×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

مدخل الى تاريخ التشيع في تونس / الصفحات: ٦١ - ٨٠

زهد علي :

كان علي عليه السلام في زهده، كما في علمه وشجاعته، محط الرّحال ومضرب الأمثال .

فلقد كان ولا يزال قدوة العبّاد والزهّاد وأهل السّير والسلوك والتصوّف من جميع المذاهب والأديان عبر العصور .

قال في بعض خطبه مخاطباً الدنيا :

« إليك عني يا دنيا. أين الأمم الذين فتنتهم بزخارفك، فهاهم رهائن القبور ومضامين اللحود، والله لو كنت شخصاً مرئيّاً، وقلباً حسيّاً، لأقمت عليك حدود الله في عباد غررتهم بالأماني »(١) .

« يا دنيا إليك عنّي، أبي تعرّضت، أم إليّ تشوفت، لا حان حينك، هيهات، غرّي غيري، لا حاجة لي فيك، قد طلّقتك ثلاثاً لا رجعة فيها، فعيشك قصير، وخطرك يسير،وأملك حقير، آه من قلّة الزّاد، وطول الطّريق، وبعد السّفر، وعظيم المورد »(٢) .

وقال عليه السلام: « وأيمّ الله-يميناً أستثني فيها بمشيئة الله-لأروّضنّ نفسي رياضة تهشّ معها إلى القرص، إذا قدرت عليه مطعوماً، وتقنع بالملح مأدوماً »(٣) .

١- المصدر السابق (ص:٨٨) .

٢- المصدر السابق (ص: ٨٨) .

٣- المصدر السابق (ص : ٩٠) .

٦١
مدخل الى تاريخ التشيع في تونس » عبدالحفيط البناني » (ص ٦١ - ص ٩٠)

وقال أيضاً : « ألا وإنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طعمه بقرصيه... فوالله ما كنزت من دنياكم تبراً، ولا أعددت لبالي ثوبي طمراً، ولا ادّخرت من غنائمها وفراً، ولا حزت من أرضها شبراً »(١) .

آثار علي:

أحصى العلماء من آثاره عليه السلام الأدبيّة والفكريّة والعلميّة الشيء الكثير.

وممّا أحصوه يمكن أن نذكر ما يلي :

أ- نهج البلاغة .

ب- ألف كلمة (وقد ذكرها ابن أبي الحديد في آخر شرحه للنهج ).

ج- نثر الللآلي:(وهي مجموعة حكم وأمثال مرتّبة على حروف الهجاء، عددها ٢٧٨ حكمة).

د- غرر الحكم ودرر الكلم: ( وهي مجموعة حكم وأمثال).

هـ- دستور معالم الحكم، ومأثور مكارم الشّيم:( وهو مجموعة خطب وحكم ).

ح- كتاب المئة: يحتوي على مائة كلمة.

وهناك الكثير من خطب علي وأقواله، متفرّقة في كتب الأدب: (كالمخلاة والكشكول) لبهاء الدّين العاملي، و( العقد الفريد ومروج الذّهب )، وغيرها(٢).

١- المصدر السابق (ص : ٩١) .

٢- موسوعة الإمام علي عليه السلام: (ص :١٦٠ . ١٦٢) .

٦٢

علي ملهم الجميع:

قال العقّاد في كتابه « عبقريّة الإمام » :

« ينفرد علي بخاصّة لا يجاريه فيها إمام غيره، وهي اتّصاله بكلّ مذهب من مذاهب الفرق الإسلاميّة، منذ وجدت في صدر الإسلام، فهو منشئ هذه الفرق، أو قطبها الذي تدور عليه، وندرت فرقة في الإسلام لم يكن علي معلّماً لها منذ نشأتها، أو لم يكن موضوعاً لها، ومحوراً لمباحثها، تقول فيه،وتردّ على القائلين .وقد اتّصلت الحلقات بينه وبين علماء الكلام والتّوحيد،كما اتّصلت الحلقات بينه وبين علماء الفقه والشّريعة، وعلماء الأدب والبلاغة،فهو أستاذ هؤلاء جميعاً بالسّند الموصول » .

وقال أيضاً: « تبقى للإمام الهداية الأولى في التّوحيد الإسلامي، والقضاء الإسلامي، والفقه الإسلامي، وعلم النّحو العربي، وفنّ الكتابة العربيّة، ممّا يجوز لنا أن نسمّيه أساساً صالحاً لموسوعة المعارف الإسلاميّة كلّها في الصّدر الأوّل من الإسلام، وتبقى له مع هذا فرائد الحكمة التي تسجّل له ثقافة الأمم عامّة،كما تسجّل له في ثقافة الأُمّة الإسلاميّة على تباين العصور »(١) .

مختارات من كلماته عليه السلام:

(١) « ما أوسع العدل لدى التو اصف و ما أضيقه لدى التّناصف »(٢).

(٢) « مسكين ابن آدم، مكتوم الأجل، مكنون العلل،محفوظ العمل،

١- المصدر السابق (ص : ١٨٢- ١٨٣) .

٢- « علي كما وصف نفسه » (ص:١٧١) .

٦٣

تؤلمه البقّة، وتقتله الشّرقة، وتنتنه العرقة »(١) .

(٣) « الناس ثلاثة : فعالم ربّاني، ومتعلّم على سبيل النّجاة، وهمج رعاع أتباع كلّ ناعق، يميلون مع كلّ ريح، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجئوا إلى ركن وثيق(٢) .

(٤) سئل عليه السلام عن الفرقة والجماعة،فقال: « إنّ الفرقة أهل الباطل، وإن كثروا، والجماعة أهل الحقّ، وإن قلّوا» .

وقال: يعرف الرّجال بالحقّ، ولا يعرف الحقّ بالرّجال »(٣) .

(٥) « خالطوا النّاس مخالطة، إن متّم معها بكوا عليكم، وإن غبتم حنّوا إليكم »(٤) .

(٦) « وقال عليه السلام في النّهي عن التّعصّب :

« فإن كان لابدّ من العصبيّة فليكن تعصّبكم لمكارم الخصال، ومحامد الأفعال، ومحاسن الأمور...

فتعصّبوا لخلال الحمد، من الحفظ للجوار، والوفاء بالذّمام، والطّاعة للبرّ، والمعصية للكبر، والأخذ بالفضل، والكفّ عن البغي، والإعظام للقتل، والإنصاف للخلق، والكظم للغيظ، واجتناب الفساد في الأرض»(٥).

١- « موسوعة الإمام علي » (ص:١٧٣) .

٢- المصدر السابق (ص:٢٤٢).

٣- المصدر السابق (ص:٢٧٧-٢٧٨) .

٤- المصدر السابق (ص:٢٨٠) .

٥- المصدر السابق (ص:٢٩١) .

٦٤

(٧) وقال عليه السلام في توضيح معنى الشّبهة :

« لو أنّ الباطل خلص من مزاج الحقّ لم يخف على المرتادين، ولو أنّ الحقّ خلص من لبس الباطل لانقطعت عنه ألسن المعاندين، ولكن يؤخذ من هذا ضغث، ومن هذا ضغث، فيمزجان، وهناك يستولي الشّيطان على أوليائه، وينجو الذين سبقت لهم من الله الحسنى »(١) .

(٨) « من ترك قول لا أدري أصيبت مقاتله »(٢) .

(٩) « لا يكون الصّديق صديقاً، حتّى يحفظ أخاه في ثلاث : في نكبته، وغيبته، ووفاته »(٣) .

(١٠) وقال عليه السلام يصف بعض من تظاهر بالزّهد في الدّنيا بعد أن زهدت فيه:

« ومنهم من أقعدته عن طلب الملك ضؤولة نفسه، وانقطاع سببه، فقصرت الحال عن حاله، فتحلّى باسم القناعة، وتزيّن بلباس أهل الزّهادة، وليس من ذلك في مراح ولا مغدى »(٤) .

(١١) وقال عليه السلام في التّفريق بين جسم الإنسان وروحه من حيث الحسن والقبح:

« إنّما فرّق بينهم مبادئ أوطانهم، وذلك أنّهم كانوا فلقة من سبخ الأرض وعذبها وحزن تربتها وسهلها... فتامّ الرّواء ناقص العقل، ومادّ

١- المصدر السابق (ص:٢٩٣) .

٢- المصدر السابق (ص:٢٩٧) .

٣- المصدر السابق (ص:٣٠٠) .

٤- المصدر السابق (ص:١٩٧) .

٦٥

القامة قصير الهمّة، وزاكي العمل قبيح المنظر، وقريب القعر بعيد السّبر »(١).

(١٢) وقال عليه السلام حول الكذب في الأحاديث المنسوبة للرّسول صلى الله عليه و آله وسلم:

« إنّ في أيدي النّاس حقّاً وباطلاً، وصدقاً وكذباً، وناسخاً ومنسوخاً، وعامّاً وخاصّاً، ومحكماً ومتشابهاً، وحفظاً ووهماً. ولقد كذب على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم على عهده، حتّى قام خطيباً وقال: « من كذّب عليّ متعمّدا فليتبوأ مقعده من النّار ».

وإنّما أتاك بالحديث أربعة رجال ليس لهم خامس:

١-رجل منافق، مظهر للإيمان، متصنّع بالإسلام، لا يتأثّم ولا يتحرّج، يكذب على رسول الله متعمّداً، فلو علم النّاس أنّه منافق كاذب لم يقبلوا منه، ولم يصدّقوا قوله، ولكنّهم قالوا : صاحب رسول الله رأى وسمع منه، فيأخذون بقوله .

٢- رجل سمع من رسول الله شيئاً لم يحفظه على وجهه، فوهم فيه، ولم يتعمّد كذباً، فهو في يديه، ويرويه، ويعمل به، ويقول : أنا سمعته من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فلو علم المسلمون أنّه وهم فيه لم يقبلوه منه، ولو علم هو أنّه كذلك لرفضه .

٣- رجل سمع من رسول الله شيئاً يأمر به، ثمّ نهى عنه، وهو لا يعلم، فحفظ المنسوخ، ولم يحفظ النّاسخ، فلو علم أنّه منسوخ لرفضه، ولو علم المسلمون إذ سمعوا منه أنّه منسوخ لرفضوه .

١- المصدر السابق (ص:٢٤٢) .

٦٦

٤- وآخر لم يكذب على الله،و لا على رسوله، مبغض للكذب خوفاً من الله، وتعظيماً لرسول الله، ولم يهم [ أي لم يخطئ ] بل حفظ ما سمع على وجهه، فجاء به على ما سمعه لم يزد فيه، ولم ينقص منه، فحفظ النّاسخ فعمل به، وحفظ المنسوخ فجنب عنه، وعرف الخاصّ والعامّ، فوضع كلّ شيء موضعه وعرف المتشابه ومحكمه»(١) .

(١٣) وقال في وصف آل البيت عليهم السلام :

« لا يقاس بآل محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم من هذه الأُمّة أحد، ولا يسوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً، هم أساس الدّين، وعماد اليقين، إليهم يفيء الغالي، وبهم يلحق التّالي، ولهم خصائص حقّ الولاية، وفيهم الوصيّة والوراثة »(٢) .

(١٤) « إنّ الوفاء توأم الصّدق، ولا أعلم جنّة أوقى منه، ولا يغدر من علم كيف المرجع، ولقد أصبحنا في زمان قد اتّخذ أكثر أهله الغدر كيساً، ونسبهم أهل الجهل إلى حسن الحيلة، ما لهم قاتلهم الله.

قد يرى الحول القلب وجه الحيلة، ودونه مانع من أمر الله ونهيه، فيدعها رأي عين بعد القدرة عليها، ينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدّين»(٣) .

(١٥) « الحق لا يجري لأحد إلّا جرى عليه، ولا يجري عليه إلّا جرى

١- المصدر السابق (ص:٣٠٣-٣٠٤) .

٢- المصدر السابق (ص:٣١١-٣١٢) .

٣- المصدر السابق (ص:٣١٤) .

٦٧

له، ولو كان لأحد أن يجري له، ولا يجري عليه لكان ذلك خالصاً لله سبحانه دون خلقه »(١) .

(١٦) « عدل السّلطان خير من خصب الزّمان»(٢) .

(١٧) « الدّنيا جيفة، فمن أراد منها شيئاً فليصبر على مخالطة الكلاب»(٣) .

(١٨) وروي عنه عليه السلام أنّه قال:

« ما أحسنت لأحد قط، ولا أسأت إلى أحد،فرفع النّاس رؤوسهم تعجّباً. فقرأ قوله تعالى: ﴿ إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ﴾ »(٤) .

وهكذا فإنّ هذه الكلمات ما هي إلّا قطرة أو ذرّة من بحر علي المحيط. ولولا خوف الإطالة لالتمسنا المزيد.

١- المصدر السابق (ص: ٣١٦) .

٢- المصدر السابق (ص:٣١٨) .

٣- المصدر السابق (ص:٣٧٠) .

٤- الإصبهاني : « محاضرات الأدباء » (ص:٢١٦) .

٦٨

(٢) الإمام الحسن بن علي عليه السلام ريحانة الرّسول صلى الله عليه و آله وسلم

ثاني أئمّة أهل البيت عليهم السلام وأحد السبطين والرّيحانتين(١)، وسيّدي شباب أهل الجنّة(٢) .

ولد في المدينة ليلة النّصف من رمضان سنة (٣) من الهجرة، وتوفّي سنة (٤٩ أو٥٠). ويكبر أخاه الحسين بأحد عشر شهراً .

وبقي في رعاية جدّه سبع سنوات. وكان النّبي صلى الله عليه و آله وسلم لا يصبر على فراقه وفراق أخيه الحسين . وقد قال فيه الرّسول صلى الله عليه و آله وسلم : « أشبهت خلقي وخلقي»(٣) .

وأخرج البخاري عن أنس قال: لم يكن أحد أشبه بالنّبي صلى الله عليه و آله وسلم من الحسن بن علي.

وأخرج الشّيخان (البخاري ومسلم)، عن البرّاء قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم والحسن بن علي على عاتقه وهو يقول: « اللهمّ إنّي أحبّه فأحبّه »(٤) .

وورد في فضله وأخيه الحسين الكثير الكثير من الرّوايات.

وممّا قيل فيه عليه السلام: قال واصل بن عطاء: « كان الحسن بن علي، عليه

١- صحيح البخاري ( ج٢/ص:١٨٨ وج٤/ص:٢١٨) .

٢- سنن الترمذي (ج٢/ص:٣٠٦) و مستدرك الحاكم (ج٣/ص:١٦٧) و مسند أحمد (ج٣/ص:٣و٦٢و٨٢) .

٣- مسند أحمد (ج١/ص:٩٩و١٠٨) .

٤- صحيح البخاري (ج٥/ص:٣٣ و ج٢/ ص:١٨٨) .

٦٩

سيّماء الأنبياء، و هيبة الملوك»(١) .

قال عبد الله بن عبّاس: « أوّل ذلّ دخل على العرب موت الحسن عليه السلام »(٢) .

كان الحسن عليه السلام أعبد النّاس في زمانه. وقد حجّ إلى بيت الله الحرام من المدينة إلى مكّة ماشياً خمس و عشرين مرّة، وإنّ النّجائب لتقاد بين يديه،وقيل له في ذلك ؟

« فقال:إنّي لأستحي من ربّي أن ألقاه،ولم أمش إلى بيته» .

وقاسم الله ماله ثلاث مرّات،وخرج منه بكامله مرّتين .

وكان من هيبته أنّ معاوية قال: « ما رأيت الحسن إلاّ خفت مقامه، وعيبه لي »(٣) .

وكان من حلمه أنّ مروان بن الحكم قال: « أنّ حلم الحسن يوازن به الجبال »(٤) .

وكان لفصاحته وجرأته ما كان لأبيه أمير المؤمنين عليه السلام.

قال أبو الفرج الأصفهاني في (مقاتل الطالبيّين ): لمّا بويع معاوية خطب، فنال من علي، ومن الحسن، فقام الحسين ليردّ عليه، فأجلسه الحسن، ثمّ قام فقال: « أيّها الذّاكر عليّاً،أنا الحسن، وأبي علي، وأنت معاوية، وأبوك صخر، وأمّي فاطمة، وأمّك هند، وجدّتي خديجة، وجدّتك قتيلة، وجدّي رسول الله، وجدّك حرب، فلعن الله أخملنا ذكراً، وألأمنا

١- « صلح الحسن » (ص:١٦) .

٢- المصدر السابق (ص: ٢٣) .

٣- « شرح نهج البلاغة » (ج٦/ص:٢٨٦) .

٤- ابن شهر آشوب : « المناقب » (ص:ج٣/ ص:١٨٤).

(٭) ونحن نضمّ صوتنا إلى أصواتهم فنقول: اللهم آمين يا ربّ العالمين .

٧٠

حسباً، وشرّنا قدماً، وأقدمنا كفراً ونفاقاً » .

فقال الحاضرون: آمين . وكلّ من حدّث بذلك أو كتبه، أو سمعه منذ نطق به الحسن، قال : آمين(٭)(١).

وبعد وفاته عليه السلام وقف أخوه ( محمّد بن الحنفيّة ) على قبره، فقال: « لئن عزّت حياتك، لقد هدّت وفاتك، ولنعم الرّوح روح تضمّنه كفنك، ولنعم الكفن كفن تضمّنه بدنك، وكيف لا تكون هكذا، وأنت عقبة الهدى، وخلف أهل التّقوى، وخامس أهل الكساء، غذّتك بالتّقوى أكفّ الحقّ، وأرضعتك ثدي الإيمان، وربيت في حجر الإسلام، فطبت حيّاً وميّتاً، وإن كانت أنفسنا غير سخيّة بفراقك، رحمك الله يا أبا محمّد »(٢) .

صلح الحسن:

قيل الكثير عن صلح الإمام الحسن، وذكر المحقّقون أنّ الإمام لم يصالح معاوية إلّا مضطرّاً بعد أن تخاذل أهل العراق عن نصرته، كما تقاعسوا عن نصرة أبيه من قبله، حينما كان يستنهضهم، فلا يزدادون إلّا تقلّباً وتلوّناً.

كما أنّ أغلب الوجهاء والشّيوخ الذين بايعوه وشايعوه والتفّوا حوله لم يكونوا سوى طلّاب دنيا، فلمّا يئسوا من بلوغها ( معه أو عن طريقه) تحوّلوا عنه إلى عدوّه، كما أنّ عدداً غير قليل ممّن بايعه كان من المنافقين.

١- الأصفهاني : « مقاتل الطالبيّين » (ص:٧٠) .

٢- « صلح الإمام الحسن » (ص:٢٣) .

٧١

يقول الشيخ المفيد معدّداً أفراد الجيش الذي كان يقوده الحسن عليه السلام: «أخلاط من النّاس: بعضهم شيعة له ولأبيه، وبعضهم محكّمة، وبعضهم أصحاب فتن وطمع في الغنائم، وبعضهم شكّاك، وبعضهم أصحاب عصبة اتّبعوا رؤساء قبائلهم لا يرجعون إلى دين »(١) .

وهكذا يتبيّن بأنّ هذا الصلح « لم يكن حقناً للدماء، ولا جمعاً للشّمل، ولا كرهاً للحرب التي تقضي على الفتنة والفساد، بل لأنّ الإمام الحسن لم يجد من يقوى به على عدوّه و عدوّ الدين، فإنّ أكثر الذين أظهروا متابعته كانوا عيناً عليه، وعملاء لعدوّه، يتربّصون به الدّوائر »(٢) .

وقد سئل عليه السلام يوماً عن علّة مصالحته فأجاب: « علّة مصالحتي لمعاوية علّة مصالحة رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم لبني ضمرة وبني أشجع، ولأهل مكّة حين انصرف من الحديبيّة، أولئك كفّار بالتّنزيل، ومعاوية وأصحابه كفّار بالتأويل... ولولا ما أتيت لما ترك من شيعتنا على وجه الأرض أحداً إلّا قتل »(٣) .

ويقول عليه السلام في جواب سائل آخر: « لو كنت بالحزم في أمر الدّنيا وللدّنيا أعمل وأنصب، ما كان معاوية بأبأس منّي وأشدّ شكيمة، ولكنّ رأيي غير ما رأيتم »(٤) .

ويرى بعض الباحثين أنّ هذا الصّلح كان خطوة ذكيّة كشفت وجه

١- « الإرشاد » ( ص:١٩٣).

٢- « مغنيّة: الشّيعة والحاكمون » (ص:١١٣).

٣- « البحار » ( ج٤٤/ص:٢) .

٤- « الإمامة والسّياسة » ج١/ص:١٥١).

٧٢

معاوية الحقيقي وأفصحت عن طبيعة حكمه (الفرعوني) وأسهمت في تعريته أمام الأُمّة.

كما أنّ الإمام بصلحه قد مهّد « لقيام أوّل معارضة سلميّة بتاريخ الإسلام في وجه الحاكم الظّالم»(١) .

معاوية والتّشيّع:

لم يدّخر معاوية حيلة أو جهداً في الإساءة إلى علي وأولاده وشيعتهم، بشتّى الوسائل والطّرق بدءاً من الدّعاية والإعلام ووصولاً إلى التّقتيل والتّنكيل والإبادة... وذلك محاولة منه إلى محو ذكرهم من الوجود وحمل النّاس على حبّ عثمان والأمويّين، لكنّ النّتيجة جاءت على عكس ما أراد، بل يرى البعض بأنّ معاوية قد خدم التشيّع بنفسه من حيث لا يدري، «ونشره في كلّ قطر من حيث أراد القضاء عليه.[ لقد ] مات معاوية، وبقي التشيّع لعلي وأبناء علي، وسيبقى إلى أبد الآبدين ولو جاز الشّكر على الإساءة لحمدنا معاوية على ما أسداه لمذهب التشيّع من خدمات »(٢) .

قال الدّكتور طه حسين: « و ليس شيء من سياسة النّاس يروّج للآراء ويغري النّاس باتباعهما كالاستبداد الذي يعطف القلوب على الذين تلمّ بهم المحن، وتصبّ عليهم الكوارث، وتبسط عليهم يد السّلطان، والذي يصرف القلوب عن هذا السّلطان الذي يدفع إلى الظّلم، ويمعن فيه، ويرهق النّاس في أمرهم عسراً، لذلك عظم أمر الشّيعة في الأعوام العشرة

١- « أهل البيت بنظرة وحدويّة حديثة » (ص:٤٢٥).

٢- « الشّيعة والحاكمون » (ص:١٤٣).

٧٣

الأخيرة من حكم معاوية، وانتشرت دعوتهم أيّ انتشار في شرق البلاد الإسلاميّة، وفي جنوب بلاد العرب، ومات معاوية حين مات، وكثير من النّاس، وعامّة أهل العراق بنوع خاص يرون بغض بني أميّة، وحبّ أهل البيت لأنفسهم ديناً »(١) .

بين الحسن والحسين:

يرى المحقّقون بأنّه لا فرق بين الإمامين. فهما سبطا محمّد صلى الله عليه و آله وسلم، إمامان معصومان قاما أو قعدا، وسيّدا شباب أهل الجنّة.

« فمسالمة الحسن لخصمه كمجاهدة الحسين لعدوّه. ومدّ يد الأوّل لمعاوية النّاكث، كتقديم الثّاني نفسه لمدية يزيد. وفي تحمّل الحسن للذلّ عزّ وذلّت دعوة الأمويّين وافتضح أمرهم. كما أنّ في تحمّل الحسين للقتل عاش وماتت دعوة الأمويّين »(٢) .

« فكلّ من الحسنين، بالنّهاية، قد لاءم بين أسباب ثورته ونتائجها. فمهّد لغاية مفردة، وتعاونا على ثلّ عرش بصبر الأوّل ودم الثّاني، فجاءت رسالتهما تامّة كاملة في غاية التّمام و الكمال.

فنهضة الحسين وليدة صلح الحسن، بل هي جزء متمّم له، أو هي فصل ثالث يدخل في تسلسل الرّواية التي قام بها علي و مثّل فيها ابناه وكان أبطالها:علي والحسن والحسين. »(٣) .

١- المصدر السّابق (ص:١٤٣) .

٢- كامل سليمان : « الحسن بن علي » (ص:١٤٣- ١٤٤).

٣- كامل سليمان : « الحسن بن علي » (ص:١٤٣- ١٤٤).

٧٤

من أقواله عليه السلام:

١- « بالعقل تدرك الدّاران جميعاً، ومن حرم العقل حرمهما جميعاً »(١) .

٢- « من أدام الاختلاف إلى المسجد أصاب إحدى ثمان:

آية محكمة، وأخاً مستفاداً، وعلماً مستطرفاً، ورحمة منتظرة، وكلمة تدلّه على الهدى أو تردّه عن ردى، وترك الذّنوب حياء أو خشية »(٢) .

٣- « اتّقوا الله، عباد الله، وجدّوا في الطّلب، واتّجاه الهرب، و بادروا العمل قبل مقطّعات النّقمات، وهادم اللذّات ؛ فإنّ الدّنيا لا يدوم نعيمها، ولا تؤمن فجيعها، ولا تتوقّى في مساويها، غرور حائل، وسناد مائل. فاتّعظوا عباد الله بالعبر، واعتبروا بالأثر، وازدجروا بالنّعيم، وانتفعوا بالمواعظ، فكفى بالله معتصماً ونصيراً، وكفى بالكتاب حجيجاً وخصيماً، وكفى بالجنّة ثواباً، وكفى بالنّار عقاباً ووبالاً »(٣) .

٤- وقال لبعض ولده :

« يا بني لا تواخ أحداً حتّى تعرف موارده ومصادره، فإذا استنبطت الخبرة ورضيت العشرة فآخه على إقالة العثرة والمواساة في العسرة »(٤) .

٥- « إذا أردت عزّاً بلا عشيرة، وهيبة بلا سلطان، فاخرج من ذلّ معصية الله إلى عزّ طاعته جلّ و علا، و إذا نازعتك إلى صحبة الرّجال

١- « موسوعة الإمام علي » (ص:٥٤١).

٢- « أهل البيت (ع) بنظرة وحدويّة » ( ص:٢٦٧).

٣- المصدر السّابق ( ص:٢٦٧-٢٦٨).

٤- المصدر السّابق (ص:٢٦٧).

٧٥

حاجة، فاصحب من إذا صحبته زانك، وإذا خدمته صانك، وإذا أردت معونة أعانك، وإذا قلت صدّق قولك، وإذا صلت شدّ صولك، وإن مددت يدك بفضل مدّها، وإن سكتّ عنه ابتدأك، وإن نزلت بك إحدى الملمّات واساك، لا تأتيك منه البوائق، ولا تختلف عليك منه الطّرائق، ولا يخذلك عند الحقائق، وإن تنازعتما منقسماً آثرك »(١) .

١- « موسوعة الإمام علي (ع) » (ص:٥٤١).

٧٦

(٣) الإمام الحسين بن علي عليه السلام

ثالث أئمّة أهل البيت عليهم السلام ولد في الخامس من شعبان سنة أربع من الهجرة. وبين ميلاده وميلاد أخيه الحسن عشرة أشهر وعشرون يوما. وردت في فضله وفضائله الكثير من الرّوايات منها:

قول النّبي صلى الله عليه و آله وسلم : « حسين منّي وأنا من حسين، أحبّ الله من أحبّ حسيناً، حسين سبط من الأسباط »(١) .

و تعدّ شخصيّة الإمام الحسين شخصيّة مميّزة واستثنائيّة. وقد تجلّت بعظمتها و بجميع أبعادها في يوم عاشوراء على أرض كربلاء،حيث الملحمة الإنسانيّة الخالدة التي كانت ولا تزال مثار الاهتمام والإعجاب والاعتزاز على مدى العصور والدّهور.

ثورة الحسين عليه السلام:

كانت بيعة يزيد خطراً عظيماً يتهدّد الأُمّة والدّين، وكان لا بدّ من تصحيح الانحراف ولو بسفك المهج والتّضحية بالغالي والنّفيس،فكانت ثورة الحسين عليه السلام.

وكان من نتائجها إزالة الشّرعيّة عن منصب الخلافة وتعريته من لبوس

١- « الأدب المفرد » (ص:١٢٩) «وسنن الترمذي » (ج٥/ص:٦٥٨-٦٥٩) و «ذخائر القربى» (ص:١٣٣).

٧٧

القداسة الدّينيّة المزيّف.كما أدّت إلى فضح يزيد وكشف حقيقته، وأوجدت حالة من المعارضة والرّفض للظّلم والانحراف، وبذرت بذور ثورات لا زالت تتفاعل إلى يومنا هذا.

إنّ كربلاء الحسين بما حملته من قيم أقضّت مضاجع الأمويّين وزلزلت عروشهم وأتت على دولتهم ومحت ذكرهم من الوجود.

ومن نتائجها أيضاً: إعادة الاعتبار للقيم الإسلاميّة العظيمة التي كادت تنسى بعد مرور نصف قرن على وفاة الرّسول صلى الله عليه و آله وسلم.

ويمكن القول بأنّ هذه النّهضة قد نفخت في الأُمّة روحاً جديدة وأيقظتها بعد سباتها وموتها، وأثارت غيرتها وحميّتها على دينها وأعطتها دروساً بليغة في المقاومة والصّبر والثّبات وأسقطت عنها حاجز الرّعب والخوف والتّردّد. حتّى صار شعار « يا لثارات الحسين »، أنشودة للثّائرين ضد الظّلم والجور والطّغيان. وصار الحسين عليه السلام رمزاً للأحرار و الثّوّار حتّى من غير المسلمين.

مراثيه عليه السلام:

تبارى الشعراء والأدباء والفصحاء في رثاء الحسين عليه السلام، فقالوا وأجادوا. ولا عجب في ذلك فإنّ « للحسين محبّة مكنونة في قلوب المؤمنين».

ومن قصيدة لدعبل الخزاعي في رثائه عليه السلام جاء فيها:


« ذكرت محلّ الرّبع من عرفاتفأجريت دمع العين بالعبـرات

٧٨


فلّ عرى صبري وهاجت صبابتيرسوم ديار أقفرت وعرات

مدارس آيات خلت من تلاوةو منزل وحي مقفر العرصات


لآل رسول الله بالخيف من منىبالرّكن والتّعريف و الجمرات


قفا نسأل الدّار التي خفّ أهلهامتى عهدها بالصوم والصّلوات؟


قبور بكوفان وأخرى بطيبةوأخرى بفخّ نالها صلواتي

نفوس لدى النّهرين من أرض كربلامعرّسهم فيها بشطّ فرات


تقسّمهم ريب الزّمان كما ترىلهم عقرة مغشيّة الحجرات


أكفّا من الأوتار منقبضات.. »(١) إذا وتروا مدّوا إلى أهل وترهم

من أقواله عليه السلام:

- « من أحبّك نهاك، ومن أبغضك أغراك »(٢).

- « من حاول أمراً بمعصية الله كان أفوت لما يرجو و أسرع لما يحذر»(٣).

- « إنّ قوماً عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجّار، وإنّ قوماً عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وإنّ قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار، وهي أفضل العبادة »(٤).

١- « ديوان دعبل » (ص: ٥٩ – ٦٤). « المناقب لابن شهر آشوب » ( ص:ج٣/ ص:٣٦٥) .

٢- « موسوعة الإمام علي عليه السلام »:(ص: ٥٤٤ ).

٣- « تحف العقول » ( ص:٢٤٥-٢٤٨ ).

٤- « تحف العقول » ( ص:٢٤٥-٢٤٨ ).

٧٩

(٤) الإمام علي بن الحسين عليه السلام

هو الرابع من أئمّة أهل البيت عليهم السلام . من ألقابه زين العابدين والسجّاد.

ولد بالمدينة في يوم الخميس الخامس عشر من شهر جمادي الآخرة (على الأرجح)، سنة ٣٨ من الهجرة . وعاش حوالي ٥٧ عاما، قضى بضع سنين منها في كنف جده أمير المؤمنين عليه السلام.

نشأ و ترعرع في مدرسة النبوّة والعترة الطاهرة.

وبرز « على الصعيد العلمي والدّيني إماماً في الدّين ومناراً في العلم ومرجعاً في الحلال والحرام ومثلاً أعلى في الورع والعبادة والتقوى، وآمن المسلمون جميعاً بحلمه واستقامته وأفضليّته وانقاد الواعون منهم إلى زعامته وفقهه ومرجعيته»(١) .

وممّا قيل عنه :

قال الزّهري : « ما رأيت هاشمياً أفضل من علي بن الحسين ولا أفقه منه ».

وقال سعيد بن المسيّب: « ما رأيت قط مثل علي بن الحسين».

وقال الإمام مالك : «سمي زين العابدين لكثرة عبادته».

وقال سفيان بن عيينة: « ما رأيت هاشمياً أفضل من زين العابدين ولا أفقه منه».

١- مقدمة (الصحيفة السجادية) بقلم الشهيد الصدر (ص: ١١) .

٨٠