×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

مدخل الى تاريخ التشيع في تونس / الصفحات: ١٦١ - ١٨٠

(سياسية ومذهبية وأسرية)، وهذا الأمر ممّا دأبت عليه السياسة الأموية.

فقد خرج من بين هؤلاء من اجتهد في الدعوة إلى أهل البيت عليهم السلام والتعريف بفضلهم وفضائلهم ومظلوميتهم حتّى فشا ذلك الأمر بين الناس وانتشر.

١٦١

دولة الأدارسة في المغرب

عند الحديث عن تاريخ التشيّع في بلاد المغرب وإفريقية لا يمكن أن نتجاوز مرحلة هامّة من هذا التاريخ ما تزال آثارها باقية إلى يومنا هذا. وهي دولة الأدارسة.

ويعود نسب إدريس الأول إلى الإمام الحسن بن علي عليه السلام.

وكان من ضمن النفر القليل الذي نجا من المجزرة التي أعقبت وقعة «فخ» قرب مكة سنة (٧٨٦م).

وكان سبب هذه الوقعة :

أنّه لمّا تولّى الخليفة العباسي( موسى الهادي) الحكم (سنة ١٦٩هـ)، وكان شرس الأخلاق(١). فاسد المزاج، استهلّ ولايته بالتشديد على العلويين والتضييق عليهم ومطاردتهم. فما كان منهم إلا أن عادوا إلى سالف سيرتهم في معارضتهم للسلطة و التحرّك ضدّها.

وكان رجلهم في هذه المرحلة ومحطّ أنظارهم وآمالهم هو الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام. لما كان عليه من فضل وكرم وأخلاق فاضلة، ناهيك عن نشأته في عائلة« ثورية » أو ثائرة، قضى رجالاتها أعمارهم في مناهضة الظلم والطغيان ومعارضة الانحراف

١- « مروج الذهب » (ج٢/ص:٢٥٧).

١٦٢

والاستبداد، ومضى معظمهم شهداء في هذا السبيل.

وكان خروج الحسين بعد بيعة أهل المدينة له. وكان في نفر قليل لا يتجاوز عددهم (٣٠٠)، بينما كان الجيش العباسي يفوق الأربعة آلاف.

والتقى الجيشان في فخ، وهي على ستّة أميال من مكة، وانجلت المعركة عن استشهاد الحسين بن علي وثلث من معه تقريباً وانسحاب الباقين واختلاطهم بالحجّاج.

و«اعتبرت وقعة فخ من النكبات العظمى التي حلّت بالبيت العلوي، قال الإمام محمّد الجواد بن علي الرضا عليه السلام: لم يكن لنا بعد الطف ـ يعني كربلاء ـ مصرع أعظم من فخ»(١) .

وكان إدريس بن الحسن بن الحسن من ضمن من نجي من هذه الوقعة الأليمة.

بعد نجاته من وقعة « فخ » خرج إدريس خائفاً يترقّب صحبة مولاه الوفي « راشد »، واتجه صوب مصر ومنها إلى بلاد المغرب.

فلم يقرّ له قرار لا في إفريقية التي ظلّت، على ما يبدو، وفية للخلافة (العباسية). ولا في المغرب الأوسط (الجزائر) الذي كان تحت سيطرة الخوارج.

وحطّ إدريس رحاله في طنجة بالمغرب الأقصى، التي كانت بعيدة عن مركز نفوذ الخلافة. وحلّ ضيفاً، ثم رئيسا فإماماً، لقبيلة « أوربة » البربرية،

١- « ثورات العلويين »(ص:٣٠١).

١٦٣

التي رأت في نسبه وخصاله ومعارضته للخلافة، التي كانوا يمقتونها، ما جعلها تلتف حوله وتقتدي به.

ثمّ التحق به عدد من العرب الموالين لأهل البيت عليهم السلام والفارّيين من بطش العباسيين. فاستطاع خلال فترة قصيرة تأسيس دويلته التي استطاعت الصمود ولو لحين.

وإثر استشهاده مسموما، على يد أعوان الخليفة هارون الرشيد سنة (٧٩٤م)، خلّفه ابنه إدريس الثاني الذي جعل من مدينة فاس، التي أسّسها أبوه، عاصمة له سنة ( ٨٠٩م) .

وكان بحق مؤسّس « أوّل دولة للمغرب الأقصى »(١) . وتمكّن من جمع شتات عدد كبير من القبائل البربرية تحت لواء « سلطة إسلامية واحدة »(٢).

وبعد وفاته سنة ( ٨٢٨م ) اقتسم أبناؤه العشرة إرثه. فأصبح الصرح السياسي الذي أسّسه والدهم عبارة عن إمارات ظلّت « تتقاوى على نفسها حتّى قدوم الفاطميين (سنة ٩٢١م) .

ثمّ تشبّث أعقاب الأدارسة بجبال طنجة المجاورة، حتّى سقطت هذه الدولة سنة ٩٧٤م على قوّاد قرطبة »(٣) .

لكن رغم ذلك فإنّ الإرث الحضاري والإشعاع الذي خلّفته تلك

١- « تاريخ إفريقيا الشمالية » (ج٢/ص:٥٨).

٢- « تاريخ إفريقيا الشمالية » (ج٢/ص:٥٨).

٣- المصدر السابق (ج٢/ ص:٥٩).

١٦٤

الفترة لازالت آثاره ماثلة إلى العيان.

ويكفي أن مدينة فاس هي: « المدينة الوحيدة الحريّة بهذا الاسم بالمغرب الأقصى في تلك الفترة »(١) .

بل وإحدى أهم المدن المغربية إلى الآن.

١- المصدر السابق (ج٢/ ص:٥٩).

١٦٥

(٢) المرحلة الثانية

(من منتصف القرن الثاني إلى نهاية القرن الثالث)

وهي من أهم المراحل بل ربّما أهمّها، وسيأتي بيان ذلك مفصّلاً (إن شاء الله) .

ورد في كتاب « افتتاح الدعوة » (للقاضي النعمان) (١)، الذي يعود تأليفه إلى سنة (٣٤٦هـ / ٩٥٧م)، والذي هو بحقّ « أهمّ المصادر الأصلية لمعرفة أمر الفاطميين بالمغرب و « المفتاح » لاقتحام ما كان مجهولاً من تاريخهم ببلادنا، واستجلاء حقيقة دعوتهم وإبراز ما شعّ من نور الحضارة في عهدهم »(٢) .

ما يلي نصّه:

« قدم إلى المغرب في سنة خمسة وأربعين ومائة رجلان من المشرق، قيل

١- هو أبو حنيفة النعمان بن أبي عبد الله محمّد بن منصور بن أحمد بن حيون التميمي. ولد في رقادة، نهاية القرن الثالث الهجري. دخل في خدمة الخليفة الفاطمي عبيد الله المهدي سنة ٣١٣هـ/٩٢٥م . وفي نهاية خلافة القائم عين في منصب قاضي طرابلس.

ثمّ أسندت له مهمّة قاضي قضاة المملكة في عهد الخليفة المنصور.

وفي عهد الخليفة المعزّ أصبح النعمان مؤرخاً وفقيهاً، وأسندت له مهمّة كتابة التاريخ الفاطمي، وتدوين الفقه الإسماعيلي .

٢- فرحات الدشراوي : « افتتاح الدعوة » (ص:أ ).

١٦٦

إنّ أبا عبد الله جعفر بن محمّد (صلوات الله عليه) بعثهما وأمرهما أن يبسطا ظاهر علم الأئمّة، (صلوات الله عليهم) وينشروا فضلهم.وأمرهما أن يتجاوزوا إفريقية إلى حدود البربر، ثم يفترقان فينزل كلّ واحد منهما ناحية.

فلمّا صارا إلى مرماجنّة نزل أحدهما - وكان يعرف بأبي سفيان- بها بموضع يقال له : تالا.

فابتنى مسجداً، وتزوّج وكان له من الفضل والعبادة والذكر في الناحية ما قد اشتهر به ذكره.

وكان أهل تلك النواحي يأتونه، ويسمعون فضائل أهل البيت (صلوات الله عليهم) منه ويأخذونها عنه. فمن قبله تشيّع من تشيّع من أهل مرماجنّة، وهن دار شيعة، وهو كان سبب تشيعهم، وكذلك أهل الأربس. ويقال إنّه كان أيضاً سبب تشيع أهل نفطة.وذلك أن قوماً منهم كانوا يختلفون بالتمر إلى تلك الناحية،ويشترون القمح منها. وكانوا يأتونه ويستمعون منه، ويأخذون عنه، وكان له في الفضل والعبادة أخبار كثيرة.

وأمّا الثاني: فكان يعرف بالحلواني، وأنّه تقدّم حتّى وصل إلى سوجمار، فنزل منه موضعاً يقال له الناظور، فبني مسجداً، وتزوّج. وكان في العبادة والفضل والعلم علماً في موضعه. فاشتهر به ذكره، وضرب الناس من القبائل إليه، وتشيّع كثير منهم على يده من كتامة ونفزة، وسماتة، وكان يقول لهم: بعثت - أنا وأبو سفيان-، فقيل لنا: اذهبا إلى المغرب، فإنّكما تأتيان أرضاً بوراً، فاحرثاها، وكرّباها، وذلّلاها إلى أن يأتيها صاحب البذر،

١٦٧

فيجدها مذلّلة فيبذر حبّه فيها »(١) .

ويمكن أن يستفاد من النصّ السابق ما يلي:

١- أنّ الاهتمام ببلاد المغرب لم يكن بعيداً عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام ، بل كان ضمن دائرة همومهم واهتمامهم رغم الظروف الصعبة والقاسية التي كانوا يعيشونها بسبب القيود والحظر والحصار المفروض عليهم من قبل أجهزة الحكم.

٢- أنّ التشيّع في إفريقية وبلاد المغرب سابق على الدعوة الفاطميّة.

٣- أنّ الداعيتين، المذكورين في النصّ، كانا من الإمامية وذلك لعدّة قرائن أهمّها :

- أنّهما مرسلان من قبل أحد أئمّة أهل البيت عليهم السلام وهو الإمام جعفر الصادق عليه السلام .

- أنّهما مكلفان بنشر ظاهر علم الأئمّة عليهم السلام مما يعني ابتعادهم عن الباطن.

- أنّ مبادرتهما لبناء المسجدين المنسوبين إليهما دليل على مركزية المسجد في عقيدتهما وهذا الأمر، وإن لم يكن مختصّاً بالإمامية، إلّا أنّه بعيد إلى حدّ ما عن المذهب الإسماعيلي الذي عادة ما يركز اهتمامه على الجوانب الباطنية.

ومن القرائن الأخرى على أسبقيّة التشيّع على الدعوة الفاطميّة، النصّ

١- القاضي النعمان « افتتاح الدعوة » (ص:٢٦-٢٩).

١٦٨

الوارد في كتاب« افتتاح الدعوة »، أيضاً، و المتعلّق بأحد الشعراء الشيعة، (وهو محمّد بن رمضان)،الذي يبدو أنّه كان إماميّاً.

والنصّ هو التالي:

« وكان ببلزمّة رجل من أهل نفطة، كان شيعيّاً، وكان يذكر انقطاع أمر بني الأغلب، فطلب، فصار إلى بلزمّة - وكان شاعراً، يقال له محمّد بن رمضان- .

فتحرّم ببني مالك، - وكان يمدحهم – فحموه، ومنعوه .

فاتّصل بهم قتل إبراهيم [ بن أحمد الأغلبي] البلزمييّن، وهو عندهم، فقال في ذلك :


جلّ المصاب لئن كان الذي ذكرواا أتتنا به الأنباء والخبرمما


..قل لابن أحمد إبراهيم مالكة عن الخبير بما يأتي و ما يذر


عن المشرّد في حبّ الأئمّة منالنّبيّ وخير النّاس إن ذكرواأل النبي


اعلم بأنّ شرار النّاس أطولهم ا بمكروههم يوما إذا قدروايد


...فما اعتذارك من عار ومنقصةتيتها عامدا إن قام معتذرأ


جرّعت ضيفك كأسا أنت شاربها قليل وأمر الله ينتظر عما


فدولة القائم المهدي قد أزفتمها والذي أنبأ به الأثرأيا


عن النّبيّ وفيها قطع مدّتكما آل أغلب أهل الغدر فاقتصرواي


وقطع أمر بني العبّاس بعدكم وقطع آل بني مروان(١)إذ بطروا(٭)

١- « افتتاح الدعوة » (ص:٧١-٧٣) . والأبيات من البحر البسيط .

(٭) بالأندلس.

١٦٩

وكان محمّد بن رمضان هذا يذكر المهدي كثيراً في شعره [وممّا قال فيه]:


سلا ظبية القنّاص أين احتلالهاهاجني تقتيرها وامتذالهافقد


لعلّ التي عنها تفرّق أهلهافبادت مغانيها وطال اختبالها


أرقت لها من بعد أن نام أنسها حناط فما رام الظّباء جمالها


فعد عن الدّار التي بان أهلهاكيف من بعد البلى صار حالهاوعن

فهذا أوان الحقّ قد حان حينه اودولة أهل البغي آن زوالها


كأنّي بشمس الأرض قد طلعت لنمن الغرب مقروناً إليها هلالها


فيملأ أرض الله قسطاً بعدله بما ضمّ منها سهلها وجبالها


وآمن فيها ما أخاف وأتّقيوأظفر بالزّلفى بها وأنالها(١)

١- المصدر السابق (ص:٧٤-٧٥).

١٧٠

بداية الدعوة الفاطميّة

حوّل دعاة المذهب الإسماعيلي اهتمامهم صوب بلاد المغرب، بعد أن بلغهم حبّ أهلها لآل البيت عليهم السلام . وذلك بواسطة بعض الحجّاج الوافدين منها. فعزموا على إرسال بعض دعاتهم إليها، وذلك بداية من سنة (٢٨٠هـ).

ويبدو أنّ اختيار الدعاة وانتقائهم من الأمور التي برع فيها الإسماعيليون وتفنّنوا كما برعوا أيضاً في اختراع أساليب الدعاية ونشر الأفكار والتعاليم.

ومن أشهر دعاتهم بل أشهرهم على الإطلاق، اثنان هما:صاحب دعوة اليمن وداعي المغرب.

أمّا الأوّل فهو:

أبو القاسم الحسن بن فرح بن حوشب بن زدان الكوفي، وسمي «المنصور باليمن لما أتيح له من النّصر... »(١) .

و« كان من أهل الكوفة من أهل بيت علم وتشيّع، وكان قد قرأ القرآن وقومه وطلب الحديث والفقه، وكان ممن يذهب إلى مذهب الإمامية الاثني عشرية... »(٢) .

ثمّ إنّ داعي اليمن، وعلى ما ذكره القاضي النعمان، عدل عن مذهب

١- المصدر السابق (ص:٣).

٢- المصدر السابق (ص:٣- ٤).

١٧١

الإمامية بعد لقائه بعبيد الله المهدي (إمام الإسماعيلية) وكان سبب عدوله، على ما يبدو، هو حيرته أو « ضيق صدره» من مسألة غيبة الإمام الثاني عشر(١) .

فتلقّاه عبيد الله ورأى فيه من النباهة والعلم والفضل والعزم ما جعله يعجب به، ويعرّفه بنفسه وبأنّه « إمام الزمان »، قبل أن يرسله إلى اليمن ليكون صاحب دعوته هناك. وممّا قاله له:

« البيت يماني والركن يماني والدين يماني والكعبة يمانية ولن يقوم هذا الدين ويظهر أمره إلّا من قبل اليمن... اعزم على اسم الله، فو الله ليظهرنّ الله أمرك ولتصدرنّ الدعاة آفاق الأرض عنك... »(٢) .

و« قال له فيم عهده إليه:إن لقيت من هو ألحن بالحجّة منك، فانغمس له في الباطن.

قال: وكيف ذلك ؟

قال: تقطع الكلام، وتريه أنّ تحت ما تريد الجواب به باطناً لا يمكنك ذكره، فتحتجز منه إلى أن يتهيأ الحجّة عليه... »(٣) (٭) .

١- المصدر السابق (ص: ٦- ٧).

٢- المصدر السابق ( ص:٨- ١١).

٣- المصدر السابق ( ص:١٢).

(٭)الظاهر أنّ هذا هو عين الأسلوب الذي اتّبعه عبيد الله المهدي مع داعية اليمن حين سأله عن غيبة الإمام وعن مسائل أخرى..؟

إذ أنّه تعذّر بالباطن وتمثّل بقصّة موسى مع الخضر عليه السلاموكيف أنّه لم يستطع معه صبراً لأنّه أعلم منه بالباطن.

١٧٢

وكان لأبي القاسم، صاحب دعوة اليمن، شأناً عظيماً وفضلاً كبيراً على المذهب (الإسماعيلي) برمّته، فله ينسب ظهور أمر الدعوة في اليمن، وانتشارها.

كما أنّه « فرّق الدّعاة في نواحي اليمن، وإلى سائر البلدان، إلى اليمامة، والبحرين، والسّند، والهند، وناحية مصر والمغرب... »(١) .

وأمّا الثاني فهو:

أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمّد بن زكريا، كوفي الأصل(٢).

وجاء في « الافتتاح »:

أنّه كان « ذا علم، وعقل، ودين، وورع، وأمانة، ونزاهة. وكان أكثر علمه الباطن، ونظر في علم الظاهر نظراً لم يبالغ فيه.فلمّا تمكنت الدعوة باليمن، وظهر أمرها، أرسل الإمام أبا عبد الله إلى أبي القاسم داعي اليمن. فكتب إليه في أنّ يبصّره ويرشده ويلقّنه.

وقيل لأبي عبد الله : امتثل سيرته، وانظر إلى مخارج أعماله ومجاري أفعاله فاحتذها، وامتثلها واعمل عليها، ثمّ اذهب حيث شئت فادع.

وقيل : بل حدّ له المغرب وأرسل إلى بلد كتامة، وهذا أثبت الأمرين. فصحبه إلى أن وصل إلى بلد كتامة، فأحكم أمره... »(٣)

١- المصدر السابق ( ص:١٨).

٢- وفي الكامل لابن الأثير: أنّه صنعاني.والأوّل ( أي كونه كوفياً)،هو الصحيح.كذا ذكره المقريزي في « الاتعاظ.. »،وابن خلدون في تاريخه.

٣- المصدر السابق ( ص:٣٠- ٣١ ).

١٧٣

.على أنّ أبا عبد الله أظهر أمره لكتامة على أنّه صنعاني فاشتهر عنه ذلك حتّى أنّ أعداءه كانوا يلعنونه من على المنابر بهذا الوصف.

وهكذا فإنّ أبا عبد الله يعدّ، وبلا شك، من أشهر دعاة المذهب الإسماعيلي، وأحد أهمّ من قام بنشر المذهب وترويجه.

ويرى الدكتور الجنحاني، أنّ أبا عبد الله :

« كان زعيماً سياسياً من أذكى وأمهر ما عرفه المغرب، في العصر الوسيط، وكان في نفس الوقت قائداً عملياً ناجحاً.

اجتمعت في داعية الفاطميين أهمّ ميّزات القائد السياسي الحامل لمذهب جديد،وقد اتبع أبو عبد الله في المغرب أساليب سياسيّة، يمكن أن نقارنها اليوم، بأحدث وأنجح الأساليب في نشر إيديولوجية ما»(١) .

ولقد تمّ إرسال أبي عبد الله إلى المغرب، بعد أن تأكّد لقادة الدعوة (الإسماعيلية)، أمران، هما :

١- خصوبة بلاد المغرب و قابليّتها لانتشار مذهبهم، و...

٢- قدرة داعيتهم و كفاءته لأداء المهمّة الموكّلة إليه . وهي نشر الدعوة بين قبائل البربر، لا سيّما كتامة، وتكوين قوّة سياسيّة وعسكريّة، « هدفها: تأسيس دولة فاطميّة في المغرب، كمرحلة أولى، لتأسيس خلافة فاطميّة يمتدّ نفوذها إلى جميع أنحاء العالم الإسلامي القديم »(٢) .

١- « القيروان » ( ص:٨٤ ).

٢- « القيروان » ( ص:٨٤ ).

١٧٤

على أنّ بعض الباحثين يرى بأنّ دعوة أبي عبد الله لم تكن دينيّة فحسب، بل كانت سياسيّة تعتمد على تحليل الأوضاع والظروف السياسيّة القائمة ودراستها(١).

نبذة عن سيرة أبي عبد الله ( من خلال كتاب الافتتاح ) :

كان لأبي عبد الله، داعية المغرب، من الخصال الفاضلة والسجايا الحميدة ما جمع حوله، وخلال فترة قصيرة، عموم كتامة . التي دخل أرضها بداية سنة (٢٨٠هـ) .

واشتهر أمره وسمّي« المشرقي، لقدومه من المشرق. ثمّ نسب إليه كلّ من بايعه، ودخل في دعوته، وسمّوا المشارقة، وإذا دخل الواحد منهم في ذلك قيل: تشرّق.

ورأى الناس من صلاح أحوال من دخل دعوته وتورّعهم عما كانوا يعرفونهم عليه، وإقبالهم على الصلاة والصيام، وأعمال البرّ، ما رغبهم في الدخول في ذلك »(٢) .

« فلم ير الناس، ولا انتهى إليهم أنّ قوماً كانوا من صلاح الحال والاستقامة على مثل ما كان عليه أصحاب أبي عبد الله... ثمّ كان من نزاهته وصيانته، وعفته، وأمانته فيهم ما علموه وعظم في أعينهم من أجله، أنّه أقام فيهم مدّة طويلة لا يذكر امرأة ولا يلوي على ذكرها.

١- « القيروان » ( ص:٨٤ ).

٢- « افتتاح الدعوة » ( ص:٧٩).

١٧٥

ومن ذلك أنّه عاملهم بالوقار، والتهيّب، فلم ير فيهم ضاحكاً ولا ممازحاً، ولا يسمع يقول هجراً، ولا عبثاً، ولا باطلاً. ولم يكن مع ذلك بالعبوس المنقبض ولا بالطّلق المنبسط، ولكنّه كان متوسّطاً بين الأمرين : لا يبسطهم فيبطرهم، إن نطق بحقّ، وصواب وحكمة، وإن صمت، صمت بوقار، وحلم وهيبة، ولا ينقبض عنهم، فيوحشهم وينفرهم. وكان يشاورهم، ويخليهم ويسرّ إليهم، ويدنيهم على قدر مواضعهم واستحقاقهم، ويقدّم أهل الدين والسوابق الصالحة منهم.

ومن ذلك أنّه كان يتعاهدهم بالوصايا والتذكرة، ويكرّر عليهم المواعظ والحكمة، ويجمع لذلك، ويجلس لهم أكثر أيّامه، ويأمر من أطلقه من الدعاة بذلك، ويربّيه عليه. فكانت أيّامهم أكثرها مشاهد، وسماع مواعظ.

فكان أبو عبد الله سبباً من الخير سبّبه الله لهم، وباباً من البركة فتحه الله عليهم، وسعادة ساقها إليهم، وبصّرهم به من الجهالة، وهداهم من الضّلالة، وأوسع به عليهم في النعمة »(١) .

ثمّ إنّ أبا عبد الله استطاع وخلال فترة وجيزة تحقيق إنجاز عسكري كبير انتهى بالقضاء على دولة بني الأغلب بعد معارك طاحنة أبلى فيها البربر (الشيعة) البلاء الحسن.

وكان دخول أبي عبد الله إلى إفريقية فاتحاً « يوم السبت غرّة رجب سنة٢٩٦ ست وتسعين ومائتين... »(٢) .

١- المصدر السابق (ص: ١٢٢-١٣٢ ).

٢- المصدر السابق (ص: ٢٤٥).

١٧٦

ويذكر القاضي النعمان في« الافتتاح » أنّه لما استقر أبو عبد الله برقادة أمر منادياً فنادى بالقيروان بالأمان التام للعامّة ورجوع من كان تنحّى عن وطنه إليه فرجع الناس إلى أوطانهم وقرّوا في قرارهم.

وأخرج العمّال إلى البلدان ونادى فيها بالأمان وطلب أهل الدعارة والفساد فأنكأهم عقوبة فسكنت الدّهماء وأمنت السبل ومشت السيّارة وخاف أهل الأذى والدّعارة وقتلوا حيثما ثقفوا وطلبوا أين توجّهوا. وأمر بقطع شرب المسكر وكلّ ما ظهر من المنكر ونشر العدل وأذاعه، واستوت الأمور واعتدلت، واشتدت المملكة وقويت.. »(١) .

« ولما حضرت الجمعة أمر بإقامتها وقدّم خطيباً بجامع رقّادة وخطيباً بجامع القيروان وكتب بذلك إلى البلدان. وأمر في الخطبة بالصلاة على محمّد وعلى آله وعلى أمير المؤمنين علي وعلى الحسن والحسين وعلى فاطمة الزهراء صلوات الله عليهم أجمعين. وأمر يوم دخل بالأذان ( بحي على خير العمل )»(٢).

وكان نسخة الكتاب الذي كتب إلى البلدان بالأمان:

« بسم الله الرحمان الرحيم الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على رسوله محمّد النبي وعلى أهل بيته الطاهرين.

أمّا بعد فالحمد لله النّاصر لأوليائه لما سبق لهم من وعده، وخاذل أعدائه بعد الإعذار إليهم بوعيده، الذي لم يجمع بين أنصار الحقّ وأتباع

١- المصدر السابق (ص:٢٤٦-٢٤٧ ).

٢- المصدر السابق (ص: ٢٤٩-٢٥٠).

١٧٧

الباطل في موطن من مواطن التحاكم إلّا وهب لأنصار دينه النصر وأيّدهم بالعزّ وأنزل بأعدائهم البأس والنقمة والدمار والهلكة إظهاراً لفضل منزلة الحقّ عنده وإذلالاً لمن عند عن سبيله و صدف عن حقّه حمداً يرضاه ويتقبّله ويحسن المزيد عليه من فضله.

وإنّي لم أزل بحمد الله ونعمته مذ قمت لله بواجب حقّه ذابّاً عن دينه طالباً ثأر أوليائه، آمر بالمعروف وأدعو إليه، وأنهى عن المنكر وأحذّر منه.

أحيي من أماته الظالمون من معالم الحقّ وأجاهد أعداء الله المارقين المغتصبين حقّ آل رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم...

وأنتم - معشر أهل بلد كذا- داخلون فيما أدخلتهم فيه وصائرون في الأمان والحفظ والحوطة إلى ما أمرتهم إليه ما قبلتم ذلك، وما أقبلتم عليه، وعرفتم فضل النعمة عليكم به.

فاسمعوا، وأطيعوا، وأثبتوا، وأجيبوا، واحمدوا ربّكم على ما وهب لكم ودافع عنكم، وكونوا في الحقّ أعواناً وعلى إماتة الباطل أنصاراً، تظفروا بحظكم . واشكروا الله على إنعامه عليكم يدم لكم ذلكم ويزدكم . ولا تكفروا فيوقع بأسه بكم فإنّه يقول وهو أصدق القائلين: (لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد)... »(١) .

١- المصدر السابق (ص:٢٥٣-٢٥٦) ، إبراهيم (١٤): ٧.

١٧٨

(٣) المرحلة الثالثة

(من نهاية القرن الثالث إلى منتصف القرن الخامس)

وأهمّ الأحداث في هذه المرحلة هي التالية :

١ - قيام الدولة الفاطمية.

٢ - ثورة صاحب الحمار .

٣ - انتقال مركز الخلافة الفاطمية إلى مصر .

٤ - زحف بني هلال .

وسنعالجها (إن شاء الله تعالى) تباعاً بشيء من التفصيل مع الحرص على الأخذ من المصادر الفاطمية وذلك لأنّ الصورة التي تعطيها هي أشدّ وضوحاً وأكثر دقّة وتفصيلاً.

قيام الدولة الفاطمية ( من خلال كتاب الافتتاح ):

من هو عبيد الله المهدي ؟

هو مؤسّس الدولة الفاطمية و أوّل خلفائها.ولد في « السلميّة » في سوريا سنة٢٥٩هـ ومات ودفن في المهديّة سنة٣٢٢هـ.و يعود نسبه إلى إسماعيل بن الإمام جعفر الصادق عليه السلام.

نشأ وترعرع في « السلميّة » بالشام، التي كانت تضم أئمّة المذهب الإسماعيلي، ومنها يصدر الدعاة إلى سائر الأقطار.

١٧٩

ويعتبره الإسماعيليون المستعليّيون ( البهرة)، بفرعيهم السليماني والداوودي، وهكذا الدروز، إماماً مستودعاً، أي بمعنى إماماً وكيلاً أو وصياً أو نائباً للإمام الأصيل لفترة زمنية محدودة، وليس له صلاحية توريث الإمامة لأحد من أولاده،مثله مثل ( الإمام الحسن بن علي عليه السلام).

بينما يعتبره الإسماعيليون النزاريون إماماً مستقرّاً، وصاحب نصّ ثابت، فهو كالإمام (الحسين بن علي عليه السلام)، له صلاحية توريث الإمامة لمن يقع اختياره عليه من أولاده.

خرج عبيد الله من « السلميّة » سنة ( ٢٨٩هـ/٩٠٢م) قبيل سقوطها بيد القرامطة بزمن قصير. وتوجّه صوب مصر ومنها إلى بلاد المغرب.

ويبدو أنّ اليمن الواقع، في معظمه، حينذاك بيد دعاة الإسماعيلية (وعلى رأسهم ابن حوشب)، لم يكن ليغري عبيد الله ولا ليرضي طموحه، على أكثر من صعيد:

فعلى الصعيد الاجتماعي والسياسي، كان اليمن يشكو من بعض الاضطرابات التي تعصف به بين الحين والآخر .وذلك بسبب نسيجه القبلي المعقّد و ازدواجية الولاء التي كانت تميّز غالبية سكّانه. حيث تتوزّعهم الأهواء بين الولاء للقبيلة و الولاء للمبدأ والعقيدة.

وأمّا على الصعيد الاقتصادي، فإنّ محدوديّة الموارد ما كانت لتساعد على تأسيس دولة قويّة قادرة على مواجهة التحدّيات والأخطار و الوقوف أمام الأعاصير.

ولهذه الأسباب ولغيرها، فضّل عبيد الله، بلاد المغرب البعيدة،على

١٨٠