×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

التقية في فقه أهل البيت عليهم السلام (1) (بحوث الشيخ مسلم الداوري) / الصفحات: ١ - ٢٠

١

التقية

في فقه أهل البيت عليه السلام

تقريراً لبحث

سماحة آية الله

الحاج الشيخ مسلم الداوري دام ظله

الجزء الأول

محمّد علي المعلّم

٢

الكتاب..................................................التقية في فقه اهل البيت عليه السلام ج/١

تقريرا لبحث.........................................سماحة آية الشيخ مسلم الداوري (دام ظله)

المولف..............................................محمد علي صالح المعلم

الناشر...............................................المولف

صف الحروف و الاخراج الفني......................السيد فاخر البطاط

المطبعة..............................................بهمن

الطبعة...............................................الاولي

تاريخ النشر..........................................١٤١٨ هـ . ق

عدد المطبوع.........................................١٠٠٠ نسخة

ثمن النسخة.............................................

حقوق الطبع محفوظة للناشر

٣

[image] - مركز الأبحاث العقائدية
٤
٥

كلمة الشيخ الاستاذ دام ظله

[image] - مركز الأبحاث العقائدية
٦
٧

توطئه

[image] - مركز الأبحاث العقائدية
٨
٩

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدّمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء

والمرسلين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

التقية في التاريخ:

يعود تاريخ التقية إلى اللحظة التي أحسّ فيها الإنسان بعجزه عن درء الخطر عن نفسه أو عن معتقده، ولم يكن ثمة ما يبرر مواجهة الخطر أو مقاومته، وهي فترة موغلة في القدم بقدم وجود الإنسان على الأرض، ذلك لأن للإنسان حالات طبيعية تعتريه ومنها الخوف. وهو أحد الحالات التي جبلت عليها فطرة الإنسان، ويستوي فيها جميع بني البشر لا يشذ عنها أحد، إلاّ أولئك الذين زوّدوا بطاقات خاصة وكفاءات معينة أمكنتهم من الوقوف على أسرار الكون والعلم بحقائق الأشياء، وكانوا في كل حركاتهم وسكناتهم مع الله تعالى، وهؤلاء لا

يعتريهم ما يعتري سائر البشر من الاضطراب النفسي والقلق وعدم الاطمئنان،

وإذا كان هؤلاء يخافون فإنما يخافون على أمور أخر تعود إلى ما يحملون من مبادىء وقيم يخشون عليها من أن تقع في غير مواضعها فيساء استغلالها، ويتمثل هذا المعنى في الصفوة المنتجبة من البشر وهم السفراء بين الحق والخلق فإن شأن المعصومين عليهم السلام غير شأن سائر الناس، وإن كانوا يجرون على مقتضى السنن الطبيعية لحكم ومصالح وأسرار، وعلى كل تقدير فالخوف هو المنشأ الطبيعي للتقية.

ثم إنّ التقية بمفهومها الواسع لا تقتصر على جانب من جوانب الحياة دون

١٠

آخر، بل تعم جميع ما يتخذه الإنسان من الأساليب المتاحة لـه لدفع الأخطار عن نفسه أو عن من يهمه أمره، سواء كانت الأخطار طبيعية أو غير طبيعية، فالإنسان يلجأ إلى دفع ما يتهدده من أخطار الطبيعة من حرّ أو قرّ أو جوع أو مرض أو سبع أو نحو ذلك، ويتوسل بأساليب شتى لئلاّ يقع ضحيتها بل قد يتخذ الأساليب الوقائية عن الأخطار المحتملة.

ولكن لما كانت هذه الأمور الطبيعية لا جدال فيها ولا نقاش لاتفاق البشر وغير البشر عليها اتخذ البحث عن التقية منحى آخر، وهو ما يواجهه الإنسان من أخطار غير طبيعية ناشئة عن ظلم الإنسان لأخيه الإنسان في ظل ظروف اجتماعية أو سياسية معينة، كما أنها قد تكون إحدى الوسائل لإيصال المعارف الإلهيّة إلى من يصعب إفهامه إياها بصورة مباشرة.

فالتقية حالة علاجية مؤقتة قد يتوسل بها الإنسان لدفع الخطر بإظهار الموافقة وكتمان المخالفة في ظروفه الصعبة، وقد يتوصل بها لتهيئة الأذهان وإعداد النفوس لتقبّل الحقائق نظير ملاطفة الأطفال والتصابي لهم ومداراتهم، وهي إحدى الركائز الفطرية التي يستند إليها الإنسان، وكان دور الدين فيها هو الإمضاء والتقرير، بل عدها من صميم الدين وسنة من سنن الأنبياءعليهم السلام والأولياء عليهم السلام وأكدها القرآن الكريم في نصوصه الصريحة، وحددت كيفيتها ومواضعها الآثار الدينية الأخرى.

وإن من أقسى ما يواجهه الإنسان أن تكبّل حريته فلا يسعه البوح بما يرى ويعتقد، في الوقت الذي يكون اعتقاده حقاً ورأيه صواباً، فيضطر إلى الكتمان

إبقاء على نفسه وحفاظاً على حياته، الأمر الذي يمكن معه الجزم بأن كثيراً من الحقائق قد ضاعت أو أهملت لأنها لم تعط الفرصة للظهور، ولو لم يكن الأمر كذلك لتغير وجه التاريخ، ولكانت الإنسانية تعيش ظروفاً أفضل ممّا هي عليه.

١١

ولما كان موضوع التقية يتسع للكثير من القول آثرنا الحديث عنها ـ في هذه المقدمة ـ من وجهتها التاريخية لأن هذا الجانب هو أقوى ما تثبت به السيرة العملية ـ أي من خلال سيرة الأنبياء والأولياء عليهم السلام ـ التي هي أحد الأدلة المسلّمة والمتّفق عليها عند المسلمين. وليس الغرض إلاّ التأكيد على صحة ما هو ثابت من مذهب أهل البيتعليهم السلام من أمر التقية، وإقامة الحجة على من خالفهم واتهمهم زوراً وبهتاناً، إما لقصور في الإدراك أو لاعوجاج في السليقة، وعدم الفهم الصحيح لأصول الدين وأحكامه.

ويمكننا تقسيم البحث إلى قسمين رئيسين:

الأول: التقية قبل الإسلام.

الثاني: التقية بعد الإسلام.

القسم الأول: التقية قبل الإسلام:

ذكرنا أن التقية تعود إلى فترة موغلة في القدم وأنها بدأت مع شعور الإنسان بعجزه عن مواجهة الخطر، ولإثبات هذا الأمر نستعرض جملة من النصوص الدينية والتاريخية تؤكد هذه الحقيقة، وسنعتمد فيما نذكر من الأدلة والشواهد على الآيات القرآنية، وعلى ما أثر من الروايات، والحوادث التاريخية الواردة من طرق الشيعة والسنة حتى لا يبقى مجال للتوهم والإرتياب في حقيقة التقية ثبوتاً وإثباتاً:

١- التقية في زمان آدم عليه السلام

إنّ أول جريمة قتل سُفِك فيها الدم الحرام هي الجريمة النكراء التي قتل الأخ فيها أخاه حسداً وعدواناً، وقد تحدّث القرآن الكريم عن تلك الواقعة فقال

١٢

تعالى: ﴿واتلُ عليهم نبأ ابني آدم إذ قربا قرباناً فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنّك قال إنما يتقبل الله من المتقين * لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين * إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين * فطوعت لـه نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين﴾ (١) .

كما تحدّث التاريخ عن هذا الحدث، وكشفت الروايات عن كثير من ملابساته، وقد نصّت على أن هابيل كان وصياً لآدمعليه السلام، وبعد شهادته انتقلت الوصية إلى أخيه شيث ـ وتفسيره هبة الله(٢) ـ ، وكان هذا الأخير أول من مارس التقية خوفاً من بطش قابيل وعدوانه.

روى القطب الراوندي في قصص الأنبياء بإسناده عن محمّد بن سنان عن إسماعيل بن جابر عن عبد الحميد بن أبي الديلم عن أبي عبد اللهعليه السلام قال: إن قابيل أتى هبة اللهعليه السلام فقال لـه: إن أبي قد أعطاك العلم الذي كان عنده، وأنا كنت أكبر منك وأحق به منك، ولكن قتلت ابنه فغضب علي فآثرك بذلك العلم عليّ، وإنك والله إن ذكرت شيئاً مما عندك من العلم الذي ورثك أبوك لتكبر به عليّ وتفتخر عليّ لأقتلنّك كما قتلت أخاك، فاستخفى هبة الله بما كان عنده من العلم لتنقضي دولة قابيل، ولذلك يسعنا في قومنا التقية لأن لنا في ابن آدم أسوة(٣) .

ورواها صاحب البحار عن قصص الأنبياء بسند صحيح إلى هشام بن الحكم وفيها: فحدّث هبة الله بالميثاق سراً، فجرت السنة والله بالوصية من هبة الله في ولده يتوارثونها عالم بعد عالم، فكانوا يفتحون الوصية كل سنة يوماً . الحديث(٤) .

١- ـ سورة المائدة، الآية ٢٦ ـ ٣٠ .

٢- ـ الكامل في التاريخ ١ : ٤٧ دار صادر ـ دار بيروت ١٣٨٥ هـ ـ ١٩٦٥ م بيروت.

٣- ـ جامع أحاديث الشيعة ج ١٤ باب ١ من أبواب وجوب التقية الحديث ٣١ .

٤- ـ بحار الأنوار ١١ : ٢٤٠ دار الكتب الإسلامية ـ طهران .

١٣

وفي رواية أخرى عن قصص الأنبياء أيضاً بإسناده عن زرارة مثله، وزاد فيه: ثمّ قال أبو عبد الله بيده إلى فمه فأمسكه، يعلمنا أي هكذا أنا ساكت، فلا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة معشر شيعتنا فتمكّنوا عدوكم من رقابكم فتكونوا عبيداً لهم بعد إذ أنتم أربابهم وساداتهم، فإن في التقية منهم لكم ردّاً عما قد أصبحوا فيه من الفضائح بأعمالهم الخبيثة علانية، وما يرون منكم من تورعكم عن المحارم وتنزهكم عن الأشربة السوء والمعاصي وكثرة الحج والصلاة وترك كلامهم ... (١) .

وجاء في كتاب مختصر بصائر الدرجات بسند صحيح إلى هشام بن الحكم عن أبي عبد اللهعليه السلام قال: أوصى آدم إلى هابيل فحسده قابيل فقتله، ووهب الله لـه هبة الله وأمره أن يوصي إليه وأن يسرّ ذلك، فجرت السنة في ذلك بالكتمان والوصية، فأوصى إليه وأسر ذلك، فقال قابيل لهبة الله: إني قد علمت أن أباك قد أوصى إليك، وأنا أعطي الله عهداً لئن أظهرت ذلك أو تكلمت لأقتلنك كما قتلت أخاك (٢) .

ونقل في كتابه المحتضر عن كتاب الشفاء والجلاء بإسناده عن معاوية بن عمار عن أبي عبد اللهعليه السلام قصة آدم مفصلة، إلى أن قال: أوحى الله إليه (آدم):

قد انقضت نبوتك وفنيت أيامك، فانظر إلى اسم الله الأعظم وما علّمتك من الأسماء كلها وأثرة النبوة وما تحتاج الناس إليه فادفعه إلى شيث، وأمره أن يقبله بكتمان وتقية عن أخيه لئلاّ يقتله كما قتل هابيل، فإنه سبق في علمي أن لا أخلي الأرض من عالم يعرف به ديني ويكون فيه نجاة لمن تولاه فيما بينه وبين العالم الذي آمره بإظهار ديني ... فأقبل قابيل على شيث وقال له: أين الذي دفعه إليك أبوك مما كان دفعه إلى هابيل؟ فأنكر ذلك وعلم أنّه إن أقرّ قتله، فلم يزل شيث يخبر

١- ـ بحار الأنوار ١١ : ٢٦٣ دار الكتب الإسلامية ـ طهران .

٢- ـ مختصر بصائر الدرجات: ١٠٣ .

١٤

العقب من ذريته ويبشرهم ببعثة نوح ويأمرهم بالكتمان ...(١) .

ونستفيد من هذه النصوص أنّ التقية وليدة العجز عن مقاومة الظالم أو

اقتضاء المصلحة عدم مقاومته، وأنها أمر فطري مركوز في نفس الإنسان فإن التواصي بالكتمان، وفي التهديد بالقتل، وفي إنكار شيث أن يكون عنده شيء من الإرث، شواهد على أن حفظ الحق عن غير أهله، والإبقاء على النفس وحمايتها من شر المعتدي قد يقتضي مسايرة الظالم وإظهار موافقته وإن انعقد القلب على خلافه، وهذه سنة جرى عليها الأنبياء والأولياء والمصلحون، فقد روى الصدوق بسند معتبر عن أبي حمزة الثمالي ـ في رواية مفصلة ـ جاء فيها: فلبث هبة الله والعقب منه مستخفين بما عندهم من العلم والإيمان والاسم الأكبر وميراث العلم وآثار النبوة حتى بعث نوح ... وكذلك جرى حتى بعث الله الله تبارك وتعالى محمّد صلي الله عليه و آله ... وكان ما بين آدم ونوح من الأنبياء مستخفين ومستعلنين ولذلك خفي ذكرهم في القرآن ... وكان بين نوح وهو الأنبياء مستخفين ومستعلنين ... فجرى بين كل نبي ونبي عشرة آباء وتسعة آباء وثمانية آباء كلهم أنبياء، وجرى لكل نبي ما جرى لنوح، وكما جرى لآدم وهود وصالح وشعيب وإبراهيم حتى انتهى إلى يوسف بن يعقوب ... ثمّ أرسل عيسى إلى بني إسرائيل خاصة فكانت نبوّته ببيت المقدس، وكان من بعده من الحواريين اثنا عشر، فلم يزل الإيمان يستتر في بقية أهله منذ رفع الله عزوجل عيسى وأرسل الله عزوجل محمداًصلي الله عليه و آله إلى الجن والإنس الحديث(٢) .

وروى الطبري في تاريخه هذا المعنى فقال: حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا

أبو داود عن يعقوب عن جعفر بن سعيد ... وذكر أن آدم عليه السلام مرض قبل موته أحد عشر يوماً، وأوصى إلى ابنه شيثعليه السلام وكتب وصيته، ثمّ دفع كتاب وصيّته

١- ـ بحار الأنوار ١١ : ٢٢٦ دار الكتب الإسلامية .

٢- ـ كمال الدين ج ١ باب ٢٢ الحديث ٢ ص ٢١١ دار الكتب الإسلامية ـ طهران ١٣٩٥ هـ .

١٥

إلى شيث، وأمره أن يخفيه عن قابيل وولده لأن قابيل قد كان قتل هابيل حسداً منه حين خصّه آدم بالعلم، فاستخفى شيث وولده بما عندهم من العلم ولم يكن

عند قابيل وولده علم ينتفعون به(١) .

ونقله أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه المنتظم في تاريخ الأمم والملوك(٢) .

وقال ابن الأثير في الكامل: ذكر أن آدم مرض أحد عشر يوماً وأوصى

إلى ابنه شيث، وأمره أن يُخفي علمه عن قابيل وولده لأنه قتل هابيل حسداً منه لـه حين خصّه آدم بالعلم، فأخفى شيث وولده ما عندهم من العلم، ولم يكن عند قابيل وولده علم ينتفعون به(٣) .

وفي ذلك دلالة على أن ممارسة التقية أمر خاضع للظروف الدائرة بين المد والجزر والشدة والضعف، ولذلك كان الاستخفاء من بعض الأنبياء والاستعلان من آخرين.

٢ ـ التقية في زمان إبراهيم الخليلعليه السلام :

إن خليل الرحمن وهو بطل التوحيد ـ الذي وقف يقارع الشرك ويفنّد

مزاعم المشركين، كما أشار القرآن الكريم إلى بعض مواقفه العظيمة في جهاده ضد الكفر والكافرين حتى ضاق به قومه ذرعاً فتآمروا على إحراقه بالنار: ﴿ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنّا به عالمين* إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون* قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين * قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين * قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين * قال بل

١- ـ تاريخ الأمم والملوك ١ : ١٠٧ مطبعة الاستقامة بالقاهرة ١٣٥٨ هـ ـ ١٩٣٩ م .

٢- ـ المنتظم في تاريخ الأمم والملوك ١ : ٢٢٧ الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ ـ ١٩٩٢ م دار الكتب العلمية / بيروت .

٣- ـ الكامل في التاريخ ١ : ٤٩ ـ دار صادر ـ دار بيروت ١٣٨٥ هـ ـ ١٩٦٥ م بيروت.

١٦

ربّكم ربّ السموات والأرض الذي فطرهنّ وأنا على ذلكم من الشاهدين * وتالله لأكيدنّ أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين * فجعلهم جذاذاً إلاّ كبيراً لهم لعلّهم يرجعون * قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنّه لمن الظالمين * قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم * قالوا فأتوا به على أعين النّاس لعلّهم يشهدون * قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم * قال بل فعلهم كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون﴾ (١) ـ قد واجه في حياته من القضايا ما دفعه إلى التقية، إبقاء على حياته ودينه.

روى البخاري ـ بعدة طرق ـ قال: لم يكذب إبراهيم عليه الصلاة والسلام

إلاّ ثلاث كذبات، ثنتين منهن في ذات الله قوله: إني سقيم، وقوله: بل فعله كبيرهم، وقال: بينا ذات يوم وسارة إذ أتى على جبّار من الجبابرة، فقيل: إن هاهنا رجلاً معه امرأة من أحسن الناس، فأرسل إليه وسأله عنها فقال: من هذه؟ قال: أختي فأتى سارة قال: يا سارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك وإن هذا سألني عنك فأخبرته أنك أختي فلا تكذبيني ... (٢) .

وأوردها الثعلبي في قصصه وجاء فيه: إنه تخوّف إن قال: هي امرأتي أن يقتله(٣) ، ورواها ابن كثير في قصص الأنبياء(٤) ، ونقلها الطبري في تاريخه(٥) ،

١- ـ سورة الأنبياء من الآية ٥٠ إلى الآية ٦٢ .

٢- ـ صحيح البخاري ٤ : ١١٢ ، كتاب بدء الخلق باب قول الله تعالى: ((واتخذ الله إبراهيم خليلاً)) طبع استانبول افست دار الفكر ـ بيروت ، وروى مسلم في صحيحه نحوه لاحظ صحيح مسلم ٤ : ١٨٤٠ باب فضائل إبراهيم الخليل (ع) من كتاب الفضائل طبع دار إحياء التراث العربي. وإنما أوردنا هذه الرواية ـ مع ما فيها ـ ومثلها رواية الطبري التالية للاستشهاد على المفروغية عن مشروعية التقية عند العامة، وأن كبار محدثيهم ومؤرخيهم قد رووا بعض ما يتعلق بالتقية في صحاحهم، ولا معنى بعد هذا للتشنيع والتحامل على الشيعة في موضوع متفق عليه بين الطرفين.

٣- ـ قصص الأنبياء المسمى عرائس المجالس: ٧٩ الطبعة الرابعة.

٤- ـ قصص الأنبياء: ١٣١ دار التراث.

٥- ـ تاريخ الأمم والملوك ١ : ١٧٢ مطبعة الاستقامة بالقاهرة ١٣٥٨ هـ ـ ١٩٣٩ م .

١٧

وذكر نحوها أبو الفرج ابن الجوزي في المنتظم(١) .

وقال الطبري في تاريخه أيضاً : ... ثمّ خرج إبراهيم مهاجراً إلى ربه، وخرج معه لوط مهاجراً، وتزوج سارة ابنة عمه، فخرج بها معه يلتمس الفرار بدينه والأمان على عبادة ربّه حتى نزل حرّان فمكث بها ما شاء الله أن يمكث، ثمّ خرج منها مهاجراً حتى قدم مصر وبها فرعون من الفراعنة الأولى، وكانت سارة من أحسن الناس فيما يقال فكانت لا تعصي إبراهيم شيئاً وبذلك أكرمها الله عزوجل، فلما وصفت لفرعون ووصف لـه حسنها وجمالها أرسل إلى إبراهيم فقال: ما هذه المرأة التي معك؟ قال: هي أختي، وتخوّف إبراهيم إن قال: هي امرأتي أن يقتله عنها، فقال لإبراهيم: زيّنها ثمّ أرسلها إليّ حتى أنظر إليها، فرجع إبراهيم إلى سارة وأمرها فتهيّأت ثمّ أرسلها إليه، فأقبلت حتى دخلت عليه، فلما قعدت إليه تناولها بيده فيبست إلى صدره ...(٢) .

وقد جاء في روايات أهل البيت عليهم السلام الإشارة إلى ذلك، فقد روى صاحب الوسائل في صحيحة أبي بصير، قال أبو عبد الله عليه السلام : التقية من دين الله قلت: من دين الله !! قال: إي والله من دين الله، ولقد قال يوسف: أيتها العين إنكم لسارقون والله ما كانوا سرقوا شيئاً، ولقد قال إبراهيم: إني سقيم، والله ما كان سقيماً(٣) .

ويمكن تفسير ما ورد على لسان إبراهيم عليه السلام من قوله: إني سقيم وقوله: بل فعله كبيرهم وهكذا بالنسبة إلى قصة سارة بالتقية، فإنه أخفى دينه وعقيدته وحفظ نفسه بذلك وإن كان في صورة الإخبار بخلاف الواقع، وأما بالنسبة إلى

١- ـ المنتظم في تاريخ الأمم والملوك ١ : ٢٦٣ الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ ـ ١٩٩٢ م دار الكتب العلمية ـ بيروت .

٢- ـ تاريخ الأمم والملوك ١ : ١٧١ مطبعة الاستقامة بالقاهرة ١٣٥٨ هـ ـ ١٩٣٩ م .

٣- ـ وسائل الشيعة ج ١١ باب ٢٥ من أبواب الأمر والنهي الحديث ٤ .

١٨

يوسف فتفسير قوله: أيتها العير إنكم لسارقون بالتقية غير واضح وسيأتي بعض التوضيح، نعم روى الثعلبي عن كعب قال: (يوسف) لا يمكنني حبسك إلاّ باشتهارك بأمر فظيع، فقال: لا أبالي إفعل ما تريد، فقال يوسف: أن أدس صاعي هذا في رحلك، ثمّ أنادي عليكم بالسرقة ليتهيّأ لي ردّك بعد تسريحك قال: افعل ...(١) .

وروى الصدوق في معاني الأخبار بسنده عن سفيان بن سعيد قال: سمعت

أبا عبد الله جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام يقول: عليك بالتقية، فإنها سنة إبراهيم الخليل، (إلى أن قال:) وإن رسول الله إذا أراد سفراً دارى بغيره، وقال صلي الله عليه و آله: أمرني ربي بمداراة الناس كما أمرني بإقامة الفرائض، ولقد أدّبني الله عزوجل بالتقية فقال: ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم(٢) .

وهذه الرواية وإن جاءت بسند ضعيف إلاّ أن فيها تأييداً لما نحن فيه.

فإذا كانت التقية سنة إبراهيم الخليل وهو أحد أولي العزم ـ في مواطن

الخوف والدفاع، عن النفس ـ فما ظنك بغيره من سائر الناس؟ الأمر الذي يؤكد أن موضوع التقية يستوي فيه جميع بني البشر عند حدوث دواعيه.

٣ ـ التقية في زمان يوسف الصديقعليه السلام:

ونبي الله يوسف عليه السلام قد مارس التقية وهو في أوج عزه وسلطانه وقد أوتي الجمال والعلم والكمال وأصبح الآمر الناهي في دولة الفراعنة و ﴿قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم﴾ (٣) وقد مني بحسد إخوته وابتلي بمحن شديدة كان السجن أحب إليه وأهون مما لاقاه، وقد تحدث القرآن الكريم عن ذلك

١- ـ قصص الأنبياء المسمى عرائس المجالس: ١٣٢ الطبعة الرابعة.

٢- ـ وسائل الشيعة ج ١١ باب ٢٤ من أبواب الأمر والنهي الحديث ١٦ .

٣- ـ سورة يوسف، الآية: ٥٥ .

١٩

وأشارت إلى ذلك عدة من النصوص، ومنها ما رواه أبو بصير قال: سمعت أبا جعفر يقول: لا خير فيمن لا تقية له: ولقد قال يوسف: أيتها العين إنكم لسارقون وما سرقوا(١) .

وفي رواية أخرى ـ في سندها جعفر بن محمّد بن مسعود ـ عن أبي عبد

الله عليه السلام قال: التقية من دين الله، قلت: من دين الله !! قال: إي والله من دين الله لقد قال يوسف: أيتها العير إنكم لسارقون والله ما كانوا سرقوا شيئاً(٢) .

وذكرنا آنفاً رواية أخرى تشير إلى هذا المعنى أيضاً، كما ذكرنا ما أورده الثعلبي وقلنا: إن وجه التقية في ذلك غير واضح.

ولكن من المحتمل أن يوسف عليه السلام لم يكن قادراً على إبقاء أخيه عنده بغير هذا التدبير، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿وكذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلاّ أن يشاء الله﴾ (٣) ، وكان يوسف عليه السلام آنذاك تحت قدرة الملك وسلطانه ودينه، غير أنّه بحكمته عليه السلام وحسن سلوكه وتدبيره استطاع أن يجعل الملك ـ بعد ذلك ـ يتراجع عن دينه ويعتنق دين يوسف عليه السلام ويقرّ بنبوّته ويسير بسيرته في الناس وأصبح يوسف عليه السلام الآمر الناهي والسيد المطاع، وقد ورد هذا المعنى في بعض النصوص، روى الطبرسي قدس سره بسنده الصحيح عن الحسن بن علي بن بنت إلياس (الوشاء) قال: سمعت الرضا عليه السلام يقول: وأقبل على جمع الطعام فجمع في السبع السنين المخصبة فكبسه في الخزائن، فلما مضت تلك السنون وأقبلت المجدبة، أقبل يوسف على بيع الطعام فباعهم في السنة الأولى بالدراهم والدنانير حتى لم يبق بمصر وما حولها دينار ولا درهم إلاّ صار في مملكة يوسف، وباعهم في السنة الثانية بالحلي والجواهر حتى لم يبق بمصر وما حولها حلي ولا

١- ـ وسائل الشيعة ج ١١ باب ٢٤ من أبواب الأمر والنهي الحديث ١٧ .

٢- ـ نفس المصدر الحديث ١٨ .

٣- ـ سورة يوسف، الآية: ٧٦ .

٢٠