×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

مدخل الى تاريخ التشيع في تونس / الصفحات: ١٤١ - ١٦٠

ثمّ بدأت مرحلة جديدة للحكم الإسلامي ببلاد المغرب على يد موسى بن نصير الذي تقلّد ولاية إفريقية سنة (٨٥ هـ /٧٠٤ م)، وتولّى فتح بعض المناطق التي لم تفتح بعد . كما قام بتسخير عدد من العرب لتعليم البربر مبادئ الإسلام واللغة العربية.

ثمّ أرسل تابعه طارق بن زياد (البربري) لفتح الأندلس. ففتحها سنة (٩٣ هـ / ٧١١م).

ثمّ تعاقبت الولاة بعد ذلك على إفريقية وبسطوا نفوذهم على جميع بلاد المغرب والأندلس.

ومن أبرز هؤلاء :

- عبيد الله بن الحبحاب (١١٦-١٢٣هـ /٧٣٤-٧٤٠م)، وهو الذي بنى جامع الزيتونة بتونس سنة (١١٦هـ /٧٣٤م)

- عبد الرحمان بن حبيب الفهري (١٢٧-١٣٧هـ )، وكان في بدايته ثائراً ضد الحكم الأموي وضد الخوارج على السواء، ثمّ استقلّ بحكم افريقية حوالي عشر سنوات قبل أن يعلن انفصاله على مركز الخلافة العباسية في المشرق.

وكان لانفصاله قصّة طريفة خلاصتها :

أنّه لمّا تولّى المنصور العباسي الخلافة، أقرّ عبد الرحمان على إفريقية، وأرسل إليه خلعة سوداء، فلبسها، وأرسل بدوره إلى المنصور هدية مع كتاب جاء فيه : «إنّ افريقية اليوم إسلامية كلّها، وقد انقطع السبي منها

١٤١

والمال، فلا تطلب منّا مالاً ».

فغضب المنصور عليه، وبعث يهدده، فما كان من عبد الرحمان إلّا أن خلع الخليفة المنصور بإفريقية، ومزّق خلعته.

قال ابن عذارى في كتابه « البيان المغرب في أخبار المغرب »:

« فلمّا وصل إليه [ يعني عبد الرحمان بن حبيب ] الكتاب غضب غضباً شديداً ثمّ نادى الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، وخرج عبد الرحمان في مطرف خزّ فصعد المنبر . فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ أخذ في سبّ أبي جعفر، وقال : إنّني ظننت أن هذا الخائن يدعو إلى الحق، ويقوم به حتّى تبين خلاف ما بايعته عليه من إقامة العدل، وإنّي الآن قد خلعته كما خلعت نعلي هذا، وقذفه من رجله، ثم دعا بخلع السود وأمر بتحريقها »(١).

وهذه أوّل مرّة تستقلّ افريقية رسمياً عن مركز الخلافة في المشرق.

- إبراهيم بن الأغلب (١٨٤هـ / ٨٠٠م).

وهو مؤسّس الدولة الأغلبية، وفي عهده أصبحت إفريقية تتمتّع باستقلالها ( الذاتي) عن مركز الخلافة الذي تقتصر علاقتها به على الأمور العامة (كتسمية الولاة).كما أصبح الحكم في إفريقية وراثياً.

وعلى هذا الأساس حكمت الأسرة الأغلبية ما يزيد عن مائة عام من سنة (١٨٤هـ / ٨٠٠م ) إلى سنة (٢٩٦هـ / ٩٠٩م ).

١- ابن عذارى : « البيان المغرب في أخبار المغرب » (ج١/ص:٥٧).

١٤٢

ظهور الخوارج في إفريقية

يعرّف صاحب الملل والنحل الخوارج بأنّهم:

« كلّ من خرج على الإمام الحقّ الذي اتفقت الجماعة عليه...، سواء كان الخروج في أيّام الصحابة على الأئمّة الرّاشدين، أو كان بعدهم على التابعين بإحسان، والأئمّة في كلّ زمان »(١) .

ويعود ظهور نحلة الخوارج إلى حادثة التحكيم الذي اضطر ّ أمير المؤمنين علي بن طالب عليه السلام إلى قبوله.

وتحت شعار « لاحكم إلّا لله » خرج جماعة من الذين كانوا يطالبون بالتحكيم بدعوى أنّ بقاءهم قد يفسر بأنّه اعتراف وإقرار بإخضاع « كلمة الله » لحكم البشر .

هذا وقد اختلف الباحثون في علّة ظهور الخوارج إلى أكثر من رأي:

فمنهم من رأى بأنّ « الخوارج كانوا عرباً من قبائل تميم و حنيفة وربيعة، الذين كان لهم في الجاهلية شأن كبير بين العرب، وقد اعتنقوا الإسلام لإعجابهم بمبادئه الديمقراطية وأبلوا في الفتوح بلاء عظيماً، وطمعوا في مجد جديد يضيفونه إلى مجدهم التليد، ولكنهم غلبوا على أمرهم، واستأثرت أرستقراطية مكّة و المدينة فأعادوا حركة الردة ولكن في

١- الشهرستاني : « الملل والنحل » (ج١/ص:١٢٩).

١٤٣

صورة إسلامية وبدا هذا في موقفهم من التحكيم »(١) .

ومنهم من ذهب إلى أنّ العلّة في خروجهم تكمن في تشدّدهم في الدين الناتج عن جهلهم بالإسلام وبساطة تفكيرهم. ولذلك تجدهم يسرفون في تكفير من سواهم ويوجبون جهاد من خالفهم .

وانقسم الخوارج إلى فرق كثيرة تجاوزت العشرين . من أشهرها: الإباضيّة والصفريّة والأزارقة.

والأولى : تنسب إلى عبد الله بن إباض.

والثانية : إلى زيادة بن الأصفر.

والثالثة: إلى نافع بن الأزرق(٢).

وعلى كلّ، فقد استغلّ نفر من الخوارج، الفارّين من الشرق، حالة الظلم الاجتماعي و السياسي التي كانت تعيشها بلاد المغرب لاسيمّا في أواخر العهد الأموي وبداية العهد العباسي.

« فتغلغلوا في صفوف البربر، وأخذوا يحرّضونهم على الثورة ضد ما يقع عليهم من ظلم ويبيّنون لهم حقوقهم في دولة المسلمين التي أصبحوا مواطنين فيها. ووجد الخوارج في هؤلاء البربر النفوس المستعدّة لتقبّل تعاليمهم التي تلاءم نزعاتهم » .

١- العبادي : « صور من التاريخ الإسلامي » نقلاً عن كتاب « الشيعة بين الأشاعرة والمعتزلة » للحسني (ص:٤٠).

٢- انظر « الفرق بين الفرق » للبغدادي (ص:٥٤-٥٥).

١٤٤

فأمّلوا في تأسيس دول خاصّة بنحلتهم يناوؤن بها سلطة الخلافة بالشرق ويقضون مضاجعها.

وفي الواقع لم تعكس صورة بلاد المغرب تحت الحكم العربي، (الأموي و العباسي )، سوى الارتباك و الاضطراب. فلقد كانت سياسة الأمويين في بلاد المغرب وظلم ولاتهم وتعسّفهم وتمييزهم (العنصري) بين السكان، وإرهاقهم لكاهلهم بالضرائب المجحفة، التي هي أشبه بالخراج والجزية التي كانت مفروضة على غير المسلمين، سبباً مباشراً في أغلب الثورات التي قامت ضدّهم في هذه البلاد.

ففي أواخر عهد الأمويين عمّت الفوضى بلاد المغرب ولم يكن للخليفة أيّة سلطة تذكر. وسيطر الخوارج على المشهد السياسي في البلاد.

ذلك أنّ بعض الولاة كانوا يتعاملون مع بلاد المغرب، بوصفهم جباة وجامعي غنائم. بل إنّ بعضهم كان يتقرّب إلى أسياده في مصر ودمشق بالإمعان في السلب والنهب وتحصيل الغنائم حتّى أنّ شدّة ولائه وإخلاصه كان يقاس بكمية ما يجمعه.

وبلغ الأمر ببعضهم إلى اعتبار البربر موالي، فكانوا يعاملونهم معاملة السيّد لعبده. بل حدث ما هو أدهى وأنكى وأخطر حيث عمد أحد عمّال الوالي(١) إلى تخميس البربر زاعماً أنّهم فيء المسلمين(٢) . فكان« فعله الذميم هذا سبباً لنقض البلاد ووقوع الفتن العظيمة المؤديّة إلى كثير القتل في

١- هو عامل ابن الحبحاب على طنجة (سنة ١١١هـ/٧٣٤م).

٢- « البيان المغرب »(ج١/ص:٥٢).

١٤٥

العباد»(١).

وكان أوّل ظهور الخوارج في المغرب، كحركة معارضة ضد الظلم و الانحراف. ثمّ سرعان ما تحوّلت هذه الحركة إلى ثورة أودت بحياة عشرات الآلاف من الناس(٢).

ولقد صبغ الخوارج، وكان معظمهم من زناته(٣)، بحسب المستشرق (قوتيه Gautier) (٤)، معارضتهم بالصبغة الدينية ليظهروا بمظهر المدافع عن الدين وعن قيمه الأصلية، وبذلك اكتسبت حركتهم بعض الشعبية وتلاءمت مع البربر الذين كانوا مفطورين على التمرّد و الثورة.

وكان لحركة الخوارج، في بلاد المغرب أبعادها الاجتماعية والسياسية الصرفة، وإن حاولوا إظهارها بمظهر ديني ومذهبي، ممّا ألبس الأمر على بعض الباحثين الذين رأوا بأن معارضتهم كانت عقائدية.

فلقد كان مذهب الخوارج في بدايته عبارة عن تمرّد أو ردّ فعل سياسي على طغيان الولاة من العرب وحيفهم واستبدادهم وسرعان ما تحوّلت حركتهم إلى نحلة أو مذهب بسبب تفاعل طائفة كبيرة من البربر معها

١- « البيان المغرب »(ج١/ص:٥٢).

٢- فلقد قتل في معركتي القرن والأصنام (سنة ١٢٤هـ) أكثر من (١٨٠ ألفا ) .حسبما ورد في كتاب « القيروان » للجنحاني (ص:٤٧).

٣- وهي قبيلة بربرية عرفت، و منذ دخولها للإسلام، ببغضها الشديد للعرب، وحرصها على تأسيس ملك أو حكم بربري.

٤- « تاريخ إفريقيا الشمالية » (ج٢/ص:٣٥).

١٤٦

(لاسيما الزناتيون)، نظراً لملاءمتها لطبيعتهم ولما « فطروا عليه من نزوع إلى الثورة والتمرّد »(١) .

وكانت أولى ثورات الخوارج سنة (١٢٢هـ) بقيادة (ميسرة المضغري أو المدغري) (٢) ، الذي زحف من طنجة وأعلن الانفصال عن الوالي ثمّ سمّى نفسه خليفة . ثمّ تعاقبت الثورات.ولم يكن الثائرون كلّهم من الخوارج . إلّا أنّ قيادتهم كانت في الغالب خارجية وهذا ما أدى إلى نتائج سلبية وعكسية وهزائم متعاقبة.

والخوارج كما غالوا في العبادة، غالوا أيضاً في الاعتقاد وتطرّفوا في أحكامهم، حتّى أنّهم حكموا بكفر مرتكب الكبيرة بل و الصغيرة أحياناً.

كما كفّر بعضهم كلّ من خالفهم من المسلمين و حكموا باستباحة دمائهم وأعراضهم فضلاً عن أموالهم. دون أن يرحموا صغيراً أو كبيراً ولا امرأة ولا شيخاً عاجزاً ولا حتّى رضيعاً .

وان تشدّدهم وانغماسهم في الدماء لعنة عليهم و على حركتهم ممّا أدّى إلى فشلهم و تسفيه مبادئهم .

ويعود السرّ في فشل الخوارج وانتكاسهم بل واضمحلالهم، إلى أسباب عديدة من أهمّها :

١- « تاريخ إفريقيا الشمالية » (ج٢/ص:٣٥).

٢- الذي ذهب إلى الشام،قبل الثورة،على رأس وفد للتظلم من جور والي إفريقيّة.إلا أنّ الوفد لبث أيّاما وهو ينتظر الإذن بالدخول على الخليفة (هشام بن عبد الملك )، لكن دون جدوى.ممّا اضطره للعودة إلى افريقية ناقماً...

١٤٧

١- إسرافهم في تكفير من خالفهم دون أيّ دليل من كتاب أو سنّة أو عقل، واستباحتهم لدماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم باسم الدين.

٢- مبالغتهم في استعمال حقّهم في نقض بيعة من خالفهم من أمرائهم ممّا أدّى إلى حالة من الفوضى وقلّة الطاعة والولاء وكثرة الخلافات و المعارك بينهم لأتفه الأسباب وأبسطها.

٣- شبهة ارتدادهم عن الدين بسبب بروز بعض الاجتهادات المنافية لأصول الدين بينهم. والتي فسرّت بأنّها محاولة لهدم الإسلام من أساسه(١).

٤- سفاهة أحلامهم و بساطة تفكيرهم وسذاجتهم وجهلهم المركّب بأبسط القواعد العقلية والدينية(٢).

ومجمل القول في هذا الموضوع: « لقد وقف الخوارج في ناحية ووقف المسلمون كلّهم في ناحية، واختطّوا لأنفسهم طريقاً خالفوا فيه جميع المسلمين، فلقد حاولوا تطبيق جميع تصرّفاتهم على الدين من الزاوية التي يفهمونها .

فالباحث في تاريخهم من جميع نواحيه يجدهم يتخطون الواقع والمنطق والدين و العلم في جميع تصرفاتهم وآرائهم، ولذلك كانوا منبوذين من جميع

١- لمعرفة المزيد حول هذا الموضوع.يمكن الرجوع إلى كتاب « الشيعة بين الأشاعرة والمعتزلة » (ص:٤٨ وما قبلها).

٢- انظر بعض نوادرهم (لا سيما دسائس المهلب بن صفرة) :المصدر السابق (ص:٤٣-٤٦).

١٤٨

فرق المسلمين على اختلاف نزعاتهم ومذاهبهم، ولم يستطيعوا في جميع حالاتهم ومواقفهم المتعدّدة .. أن يربحوا عطف الشعوب، ولا أن يحقّقوا شيئاً من آمالهم وأمانيهم ومنيت حركاتهم بالفشل بعد جهاد استمرّعشرات الأعوام و السنين »(١) .

كالتي ﴿ نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا ﴾ (٢)(٭).

١- « الشيعة بين الأشاعرة والمعتزلة » (ص:٤٩-٥٠).

٢- النحل (١٦) : ٩٢.

(٭) وهذا القول يصدق أيضا على الخوارج الجدد الذين أساءوا للإسلام وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً.

١٤٩

الفصل الثاني:صفحات من تاريخ التشيّع في إفريقية

تمهيد:

قبل الدخول في صلب الموضوع يحسن التمهيد بمقدّمة نميزّ فيها بين نوعين من التشيّع:

(التشيّع العام و التشيّع الخاص).

التشيّع العام: هو التشيّع في خطوطه العريضة، ويشمل جميع من يتولّى أمير المؤمنين علي وأهل بيته عليهم السلام بصرف النظر عن جزئيات وتفاصيل هذا الولاء وحيثيّاته. فيدخل تحت هذا القسم كلّ من انتسب إلى التشيّع بسبب ولو كان واهياً أو باطلاً.

التشيّع الخاص: وهو التشيّع الحقيقي بكلّ مفرداته الخاصّة ومكّوناته الأساسيّة وعناصره المميّزة.

ويشتمل بالإضافة إلى الموالاة والمحبّة والتقديم، على كافّة جوانب التشيّع بوصفه صيغة إسلاميّة مميّزة عمل الأئمّة عليهم السلام على تأصيلها في واقع الأُمّة، بما تحمله هذه الصيغة من أبعاد عقائدية وروحية وفقهية وسياسية.

ويمكن أن نميّز بين النوعين المذكورين من التشيّع من خلال النقاط التالية:

١- التشيّع الأوّل ( أو العام) : هو تشيّع ظاهري فحسب ينظر للشكل

١٥٠

دون المضمون.

أما التشيّع الثاني (أوالخاص): فهو تشيّع مبدئي جوهري يؤكّد على المضمون أكثر من اهتمامه بالشكل.

٢- كما يوجد بين الإسلام والإيمان عموم وخصوص مطلق. فكل مؤمن مسلم ولكن ليس كلّ مسلم مؤمنا.

فكذلك يوجد بين التشيّعين العام والخاص عموم وخصوص مطلق.

فكلّ شيعي بالمعنى الخاص هو كذلك بالمعنى العام ولكن ليس كل من كان شيعياً بالمعنى العام هو كذلك بالمعنى الخاص .

٣- التشيّع الأول هو بالدرجة الأولى عاطفي، بينما الثاني عقلاني وواعي تلعب فيه الإرادة والاختيار دوراً كبيراً .

٤- يمكن أن تقبل ممن ينسب نفسه إلى الأوّل مجرّد قوله أو ادعاءه بينما لايمكن قبول ذلك من الثاني .

٥- التشيّع الثاني (أو الخاص) هو حركة واعية بينما الأول (أو العام) هو مجرد شعور وانتساب.

٦- التشيّع الخاص يتسع إلى كافّة أبعاد التشيّع العقائدية والروحية والفقهية وغيرها. بينما التشيّع العام لا يهتم سوى بالعناوين الرئيسية (كالإمامة).

٧- كما أنّ الإسلام يشكلّ القاعدة الأساسية أو البنية التحتية للإيمان، فإنّ التشيّع العام يمكن أن يمهد أو يهيئ الأرضية المناسبة لظهور التشيّع

١٥١
مدخل الى تاريخ التشيع في تونس » عبدالحفيط البناني » (ص ١٥١ - ص ١٨٠)

الخاص.

وعلى كلّ حال فإنّ التشيّع بقسميه (العام والخاص) ليس سوى الموالاة والمحبّة والمتابعة لأهل البيت عليهم السلام ، اعترافاً بحقّهم وقدرهم وفضلهم ومكانتهم، وذلك كلّه تقرباً وامتثالاً وطاعة لأوامره تعالى.

وبالنظر لما تقدّم من تفصيل يمكن القول بل الجزم بأنّ التشيّع بمعناه الثاني (أي الخاص ) لايمكن أن ينطبق سوى على طائفة واحدة من الشيعة وهي الإمامية (الاثني عشرية).

أمّا التشيّع بمعناه الأوّل (أو العام ) فيمكن أن تدخل تحته جميع المذاهب والفرق (الشيعية).

كما أنّ في النصوص المروية عن أهل البيت عليهم السلام ما يؤيد هذا المنحى أو الاتجاه. فقد ورد في «بحار الأنوار » للعلّامة المجلسي :

أنّ رجلاً قال للحسن بن علي عليه السلام: إنّي من شيعتكم، فقال الحسن: « يا عبد الله، إن كنت تابعاً لنا في أوامرنا مطيعاً فقد صدقت، وإن كنت بخلاف ذلك فلا تزد في ذنوبك بدعواك مرتبة شريفة لست من أهلها.لا تقل لنا أنا من شيعتكم، ولكن قل أنا من مواليكم ومحبيكم ومعادي أعدائكم »(١) .

وقال رجل للحسين عليه السلام : يا بن رسول الله أنا من شيعتكم، فقال عليه السلام: «إنّ شيعتنا من سلمت قلوبهم من كلّ غشّ وغلّ ودغل »(٢) .

١- « بحار الأنوار » (ج٦٨/ص:١٥٦).

٢- « بحار الأنوار » (ج٦٨/ص:١٥٦).

١٥٢

ومن كتاب أبي القاسم بن قولويه عن محمّد بن عمر بن حنظله قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: « ليس من شيعتنا من قال بلسانه، وخالفنا في أعمالنا وآثارنا، لكن شيعتنا من وافقنا بلسانه وقلبه وتبع آثارنا وعمل بأعمالنا أولئك شيعتنا »(١).

وعن أبي بصير عن الصادق عليه السلام: « شيعتنا أهل الورع والاجتهاد، وأهل الوفاء والأمانة، وأهل الزهد والعبادة، أصحاب إحدى وخمسين ركعة في اليوم والليلة، القائمون بالليل، الصائمون بالنهار، يزكون أموالهم، ويحجّون البيت، ويجتنبون كلّ محرّم »(٢) .

وعن نوف بن عبد الله البكالي، قال: قال لي علي عليه السلام : « يا نوف خلقنا من طينة طيّبة، وخلق شيعتنا من طينتنا، فإذا كان يوم القيامة ألحقوا بنا».

قال نوف: فقلت : صف لي شيعتك يا أمير المؤمنين فبكى لذكر شيعته وقال: « يا نوف شيعتي والله الحلماء، العلماء بالله ودينه، العاملون بطاعته وأمره، المهتدون بحبّه، أنضاء عبادة، أحلاس زهادة، صفر الوجوه من التهجّد، عمش العيون من البكاء، ذبل الشفاه من الذكر، خمص البطون من الطوى، تعرف الربّانيّة في وجوههم والرّهبانية في سمتهم، مصابيح كلّ ظلمة، وريحان كلّ قبيل، لا يثنون من المسلمين سلفاً، ولا يقفون لهم خلفاً، شرورهم مكنونة، وقلوبهم محزونة، وأنفسهم عفيفة، وحوائجهم خفيفة، أنفسهم منهم في عناء، والناس منهم في راحة، فهم الكاسة الألباء،

١- المصدر السابق (ج٦٨/ ص: ١٦٤/ ح١٣).

٢- المصدر السابق (ج٦٨/ ص: ١٦٧).

١٥٣

والخالصة النجباء، فهم الرواغون فراراً بدينهم، إن شهدوا لم يعرفوا، وإن غابوا لم يفتقدوا، أولئك شيعتي الأطيبون وإخواني الأكرمون، ألا هاه شوقاً إليهم »(١).

١- المصدر السابق (ج٦٨/ ص: ١٧٧).

(٭) لا عجب أن يوجد بين الباحثين والمتابعين، من له حسّاسية مفرطة اتّجاه موضوع التشيّع في بلاد المغرب. و نصيحتي لهؤلاء جميعاً بأن يحاولوا التخلّص من التعصّب المذهبي الموروث الذي كان أحد أسباب تخلّف أمّتنا وتأخّرها عن ركب الحضارة والتقدّم، وأن ينظروا للأمور بموضوعية وتجرّد بعيداً عن الأهواء والميول.

١٥٤

تاريخ التشيّع في إفريقية(٭)

(خلال خمسة قرون)

(من بداية الفتح الإسلامي إلى منتصف القرن الخامس الهجري)

يمكن تقسيم هذا التاريخ إلى ثلاثة مراحل:

الأولى : من بداية الفتح الإسلامي إلى منتصف القرن الثاني (للهجرة)

الثانية : من منتصف القرن الثاني إلى منتهى القرن الثالث

الثالثة: من نهاية القرن الثالث إلى منتصف القرن الخامس.

لكن قبل البدء تجدر الإشارة إلى بعض الملاحظات الهامة.

ملاحظات :

١- إنّ ما يهمّنا في هذا القسم هو التشيّع بمعناه الواسع والعام ولذلك فإن للتشيّع (الفاطمي أو والإسماعيلي) حظّه أو نصيبه في هذا البحث .

٢- لم يكن ذكري لبعض المحطات من تاريخ الفاطميين ميلاً إليهم أو دفاعاً عنهم أو تنويهاً أو إشادة بهم، وإنّما اقتضت خطّة البحث المرور بهذه المحطّات لأنّها شكّلت منعرجاً هاماً في تاريخ التشيّع في إفريقية وبلاد

١٥٥

المغرب. مع العلم بأنّ مسألة الحكم على الفاطميين أو لهم، أو بعبارة أخرى محاكمتهم، هي من الأمور الخارجة عن موضوع هذا البحث تخصّصاً وتخصيصاً.

٣- ربّما لاحظ القارئ الكريم بأنّ بعض فقرات هذا الفصل وردت بشكل متناثر دون رابط أو ناظم ينظّمها أو يجمعها. لكن عند التأمّل يتبيّن بأنّها أتت جميعها لتؤدّي دورها في سياق البحث ولو بشكل محطّات.

٤- وقع الاستشهاد بفقرات طويلة تمّ اقتباسها من المصادر الفاطمية بعناية، وذلك بغية إعطاء صورة واضحة عن الموضوع، ومختلفة عما دأبت عليه بعض المصادر الأخرى.

٥- إن إيراد بعض المقاطع الشعرية التي تمدح أو ترثي الخلفاء الفاطميين لا يعني الرضا بمضمونها، بل إنّ الهدف منه هو محاولة تحقيق غايتين على الأقلّ :

الأولى: هي جمالية ذوقية.

والثانية: إظهار قيمة وعظمة شعراء إفريقية (من الشيعة).

٦- قد يلاحظ عدم التوازن في الاهتمام ببعض المباحث وهذا مما له علاقة بموضوع البحث وخطّته.

فمثلاً بالنسبة لثورة صاحب الحمار تمّ التوقف عندها مليّاً، وبشكل مفصّل، وذلك لعدّة أسباب:

أولاً : إنّ محاولة فهم طبيعة هذه الثورة وخلفياتها ودوافعها ومراحلها

١٥٦

منذ نشأتها إلى أفولها ونهايتها قد يسهم في إعطاء بعض الإجابات المفيدة و الهامّة على أكثر من صعيد.

لاسيمّا بأنّ منطقتنا تعاني هذه الأيام من ظاهرة الإسلام التكفيري أو ما يمكن أن نسميه « بالخوارج الجدد ».

ثانياً : إظهار دور التعصّب المذهبي في الكوارث التي حلّت بإفريقية وبلاد المغرب.

إذ إنّه ما من شكّ في أن نتائج حركة الخارجي « أبي يزيد » كانت كارثية على البلاد والعباد على السواء وعلى أكثر من صعيد.

لكن قلة قليلة فقط تعلم بالدور الكبير الذي قام به فقهاء السنّة (من المالكية) في تأييد هذه الثورة و تأجيجها بل المشاركة فيها أيضاً، ممّا أدّى إلى نتائج سلبية وردود فعل عكسية.

ثالثاً: إنّ الفرق بين المصادر الفاطميّة وغيرها في تناول موضوع هذه الثورة:

أنّ الأولى، زيادة على أنّها أكثر دقّة ووضوحاً وتفصيلاً، فهي أقرب ما تكون إلى الموضوعية .

بينما الثانية نجدها، وفي معظمها، انتقائية، بل إن بعضها لم يتخلّص من عقدة التعصّب البغيض، حتّى أنّه لم يخف تشفيّه بل وأسفه من عدم وصول تلك الثورة إلى غاياتها ومبتغاها (وهو القضاء على الخلافة الفاطمية).

٧- فيما يتعلّق « بوقعة الشيعة » حاولت إعطاء صورة أكمل عن

١٥٧

الموضوع وإبراز دور التعصب المذهبي في هذه الفتنة أو المأساة والجريمة.

٨- أمّا بخصوص « الزحف الهلالي » فلقد حاولت إظهاره بشكل أقرب للوضوح وبيان كيف أنه كان نتيجة لإطلاق العنان للتعصّب المذهبي البغيض ولشهوة الانتقام.

وبشكل عام حاولت تقديم صورة شبه متكاملة (ولو بانورامية) عن التشيّع في إفريقية .

١٥٨

(١) المرحلة الأولى

( من بداية الفتح الإسلامي إلى منتصف القرن الثاني الهجري )

في الواقع لا توجد معلومات دقيقة حول تاريخ التشيّع في هذه المرحلة سوى شذرات وردت بشكل متفرّق بين ثنايا بعض الكتب.

والظاهر أن التشيّع لآل البيت عليهم السلام قد دخل إفريقية مع الفاتحين الأوائل، لاسيّما وأن فيهم عدد من الصحابة والتابعين ممن لا يخفى ميلهم لعلي عليه السلام.

وعلى رأس هؤلاء : عبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر.

وذلك ضمن أوّل غزوة قام بها المسلمون لافريقية سنة (٢٧هـ)، وهي المسمّاة بغزوة العبادلة السبعة(١)(٭).

وبعدها توالت الفتوحات على إفريقية وبلاد المغرب حتّى استتبّ الأمر للمسلمين وكسرت شوكة أعدائهم ولو لحين.

وإذا كان (الفتح العسكري) قد أدّى إلى استتباب الأمن واستقرار الأمور، إلّا أنّ الفتح بمفهومه الديني، لم يترافق مع النصر العسكري، بل لم

١- انظر« خلاصة تاريخ تونس » (ص:٤٤).

(٭) وأمّا بقيّة السبعة فهم :عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وعبد الله بن الزبير بن العوام، وعبد ابن مسعود، وعبد الله بن عمر بن الخطّاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص.

١٥٩

يحصل إلّا في مرحلة متأخّرة.

بل إنّ الكثير من الفتن وحركات الردّة المتتالية التي سبقت الفتح كان سببها أنّ معظم الولاة الذين تعاقبوا على إفريقية كانوا يتعاملون مع البلاد بوصفهم جامعي ضرائب وغنائم وأسلاب. أمّا أمر الدعوة والفتح (الديني) فلم يكن من اهتماماتهم، بل لم يكن يعنيهم في شيء.

وعلى كلّ حال فإنّ البربر كانوا من المسارعين والمبادرين لتعلّم مبادئ الإسلام واللغة العربية، رغم الجراح التي تسبب فيها بعض الولاة ومن ورائهم الخلافة في المشرق.

ومما ساعد على نشر الإسلام وترسخ قيمه ومبادئه قدوم بعض أهل العلم والفضل من المشرق لهذا الغرض.

ويروى أنّ من مآثر الخليفة (عمر بن العزيز) أنّه انتدب سنة (١٠٠ هـ/ ٧١٨م)، بعثة من عشرة فقهاء من أعيان التابعين وقام بإرسالهم إلى بلاد المغرب لتعليم البربر وإرشادهم. ومن بين هؤلاء العلماء:

- أبو عبد الرحمان عبد الله الجبلي، وكان رئيس البعثة .

- وإسماعيل بن عبيد المعروف « بتاجر الله » (وقد لقّب كذلك لأنه جعل كسبه لله يصرفه في وجوه البر).

- وأبو الجهم عبد الرحمان بن رافع التنوخي(١) .

ورغم أنّ اختيار أعضاء البعثات كان يتم وفق مواصفات خاصّة

١- المصدر السابق (ص:٤٩).

١٦٠