×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

التقية في فقه أهل البيت عليهم السلام (1) (بحوث الشيخ مسلم الداوري) / الصفحات: ٢١ - ٤٠

جوهر إلاّ صار في مملكته ... وباعهم في السنة السابعة برقابهم حتى لم يبق بمصر وما حولها عبد ولا حر إلاّ صار عبد يوسف فملك أحرارهم وعبيدهم وأموالهم، وقال الناس: ما رأينا ولا سمعنا بملك أعطاه الله من الملك ما أعطاه هذا الملك

حكماً وعلماً وتدبيراً.

ثم قال يوسف للملك: أيها الملك ما ترى فيما خوّلني ربي من ملك مصر

وأهلها، أشر علينا برأيك فإني لم أصلحهم لأفسدهم، ولم أنجهم من البلاء لأكون بلاءً عليهم، ولكن الله تعالى أنجاهم على يدي، قال لـه الملك: الرأي رأيك، قال يوسف: إني أشهد الله وأشهدك أيها الملك أني قد أعتقت أهل مصر ورددت

عليهم أموالهم وعبيدهم ورددت عليك أيها الملك خاتمك وسريرك وتاجك على

أن لا تسير إلاّ بسيرتي ولا تحكم إلاّ بحكمي، قال لـه الملك: ذلك لزيني وفخري أن لا أسير إلاّ بسيرتك ولا أحكم إلاّ بحكمك، ولولاك ما قويت عليه، ولا اهتديت لـه، ولقد جعلتك سلطاناً عزيزاً لا يرام، وأنا أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك لـه، وأنك رسوله، فأقم على ما ولّيتك فإنك لدينا مكين أمين(١) .

٤ ـ التقية في زمان موسى الكليم:

لقد تحدث القرآن الكريم في العديد من الآيات عن موسى عليه السلام وعن مواقفه الشجاعة في مواجهة فرعون، وأشاد بمقامه وفضّله على كثير من الرسل حيث اختصه بكلامه ﴿تلك الرسل فضّلنا بعضهم على بعض منهم من كلّم الله ...﴾ (٢) ، إلاّ أنّه مع ذلك قد مارس التقية في بعض أدوار حياته في تبليغه الرسالة للناس وقد فسر ما ورد في الآيات التي ذكرت خوفه بأنه لم يكن يخاف على نفسه من القتل والإيذاء، وإنما كان يخاف من غلبة الباطل على الحق، وكان يتوارى

١- ـ مجمع البيان في تفسير القرآن ٥ : ٢٤٤ المطبعة الإسلامية ـ طهران.

٢- ـ سورة البقرة، الآية: ٢٥٢ .

٢١

ويترقب لئلاّ يؤخذ ويقتل فيضيع الحق بقتله، وكان يجري في أموره على مقتضى السنن الطبيعية كما هو شأن سائر الأنبياء، فإنهم لا يلجأون إلى الوسائل الغيبية والإعجازية إلاّ في ظروف معينة مذكورة في محلها من علم الكلام.

ومما يدلّ على أن موسى عليه السلام قد مارس التقية ما ورد في صحيحة أبي حمزة الثمالي (وقد تقدم شطر منها) وجاء فيها: إن الله عزوجل قال لموسى وهارون: ﴿إذهبا إلى فرعون إنه طغى * فقولا لـه قولاً لينا لعله يتذكر أو يخشى﴾ يقول الله عزوجل: كنيّاه وقولا لـه: يا أبا مصعب(١) الحديث.

فالموقف اقتضى الملاينة في القول، لا إعلان الحرب عليه مع أن فرعون كان

في أوج طغيانه.

والمستفاد من الآية الكريمة أن التقية مع فرعون مداراتية لا خوفية ويراد

بها ترقيق القلب وتليينه، هذا بالنسبة إلى موسى عليه السلام .

وأما بالنسبة إلى أصحاب موسى عليه السلام فقد أشار القرآن الكريم إلى أن زمان فرعون كان زمان رهبة وبطش وقهر، ولم يكن الناس آمنين فيه على أرواحهم وأعراضهم ﴿إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبّح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين﴾ (٢) وتمادى فرعون في

غيّه وضلاله: >فحشر فنادى * فقال أنا ربّكم الأعلى< (٣) >وقال فرعون يا

أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحاً لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين< (٤) ، وكان الخوف مهيمناً على الناس، وفي قصة ولادة موسى عليه السلام ـ كما تحدث عنها القرآن الكريم ـ

١- ـ كمال الدين ج ١ باب ٢٢ الحديث ٢ ص ٢١١ دار الكتب الإسلامية طهران ١٣٩٥ هـ .

٢- ـ سورة القصص، الآية: ٤ .

٣- ـ سورة النازعات، الآية : ٢٣ ، ٢٤ .

٤- ـ سورة القصص، الآية: ٣٨ .

٢٢

ما يكشف عن معاناتهم إلى حد لم يتمكن أحد من البوح بما في نفسه فضلاً عن إظهار المخالفة، فلما ظهر موسى بدعوته آمن به من آمن وكان إيمانهم في طي الكتمان، وقد حفظ لنا التاريخ أسماء بعض المؤمنين واشار القرآن إلى بعضهم فمنهم:

٥ ـ مؤمن آل فرعون:

كما تحدث عنه القرآن: >وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم

إيمانه< (١) وذكر ابن كثير في قصصه: (أن هذا الرجل هو ابن عمر فرعون وكان يكتم إيمانه من قومه خوفاً منهم على نفسه، وزعم بعض الناس أنّه كان إسرائيلياً وهو بعيد ومخالف لسياق الكلام لفظاً ومعنى)(٢) ، واختلف في اسمه فقيل: شمعان،

قال الدارقطني: لا يعرف من اسمه شمعان بالشين المعجمة إلاّ مؤمن آل فرعون، حكاه السهيلي، وفي تاريخ الطبراني: أن اسمه خير(٣) .

والغرض أن هذا الرجل كان يكتم إيمانه، فلما همّ فرعون بقتل موسى عليه السلام

وعزم على ذلك وشاور ملأه فيه، خاف هذا المؤمن على موسى فتلطّف في ردّ فرعون بكلام جمع فيه بالترغيب والترهيب، فقال على وجه المشورة والرأي: >أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله ...< (٤) وقال فرعون في جوابه: >ما أريكم

إلاّ ما أرى ...< (٥) .

وذكر الثعلبي أنّه كان حزقيل وهو من أصحاب فرعون وكان نجاراً، وهو

الذي صنع لأم موسى التابوت حين ولدته وألقته في البحر، وقيل: إنه كان خازناً لفرعون قد خزن لـه مائة سنة، وكان مؤمناً مخلصاً يكتم إيمانه، إلى أن ظهر موسى

١- ـ سورة غافر، الآية: ٢٨ .

٢- ـ قصص الأنبياء: ٢٨٩ .

٣- ـ نفس المصدر: ٢٩٠ .

٤- ـ سورة غافر، الآية: ٢٨ .

٥- ـ سورة غافر، الآية: ٢٩ .

٢٣

على السحرة فأظهر حزقيل أمره(١) . وجاء في روايات أهل البيت عليهم السلام تشبيه أبي طالب في إيمانه وكتمانه بمؤمن آل فرعون، فقد روى فخار بن معد الموسوي

بإسناده عن ابن بابويه عن محمّد بن القاسم المفسر عن يوسف بن محمّد بن زياد

عن العسكري عليه السلام في حديث قال: إن أبا طالب كمؤمن آل فرعون يكتم إيمانه(٢) . وسيأتي تشبيهه بأصحاب الكهف كما سيأتي الحديث ـ مفصلاً ـ عن أبي طالب عليه السلام .

وجاء في تفسير الثعلبي بالإسناد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن النبيّ صلي الله عليه و آله

قال: سبّاق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين أبداً، علي بن أبي طالب،

وصاحب يس، ومؤمن آل فرعون، فهم الصديقون، وعليّ أفضلهم(٣) .

وقد روى السيوطي في الدرّ المنثور روايات قريبة من هذا المضمون(٤) .

٦ ـ ومنهم امرأة مؤمن آل فرعون:

وكانت مؤمنة من إماء الله الصالحات، إلاّ أنها كانت مع بنات فرعون

تخدمهن، ولها في إيمانها قصة معروفة ذكرها الثعلبي في قصص الأنبياء(٥) .

٧ ـ ومنهم آسية بنت مزاحم:

وهي امرأة فرعون ﴿وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالتربّ ابن لي بيتاً في الجنة ونجّني من فرعون وعمله ونجّني من القومالظالمين﴾(٦) ، وقد جاء في روايات أهل البيت عليهم السلام أنها من زوجات النبيّ صلي الله عليه و آله

١- ـ قصص الأنبياء المسمى عرائس المجالس: ١٨٧ الطبعة الرابعة.

٢- ـ وسائل الشيعة ج ١١ باب ٢٩ من أبواب الأمر والنهي الحديث ١٩ .

٣- ـ الميزان في تفسير القرآن ١٧ : ٨٣ الطبعة الخامسة ١٤١٢ هـ .

٤- ـ الدر المنثور ٥ : ٢٦٢ المطبعة الميمنية مصر ١٣١٤ هـ .

٥- ـ قصص الأنبياء المسمى عرائس المجالس: ١٨٧ الطبعة الرابعة.

٦- ـ سورة التحريم، الآية: ١١ .

٢٤

في الجنة(١) .

وقال الثعلبي: إن امرأة فرعون آسية، كانت من بني إسرائيل، وكانت

مؤمنة مخلصة، وكانت تعبد الله سراً حتى إنها كانت لتعلّل في قضاء حاجتها فتبرز فتصلي يومها في مبرزها خوفاً من فرعون، وكانت على تلك الحالة إلى أن قتل فرعون امرأة حزقيل ...(٢) .

٨ ـ ومنهم مؤمن آخر من بني إسرائيل:

فقد ذكر المؤرخون أنّ الملك لاجب وامرأته اربيل، وكان يستخلفها على

رعيته إذا غاب عنهم، وهي تبرز للناس كما يبرز زوجها، وتركب كما يركب، وتجلس كما يجلس في مجلس القضاء، وتقضي بين الناس، وكانت قتّالة للأنبياء، وكان لها كانت مؤمن حكيم يكتم إيمانه وكان قد خلّص من بين يديها ثلاثمائة نبي كانت تريد قتلهم(٣) .

٩ ـ ومنهم الخضر عليه السلام :

الذي صحبه موسى عليه السلام كما تحدث القرآن عنه ﴿وعلمناه من لدنا علماً﴾ (٤) واختلف في أنّه لا زال حياً وعلى ذلك كثير من الروايات، وذهب آخرون إلى أنّه توفي، وقد كان لـه من التقية نصيب، فقد جاء في قصص الأنبياء: أنّه كان ابن

الملك فسلمه إلى المؤدب يؤدبه، وكان يختلف إليه، وكان بين منزله ومؤدبه رجل عابد كان يمرّ به فأعجبه حاله فألفه، وكان يجلس عنده والمعلم يظنّ أنّه في المنزل

١- ـ تفسير نور الثقلين ٥ : ٣٧٧ دار الكتب العلمية قم.

٢- ـ قصص الأنبياء المسمى عرائس المجالس: ١٨٨ الطبعة الرابعة.

٣- ـ نفس المصدر: ٢٥٣ .

٤- ـ سورة الكهف، الآية: ٦٥ .

٢٥

وأبوه يظن أنّه عند المعلم حتى شبّ ونشأ فزوجه ... فقال لها: أنا مخبرك بأمر إن أنت سمعته صرف الله عنك شرّ الدنيا وعذاب الآخرة ... قال: إني رجل مسلم

لست على دين أبي وليست النساء من حاجتي ...(١) .

وقال ابن كثير: وقد روى الحافظ ابن عساكر بإسناده إلى السدي: أن

الخضر وإلياس كانا أخوين، كان أبوهما ملكاً، فقال إلياس لأبيه: إن أخي

الخضر لا رغبة لـه في الملك فلو أنك زوجته لعله يجيء منه ولد يكون الملك لـه، فزوجه أبوه بامرأة حسناء بكر، فقال لها الخضر: إنه لا حاجة لي في النساء، فإن شئت أطلقت سراحك وإن شئت أقمت معي تعبدين الله عزوجل وتكتمين عليّ سرّي فقالت: نعم وأقامت معه سنة ...(٢) .

هذا ولا يبعد أن يكون هناك آخرون آمنوا بالله وبموسى وكتموا إيمانهم

وعاشوا بالتقية آنذاك ولم تصل إلينا أنباؤهم.

١٠ ـ التقية وأصحاب الكهف:

تحدّث القرآن الكريم عن أصحاب الكهف فقال: ﴿إنهم فتية آمنوا بربهموزدناهم هدى﴾ (٣) وأشار إلى ما لاقاه هؤلاء في حياتهم، وأن الله تعالى أرجعهم إلى الحياة بعد أن أماتهم مدة من الزمن بلغت أكثر من ثلاثمائة سنة. ويستفاد من قوله تعالى: ﴿وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربّنا ربّ السموات والأرضلن ندعوا من دونه إلهاً لقد قلنا إذاً شططا﴾ (٤) ، أنهم آمنوا بالله أولاً وربط الله

على قلوبهم، ثمّ قاموا في مجلس الملك أو فيما بينهم وأعلنوا إيمانهم، وقد كشفت

١- ـ قصص الأنبياء المسمى عرائس المجالس: ٢٢٠ الطبعة الرابعة.

٢- ـ قصص الأنبياء: ٣٩١ .

٣- ـ سورة الكهف، الآية: ١٣ .

٤- ـ سورة الكهف، الآية: ١٤ .

٢٦

روايات الخاصة والعامة عن بعض التفاصيل التي أشار إليها القرآن حول

أصحاب الكهف، فمن الخاصة ما جاء في موثقة درست الواسطي قال: قال أبو

عبد الله عليه السلام : ما بلغت تقية أحد تقية أصحاب الكهف ان كانوا يشهدون الأعياد ويشدّون الزنانير، فأعطاهم الله أجرهم مرتين(١) .

وفي تفسير العياشي عن عبد الله بن يحيى عن أبي عبد الله عليه السلام أنّه ذكر

أصحاب الكهف، فقال: لو كلّفكم قومكم ما كلّفهم قومهم، فقيل: وما كلّفهم قومهم؟ فقال: كلّفوهم الشرك بالله العظيم، فأظهروا الشرك وأسروا الإيمان حتى جاءهم

الفرج ...(٢) .

وفي إرشاد القلوب في حديث الجاثليق والأساقفة مع أبي بكر ثمّ مع أمير

المؤمنين عليه السلام ... فإن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً، وكونوا في أهل ملتكم كأصحاب الكهف، وإيّاكم أن تفشوا أمركم إلى أهل أو ولد أو حميم أو قريب، فإن دين الله عزوجل الذي أوجب لـه التقية لأوليائه الحديث(٣) .

وروى الكاهلي عن أبي عبد الله عليه السلام أن أصحاب الكهف أسرّوا الإيمان

وأظهروا الكفر، وكانوا على إجهار الكفر أعظم أجراً منهم على إسرار الإيمان(٤) .

وفي صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن مثل أبي طالب

مثل أصحاب الكهف، أسرّوا الإيمان وأظهروا الشرك فآتاهم أجرهم مرتين(٥) .

وروى فخار بن معد الموسوي في كتابه (الحجة على الذاهب) بسنده عن

عبد الرحمن بن كثير عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث إن جبرئيل نزل على رسول الله صلي الله عليه و آله فقال: يا محمّد إن ربك يقرؤك السلام، ويقول لك: إن أصحاب الكهف

١- ـ وسائل الشيعة ج ١١ باب ٢٦ من أبواب الأمر والنهي الحديث ١ .

٢- ـ نفس المصدر باب ٢٩ من أبواب الأمر والنهي الحديث ١٤ .

٣- ـ جامع أحاديث الشيعة ج ١٤ باب ١ من أبواب التقية الحديث ٤٠ .

٤- ـ وسائل الشيعة ج ١١ باب ٢٩ من أبواب الأمر والنهي الحديث ١٦ .

٥- ـ نفس المصدر الحديث ١ .

٢٧

أسروا الإيمان وأظهروا الشرك فآتاهم الله أجرهم مرتين، وإن أبا طالب أسرّ الإيمان وأظهر الشرك فآتاه الله أجره مرتين، وما خرج من الدنيا حتى أتته البشارة من الله بالجنة(١) .

ونقل الطبرسي في مجمع البيان اختلاف الأقوال في أحوالهم فقال: وقالوا:

هؤلاء الفتية قوم آمنوا بالله تعالى وكانوا يخفون الإسلام خوفاً من ملكهم، وكان اسم الملك دقيانوس واسم مدينتهم افسوس، وكان ملكهم يعبد الأصنام ويدعو إليها ويقتل من خالفه، وقيل: إنه كان مجوسياً يدعو إلى دين المجوس والفتية كانوا على دين المسيح لما برح أهل الإنجيل، وقيل: كانوا من خواص الملك، وكان يسرّ كل واحد منهم إيمانه عن صاحبه، ثمّ اتفق أنهم اجتمعوا وأظهروا أمرهم فأووا إلى الكهف، عن عبيد بن عمير، وقيل: إنهم كانوا قبل بعث عيسى عليه السلام (٢) .

وأما ما ورد عن طريق العامة فقد روى الثعلبي: ... فخرجوا في عيد عظيم

في زي وموكب، وأخرجوا معهم آلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله، فقذف الله في قلوبهم الإيمان، وكان أحدهم وزير الملك، فآمنوا وأخفى كل واحد منهم الإيمان عن صاحبه ...(٣) .

وفي الدر المنثور: أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن

عباس قال: غزونا مع معاوية غزوة الضيق نحو الروم، فمررنا بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف الذي ذكر الله في القرآن ... فقال: (ابن عباس): إنهم كانوا في مملكة ملك من الجبابرة فجعلوا يعبدون حتى عبدوا الأوثان، وهؤلاء الفتية في المدينة فلما رأوا ذلك خرجوا من تلك المدينة فجمعهم الله على غير ميعاد، فجعل بعضهم يقول لبعض: أين تريدون؟ أين تذهبون؟ فجعل بعضهم يخفي على بعض

١- ـ وسائل الشيعة ج ١١ باب ٢٩ من أبواب الأمر والنهي الحديث ١٧ .

٢- ـ مجمع البيان ٦ : ٤٥٣ منشورات شركة المعارف الإسلامية ١٣٧٩ هـ .

٣- ـ قصص الأنبياء المسمى عرائس المجالس: ٤١٩ الطبعة الرابعة.

٢٨

لأنه لا يدري هذا على ما خرج هذا، ولا يدري هذا، فأخذوا العهد والمواثيق أن يخبر بعضهم بعضاً، فإن اجتمعوا على شيء وإلاّ كتم بعضهم بعضاً، فاجتمعوا على كلمة واحدة، فقالوا: ربنا رب السموات والأرض ...(١) .

ونقل السيوطي في تفسيره ما أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس قال:

قال رسول الله صلي الله عليه و آله : أصحاب الكهف أعوان المهدي (عج)(٢) .

١١ ـ التقية في زمان عيسى عليه السلام :

لم نقف على شيء من الآثار ينص على أن النبيّ عيسى عليه السلام قد مارس التقية إلاّ أنّه ورد أن بعض حواريه قد مارسها، ومنهم صاحب يس، وتختلف

الروايات في التعريف بهذه الشخصية ففي بعض الروايات أنّه حبيب النجار أحد سباق الأمم، فقد روى الثعلبي بإسناده عن ابن أبي ليلى عن أبيه قال: قال رسول الله صلي الله عليه و آله: سبّاق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين، حزقيل مؤمن آل فرعون، وحبيب النجار مؤمن آل يس، وعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه وهو أفضلهم(٣) ، وفي بعضها أنّه شمعون الصفا رأس الحواريين(٤) ، وقيل هو سمعان(٥) ، وقيل: شلوم(٦) ، وأكثر المفسرين على أنّه شمعون الصفا(٧) .

وقد أشار القرآن الكريم إلى قصة اشتملت على التظاهر بعبادة الأصنام

فقال تعالى: ﴿واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون عليه السلام إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون﴾ (٨) .

١- ـ الدر المنثور ٥ : ٣٦٦ الطبعة الأولى ١٤٠٢ دار الفكر.

٢- ـ نفس المصدر: ٣٧٠ .

٣- ـ قصص الأنبياء المسمى عرائس المجالس: ٤٠٦ الطبعة الرابعة.

٤- ـ نفس المصدر: ٤٠٤ .

٥- ـ نفس المصدر.

٦- ـ نفس المصدر.

٧- ـ نفس المصدر.

٨- ـ سورة يس، الآية : ١٤ .

٢٩

نقل الطبرسي في تفسيره ... فلما كذب الرسولان وضربا، بعث عيسى

شمعون الصفا رأس الحواريين على أثرهما لينصرهما، فدخل شمعون البلد متنكراً، فجعل يعاشر حاشية الملك حتى أنسوا به، فرفعوا خبره إلى الملك، فدعاه ورضي عشرته وأنس به وأكرمه، ثمّ قال لـه ذات يوم: أيها الملك أنك حبست

رجلين في السجن وضربتهما حين دعواك إلى غير دينك، فهل سمعت قولهما؟ ...(١) .

قال: وقد روى مثل ذلك العياشي بإسناده عن الثمالي وغيره عن أبي جعفر

وأبي عبد الله عليه السلام (٢) . وأورد القمي في تفسيره القصة كاملة بسنده عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر عليه السلام وجاء فيها: فبعث الله الثالث، فدخل المدينة فقال: ارشدوني إلى باب الملك، فلما وقف على باب الملك قال: أنا رجل كنت أتعبد في فلاة من الأرض وقد أحببت أن أعبد إله الملك، فأبلغوا كلامه الملك فقال: أدخلوه إلى بيت الآلهة، فأدخلوه فمكث سنة مع صاحبيه، فقال: بهذا ينقل قوم من دين إلى دين بالحذق (بالحرف)، أفلا رفقتما؟ ثمّ قال لهما: لا تقرّا بمعرفتي، ثمّ أدخل على الملك فقال لـه: بلغني أنك تعبد إلهي فلم أزل وأنت أخي فاسألني حاجتك ... وفيها أن الله تعالى أحي ابن الملك بدعائهما، وأن الملك آمن بالله وآمن أهل مملكته(٣) .

وقال الثعلبي في قوله تعالى: ﴿فكذبوهما فعززنا بثالث﴾ : أي فقوينا

برسول ثالث، وهو شمعون الصفا رأس الحواريين، إلى أن قال: وكان شمعون إذا دخل الملك على الصنم يدخل لدخوله ويصلّي كثيراً ويتضرّع حتى ظنوا أنّه على ملّتهم(٤) .

١- ـ مجمع البيان ٧ : ٤١٩ منشورات شركة المعارف الإسلامية ١٣٧٩ هـ .

٢- ـ نفس المصدر: ٤٢٠ .

٣- ـ تفسير القمي ٢ : ٢١٤ الطبعة الأولى المحققة.

٤- ـ قصص الأنبياء المسمى عرائس المجالس: ٤٠٤ الطبعة الرابعة.

٣٠

هذا بعض ما وقفنا عليه مما ورد في التقية قبل الإسلام كما جاء في القرآن

الكريم وكتب التفسير والتاريخ وروايات الشيعة والسنة، وليس الغرض من

حشد هذا الكم من النصوص والشواهد التاريخية إلاّ التنبيه على أن التقية أمر ثابت في الشرائع السماوية السابقة، كما هو ثابت في شريعة الإسلام، وأنها أمر فطري وعلاج مؤقت يلجأ إليه الإنسان عند الحاجة دفاعاً عن نفسه وحفاظاً على معتقده واتقاء لشر الظالمين كما أنها قد تكون إحدى وسائل البلاغ، بل التقية هي إحدى السمات البارزة في حياة الصفوة من البشر وهم الأنبياء، كما لاحظنا من خلال ما ذكرناه من سيرة شيث وإبراهيم ويوسف وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء والأولياء.

ويؤيد ما ذكرنا ما ورد في تفسير العسكري عليه السلام قال الحسن بن علي عليه السلام :

قال رسول الله صلي الله عليه و آله: إن الأنبياء إنما فضلهم على خلقه أجمعين بشدة مداراتهم لأعداء دين الله، وحسن تقيّتهم لأجل إخوانهم في الله(١) .

وسيوافيك ـ أيها القارىء العزيز ـ من أمر التقية ما يكتمل به عقدها

ويتسق به نظامها فانتظر وكن معي ولن يطول الانتظار.

القسم الثاني: التقية بعد الإسلام:

والبحث فيها يتسع للكثير من القول إلاّ أنّه لما كانت التقية من الأمور

الفطرية ـ كما ذكرنا ـ وهي لا تخضع لزمان معيّن إلاّ زمان الداعي إليها، فإنها تابعة للظرف الذي يقتضيها، وحيث إنّنا في صدد البحث التاريخي للتقية فإعطاء الملامح والشواهد التاريخية لهذا الأمر يقتضي مراعاة المراحل الزمنية المختلفة وعلاقتها بالتقية، ومن خلال ذلك نستطيع تصنيف البحث حول التقية بعد الإسلام إلى مرحلتين

١- ـ جامع أحاديث الشيعة ج ١٤ باب ٢ من أبواب التقية الحديث ٤ .

٣١

زمنيتين مختلفتين الأولى: التقية في زمان النبيّ صلي الله عليه و آله، والثانية: التقية بعد زمانه صلي الله عليه و آله.

المرحلة الأولى: التقية في زمان النبيّ صلي الله عليه و آله:

ذكر في تاريخ تلك الحقبة أن الإسلام بدأ غريباً، ولم تكن نفوس الناس

آنذاك ـ إلاّ القليل ـ مهيأة للاستضاءة بنور تعاليم الدين الجديد، فقد كانوا فريسة الأوهام والخرافات والضلالات، وقد أشار القرآن الكريم إلى المعاناة التي

قاساها النبيّ صلي الله عليه و آله لينقذ الناس ويخرجهم من الظلمات إلى النور: ﴿هو الذي بعثفي الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكّيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبلُ لفي ضلال مبين﴾ (١) ، ﴿وألّف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألّفت بين قلوبهم ولكن الله الّف بينهم﴾ (٢) ، ﴿ولو كنت فظّاً غليظ القلب لانفضّوا من حولك﴾ (٣) ، ثمّ إن من خصائص تعاليم النبيّ صلي الله عليه و آله أنها جاءت لترفع من كرامة الإنسان، وتضع عنه الأغلال التي كبل بها عقله ونفسه، وتجعل جميع بني البشر على قدم المساواة، وإن كان ثمة من تفاوت فإنما هو بما يكتسبه الإنسان من الفضائل والكمالات: ﴿إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ (٤) وكان ذلك نذيراً للإطاحة بسلطان الجبابرة والظالمين الذين كانوا يعيشون على دماء المستضعفين من الفقراء والعبيد وغيرهم ممن لا حول لهم ولا قوة، فما كان من هؤلاء الذين لا يملكون إلاّ السيادة الوهمية التي قامت على أشلاء الضعفاء والمساكين إلاّ مقاومة هذه الرسالة الجديدة التي جاءت تهدد مصالحهم، لذلك بدأ الإسلام غريباً.

١- ـ سورة الجمعة، الآية: ٢ .

٢- ـ سورة الأنفال، الآية: ٦٣ .

٣- ـ سورة آل عمران، الآية: ١٥٩ .

٤- ـ سورة الحجرات، الآية: ١٣ .

٣٢

ولما كانت هذه الرسالة هي الخاتمة فلابد من معالجة مختلف القضايا بحكمة

ورويّة لكسب الموقف لصالح الإسلام في أيامه الأولى، فكانت المواقف البطولية الشجاعة التي وقفها من آمن بالنبيّ صلي الله عليه و آله وبدعوته، وفي طليعة هؤلاء شيخ الأباطح أبو طالب عليه السلام .

١٢ ـ أبو طالب في التاريخ:

إن مما مني به تاريخ المسلمين أن تحكّمت فيه الأهواء والرؤى الضيقة،

وسيطرت شهوات النفس وحب الدنيا على بعض كتابه طمعاً في حفنة من دراهم،

أو تزلّفاً لظالم، أو إرضاء لحقد وعداء، وكان من جرّاء ذلك أن أصبح بعض تاريخ المسلمين المكتوب موضع ريب أو توقف.

إن عنصر الأمانة المفتقد في كتابة التاريخ ـ وهو عنصر أساس ـ أدّى إلى

تلبيس وتدليس في صياغة الأحداث، فأشاد بمن لا يستحق الذكر، وأغفل ـ عن عمد ـ ذكر من يستحق التخليد والإكبار. وكان أحد ضحايا هؤلاء المؤرخين

أبا طالب فقد نسب إليه زوراً وبهتاناً أنّه مات وهو من المشركين، وكان في هذه الفرية تطاولٌ على كرامة النبيّ صلي الله عليه و آله ومساس بمقام النبوة الأقدس من حيث

لا يشعرون.

إن أبا طالب في شخصيته وعظمته ومواقفه البطولية صفحة بيضاء في تاريخ الإسلام، وإن لـه الشرف العظيم في حماية الإسلام بحماية النبيّ صلي الله عليه و آله من كيد قريش الذين خانهم سوء الحظ والفهم والتقدير فاجتمعت كلمتهم على قتل النبيّ صلي الله عليه و آله والقضاء على دعوته.

وما كان ذلك (شرف حماية الإسلام بحماية النبيّ صلي الله عليه و آله) ليكون لولا إيمانه

العميق بالله تعالى ويقينه الصادق بدعوة النبيّ صلي الله عليه و آله كيف لا وهو القائل يخاطب

٣٣

النبيّ الأعظم صلي الله عليه و آله:

والله لن يصلوا إليك بجمعهمحتى أوسّد في التراب دفينا
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضةوابشر بذاك وقرّ منك عيونا
ودعوتني وعلمت أنك ناصحي ولقد دعوت وكنت ثمّ أمينا
ولقد علمت بأنّ دين محمدمن خير أديان البريّة دينا(١)

لم يكن أبو طالب أغنى بني هاشم وأكثرهم مالاً ليكون النبيّ صلي الله عليه و آله في حمايته،

وما كان لتحركه العصبية القبلية لحماية ابن أخيه، بيد أنّه كان المؤمن الصادق بما جاء به النبيّ صلي الله عليه و آله ولذاك تفانى في حب النبيّ ورعايته وخدمته وكان يوصي أبناءه بذلك.

إنّ المتيقّن من سيرة الرسول صلي الله عليه و آله وأهل بيته عليه السلام أنهم ما كانوا ليحابون

أحداً على حساب الدين، وشاهده أنهم يبرؤن من كل مشرك لم يؤمن بالله وبالرسول ولو كان من أقرب الناس إليهم وهذا أبو لهب ـ وهو عم النبيّ صلي الله عليه و آله ـ ينزل فيه قرآن يُتلى: ﴿تبت يدا أبي لهب وتب﴾ (٢) إخباراً من الله تعالى بأنه لن يؤمن وأن مصيره بئس المصير ﴿سيصلى ناراً ذات لهب﴾ (٣) . وأمّا أبو طالب فقد شهد النبيّ صلي الله عليه و آله والأئمة عليه السلام ـ كما سيأتي ـ بإيمانه وأن الله أتاه أجره مرتين حيث بذل وجوده في خدمة نبي الإسلام بل والدعوة إلى الإسلام(٤) :

١- ـ الغدير ٧ : ٣٣٤ الطبعة الثالثة.

٢- ـ سورة المسد، الآية: ١ .

٣- ـ سورة المسد، الآية: ٣ .

٤- ـ نقل الكراجكي في كنز الفوائد أن أبا طالب (ع) قال لابنه جعفر وقد أمره بالصلاة مع النبيّ (ص) وقال: يا بني صل جناح ابن عمك، فلما أجابه قال:
إن علياً وجعفراً ثقتي
عند ملمّ الزمان والكُرَبِ
والله لا أخذل النبيّ ولا
يخذله من بنيّ ذوي حسب
لا تخذلا وانصرا ابن عمكما
أخي لأمي من بينهم وأبي
لاحظ كنز الفوائد: ٧٩ الطبع القديم.

٣٤
ولولا أبو طالب وابنهلما مثل الدين شخصاً فقاما
فهذا بمكة آوى وحامىوهذا بيثرب جسّ الحماما(١)

ولم يكن ليتسنى لأبي طالب حماية النبيّ صلي الله عليه و آله وهو في مجتمع الوحوش إلاّ أن يسلك طريقاً يضمن من خلاله أن يوفر الحماية الكاملة للنبي صلي الله عليه و آله من أناس يتربصون به الدوائر لزعمهم أنّه جاء يسفه أحلامهم ويسخر بآلهتهم، فكان السبيل الأقوم والطريقة المثلى لأبي طالب أن يتقي من قومه.

وأما رميه بالكفر وأنه مات على الشرك فهي (شنشنة أعرفها من أخزم)

ولنضرب عنها صفحاً ونكتفي بالإشارة إلى أن أبا طالب عليه السلام لو لم يكن أباً لعلي عليه السلام لكان سيداً من سادات المسلمين ومن السابقين الأولين بلا منازع.

وأما الأدلة على إيمان أبي طالب فنحن وإن كنا في غنى عن ذكرها

ويكفينا الوقوف على سيرته وأقواله وأفعاله إلاّ أننا نذكر بعضها رغبة في إظهار الحق وتفنيداً لمزاعم المغرضين، وأداءاً لبعض حقوق أبي طالب عليه السلام علينا فنقول:

استدلّ على إيمان أبي طالب أمور:

أولها: الإجماع على إيمانه، وقد ادعاه الشيخ المفيد والشيخ الطوسي

والطبرسي والسيد فخار بن معد الموسوي والفتال النيسابوري والسيد ابن طاووس والعلامة المجلسي وغيرهم(٢) ، ونقل ابن أبي الحديد إجماع الشيعة وأكثر الزيدية وجملة من أعاظم المعتزلة على ذلك(٣) .

وثانيها: الروايات وقد تقدم بعضها وأنه شبيه مؤمن آل فرعون وأصحاب

الكهف وأنّ الله أتاه أجره مرتين.

وممّا ورد أيضاً ما رواه جابر بن عبد الله الأنصاري قال: سألت رسول

١- ـ الغدير ٧ : ٣٣٠ الطبعة الثالثة ١٣٨٧ هـ .

٢- ـ منية الراغب في إيمان أبي طالب: ٦٥ الطبعة الثانية.

٣- ـ شرح نهج البلاغة ١٤ : ٦٥ دار إحياء الكتب العربية ١٩٦٢ م.

٣٥

الله صلي الله عليه و آله عن ميلاد أمير المؤمنين عليه السلام ؟ فشرح صلي الله عليه و آله ولادته، إلى أن قال: ثمّ انصرف أبو طالب إلى مكة، قال جابر: يا رسول الله، الله أكبر !! إن الناس يقولون إن أبا طالب مات كافراً !!! قال: يا جابر الله أعلم بالغيب، لما كانت الليلة التي أسري بي فيها إلى السماء انتهيت إلى العرش، فرأيت أربعة أنوار فقلت: إلهي ما هذه الأنوار؟ فقال: يا محمّد هذا عبد المطلب، وهذا أبو طالب، وهذا أبوك عبد الله، وهذا أخوه طالب، فقلت: إلهي وسيدي فبم نالوا هذه الدرجة؟ قال: بكتمانهم الإيمان وإظهارهم الكفر وصبرهم على ذلك حتى ماتوا(١) .

وروى الكراجكي في كنز الفوائد بسنده عن مفضّل بن عمر عن جعفر بن

محمّد عن أبيه عن علي بن الحسين عن أبيه عن أمير المؤمنين علي عليه السلام : أنّه كان جالساً في الرحبة، والناس حوله، فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين إنك بالمكان الذي أنزلك الله، وأبوك معذب بالنار !! فقال لـه: مه، فض الله فاك، والذي بعث محمداً بالحق نبياً لو شفع أبي في كل مذنب على وجه الأرض لشفّعه الله، أأبي معذب في النار وابنه قسيم الجنة والنار؟ والذي بعث محمداً بالحق إن نور أبي طالب يوم القيامة ليطفي أنوار الخلائق إلاّ خمسة أنوار، نور محمّد ونور فاطمة ونور الحسن والحسين ونور ولده من الأئمة إلاّ أن نوره من نورنا، خلقه الله من قبل خلق آدم بألفي عام(٢) .

وروى السيد فخار بن معد الموسوي بسنده عن أبي بصير ليث المرادي

قال: قلت لأبي جعفر: سيدي إن الناس يقولون: إن أبا طالب في ضحضاح من نار يغلي منه دماغه، فقال عليه السلام : كذبوا والله، إن إيمان أبي طالب لو وضع في كفة ميزان وإيمان هذا الخلق في كفة ميزان لرجح إيمان أبي طالب على إيمانهم، ثمّ قال: كان والله أمير المؤمنين يأمر أن يحج عن أب النبيّ وأمه، وعن أبي طالب، أيام

١- ـ بحار الأنوار ٣٥ : ١٠ دار الكتب الإسلامية ـ طهران .

٢- ـ كنز الفوائد: ٨٠ الطبع القديم.

٣٦

حياته، ولقد أوصى في وصيته بالحج عنهم بعد مماته(١) .

وروى الكراجكي بإسناده عن يونس بن نباته عن أبي عبد الله عليه السلام قال:

يا يونس ما يقول الناس في أبي طالب؟ قلت: جعلت فداك يقولون: هو في ضحضاح من نار يغلي منها رأسه، فقال: كذب أعداء الله، إن أبا طالب من رفقاء النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً(٢) .

وروى أيضاً بإسناده عن أبان بن محمّد قال: كتبت إلى الإمام الرضا علي

بن موسى عليه السلام : جعلت فداك قد شككت في إيمان أبي طالب، قال: فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد: فمن يبتغ غير سبيل المؤمنين نولّه ما تولى، إنك إن لم تقرّ بإيمان أبي طالب كان مصيرك إلى النار(٣) .

وأما الروايات الواردة من طرق العامة فقد استقصاها العلامة الأميني في

الجزء السابع من كتابه الغدير فراجع.

ثالثها: إن من الثابت في شريعة الإسلام ـ كما هو مقرّر في محلّه من كتب

الفقه ـ عدم جواز نكاح الكافر من المرأة المسلمة، ولذا فرّق الإسلام بين زينب وبين أبي العاص بن ربيعة حين أسلمت إلى أن أسلم أبو العاص فردها النبيّ صلي الله عليه و آله إليه بنكاح جديد أو بالنكاح الأول(٤) ، ولاشك أن فاطمة بنت أسد من السابقات وهي أول امرأة هاجرت إلى رسول الله صلي الله عليه و آله من مكة إلى المدينة على قدميها، وكانت من أبرّ الناس برسول الله صلي الله عليه و آله(٥) ، ولما ماتت جاء أمير

١- ـ منية الرغب في إيمان أبي طالب: ٤٠ الطبعة الثانية.

٢- ـ كنز الفوائد: ٨٠ الطبع القديم.

٣- ـ نفس المصدر: ٨٠ ، وأوردها ابن أبي الحديد في شرح النهج باختلاف يسير راجع شرح نهج البلاغة ١٤ : ٦٨ دار إحياء الكتب العربية.

٤- ـ تنقيح المقال في علم الرجال ٣ : ٧٩ فصل النساء الطبع القديم.

٥- ـ روى الكليني بسنده عن عبد الله بن مسكان عن أبيه قال: قال أبو عبد الله (ع) : إن فاطمة بنت أسد جاءت إلى أبي طالب لتبشره بمولد النبيّ (ص) فقال أبو طالب: اصبري سبتاً أبشرك بمثله إلاّ النبوة، وقال: السبت ثلاثون سنة، وكان بين رسول الله (ص) وأمير المؤمنين (ع) ثلاثون سنة. أصول الكافي ج ١ باب مولد أمير المؤمنين صلوات الله عليه الحديث ١ ص ٤٥٢ وفي الرواية من لطائف الدلالات ما لا يخفى.

٣٧

المؤمنين عليه السلام إلى النبيّ صلي الله عليه و آله وهو يبكي، فقال رسول الله صلي الله عليه و آله : ما يبكيك؟ فقال: ماتت أمي فاطمة، فقال رسول الله صلي الله عليه و آله : أمي والله، وقام صلي الله عليه و آله مسرعاً حتى دخل فنظر إليها وبكى، وفعل النبيّ أشياء معها لم يفعلها مع أحد من قبل، وسأله المسلمون عن ذلك فقال: اليوم فقدت برّ أبي طالب، إن كانت لتكون عندها الشيء فتؤثرني به على نفسها وولدها ...(١) .

فإذا كانت فاطمة بنت أسد بهذه المثابة من الإيمان، وبهذا المقام عند

النبيّ صلي الله عليه و آله فكيف يبقيها في عصمة أبي طالب لو كان كافراً ؟! وهل يتصور في حق النبيّ صلي الله عليه و آله أن يعطل حكماً من أحكام الإسلام !؟

وبهذا استدل الإمام زين العابدين عليه السلام فقد جاء في رواية أبي علي الموضح

قال: تواترت الأخبار بهذه الرواية وغيرها عن علي بن الحسين أنّه سئل عن أبي طالب أكان مؤمناً؟ فقال: نعم، فقيل لـه: إن هاهنا قوماً يزعمون أنّه كافر!

فقال عليه السلام : واعجباه يطعنون على أبي طالب، أو على رسول الله صلي الله عليه و آله !! وقد نهاه الله أن يقرّ مؤمنة مع كافر في غير آية من القرآن، ولايشك أحد أن بنت أسد من المؤمنات السابقات، وإنها لم تزل تحت أبي طالب حتى مات أبو طالب رضي الله عنه(٢) .

هذا ومما يؤيد أن إيمان أبي طالب عليه السلام حقيقة ثابتة لا يتطرق إليها ريب

أمران:

الأول: شهادة أبي بكر نفسه بإسلام أبي طالب عليه السلام ، فقد ذكر المؤرخون أن

أبا بكر جاء بأبي قحافة إلى النبيّ صلي الله عليه و آله عام الفتح يقوده، وهو شيخ كبير أعمى،

١- ـ لاحظ الرواية مفصلة عن الصادق (ع) في أصول الكافي ج ١ باب مولد أمير المؤمنين صلوات الله عليه الحديث ٢

٢- ـ بحار الأنوار ٣٥ : ١١٥ دارالكتب الإسلامية طهران. وأوردها ابن أبي الحديد في شرح النهج باختلاف يسير راجع شرح نهج البلاغة ١٤ : ٦٩ دار إحياء الكتب العربية.

٣٨

فقال رسول الله: ألا تركت الشيخ حتى نأتيه ! فقال: أردت يا رسول الله أن يأجره الله ! أما والذي بعثك بالحق لأنا كنت أشد فرحاً بإسلام عمك أبي طالب مني بإسلام أبي ...(١) .

الثاني: ما استنتجه الكاتب المصري عبد الفتاح عبد المقصود من خلال

عرضه لصورة من صور بغي معاوية بن أبي سفيان على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، حيث قال: إن سياسة ابن هند كما هو معلوم، وكما هي سياسة مثله من البغاة الطغاة، كانت تقوم على تزييف الحقائق، وابتداع الادعاءات، ثمّ ترديد ما زيف وابتدع ترديداً يضمن لزوره أن يظل دائماً ـ كوسوسة الشيطان الخنّاس ـ يملأ الأسماع، ويحشو الأرواع، ويتلوى بالأذهان فينال من قدر علي ويمسخ صورته في مدارك الناس فبذلك وحده يلون بالحق باطله، ويبدو ـ وإنه لظالم ! ـ كأنه مظلوم ! ... ولقد ركب الرجل إلى غرضه هذا كل مطاياه !

وها هي صفحات تاريخه تسربت في تحديثنا بادعاءاته على الإمام، وبفراه

الغالية في البهتان، وبقدحه في بنيه وذويه، وبخوضه بالباطل في سير صحابته الأبرار، فأي نصيب كان نصيب (أبي طالب) من هذه الأراجيف(٢) .

ومن جانب آخر كان أبو الحسن عليه السلام في منتهى الصراحة في كشف واقع ابن

أبي سفيان وأسلافه ومصيرهم المنتظر، وأنهم أحقر من أن يُقرنوا ببني هاشم، وقد استعرض الكاتب مقاطع من المكاتبات التي دارت بين الإمام عليه السلام وبين معاوية وكان من بينها قول الإمام عليه السلام في جوابه على كتاب لمعاوية: وأما قولك: إنا بنو عبد مناف، فكذلك نحن، ولكن ليس أميّة كهاشم، ولا حرب كعبد المطلب، ولا أبو سفيان كأبي طالب، ولا المهاجر كالطليق، ولا الصّريح كاللصيق، ولا المحقّ كالمبطل، ولا المؤمن كالمدغل، ولبئس الخلف خلف يتبع سلفاً هوى في نار

١- ـ شرح نهج البلاغة ١٤ : ٦٨ الطبعة الثانية ١٣٨٧ هـ ـ ١٩٦٧ م .

٢- ـ إيمان أبي طالب (الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب) مقدمة الطبعة الثالثة ص ١٦ .

٣٩

جهنم(١) .

(ولم نسمع معاوية يرد هذا الاتهام، ولا رأيناه يحاول الكيل لعلي صاعاً

بصاع، فيخوض في إيمان أبي طالب زاعماً أنّه مات على غير الإسلام لو وسعه لفعل فأفحش في القول، وأوفى الكيل ... فأمّا وقد كف ادعاءه، وابتلع خيلاءه، فذلك لأنه لم يكن يملك في إيمان أبي طالب اثارة شبهة أو دليل ينفد من خلالها إلى نقض هذا الإيمان، سواء أكانت هذه الاثارة رأي شانىء معاصر عايش شيخ بني عبد مناف، أم رواية لاحق آثر الانحراف.

ولمن يشاء أن يحاج في هذا الرأي نراه، فليأتنا من رسائل ابن أبي سفيان إلى الإمام، أو في أحاديثه التي ملأ بها آذان مناصريه، بكلمة تشير من قريب أو من بعيد، إلى ما يخدش إيمان أبي طالب وينال من صدق إسلامه) (٢) .

أقوال العلماء في إيمان أبي طالب:

ذكرنا فيما تقدم إجماع الشيعة على إيمان أبي طالب عليه السلام ونكتفي هنا بذكر

أقوال بعض علماء السنة تأييداً لهذه الحقيقة فمن ذلك:

١ ـ قال ابن الأثير في جامع الأصول: وما أسلم من أعمام النبيّ غير حمزة والعباس وأبي طالب عند أهل البيت عليهم السلام (٣) .

٢ ـ وقال البرزنجي بعد استشهاده بأبيات أبي طالب واثبات إيمانه:

وهذا نطق بالوحي قبل صدوره من النبيّ صلي الله عليه و آله فإنه أخبر بذلك بعد مدة من

قول أبي طالب، والحديث وحي كالقرآن، فثبت بهذه الأخبار والأشعار أن أبا طالب كان مصدقاً بنبوة النبيّ صلي الله عليه و آله وذلك كاف في نجاته(٤) .

١- ـ نهج البلاغة ٣ : ١٧ دار التعارف.

٢- ـ إيمان أبي طالب (الحجة على المذاهب إلى تكفير أبي طالب) مقدمة الطبعة الثالثة ص ٢٢ .

٣- ـ منية الراغب في إيمان أبي طالب: ٦٢ الطبعة الثانية.

٤- ـ نفس المصدر: ٦٠ .

٤٠