً وعلى أكثر من صعيد.

وكان من نتائجها تنامي وتصاعد الصحوة الإسلامية بين جميع فئات الشعب ومكوّناته لاسيمّا الشباب.

وكان الإحساس بالانتماء للإسلام المحمّدي يزداد بوتيرة عالية، ليزداد معه الاعتزاز بهذا الانتماء.

وكأنّ الأُمّة قد استعادت هويتها بعد ضياع واستفاقت بعد سبات وبعثت بعد موات.

لقد كانت هذه الثورة المباركة بمثابة الصدمة الايجابية في أعماق الأُمّة ووعيها وروحها حررتها من الكثير من القيود المصطنعة والوهمية، ونفضت عنها بعض ما تراكم من غبار السنين.

وكان لشخصية قائدها العظيم الإمام الخميني (قدس سره) من التأثير ما يفوق كلّ وصف وتصوّر.

وبعبارة واحدة كانت هذه الثورة كالشجرة المباركة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربّها.

كما كانت بمثابة البلسم والدواء لكثير من جراحات الأُمّة و أمراضها

٢٣٠

وقائدها العظيم بمثابة الطبيب والحكيم.

٢- في البداية لم يكن أحد يهتمّ بمذهب هذه الثورة أو هويتها المذهبية، لكن مع تصاعد الدعاية الإعلامية المعادية علم الناس بأنّ التشيّع هو ملهم هذه الثورة وصانع عظمتها ومجدها، فازداد الناس شغفاً وتعلقاً للتعرّف عليه ودراسته ( وكأن الأعداء أرادوا أن يذموا فمدحوا ) .

٣ - كان الانفتاح على فكر الثورة ومفكّريها دافعاً وحافزاً للبحث في مدرسة أهل البيت عليهم السلام .

ولمعت في هذه المرحلة الكثير من الأسماء وعلى رأسهم الإمام الخميني والشهيدان : السيد محمّد باقر الصدر والشيخ مرتضى المطهري.

٤ - وازداد الإقبال على فكر مدرسة أهل البيت عليهم السلام من خلال العناوين القليلة المتوافرة حينذاك. ووجد الناس، لاسيّما المثقّفون، ضالّتهم، وأعلن الكثيرون تشيعهم أو استبصارهم.

ويروي بعضهم أنّه « لم يشعر بعظمة الإسلام وحلاوة الإيمان إلّا في ظلّ التشيّع » .

ويرى آخر: بأنّه لم يحسّ بالطمأنينة والسكينة روحاً وعقلاً إلّا بعد الاستبصار.

٥ - وهكذا استطاعت الثورة المباركة أن تعيد للإسلام المحمّدي الأصيل وهجه وتألّقه، ولمدرسة أهل البيت عليهم السلام مكانتها وموقعها الطبيعي في عقل الأُمّة وقلبها.

٢٣١

٦ - ولا يفوتنا هنا التنويه بجهود أحد رجالات التشيّع الحديث بتونس. وهو الدكتور محمّد التيجاني السماوي، مؤلّف كتاب « ثمّ اهتديت»، الذي يروي فيه قصّة استبصاره بعد رحلة شيّقة قادته إلى العراق في السبعينات من القرن العشرين حيث التقى ببعض مراجع الدين العظام وعلى رأسهم السيّد أبو القاسم الخوئي والشهيد محمّد باقر الصدر (قدّس سرهما)، وكان لكتب السيّد التيجاني وفي مقدمتها الكتاب المذكور، تأثيرها الكبير ووقعها الطيب والمبارك داخل تونس وخارجها واستبصر بسببها الكثيرون.

٧ - وكان لطلّاب العلوم الشرعية العائدين من الحوزات العلمية في الشرق دورهم في التعريف بمدرسة أهل البيت عليهم السلام .

كما كان للفضائيات (الشيعية) لاسيّما الرسالية منها كلمتها ودورها الكبير والواضح والواسع في إعادة بلورة الوعي الشيعي ودفع ما علّق بالمذهب من شبهات، والتعريف بأئمّة أهل البيت عليهم السلام ومقاماتهم وعلومهم وفضلهم ومظلوميتهم.

كما أن للمواقع الشيعية على شبكة الإنترنت، (وهي تعدّ بالآلاف)، دوراً كبيراً أيضاً في خدمة مدرسة أهل البيت ورسالتهم.

حيث استطاعت أن تملأ عبر خدماتها، لاسيّما الكتب والموسوعات الإلكترونية، الكثير من الفراغ على المستوى المعرفي والعلمي وتكسر الحظر المفروض على هذه المدرسة طيلة القرون الماضية.

٨ - ثمّ إنّ لانتصارات المقاومة الإسلامية بلبنان دورها في تأجيج

٢٣٢

مشاعر العزّة والكرامة.حيث أعادت للأُمّة الأمل بالنصر بعد سنوات عجاف من الهزيمة والنكسات.

وكان لهذه المشاعر دورها في حثّ الناس على التعرف على مذهب أهل البيت عليهم السلام .

٩ – لكن بالمقابل فإنّ الشخصية التونسية التي صبغت الدين بصبغتها وذلك من خلال تركيزها على الجانب السهل البسيط منه، مع إهمال الجوانب الأخرى التي تفرض عليها تبعات و تكاليف لا تلائمها.مما ولّد ميلاً لدى التونسيين للترهبن والمبالغة في الانغماس في الشعائر الشكلية والأمور الهامشية والتعلّق بمثالية الماضي .

فإنّ هذه الشخصية كما صبغت التسنّن .فإنّها أثّرت في التشيّع أيضاً. فلقد طغى الطابع السلفي على شيعة تونس. وأصبح ملمحاً هاماً من ملامح شخصية الشيعة في تونس.

ويبدو هذا بوضوح من خلال اهتماماتهم ومطالعاتهم وأدبياتهم التي طغى عليها الجانب التراثي،وميلهم للانعزال والترهبن و السلبية، والمبالغة في التعلّق بفكرة الانتظار( أي انتظار الإمام الغائب عليه السلام )، التي اكتست لديهم طابعاً سلبياً تخديرياً، بعد أن أفرغت من محتواها.

إنّ انعكاس الشخصية التونسية على التديّن السنّي، جعلت منه تديّناً رخواً ساذجاً، مما سهل على المدّ السعودي الوهابي اختراقه و ربّما احتواؤه.

أمّا آثار هذا الانعكاس على التشيّع، فهي لا تقلّ حدّة وخطورة، فقد حوّلته إلى تديّن سلبي انعزالي يلوذ بالماضي و يتشبث به على حساب أيّ دور

٢٣٣

ايجابي له في الحاضر أو المستقبل.مما سهّل ذوبانه وانصهاره.

وإنّ هذه السلبية هي التي حرمت شيعة تونس، رغم أصالتهم وتجذّرهم في البلاد، مقارنة بغيرهم من المذاهب، من لعب أي دور بارز لهم فيها، وذلك منذ قرون عديدة.

ومهما يكن من أمر فيبقى الأمل معقوداً على جيل الشباب للتخلّص من آثار هذه السلبيّات، والعودة إلى روح التشيّع الأصيل .

٢٣٤

٢٣٥

الخاتمة

بعد هذا العرض المتواضع ( والبضاعة المزجاة )، أرجو أن أكون قد وفّقت لإلقاء الضوء على موضوع شائك ومتشعّب وحسّاس تزلّ فيه الأقدام الثابتة.

على أنّني لم أصدر فيما ذهبت من رأي أو موقف، عن تقليد أعمى، أو تعصّب لمذهب، أو تحزّب لفئة، أو طائفة وإنّما هو ما أفضى إليه البحث والدليل والتأمّل في النصوص والأدلّة .

ولقد حاولت قدر الإمكان تجنّب الأمور الخلافيّة، حرصاً على وحدة الكلمة. وأمّا ما اضطرّرت إلى ذكره وإيراده من خلافيّات، فإنّ القصد منه ليس سوى التفنيد الضمني لبعض الآراء والأقوال الخاطئة والبعيدة عن الحقيقة التي لا يحسن السكوت عليها أو المرور عليها مرّ الكرام.

أمّا النتائج التي توصّل إليها البحث فيمكن إجمالها في النقاط التالية:

١- إنّ التشيّع أصيل أصالة الإسلام، وليس من الفرق أو الطوائف التي كانت وليدة ظروف معيّنة أو أحداث طارئة وهو لا يعني شيئاً آخر غير ما جاء به الإسلام من أصول وفروع.

٢- تعدّ الإماميّة أقدم الفرق الإسلاميّة، وتاريخها يتصل بتاريخ الإسلام منذ فجره الأوّل. وهي أكثر المذاهب أصالة واستقلاليّة.

٢٣٦

٣- إنّ التشيّع في إفريقية خصوصاً وبلاد المغرب عموماً، يعد معلماً بارزاً من تاريخ هذه المنطقة بل إنّ البعض اعتبره من ميزاتها وخصائصها ومكوّناتها ( الحضارية والثقافية والإنسانية).

ولقد لعبت مظلومية أهل البيت عليهم السلام و فضائلهم و مكانتهم الروحية و العلمية، دوراً بارزاً في تعاطف شعوب المنطقة و انضوائهم تحت راية الدعوات التي قامت باسمهم و تحت شعارهم و نادت بالثأر لهم من أعدائهم.

ولا يهمّنا هنا تقييم هذه الدعوات بقدر ما يعنينا مدى استجابة الناس لها و سرعة و سعة هذه الاستجابة لأنّ ذلك كلّه كاشف عن مدى ما تتمتّع به هذه الشعوب، التي ينظر إليها و للأسف بعض المؤرّخين نظرة انتقاص، من أبعاد حضارية و إنسانية وروحية.

٤ - إنّ أحد أهمّ أسباب الاضطرابات التي مرّ بها الفتح العربي الإسلامي في بلاد المغرب والهزائم التي منيت بها جيوشه (لا سيّما هزيمة عقبة بن نافع على يد كسيلة البرنسي سنة ( ٦٥ هـ) وهزيمة حسّان بن النعمان على يد الكاهنة سنة (٧٤ هـ )، يعود إلى أنّ مركز الخلافة الإسلامية في المشرق لم يفهم خصوصية بلاد المغرب ولم يطلع على الظروف الخاصّة بها والتي تختلف كلّ الاختلاف عن ظروف بلاد المشرق.

إنّ اهتمام الخلافة الأموية، و من بعدها العباسية، ببلاد المغرب لم يكن يتعدّى موضوع الخراج و الغنائم والهدايا التي يرسلها ولاتهم. وهو ما أدّى إلى نقمة أهله و سعيهم إلى الانفصال عن مركز الخلافة.

٢٣٧

ويمكن القول بأنّ الخلافة الإسلامية في المشرق قد فشلت اتّجاه المغرب و أهله لأنّها لم تتمكّن من فهم طبيعة الشخصية الإسلامية المغربية وما يميّزها.

٥- إنّ النتائج الباهرة التي حقّقها انتشار الإسلام في بلاد المغرب وبسرعة قياسية لم تحقّقها أية عقيدة أخرى قبله يعود إلى عاملين أساسيين:

أوّلهما: يتعلّق بعظمة و قوّة هذه العقيدة الرّبّانية وقربها من الفطرة السليمة والعقل السوي.

وثانيهما: يعود إلى خصوصيات هذه البلاد و أهلها الذين كانوا يتطلعون لمن ينقذهم من براثن الجهل و الشرك و قد وجدوا في الإسلام خير منقذ.

٦ - كان ضعف العامل الديني الذي يربط المغرب الإسلامي بمركز الخلافة سمة أساسية للشخصية المغربية أسهمت في تكوينها عناصر عدّة منها:

أ - سياسة الأمويين و ظلمهم و سوء معاملتهم للبربر و إرهاقهم لكاهلهم بالضرائب.

ب - العصبية العربية التي كانت عماد سياسة الولاة من الأمويين والعباسيين.

ت - إقصاء أهل البيت عليهم السلام عن مقامهم المفروض وظلمهم ووصول أخبار تلك المظالم إلى بلاد المغرب.

٢٣٨

٧- إنّ تبرّم المسلمين البربر من سياسة الحكام العرب و ظلمهم أذكى روح المعارضة بينهم وجعل الكثيرين منهم يميلون إلى الخوارج الذين استفادوا من هذه الأرضية واستغلّوها لإعلان مذهبهم ونشره بعد أن كان في غياهب الكتمان والنسيان.

إنّ الأسباب التي أدّت إلى ميل بعض القبائل البربرية للمذهب الخارجي هي أسباب سياسية واجتماعية ولم تكن ناشئة من دواعي دينية أو عقائدية كعدم فهم الإسلام الصحيح, كما روّج له بعض المؤرّخين.

٨- إنّ ظاهرة التشيّع في بلاد المغرب تعدّ ظاهرة أصيلة و ذات صلة وثيقة بالنسيج الاجتماعي العام لشعوب هذه المنطقة. بل يمكن القول بأنّ الإسلام لم ينتشر ولم يستقر ولم يترسخ في هذه الربوع إلّا بعد أن انتشرت مآثر وفضائل أهل البيت عليهم السلام . حيث رأى فيهم معظم الناس القدوة والأسوة الحسنة والنموذج الحي والناصع للإسلام الأصيل. وذلك بعد أن كادت تعصف بهم وبعقيدتهم الصورة القاتمة الماثلة بين أعينهم، أو التي بلغت أسماعهم، عن الإسلام الأموي و العباسي.

٩- إنّ فرضية ربط التشيّع في بلاد المغرب بالدولة الفاطمية، و إن كانت ممكنة و محتملة، لكنّها عند البحث و التمحيص و التدقيق سرعان ما تنهار و تتبدّد و تصبح بعيدة بل مستبعدة وذلك للأسباب التالية:

أ- إنّ الدعوة إلى أهل البيت عليهم السلام والتعريف بحقّهم و فضلهم و مظلوميتهم، قد سبق الدعوة الفاطمية بحوالي قرن و نصف و ذلك عندما أرسل الإمام الصادق عليه السلام بعض الدعاة ومنهم :

٢٣٩

رجلان أحدهما يدعى الحلواني والآخر أبو سفيان بحسب ما ذكرته بعض المصادر ومنها كتاب: « اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمّة الفاطميين الخلفاء » للمقريزي وكتاب « الافتتاح » للقاضي النعمان.

ب- إنّ ما قام به أبو عبد الله الملقب بالشيعي يتمثل في:

- الاستفادة من ولاء عامّة البربر في بلاد المغرب لأهل البيت عليهم السلام وتعاطفهم معهم وتعلقهم بهم.

- وتوجيهه لهذا الولاء بما يخدم مصلحة الدعوة الجديدة و توظيفه سياسياً وتحويله إلى تيار ثوري منظم.

ج- إن جهود أبا عبد الله الشيعي في الدعوة و والتوطئة للدولة الفاطمية ما كانت لتثمر لولا التعاطف الجارف مع أهل البيت عليهم السلام والتي كانت تتّسم به الساحة المغربية آنذاك.

وما يصدق على التجربة الفاطمية في استفادتها وتوظيفها للتشيّع العاطفي، الذي كان سمة بارزة لأهل المغرب، يصدق كذلك على مثيلاتها ونعني بها تجربة الأدارسة و تجربة الموحدين .

د- إنّ الحالة الشيعية في تونس خصوصاً و بلاد المغرب عموماً لم ترتبط بالدولة نشوءاً ولا بقاء بل كانت سابقة لنشأة الدول التي رفعت لواء التشيّع المذهبي أو العاطفي واستمرّت حتّى بعد زوالها.

١٠- إنّ الدول التي رفعت لواء التشيّع بدءاً من الفاطميين إلى الأدارسة و الموحّدين وغيرهم كان بينها وبين ما يسمّى بالحالة الشيعية

٢٤٠