×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

مدخل الى تاريخ التشيع في تونس / الصفحات: ٢١ - ٤٠

وأصل ذلك من المشايعة وهي المتابعة و المطاوعة... »(١)

وجاء في النهاية لابن الأثير :

« وأصل الشّيعة الفرقة من الناس و تقع على الواحد والاثنين والجمع والمذكّر والمؤنّث بلفظ واحد، وقد غلب هذا الاسم على كلّ من يزعم أنّه يتولّى عليّاً رضي الله عنه وأهل بيته حتّى صار لهم اسماً خاصاً...

وتجمع الشّيعة على شيع و أصلها من المشايعة وهي المتابعة والمطاوعة»(٢) .

وبعبارة قريبة ورد هذا المعنى في « الصّحاح » و« المصباح المنير» وغيرها من كتب اللغة .

بداية ظهور المصطلح :

اختلف في تاريخ ظهور مصطلح الشّيعة على عدّة أقوال .

لكن الرّأي الراجح أنّ هذا المصطلح سواء كان معناه الموالاة، أو المحبّة، أو المتابعة، أو التقديم، أو التمسّك بالكتاب والعترة، فقد « ظهر في أيّام نبيّ الإسلام الأقدس صلى الله عليه و آله وسلم الذي كان يغذي بأقواله عقيدة التشيّع لعلي عليه السلام و أهل بيته عليهم السلام ويمكنها في أذهان المسلمين، و يأمر بها في مواطن كثيرة، آخرها يوم غدير خم ( ١٨ ذي الحجّة سنة ١٠ من الهجرة ) بعد حجّة الوداع، وبعد أن أمره الله سبحانه و تعالى بقوله الكريم :

١- ابن منظور : «لسان العرب » (ج٨/ص١٨٩).

٢- ابن الأثير « النهاية » ( ج٢/ص٢٤٧) .

٢١

﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (١) (٭) .

ويذكر أبو حاتم الرّازي في كتاب الزّينة:

« إنّ أوّل اسم ظهر في الإسلام على عهد رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم هو الشيعة، وكان هذا لقب أربعة من الصحابة، وهم أبو ذر و سلمان والمقداد وعمّار. إلى أن آن أوان صفين فاشتهر بين موالي علي رضي الله عنه »(٢).

ويذكر سبط ابن الجوزي :

« إنّ الذين بايعوا عليّاً (يوم غدير خمّ ) كانوا مائة و عشرين ألفاً »(٣) .

وكلّهم كانوا شيعة بمعنى الموالاة لعلي عليه السلام, إلّا أنّ اسم الشيعة قد اختصّ بثلّة منهم على رأسهم الأربعة المذكورين, وذلك « لكونهم أخص الصحابة بعلي عليه السلام وأشدّهم تظاهراً بحبه و موالاته»(٤).

كما أنّ الهاشميين، و في مقدمتهم العباس، كانوا من الشيعة و كذلك

١- الزين « الشيعة في التاريخ » (ص٢٩ - ٣٠) .

(٭) إن ما بلّغه الرسول صلى اله عليه وآله وسلّم لأمته بأمر من الله عزّ وجلّ هو موالاة علي عليه السلام وأولويته بالإمامة وهو من أظهر معاني التشيع.وقد قرنها الله عزّ وجلّ في كتابه بموالاته وموالاة نبيّه وذلك في قوله تعالى : ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ المائدة (٥): ٥٥ .

٢- الرازي (أبو حاتم): « الزينة في الكلمات الإسلامية العربية » (ج٣/ص١) .

٣- ابن الجوزي (سبط) : « تذكرة الخواص » (ص٣٣) .

٤- الزين : «الشيعة في التاريخ » (ص٣٨) .

٢٢

عدد كبير من خيرة الصحابة(١) .

ويذكر صاحب كتاب« الشيعة في التاريخ » : إنّ هذا اللقب أهمل بعد أن بايع الإمام علي عليه السلام أبا بكر حفاظاً على بيضة الدين و قطعاً لدابر المتربّصين بالإسلام و المسلمين، و تابعه الشيعة في ذلك.

« فأهمل يومئذ لفظ الشيعة و صار المسلمون فرقة واحدة، و ذابت تلك الكلمات المفرقة (سنّة، شيعة، بكري، علوي) في كلمة مسلم .. »(٢) .

وفي سنة (٤٠) للهجرة حين هادن الإمام الحسن عليه السلام معاوية، أطلق أنصار الأخير « ومتابعو سنّته اسم السنّة و الجماعة على أنفسهم، واسم الشيعة على أنصار علي و مواليه. واشتهر كلّا الاسمين في ذلك الوقت بعد أن كانا مهملين، و لم يزالا مشتهرين إلى اليوم، ولكن قد اندمج فيهما أسماء وفرق كثيرة..» (٣) .

ويرى الشّيخ محمّد جواد مغنيّة:

أنّ التشيّع هو الإيمان بوجود النصّ من النبيّ على علي، ومن الطّبيعي أن يبتدئ تاريخ التشيّع من حين النّطق بهذا النصّ، فتاريخ التشيّع يقترن بتاريخ نصّ النبيّ على الإمام بالخلافة.

وقد كان جماعة من الصّحابة يرون أنّ عليّاً أفضل أصحاب الرّسول على الإطلاق، ذكر ذلك ابن أبي الحديد، وعدّ منهم عمّار بن ياسر، والمقداد

١- المصدر السابق (ص٣٨ــ٣٩) .

٢- المصدر السابق (ص٤١ ــ٤٢) .

٣- المصدر السابق (ص٤٣) .

٢٣

ابن الأسود، وأبا ذر،وسلمان الفارسي، وجابر بن عبد الله، وأُبي بن كعب، وحذيفة اليمان،وبريدة، وأبا أيّوب الأنصاري، وسهل بن حنيف،وعثمان ابن حنيف، وأبا الهيثم بن التّيهان، وأبا الطّفيل، وجميع بني هاشم، وأبا سعيد الخدري (١) .

وهو القائل: « أمر الناس بخمس، فعملوا بأربع، وتركوا واحدة. ولمّا سئل عن الأربع، قال: الصّلاة، والزّكاة، والصّوم، والحجّ، قيل فما الواحدة التي تركوها؟

قال: ولاية علي بن أبي طالب .

قال له: وإنّها لمفروضة معهنّ؟

قال:نعم هي مفروضة معهنّ »(٢) .

١- محمّد جواد مغنيّة «:الشّيعة والحاكمون » (ص:٢٩-٣٠) .

٢- الحاكم الحسكاني : « شواهد التّنزيل » (ج١/ص:٢٥٧).

٢٤

الرفض والروافض

اختلف في سبب تسمية الشيعة بالروافض إلى أكثر من رأي :

- فقد ذهب البعض إلى أنّ الروافض قد اشتقّ من رفض بعض الشيعة نصرة زيد بن علي (عليه السلام) (١).

- وذهب البعض الآخر إلى أنّ هذا الاسم قد أطلق على الشيعة قبل ظهور زيد:

فقد ذكرالنوبختي، في فرقه، أنّ المغيرة بن سعد أطلق هذا الاسم على الشيعة الذين رفضوا دعوته لمحمّد بن عبد الله بن الحسن بعد وفاة الباقر(عليه السلام) (٢) .

وروى الأشعري، في مقالاته، أنّهم سمّوا كذلك لرفضهم بيعة أبي بكر وعمر (٣) .

ومهما يكن من أمر فإنّ الشيعة لم يتبرؤوا من هذا اللقب ولم ينكروه على أنفسهم , بل إنّ بعضهم حاول أن يجعله مدّعاة للفخر و الاعتزاز. من ذلك ما قاله السيّد الحميري: (٤)


« و نحن على رغمك الرافضونلأهل الضلالة و المنكر »(٤)

١- الرازي « اعتقادات فرق المسلمين » (ص٥٢) .

٢- النوبختي « فرق الشيعة(ص٨٣) .

٣- الأشعري « مقالات الإسلاميين » (ج١/ص٨٧) .

٤- مهدي النجم « ثورات العلويين » (ص١٤٨) .

٢٥

وورد في بحار الأنوار :

« قيل للصادق عليه السلام إنّ عمّاراً الدّهني شهد اليوم عند ابن أبي ليلى قاضي الكوفة بشهادة، فقال له القاضي قم يا عمّار، فقد عرفناك، لا تقبل شهادتك لأنّك رافضي، فقام عمّار، وقد ارتعدت فرائصه، واستغرقه البكاء .

فقال له ابن أبي ليلى : أنت رجل من أهل العلم و الحديث، إن كان يسوؤك أن يقال لك رافضي فتبرأ من الرفض فأنت من إخواننا.

فقال له عمّار: يا هذا ما ذهبت والله حيث ذهبت، ولكن بكيت عليك وعليّ .

أمّا بكائي على نفسي فإنك نسبتني إلى رتبة شريفة لست من أهلها زعمت أنّي رافضي. ويحك لقد حدثني الصادق عليه السلام : إنّ أوّل من سمّي الرافضة السحرة الذين لمّا شاهدوا آية موسى في عصاه آمنوا به و اتّبعوه، ورفضوا أمر فرعون، واستسلموا لكلّ ما نزل بهم، فسمّاهم فرعون الرافضة لما رفضوا دينه.فالرافضي كلّ من رفض جميع ما كره الله، فأين في هذا الزمان مثل هذا ؟

وإنّما بكيت على نفسي خشيت أن يطلع الله عجل الله على قلبي وقد تلقّيت هذا الاسم الشريف على نفسي فيعاتبني الله عجل الله ويقول : يا عمّار أكنت رافضاً للأباطيل, عاملاً بالطاعات كما قال لك ؟ فيكون ذلك بي مقصّراً في الدرجات إن سامحني، و موجبا لشديد العقاب عليّ إن ناقشني، إلّا أن يتداركني مواليّ بشفاعتهم .

وأمّا بكائي عليك فلعظم كذبك في تسميتي بغير اسمي وشفقتي

٢٦

عليك من عذاب الله أن صرفت أشرف الأسماء إليّ، وأن جعلته من أرذلها كيف تصبر بدنك على عذاب كلمتك هذه ؟

فقال الصادق عليه السلام : «لو أنّ على عمّار من الذنوب ما هو أعظم من السموات و الأرضين لمحيت عنه بهذه الكلمات و إنّها لتزيد في حسناته عند ربّه عجل الله حتّى يجعل كلّ خردلة منها أعظم من الدنيا ألف مرّة »(١) .

١- المجلسي : « بحار الأنوار » (ج٦٨/ص:١٥٦-١٥٧) .

٢٧

الفصل الثاني :

ماهيّة التشيّع

كلمة لابدّ منها :

بادئ ذي بدء يجب الاعتراف بأنّ طائفة كبيرة من كتب الملل و التاريخ تجنّت على الشيعة و على عقائدهم « غير مستندة إلى مصدر وثيق برئ من الأغراض السياسية والتعصّبات المذهبية التي تمكّنت في القرون الغابرة من نفوس الأكثرية الساحقة من الناس ..» (١) .

حتّى بلغ التعصّب ببعضهم(٢) إلى حدّ الطعن على أئمّة أهل البيت عليهم السلام وذلك بمثل قوله:

« وشذّ أهل البيت بمذاهب ابتدعوها، وفقه انفردوا به..» (٣) .

إلى أن قال: « ولم يحتفل الجمهور بمذاهبهم بل أوسعوها جانب الإنكار القدح...» (٤)(٭) .

١- محمّد حسين الزين : « الشيعة في التاريخ » (ص١٠) .

٢- وهو ابن خلدون .

٣-

٤- ابن خلدون « المقدمة » (ص٣١٣) .



(٭) هكذا نرى كيف يعمي التعصّب الطائفي والمذهبي صاحبه حتّى ينزل به إلى أدنى الدرجات (في الدّنيا والآخرة), و يحدّثنا القرآن الكريم في سورة المدّثّر عن الوليد بن المغيرة وكيف أودى به التعصّب والعناد إلى هاوية الردى والعمى: ﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ ﴾. المدثر (٧٤): ١٨- ٢٨ .

(٭) ومن غريب ما كتب حول الموضوع كتاب بعنوان « الشيعة في إيران » لمؤلّفه علي الشابي الذي نجح في ابتكار وصنع مخلوق تاريخي عجيب :ابن سبأ اليهودي رأسّه وجسّده الشاعر الفردوسي الإيراني المجوسي الشعوبي ..وأطلق على المخلوق بل المصنوع العجيب والغريب اسم التشيّع ..فعجباً لهذا الخيال الخصب ويا عجباه لهذا التحامل الغريب.

كان حرياً بمؤلّف هذا الكتاب أن يسميه رواية أو أقصوصة فهي إلى الخيال أقرب.. لكنّه وللأسف جرى على عادة أسلافه في إطلاق العنان للخيال وكيل التهم واختلاق الأباطيل دون رادع أو وازع أو شعور بالمسؤولية العلمية التي يدعون حملها أو انتحالها .

٢٨

إنّه لمن الغريب حقاً أن يبلغ الجهل والإسفاف و التعصّب برجل يفترض فيه أن يكون من أهل العلم و المعرفة على الأقل بمكانة أهل البيت عليهم السلام وفضلهم.. هذه المكانة التي شهد بها الأعداء فضلاً عن الأصدقاء.لاسيّما وأن مرجعية أهل البيت عليهم السلام العلمية لم تكن يوماً ما موضع تساؤل أو تشكيك حتّى من ألدّ أعدائهم الذين حاولوا و بدوافع سياسية صنع مرجعيات بديلة ليصرفوا أعين الناس عنهم لكن هيهات .

ولن استرسل أكثر في هذا الموضوع رغم أنّ القائمة طويلة إلى درجة مؤسفة للغاية(٭) .

لكن، ومن باب الحرص على الابتعاد عمّا يثير الحسّاسية، لاسيّما في مثل هذه الأيّام الشديدة الوطأة على الإسلام والمسلمين فإنّي آثرت عدم التعرّض لمعظم تلك الأخبار وما فيها من أراجيف.

٢٩

رغم أنّ أيّ دارس منصف لكتب التاريخ أو الملل يمكنه أن يلاحظ وبسهولة بأنّ الباحثين أو المؤرّخين يحاولون تحرّي أقصى درجات الموضوعيّة عندما يتعلّق الأمر بالأمم الغابرة كالفينيقييّن والبابليّين والفراعنة و غيرهم. أمّا عندما يتعلّق الأمر بالشيعة فإنهم يرسلون الأخبار، وهي منقولة في معظمها عن مؤرّخي السلاطين، إرسال المسلّمات.

ماهيّة التشيّع:

هل إنّ التشيّع أصيل أصالة الإسلام. أم هو عبارة عن ظاهرة طارئة أفرزتها ظروف أو عوامل خاصّة (اجتماعية أو سياسية أو تاريخية) ؟

تعدّدت الأقوال و الآراء حول هذا الموضوع. لكن أقواها و أرجحها ما اختاره العلاّمة السيّد عبد الله الغريفي في كتابه التشيّع و سيأتي بيانه .

أمّا بقيّة الآراء فإنّها تفتقر،وفي معظمها، إلى أيّ قيمة علميّة أو موضوعيّة.وإنّما تأتي انعكاساً للتحريف التّاريخي الذي شوّش الكثير من المفاهيم و الرؤى و الأفكار.

وإنّ استعراض هذه الأقوال و الآراء لـمّما يخرج عن حدود و أهداف هذا البحث الموجز .

إنّ التشيّع في جوهره وحقيقته ليس سوى الإسلام المحمّدي الأصيل . و إنّ البذرة الأولى له كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم استجابة لنداء السّماء. تشهد على ذلك مئات النصوص الشّرعية والأحاديث التي بلغ بعضها حدّ التواتر(١) .

١- للاطلاع عليها يمكن الرّجوع إلى المصادر التّالية:-موسوعة الغدير للعلاّمة الأميني/ المراجعات للسيّد شرف الدّين الموسوي/التّشيّع للسيّد الغريفي.

٣٠

ولذلك فإنّ « التشيّع كان جزءاً من الدعوة التي دعا إليها القرآن،وبلّغه الرسول إلى الأُمّة في جملة ما بلّغه من تشريعات و أنظمة »(١) .

والذين ثبتوا عليه منذ البداية إنّما كان بدافع إيمانهم بأنّه منصوص عليه من الله وحده. « و لم يكن الرسول إلّا مبلّغاً عن ربّه هذا الأمر، كغيره من التكاليف و التشريعات »(٢) .

والتشيّع، كما يرى السيّد عبد الله الغريفي، حالة أصيلة في الإسلام تجسّدت من خلال ثلاث مراحل أساسية :

الأولى : مرحلة التأصيل والتجذير :

وقد بدأت في عصر الرسالة، و يدلّ عليها النّصوص الكثيرة المدوّنة في مصادر الحديث و التفسير . و فيها (أي هذه المرحلة) تمّ وضع المصطلح وتأصيل دلالته .

الثانية : مرحلة التجسيد والتطبيق :

و بدأت بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و آله وسلم مباشرة، حيث اتّجه شطر من الأُمّة يمثّله صحابة كبار كسلمان وعمّار ومقداد، إلى التعبّد بنصّ الإمامة، والالتزام عمليّاً بأطروحة زعامة الإمام علي عليه السلام وقيادته .

الثالثة : مرحلة الوضوح والامتداد :

وبدأت في عصر الإمام الباقر عليه السلام وتنامت في عصر الإمام

١- الحسني (هاشم معروف ): « الشّيعة بين الأشاعرة والمعتزلة » (ص:٢٨-٢٩ ) .

٢- المصدر السّابق (ص: ٢٩ ) .

٣١
مدخل الى تاريخ التشيع في تونس » عبدالحفيط البناني » (ص ٣١ - ص ٦٠)

الصادق عليه السلام حيث توافرت الأجواء الملائمة و الظّروف الموضوعيّة لإبراز المعالم الواضحة لمدرسة الأئمّة من أهل البيت عليه السلام(١).

وهكذا فإنّ « التشيّع في إطاره العام وفي كلّ مفرداته يمثّل الحالة التجسيديّة للصّيغة الإسلاميّة التي عمل الأئمّة من أهل البيت عليهم السلام على تأصيلها في واقع الأُمّة، بما تحمله هذه الصّيغة من أبعاد عقائديّة و روحيّة و فقهيّة و سياسيّة تعبر عن المنحى الأصيل لفكر الرسالة »(٢) .

وبالمقابل، و كما يرى العلّامة الغريفي، فإنّ اعتبار التشيّع حالة طارئة إنّما يعبّر عن إغفال تام لكلّ النصوص و الأحاديث بما تحمله من دلالات واضحة في تحديد مضمون الإمامة و القيادة . و ليس الحالة الشيعيّة إلّا تجسيداً عمليّاً لخط الإمامة بما فيه من أصالة و عمق ووضوح.

وإنّ جميع المفردات التي توافر عليها الفكر الشيعي في لغته وخطابته ومدوّناته ونتائجه من أمثال : الإمامة والولاية و الوصيّة و الخلافة، هي مفردات أصيلة وردت في النصوص الثّابتة الصحيحة، و ليست مفردات دخيلة، تسلّلت إلى مفاهيم الأُمّة من قواميس اليهود والفرس.

و إنّ الفهم الذي يعتبر التشيّع حالة طارئة لم يستوعب طبيعة الحركة التّغييريّة في مسيرة الرسالة بما تفرضه هذه الطبيعة من استمرار الامتداد القيادي المؤهّل لعمل مسؤوليات الدعوة ومواصلة مهام التغيير، وحماية أهداف الرسالة.

١- الغريفي (عبد الله ):التّشيّع (ص:٧١٩) .

٢- المصدر السّابق (ص:٧٢٠) .

(٭) لمعرفة هذه الشّخصيّة الأسطوريّة يمكن الرّجوع إلى المصادر التّالية:

« أسطورة ابن سبأ » للمحقّق العسكري، « وعّاظ السّلاطين » للدكتور علي الوردي، «الفتنة الكبرى» لطه حسين، « التّشيّع » للغر يفي .

٣٢

وإنّ التفسيرات التي اعتبرت التشيّع حالة طارئة، بما تحمله من تشويه متعمّد للحالة الشّيعيّة تعبّر عن أزمة في« المنهجيّة و البحث » .

فالكثير من المقولات التي أنتجتها ظروف مذهبيّة و تاريخيّة لازالت تتحرّك كموروثات فكريّة ثابتة لا تقبل المراجعة والنظر .

فمقولة ( ابن سبأ ) (٭) طرحها مؤرِّخ قديم كالطبري في تاريخه المعروف، وهو أوّل مصدر يتناول هذه الشخصيّة معتمداً على سيف بن عمر الذي أجمع علماء الجرح والتعديل على إسقاطه.

ثمّ يأتي بعد الطبري من يدوّن هذه المقولة، و تتحرّك عبر الكتابات والبحوث و الدراسات كمسلّمة تاريخيّة لا تقبل المناقشة.

وهكذا تجور الأقلام، وتتجنّى على حقائق التاريخ مأسورة لتلك الموروثات الظالمة، التي أراد لها حكّام في تاريخ المسلمين، وأرادت لها قوّة معادية لها أن تزرع في ذهنيّة الأجيال, وتجذر في عواطف الناس لتشكّل حواجز تفصل الأُمّة عن روافدها الأصيلة(١) .

١- المصدر السّابق (ص:٧٢٠-٧٢٣) .

٣٣

الفصل الثالث :

أهم فرق الشيعة

الزيديّة – الإسماعيليّة – الإماميّة (أو الاثني عشريّة).

بالغت معظم كتب الملل والنحل في تعداد فرق الشّيعة ومذاهبها وأسرفت في « إطلاق اسم الشيعة على فرق خرجت عن التشيّع والإسلام معاً، وقد باد أكثرها »(١) .

وليس ذلك لجهل من أصحابها بحقيقة الشّيعة و عقائدها و لكن «غاية في نفس يعقوب قضاها » .

ويرى السيّد هاشم معروف الحسني:

إنّ اسم الشّيعة أصبح يتّسع عند الذين كتبوا في الفرق الإسلاميّة و المذاهب و عند الكتّاب العرب والمستشرقين، لكلّ مبتدع في الدين أو مشعوذ حاول إغراء بعض المغفلين، فتظاهر بولاء أهل البيت وصحبتهم ليتوصّل إلى أهدافه عن هذا الطريق.

رغم أنّ عقيدة أهل البيت و شيعتهم لا انحراف فيها ولا التواء عن جادّة القرآن و تعاليم الرسول صلى الله عليه و آله وسلم.

١- « الشّيعة في التّاريخ » (ص:٤٣).

٣٤

ومع ذلك فكلّ مبتدع في الدّين أو مفترٍ عليه، مهما كانت بدعته و افتراءاته، لا يخرج عن التشيّع لأنّه كان يدّعي ولاء أهل البيت و ينظر إليهم بعين الاحترام و التقديس، و لأجل ذلك فقد عدّوا أكثر الفرق الضّالة من الشّيعة(١) .

على أنّ اسم الشّيعة حديثاً يكاد يكون مختصّاً بالشّيعة الإماميّة الاثني عشريّة و ذلك أنّ الزيديّة والإسماعيلية لا يعرفان إلّا بنسبتيهما .

أمّا بقيّة الفرق التي نسبت للشّيعة فليس لها وجود سوى بين طيّات الكتب، بل إنّ من الباحثين من شكّك في أصل وجودها فضلا عن نسبتها.

ومن هؤلاء السّيد الحسني الذي أثبت بأن أكثر الفرق المنسوبة إلى الشيعة لا وجود لها في تاريخ التشيّع ولا واقع لها(٢).

ومهما يكن من أمر فإنّ بعض فرق الشّيعة كانت سياسيّة المنشأ ثمّ أصبحت فيما بعد تهتمّ بالمسائل العقائديّة و الشرعيّة لترسيخ وجودها وضمان استمرارها. حيث إنّ للعامل الدّيني أثره الكبير والفعّال في إكساء الصّبغة الشرعيّة على الحركات الاجتماعيّة والسياسيّة .

ونظراً لمكانة البيت النبوّي من الأُمّة ونظراً لانّ الوتر الشّيعي كان من أكثر الأوتار الإسلاميّة حساسيّة ؛ فإنّ معظم الثّورات و الحركات المعارضة كانت تقوم رافعة لواء التشيّع و الثّأر لأهل البيت عليهم السلام .

١- « الشّيعة بين الأشاعرة والمعتزلة » (ص: ٥٢-٥٥) .

٢- المصدر السّابق (ص: ٨ وما بعدها ) .

٣٥

ويمكن عدّ الزيديّة من بين تلك الحركات ؛ لأنّها كانت أقرب إلى حركة معارضة سياسية منها إلى مذهب ديني .

الزيديّة :

نسبة إلى زيد (الشهيد) ابن الإمام زين العابدين علي بن الحسين بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهم السلام .

خرج زيد سنة (١٢١هـ )ثائراً بوجه الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك و بايعه جماعة واستشهد في معركة وقعت في مدينة الكوفة بينه وبين جيش الخليفة.

ويعد زيد بالنّسبة لأصحابه، الإمام الخامس من أئمّة أهل البيت عليهم السلام ويأتي من بعده ابنه يحيى بن زيد الذي ثار بدوره على الخليفة الأموي الوليد بن يزيد ً قبل أن يستشهد .

ثمّ جاء من بعده محمّد بن عبد الله و إبراهيم بن عبد الله اللذان قاما ثائرين في زمن المنصور العبّاسي قبل أن يقتلا.

فهؤلاء هم أئمّة الزيديّة يضاف إليهم كلّ ثائر عالم زاهد يخرج بالسيف لإحقاق الحق بشرط أن يكون فاطميّاً .

هكذا فإنّ الزيديّة جوّزوا لكلّ فاطمي عالم شجاع طلب الإمامة لنفسه و شهر السيف بوجه السّلطة الجائرة، أن يكون إماماً واجب الطاعة، سواء كان من أبناء الحسن أو الحسين علیهما السلام .

ونظراً لأهمية الثورة المسلّحة و مكانتها في نظريّتهم فإنّهم جوّزوا

٣٦

خروج إمامين في قطرين مختلفين يكون كلّ منهما واجب الطاعة.

كما ذهبوا إلى جواز إمامة المفضول مع وجود الأفضل . وبذلك جازت عندهم خلافة أبي بكر و عمر مع وجود علي عليه السلام.

والزيديّة يوافقون العامّة ( أي أهل السنّة) في كثير من الأمور من بينها جعل الإمامة بالشّورى وجواز تقديم المفضول على الفاضل، إلا أنّهم يخالفونهم في بعض الشروط، من بينها اشتراطهم في الإمام أن يكون فاطميّاً وأن يخرج بالسيف داعياً لإمامته.

وعلى أيّ حال « فجمهور الزيديّة من طوائف الشّيعة الذين ثبتوا على ولاء البيت العلوي والتمسك بهم و عدم الغلو بأحد منهم، فهم في ذلك كالشّيعة الاثني عشريّة من غير فارق .

ولولا الخروج بالسيف الذي هو شرط أساسي لإمامهم، لكانوا مثلهم من حيث الوجهة السياسية »(١).

على أنّ الإمامية (أو الاثني عشرية) يرون بأنّ زيداً لم يخرج لا عن إمامة أخيه الباقر عليه السلام ولا عن إمامة ابن أخيه الصادق عليه السلام.

بل خرج داعياً للرّضا من آل محمّد صلى الله عليه و آله وسلم وهو الصادق عليه السلام . الذي روي عنه قوله في زيد :

« أما أنّه لو ظفر لوفى، أما أنّه لو ملك لعرف كيف يضعها »(٢).

١- « الشّيعة في التّاريخ » (ص:٧٥) .

٢- الكشّي « رجال الكشي » (ص:٢٤٢) .

٣٧

كما أنّ الصّادق عليه السلام قد أنكر على بعض الشّيعة تبرّيهم من زيد و قعودهم و تقاعسهم عن نصرته(١).

أمّا بالنسبة لأصول العقائد فيقال بأنّ الزيدية تتبع مذهب المعتزلة،أمّا في الفروع فتوافق مذهب أبي حنيفة مع اختلاف يسير بينهما في بعض المسائل(٢) .

الإسماعيليّة :

نسبة إلى إسماعيل الابن الأكبر للإمام جعفر الصادق عليه السلام الذي توفّي في حياة أبيه, و شهد الأب بوفاة ابنه و طلب الشهادة على ذلك من حاكم المدينة.

لكن رغم ذلك، فإنّ فريقاً من أتباعه اعتقد بعدم وفاة إسماعيل وأنّه اختار الغيبة، وأنّه سوف يظهر ثانية، وأنّه المهدي الموعود .

واعتقد آخرون بأنّه رغم موته فإنّ الإمامة من حقّه، وقد انتقلت من بعده إلى سلالته بدءاً من ابنه محمّد بن إسماعيل .

وتحّول أصحاب هذا الرأي إلى ما يسمى بفرقة الإسماعيليّة التي انشعبت انشعابات عدّة .

وعقيدة الإسماعيلية هي مزيج من الإسلام والفلسفات الشرقيّة لاسيّما التصوّف الهندي وفلسفة عبدة النجوم .

١- الصدوق: « عيون أخبار الرّضا عليه السلام » (ج١/ص:٢٤٩ ) .

٢- الطّباطبائي : « الشّيعة في الإسلام » (ص:٧٥) .

٣٨

وهم يعتقدون : بأنّ الشريعة والمعارف الإسلامية لها ظاهر وباطن، ولكلّ ظاهر باطن، ولكلّ تنزيل تأويل، وأنّ الأرض لا تخلو من حجّة لله عجل الله ، وأنّ الحجّة على نوعين، ناطق وصامت:

فالنّاطق: هو النبي صلى الله عليه و آله وسلم، والصّامت: هو الولي أو الإمام عليه السلام، والحجّة هي المظهر الكامل للربوبيّة، وهي تدور على العدد(سبعة) .

فلكلّ نبيّ سبعة أوصياء، لهم نفس المنزلة، ماعدا آخرهم، الذي يختصّ بالنبوّة أيضاً ويتّصف بثلاثة مناصب (النبوّة والوصاية والولاية)، ويأتي بعده سبعة أوصياء، و للسّابع منهم المناصب الثلاثة و هكذا .

فهم « يقولون، أنّ آدم عليه السّلام بعث بالنّبوّة والولاية، وكان له سبعة أوصياء، وسابعهم نوح النّبي، وكان يختصّ بالنّبوّة والوصاية والولاية، والنّبي إبراهيم هو الوصيّ السّابع لنوح، والنّبيّ موسى سابع الأوصياء لإبراهيم، والنّبيّ عيسى سابع الأوصياء لموسى، ومحمّد صلى الله عليه و آله وسلم سابع الأوصياء لعيسى، ومحمّد بن إسماعيل الوصيّ السّابع لمحمّد صلى الله عليه و آله وسلم، بهذا التّرتيب:

محمّد صلى الله عليه و آله وسلم، وعلي، والحسين، (حيث أنّ الإمام الثّاني الحسن بن علي لا يعدّونه إماماً)، وعلي بن الحسين السّجّاد، ومحمّد الباقر، وجعفر الصّادق، وإسماعيل، ومحمّد بن إسماعيل .

وبعد محمّد بن إسماعيل سبعة من نسله وولده، أسماؤهم مخفيّة مستورة وبعدهم سبعة من ملوك الفاطميّين »(١) .

١- المصدر السابق (ص:٨٠-٨١) .

٣٩

أوّلهم عبيد الله المهدي مؤسّس الدّولة الفاطميّة .

وتعتقد الإسماعيليّة « بأنّ هناك اثني عشر نقيباً موجودين دائماً، فضلاً عن وجود حجّة الله، فهم حواريّو الحجّة وخاصّته، ولكن لبعض منهم وهم (الدّروزيّة)الباطنيّة،تعتبر وتعدّ ستّة من الأئمّة نقباء،والستّة الآخرين من غيرهم »(١) .

ويذكر العلاّمة الطّباطبائي:

« أنّ المعيار الديني للباطنيّة هو تأويل الأحكام الظّاهرة للإسلام إلى مراحل باطنيّة صوفيّة، ويعتبرون ظاهر الشّريعة خاصّاً للأمّيّين من النّاس، الذين لم يتدرّجوا طريق الكمال، ومع هذا كلّه، فقد كانت تصدر قوانين وأحكام معيّنة من أئمّتهم وزعمائهم بين حين وآخر »(٢).

وبعد قيام الدولة الفاطمية حكم سبعة من خلفائها على التوالي حكومة وإمامة طبق مذهبهم الإسماعيلي، دون أن يحصل بينهم أي انقسام، وبعد الخليفة السابع، وهو (المستنصر بالله سعد بن علي)،تنازع ولداه نزار والمستعلي، على الخلافة والإمامة. وكانت الغلبة للمستعلي الذي ألقى القبض على أخيه نزار و أمر بسجنه إلى أن مات. وأدّت هذه المنازعة إلى انقسام أتباع الفاطميّين إلى قسمين: نزاريّة و مستعلية .

النزاريّة :

هم أتباع الحسن بن الصبّاح، الذي أخرجه المستعلي من مصر لدفاعه

١- المصدر السابق (ص:٨١) .

٢- المصدر السّابق (ص:٨٣) .

٤٠