×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

التقية في فقه أهل البيت عليهم السلام (1) (بحوث الشيخ مسلم الداوري) / الصفحات: ٥٠١ - ٥٢٠

والذي يستفاد من هذه الطائفة أنّ الأنبياء السابقين ـ ولا سيّما إبراهيم

الخليل عليه السلام الذي شيّد البيت ـ كانوا يقفون في اليوم التاسع في عرفات، وأن ما يأتون به من المناسك لا يختلف عما فعله النبيّ صلي الله عليه و آله ، فكأن أعمال الحج واحدة منذ زمان آدم وإلى يومنا هذا.

ثم إنه لا إشكال في هذه الروايات من حيث السند ولا سيما أن معاوية بن عمار له كتاب في الحج، والطريق إليه صحيح وقد ذكرنا ذلك في بحوثنا الرجالية.

الطائفة الثالثة: ما ورد من تعيين الموقف في وقت محدد وهي عدة روايات:

منها: صحيحة جميل بن دراج عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ينبغي للإمام أن يصلي الظهر من يوم التروية بمنى، ويبيت بها ويصبح حتى تطلع الشمس ثمّ يخرج(١) .

وهذه الرواية وإن لم يصرّح فيها بالخروج إلى عرفات إلاّ أن رواية الصدوق بإسناده عن جميل بن دراج قد صرح فيها بذلك وهي: عن جميل بن دراج عن أبي عبد الله عليه السلام قال: على الإمام أن يصلي الظهر بمنى، ويبيت بها ويصبح حتى تطلع الشمس ثمّ يخرج إلى عرفات(٢) .

١- ـ وسائل الشيعة ج ١٠ باب ٤ من أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة الحديث ٢ .

٢- ـ نفس المصدر الحديث ٦ .

٥٠١

ومنها: صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام (في حديث) قال: فإذا انتهيت إلى عرفات فاضرب خباك بنمرة، ونمرة هي بطن عرنة دون الموقف ودون عرفة، فإذا زالت الشمس يوم عرفة فاغتسل وصل الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين، فإنما تعجل العصر وتجمع بينهما لتفرغ نفسك للدعاء فإنه يوم دعاء ومسألة(١) .

ومنها: رواية ابن يزيد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا زاغت الشمس يوم عرفة فاقطع التلبية واغتسل، وعليك بالتكبير والتهليل والتحميد والتسبيح

والثناء على الله، وصل الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين(٢) .

وغيرها من الروايات التي تدل على تعيين الموقف وتحديده بيوم عرفة.

الطائفة الرابعة: ما ورد فيها أن يوم عرفة هو الشاهد أو المشهود ومن تلك الروايات: صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله عليه السلام أنّه قال: الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة، والموعود يوم القيامة(٣) .

ومنها: معتبرة أبي الجارود عن أحدهما عليه السلام في قول الله عزوجل : ﴿وشاهد ومشهود﴾ (٤) قال: الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة، والموعود يوم القيامة(٥) .

ومنها: رواية الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله عزوجل: ﴿وشاهد ومشهود﴾ قال: الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة(٦) .

١- ـ وسائل الشيعة ج ١٠ باب ٩ من أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة الحديث ١ .

٢- ـ نفس المصدر الحديث ٤ .

٣- ـ نفس المصدر باب ١٩ من أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة الحديث ٤ .

٤- ـ سورة البروج، الآية: ٣ .

٥- ـ وسائل الشيعة ج ١٠ باب ١٩ من أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة الحديث ٧ .

٦- ـ نفس المصدر الحديث ٣ .

٥٠٢

وسند الرواية ليس بنقي، فإن فيه أبا جميلة وهو محل خلاف، ولنا حوله تحقيق ذكرناه في محله.

ومنها: مرسلة محمّد بن هاشم عمن روى عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث) قال: الشاهد هو يوم عرفة، والمشهود يوم القيامة(١) .

وغيرها من الروايات الدالة على هذا المعنى.

ويلحق بهذه الطائفة الروايات الدالة على معنى الحج الأكبر وأنه يوم عرفة أو غيره، ومن ذلك: رواية الفضيل بن عياض عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الحج الأكبر، فقال: أعندك فيه شيء؟ فقلت: نعم، كان ابن عباس يقول:

الحج الأكبر يوم عرفة، يعني من أدرك يوم عرفة إلى طلوع الفجر من يوم النحر فقد أدرج الحج، ومن فاته ذلك فقد فاته الحج، فجعل ليلة عرفة لما قبلها ولما بعدها، والدليل على ذلك أنّه من أدرك ليلة النحر إلى طلوع الفجر فقد أدرج الحج و أجزأ عنه من عرفة فقال أبو عبد الله عليه السلام : قال أمير المؤمنين عليه السلام : الحج الأكبر يوم النحر واحتج بقول الله عزوجل: ﴿فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ (٢)

فهي عشرون من ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول وعشر من شهر ربيع الآخر، ولو كان الحج الأكبر يوم عرفة لكان السيح أربعة أشهر ويوماً(٣) ، الحديث.

والمستفاد من روايات هذه الطائفة تعيين يوم التاسع من شهر ذي الحجة بأنه يوم عرفة وهو يوم الموقف، ومحل الشاهد من الرواية الأخيرة، أن من أدرك عرفة إلى طلوع الفجر من يوم النحر فقد أدرك الحج، وهذا إشارة إلى الموقف الاضطراري، ولذلك جعل ليلة عرفة لما قبلها وما بعدها، وأما معنى الحج الأكبر

١- ـ وسائل الشيعة ج ١٠ باب ١٩ من أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة الحديث ٦ .

٢- ـ نفس المصدر باب ٢٣ من أبواب الوقوف بالمشعر الحديث ٢٠ .

٣- ـ سورة التوبة، الآية: ٢ .

٥٠٣

فقد استدل الإمام عليه السلام على أنّه يوم العيد بالآية الشريفة، ولولا ذلك لكان مقدار السيح أكثر من أربعة أشهر.

الطائفة الخامسة: ما ورد فيها من انقلاب الحج من التمتع إلى الافراد وهي عدة روايات منها: صحيحة جميل بن دراج قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة الحائض إذا قدمت مكة يوم التروية؟ قال: تمضي كما هي إلى عرفات فتجعلها حجة، ثمّ تقيم حتى تطهر فتخرج إلى التنعيم فتحرم فتجعلها عمرة، قال ابن أبي عمير: كما صنعت عائشة(١) .

ومنها: صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أهل بالحج والعمرة جميعاً، ثمّ قدم مكة والناس بعرفات فخشي إن هو طاف وسعى بين الصفا والمروة أن يفوته الموقف؟ قال: يدع العمرة فإذا أتم حجه صح، كما صنعت عائشة ولا هدي عليه(٢) .

ومنها: صحيحة زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل يكون في يوم عرفة وبينه وبين مكة ثلاثة أميال وهو متمتع بالعمرة إلى الحج؟ فقال: يقطع التلبية تلبية المتعة، ويهل بالحج بالتلبية إذا صلى الفجر ويمضي إلى عرفات، فيقف مع الناس، ويقضي جميع المناسك، ويقيم بمكة حتى يعتمر عمرة المحرم، ولا شيء عليه(٣) .

ومنها: رواية زكريا بن آدم قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن المتمتع إذا دخل يوم عرفة؟ قال: لا متعة له يجعلها عمرة مفردة(٤) .

ومنها: صحيحة علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن موسى عليه السلام عن

١- ـ وسائل الشيعة ج ٨ باب ٢١ من أبواب أقسام الحج الحديث ٢ .

٢- ـ نفس المصدر الحديث ٦ .

٣- ـ نفس المصدر الحديث ٧ .

٤- ـ نفس المصدر الحديث ٨ .

٥٠٤

الرجل والمرأة يتمتعان بالعمرة إلى الحج ثمّ يدخلان مكة يوم عرفة كيف يصنعان؟ قال: يجعلانها حجة مفردة، وحد المتعة إلى يوم التروية(١) .

وغيرها من الروايات والمستفاد منها: أنّ من ضاق به الوقت عن الإتيان بعمرة التمتع إلى يوم التروية انقلب حجه إلى الافراد ولزمه التوجه إلى عرفات.

هذه جملة من الروايات التي يمكن أن يستدل بها على تعيين يوم الموقف وبيان الحد الواجب منه اختياراً واضطراراً، وهناك روايات أخرى دالة على هذا المعنى ولا تبعد دعوى التواتر على ذلك، ويترتب على تحديد يوم عرفات ما يتلوه من أعمال، كالموقف في المزدلفة وأنه بين الطلوعين من يوم العاشر، وكذلك أعمال يوم العاشر من الرمي والذبح والحلق أو التقصير.

وبهذا يتم الكلام حول المقام الأول.

المقام الثاني: في ما يمكن أن يستدل به على الإجزاء

فيما إذا أتى المكلف بالأعمال موافقاً للعامة عن تقية، وعلى ضوء تمامية الأدلة تكون أعماله صحيحة ولا حاجة إلى القضاء والإعادة، وهذه الأدلة على نحوين: الأول: الأدلة العامة. الثاني: الأدلة الخاصّة.

أما الأدلة العامة فأمور أحدها: أدلة التقية وقد تقدمت. ومنها:

الروايات الدالة على أنّ التقية من الدين، وبناء على ذلك فإن ما يأتي به المكلف من أعمال، تقية فهي محكومة بالصحة لأنّها من الدين، فالموقف عن تقية وإن كان مخالفاً للواقع إلاّ أنّه مراد للمولى، وهكذا ما ورد من هذه النظائر من الروايات العامة الدالة على سقوط التكليف بالواقع والاجتزاء بغيره، ولا حاجة حينئذ إلى القضاء أو الإعادة.

١- ـ وسائل الشيعة ج ٨ باب ٢١ من أبواب أقسام الحج الحديث ١١ .

٥٠٥

ثانيها: قاعدة الميسور، فإن من لم يتمكن من الإتيان بالواجب بجميع أجزائه وشرائطه كالموقف مثلاً أجزأه الإتيان بأصل الواجب وإن كان في زمان آخر.

ثالثها: أدلة الاضطرار وأحاديث الرفع، فإنّ من مصاديق الاضطرار

التقية في الموقف بناء على شمولها للأحكام التكليفية والوضعية، فتكون الشرطية حينئذ مرفوعة، وأمّا بناء على القول باختصاصها بالأحكام التكليفية فلا إطلاق ولا شمول.

وأما الأدلة الخاصة فهي أمور أيضاً:

الأول: الإجماع، وقد ادعي في المقام أنّ العمل المأتي به تقية مجز عن

الواقع.

الثاني: السيرة المستمرة والمتصلة بزمان الأئمة عليهم السلام ، وأنّ العمل قائم على متابعة العامة في الموقف من دون أن يرد عنهم عليهم السلام الأمر بالقضاء، وعدم الورود دليل على قيام السيرة العملية الممضاة من قبلهم عليهم السلام ، ولا سيما أنّ المسألة مورد للابتلاء، وأن ذلك على مرأى من الأئمة عليهم السلام في أكثر من قرنين من الزمان، ومن ذلك يستفاد صحة العمل وإلاّ لنبّه الأئمة عليهم السلام عليه.

الثالث: معتبرة أبي الجارود(١) وقد تقدمت، ومحل الشاهد منها قوله عليه السلام : »والأضحى يوم يضحي الناس« ، ومعنى هذا تنزيل الأضحى عند العامة منزلة الأضحى الواقعي وبالملازمة ينزل ما قبله وما بعده كذلك، فيكون يوم عرفة عندهم كيوم عرفة في الواقع فيثبت المطلوب، ولا حاجة إلى الإعادة والقضاء بل تترتب جميع آثار الصحة.

الرابع: الروايات الواردة في المقام عن النبيّ صلي الله عليه و آله الآمرة بالحج كما يحج

١- ـ وسائل الشيعة ج ٧ باب ٥٧ من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الإمساك الحديث ٧ .

٥٠٦

الناس، وبناء على هذا فنحن مأمورون بمتابعتهم، وهذا دليل على الإجزاء.

الخامس: ما ورد من الحكم بالإجزاء في سائر الموارد لا في خصوص الحج كالتكتف في الصلاة تقية، والصلاة جماعة اقتداء بإمامهم كذلك، وهكذا بالنسبة إلى الصوم والإفطار وغيرها من الموارد الخاصة، وبتنقيح المناط وإلغاء الخصوصيات يتعدى من هذه الموارد إلى ما نحن فيه، فيحكم حينئذ بالإجزاء في الموقف وإن كان مخالفاً للواقع.

هذا غاية ما يستدل به للقول بالإجزاء على نحو الإجمال.

وأما تحقيق ذلك فالبحث يقتضي الكلام تارة في الأدلة الخاصة، وأخرى في الأدلة العامة.

أما الأدلة الخاصة فأولها الإجماع وقد نوقش فيه صغرى وكبرى.

أما من جهة الصغرى فهذا الإجماع غير معلوم التحقق، وذلك لأنّ هذه المسألة لم ت ذكر في أكثر الكتب الفقهية والمتعرض لها قليل فكيف يدعى الإجماع في المقام؟

وأما من جهة الكبرى فعلى فرض تمامية الصغرى إلاّ أن الكلام في حجية هذا الإجماع، إذ يحتمل أن يكون مدركياً فلا اعتبار به في نفسه بل المناط حينئذ هو المدرك، وبناء على هذا فلا يمكن الاعتماد على هذا الإجماع المدعى.

الثاني: السيرة العملية المتصلة بزمان الأئمة عليهم السلام ، وحيث لم يرد عنهم عليهم السلام الخلاف في ذلك ولا الاحتياط لا بالنسبة إليهم أنفسهم، ولا إلى شيعتهم، فيمكن القطع بهذه السيرة وفيه:

أولاً: أنّه لم يحرز الاختلاف في تلك الأزمنة، وعلى فرضه لم يعلم أنّ

الأئمة عليهم السلام كانوا يحجّون في زمان الاختلاف فلعل حجهم كان في زمان الموافقة.

وثانياً: من المحتمل أن المرجع عند حصول الاختلاف هو قول الأئمة عليهم السلام

٥٠٧

باعتبارهم من العلماء عند عامة المسلمين، ومن أهل تلك البلاد، فلم يحرز الأخذ بخلاف رأيهم، ولا سيما أنّه لم تتحدد آنذاك معالم المذاهب ويمتاز بعضها عن بعض.

وثالثاً: على فرض التسليم بأنّ الأئمة عليهم السلام يحجون في زمان المخالفة لكن من أين لنا أن نعلم أنهم عليهم السلام لا يأتون بالوظيفة الواقعية؟ وعدم وصول ذلك إلينا ليس دليلاً على العدم، ولا سيما أنّ المسألة ليست خلافية في المذهب، وقد ذكرنا أنّ الجميع يتفق على أنّ الموقف هو يوم التاسع، والخلاف حينئذ إنما هو في الموضوع الخارجي لا الحكم التكليفي.

والحاصل: أنّه يمكن أن يقال: إن كلاًّ منهم يأتي بوظيفته بحسب تشخيصه ولا دليل لنا على أنّ تلك الأزمنة مثل هذه الأزمنة في التشديد على وحدة الموقف.

ومما يؤيد ذلك: أولاً ما ذكره صاحب أعيان الشيعة قدس سره في معرض الجواب عن اتهام الشيعة بمخالفة سائر المسلمين في بعض مناسك الحج كالوقوف بعرفة ... حيث قال: ... وما ندري ما يريد بالوقوف بعرفة الذي زعم مخالفتهم فيه، فإن عرفة مكان مخصوص معلوم محدود عند جميع المسلمين سنيهم وشيعيهم يقفون فيه يوم التاسع من ذي الحجة، ولعله يريد أن الشيعة قد يقفون في يوم ثاني اليوم الذي يقف فيه غيرهم، وهذا لا لوم فيه عليهم إذا لم يروا الهلال ولم يثبت عندهم كون يوم وقوف غيرهم يوم عرفة، ولم يحصل حكم حاكمهم الشرعي بذلك سيّما في أيام قضاة الترك الذين علمت حالهم في التساهل في أمر إثبات الهلال، وكانوا يبذلون الجهود في تدبير الشهود لجعل وقوف عرفة يوم الجمعة لينالوا الخلعة السلطانية، ولم لا يكون اللوم على غيرهم في ذلك أو لا لوم على الفريقين في عملهم بما أوجبه مذهبهم لا عناداً ولا خلافاً للحق، وفي كثير من السنين كان يتّحد يوم الوقوف للكل، ونحن قد حججنا مرتين كان الوقوف فيهما واحداً ... (١) .

١- ـ كشف الارتياب : ٨٠ الطبعة الثالثة.

٥٠٨

وثانياً: ما ذكره أمير الحاج المصري في كتابه (مرآة الحرمين) قال ـ وهو يصف رحلته إلى الحج ـ : ... وبعد أن عرف كل منّا محلّه أسرعنا جميعاً إلى جبل الرحمة المعروف بعرفات حيث وقفنا هنالك على سبيل الاحتياط لجواز أن يكون هذا اليوم يوم عرفة مع أنّه ثامن ذي الحجة(١) .

وبناء على ذلك فإحراز أن العمل سيرة متصلة بالأئمة عليهم السلام غير ممكن وليست هذه السيرة مورداً للاطمئنان.

الثالث: الروايات الخاصة، وأهما رواية أبي الجارود، ويتوقف

الاستدلال بها على ثبوت أمور أربعة: أولها: اعتبار سندها. وثانيها: أنّ الرواية واردة في مقام التقية ولا خصوصية للشك، بل حتى في صورة العلم ليكون الحكم فيها مطلقاً والكبرى كلية، وأما مع اختصاصها بمورد الشك فهي خارجة عن المقام كما سيأتي.

وثالثها: أن تكون الملازمة بين العيد وعرفات متحققة بمعنى أن يكون مفاد الرواية أن يوم عرفة يوم يعرف الناس، وهكذا بالنسبة إلى ما قبله وما بعده.

ورابعها: أنّ الرواية ليست واردة في مقام بيان حجية الشهرة والشياع،

وإلاّ فهي أجنبية عما نحن فيه، وهذا الأمر يلازم الأمر الثاني وذلك لأنّه إذا ثبت أن الرواية واردة في مقام بيان حجية الشياع فهي غير واردة في مقام التقية.

هذا، إلاّ أن إحراز هذه الأمور بحيث يكون للرواية ظهور في ذلك مشكل، نعم الأمر الأول منها لا إشكال فيه، فإنّ أبا الجارود وإن لم يرد فيه توثيق إلاّ أنّه واقع في القسم الأول من تفسير القمي، كما أنّه لم يستثن من كتاب نوادر الحكمة، مضافاً إلى ثناء الشيخ المفيد قدس سره عليه، وقد أشرنا إلى ذلك فيما تقدم فيمكن الحكم بوثاقته.

١- ـ مرآة الحرمين ١ : ٤٤ الطبعة الأولى ـ دار الكتب المصرية بالقاهرة ١٣٤٤ هـ ـ ١٩٢٥ م .

٥٠٩

وأما الأمر الثاني ففيه أولاً: أنّ قول أبي الجارود: وكان بعض أصحابنا يضحي فيه إشعار بأن المقام ليس مقام تقية، وإلاّ فلا معنى لتضحية بعض الأصحاب، فالمسألة تتناول موضوعاً خارجياً لا حكماً شرعياً حتى يرجع فيه للإمام عليه السلام .

وثانياً: أنّ قوله عليه السلام : »والصوم يوم يصوم الناس« أي تقية فيه؟ فإن مورد التقية إنما هو الإفطار لا الصوم، وما ورد في بعض الروايات من هذا القبيل فهو من باب الأشباه والنظائر، وإلاّ فلا تقية في الصوم لأنّ المكلف يمكنه إظهار أنّه صائم وهو غير صائم في الواقع.

وثالثاً: أنّ الشيخ روى في التهذيب هذه الرواية بسند آخر عن نفس أبي الجارود زياد بن المنذر العبدي، قال: سمعت أبا جعفر محمّد بن علي عليه السلام يقول: صم حين يصوم الناس، وافطر حين يفطر الناس، فإنّ الله عزوجل جعل الأهلة مواقيت(١) .

وهذه الرواية لم تشتمل على صدر تلك الرواية ولم يذكر فيها التضحية، والمذكور هو الفقرتان الأخيرتان بإضافة التعليل بقوله: »فإنّ الله عزوجل جعل الأهلة مواقيت« ومعنى ذلك: أنّ الاعتبار إنما هو بالهلال لأنه أمر توقيفي فالحجة من جهة رؤيتهم الهلال، وهذه الرواية ظاهرة في أن المقام ليس مقام تقية بل من جهة الرؤية والشهادة.

فإن قلنا: إنّ هذه الرواية عين الرواية السابقة كما لا يبعد ـ فإنّ الراوي واحد والإمام واحد، وإن اشتملت على زيادة ونقيصة ـ فحينئذ لا تكون الرواية واردة في مقام التقية، والحكم بمتابعة الناس في إفطارهم وصيامهم إنما هو من جهة الشك، مضافاً إلى أنّ الرواية ليست واردة في الحج، وذكر التضحية لا يخصصها

١- ـ تهذيب الأحكام ج ٤ باب علامة أول شهر رمضان وآخره، الحديث ٣٤ ص ١٦٤ .

٥١٠

بالحج لأنّ التضحية أعم من أن تكون في الحج أو في غيره.

والحاصل: أنّ هذا الأمر لم يحرز أنّه المراد من الرواية، فلا يمكن الاستدلال بها على المدعى.

وأما الأمر الثالث فهو وإن كان في النظر البدوي كذلك فإنه لا خصوصية للعيد والأضحى، بل يشمل يوم عرفة أيضاً، كما يشمل أول الشهر وغيره من سائر الأيام، إلاّ أنّه يمكن أن يناقش فيه: بأنّ هناك فرقاً بين عرفة وغيره، وذلك لأنّ الوقوف يوم عرفة ركن من أركان الحج ويبطل الحج بفوات ركنه مطلقاً سواء كان عن جهل أو نسيان أو تقية، وأما أعمال يوم العيد فليست هي من الأركان فيمكن إجراء أحكام التقية فيها، وبعبارة أخرى: تنزيل الزمان غير الواقعي منزلة الواقعي تارة يكون مطلقاً، وأخرى من جهة العمل فقط، فإن كان الأول فلا فرق بين يوم العيد وغيره.

وإن كان الثاني فلا ملازمة بينهما وتنزيل الأضحى تقية منزلة الواقع لا يلازم تنزيل يوم عرفة كذلك وسيأتي ما ينفع في المقام.

وأما الأمر الرابع فلا يبعد القول بأن الرواية واردة في مقام حجية الشياع والشهرة ويؤيده عدة من الروايات منها:

رواية عبد الحميد الأزدي قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام : أكون في الجبل في القرية فيها خمسمائة من الناس، فقال: إذا كان كذلك فصم لصيامهم وافطر لفطرهم(١) .

ومنها: صحيحة علي بن جعفر: أنّه سأل أخاه موسى بن جعفر عليه السلام عن الرجل يرى الهلال في شهر رمضان وحده، لا يبصره غيره، له أن يصوم؟ قال:

إذا لم يشك فليفطر، وإلاّ فليصم مع الناس(٢) .

١- ـ وسائل الشيعة ج ٧ باب ١٢ من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث ٤ .

٢- ـ نفس المصدر باب ٤ من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث ١ .

٥١١

والمستفاد من هذه الرواية والرواية السابقة: أنّ صيام الناس حجة في

مورد الشك، ومع عدمه فالعمل على اليقين، ومضمون الروايتين واحد.

ومنها: رواية سماعة أنّه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن اليوم في شهر رمضان يختلف فيه؟ قال: إذا اجتمع أهل مصر على صيامه للرؤية فاقضه، إذا كان أهل مصر خمسمائة إنسان(١) .

والمستفاد من الرواية هو حجية الشهرة والشياع وإلاّ فالعدد لا مفهوم له ولا خصوصية لصيام خمسمائة إنسان أو إفطارهم.

ومنها: صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد الله عليه السلام أنّه قال: فيمن صام تسعة وعشرين، قال: إن كانت له بينة عادلة على أهل مصر أنهم صاموا ثلاثين على رؤيته قضى يوماً(٢) .

والرواية واضحة الدلالة في أنّ الاعتبار بصيام أهل مصر ثلاثين يوماً، فيستفاد: أنّ الشياع حجة مضافاً إلى أنّ الرواية صحيحة من حيث السند.

ومنها: موثقة إسحاق بن عمار، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن هلال رمضان يغم علينا في تسع وعشرين من شعبان؟ فقال: لا تصمه إلاّ أن تراه، فإن شهد أهل بلد آخر أنهم رأوه فاقضه(٣) .

وهذه الرواية صريحة الدلالة على أنّ التعويل في الصيام وترتيب القضاء على صيام البلد الآخر وشيوع ثبوت الهلال عندهم.

ومن مجموع هذه الروايات يستكشف أن رواية أبي الجارود واردة في هذا المقام وهو حجية الشياع، وأن قوله عليه السلام : »الفطر يوم يفطر الناس والأضحى يوم يضحي الناس« يكون من هذا القبيل.

١- ـ وسائل الشيعة ج ٧ باب ١٢ من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث ٧ .

٢- ـ نفس المصدر باب ٥ من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث ١٣ .

٣- ـ نفس المصدر باب ٨ من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث ٣ .

٥١٢

وعلى فرض عدم تعينه فلا أقل من كونه احتمالاً قوياً يعتد به، ومعه فلا يمكن الاستدلال بالرواية على أنها واردة في مقام التقية، وقد تقدم في صحيحة علي بن جعفر ما يستفاد منه حجية الشياع وفي رواية أخرى له عن أخيه قال: سألته عمن يرى هلال شهر رمضان وحده لا يبصره غيره أله أن يصوم؟ فقال: إذا لم يشك فيه فليصم وحده، وإلاّ يصوم مع الناس إذا صاموا(١) .

والوارد في الرواية السابقة: فليفطر، فيعلم أن السؤال فيها عن شهر شوال وفي هذه الرواية عن شهر رمضان، وبناء على هذا ففي أول الشهر وفي آخر الشهر يكون الشياع حجة في حالة الشك فقط، فإن قلنا: إنّ المراد من رواية أبي الجارود هو: حجية الشياع كما هو احتمال قوي فلا تصل النوبة إلى حملها على التقية، وما أوردناه من الروايات شاهد على هذا، ولا سيما الرواية الأخرى لأبي الجارود الواردة في جعل الأهلة مواقيت، كما تقدم فتخرج الرواية عن المقام،

وإن قلنا: إنّ المراد منها هو خصوص التقية فلابد من تقييدها بروايتيعلي بن جعفر المتقدمتين، فإنّ موردهما الشك وفي ما عدا الشك يكون العمل على طبق اليقين، وبناء على ذلك فلا يمكن التعدي من مورد الرواية ـ وهو الشك ـ إلى مورد العلم بالخلاف فيقال بلزوم المتابعة حتى في حال العلم بالخلاف.

ثم إنّ روايتي علي بن جعفر وإن لم يرد فيهما ذكر العيد والأضحى إلاّ أنّه لا خصوصية لهما لأنّهما واردتان في الفطر والصيام.

والحاصل: أنّ رواية أبي الجارود لا إطلاق فيها، ومفادها الإجزاء والحكم بأن العيد عيدهم، والصيام صومهم مختص بيوم الشك، وأما اليقين بالخلاف فغير مشمول للرواية.

وأما الأخبار النبوية الواردة في المقام ومنها قوله صلي الله عليه و آله : صومكم يوم تصومون وأضحاكم يوم تضحون(٢) ، ومنها قوله صلي الله عليه و آله : الصوم يوم تصومون،

١- ـ وسائل الشيعة ج ٧ باب ٤ من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث ٢ .

٢- ـ كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال ٨ : ٤٨٨ الحديث ٢٣٧٥٩ .

٥١٣

والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون(١) وقوله صلي الله عليه و آله : فطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون وعرفة يوم تعرّفون(٢) وغيرها.

ففيها أنّ هذه الروايات عامية ولا وجود لها في روايات الخاصة كما أن دلالتها على المدعى غير تامة مضافاً إلى ضعفها من جهة الأسناد.

هذا وقد تقدم أنّ هذا الأمر يلازم الأمر الثاني في الثبوت، وحيث إنه لم يثبت ـ كما مر ـ فمقتضى الملازمة عدم ثبوت هذا الأمر أيضاً.

هذا ما يتعلق بالأدلة الخاصة.

وأما الأدلة العامة فالكلام تارة يقع في أدلة التقية وأخرى في قاعدة الميسور، وثالثة في أدلة العسر والحرج.

أما الأدلة العامة فسيأتي الكلام عنها، وأما قاعدة الميسور فقد أشكل

عليها بضعف المستند وقد تقدم الكلام حول أسانيدها على نحو الإجمال، وتفصيل ذلك في بحوثنا الرجالية(٣) .

وأشكل على دلالتها صغرى وكبرى، أما من جهة الكبرى فإنّ هذه القاعدة إنما يعمل على طبقها فيما إذا عمل عليها المشهور، وما نحن فيه ليس كذل.

وأما من جهة الصغرى فمحل الكلام لا مجال فيه للتمسك بهذه القاعدة لإمكان الاحتياط، ولا أقل من إدراك البديل وهو الموقف الاضطراري، ومع إمكان الاحتياط أو إدراك البديل لا تصل النوبة إلى هذه القاعدة، ثمّ إنه على فرض عدم إمكان الاحتياط لا يفوت الواجب بل يبقى على حاله ويأتي به من قابل إذ ينكشف أنّه غير مستطيع فلم يتحقق الشرط فلا يجب، إلاّ أنّه وجب

١- ـ كنز العمال ٨ : ٤٨٨ الحديث ٢٣٧٦٠ .

٢- ـ نفس المصدر الحديث ٢٣٧٦١ .

٣- ـ أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: ٢٣٣ الطبعة الأولى.

٥١٤

وعرض عدم التمكن.

وأما بالنسبة إلى أدلة العسر فالنقاش فيها صغروي وذلك: لأنّ العسر إنما يصدق فيما إذا كان الواجب مؤقتاً ويفوت الواجب بفوات وقته كالمسح على المرارة (كما ورد في رواية عبد الألى مولى آل سام)، أو الإتيان بالصلاة جالساً، أو الاضطرار إلى شرب الماء حال الصوم، أو نحو ذلك، أما إذا كان الواجب غير موقت كالحج فلا يصدق عليه الاضطرار إذ يمكنه أن يأتي بالواجب البديل، أو يؤخره إلى زمان آخر، فأدلة العسر أجنبية عن المقام.

وأما بالنسبة إلى أدلة التقية العامة، فقد أشكل عليها بأنّ هذه الأدلة لا يستفاد منها الإجزاء والصحة، وأقصى ما تفيده هو ارتفاع الحكم التكليفي، وما نحن فيه حكم وضعي وهكذا بالنسبة إلى حديث الرفع والكلام فيه هو الكلام.

أقــــول: قد تقدم الكلام منّا مفصلاً حول دلالة هذه الأدلة واستفادة الإطلاق منها وعدمه، وقد قوينا دلالتها على الإجزاء لكونها مطلقة فتشمل الأحكام التكليفية والوضعية معاً، إلاّ أنّ دلالتها على الإجزاء في خصوص المقام محل إشكال، وذلك لأنّ إفادة الأدلة للإجزاء موقوف على ما إذا لم يكن للواجب إطلاق وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم، وقلنا: إذا كان للواجب أو للجزء أو للشرط إطلاق أي يستفاد من دليله أنّه واجب مطلق لا فرق في وجوبه بين حالتي الاضطرار والاختيار فهنا لا نقول بالإجزاء، ومحل كلامنا من هذا القبيل.

فإن الواجب وهو الوقوف بعرفات ـ كما يستفاد من أدلته ـ واجب مطلق أي في جميع الحالات، ويدل على ذلك: ما ورد من أنّ الوقوف بعرفات ركن وأن الإخلال به سواء كان عن عمد أو غير عمد وعن اضطرار أو غير اضطرار، موجب لفساد الحج وإن كان الركن هو الوقوف في الجملة.

أما ما هو الركن من الموقف هل هو المكان أي عرفات وإن كان في زمان

٥١٥

آخر غير يوم التاسع، أو هو الزمان، أو هو المجموع من الزمان والمكان فقد اختلفت الروايات في ذلك.

أما ركنية المكان أو الحدود المكانية فيمكن أن تستفاد من عدة روايات:

منها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلي الله عليه و آله في الموقف: ارتفعوا عن بطن عرنة، وقال: أصحاب الأراك لا حج لهم(١) .

ومنها: رواية أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا وقفت بعرفات فادن من الهضاب »الهضبات« والهضاب هي الجبال فإنّ النبيّ صلي الله عليه و آله قال: إنّ أصحاب الأراك لا حج لهم، يعني الذين يقفون عند الأراك(٢) .

والأراك موضع قريب من عرفات.

والمستفاد من هاتين الروايتين: أنّ الموقف هو المكان، وفواته موجب

لفساد الحج بلا فرق بين الاختيار والاضطرار.

وأما ركنية الزمان فيدل عليها عدة روايات منها:

صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يأتي بعدما يفيض الناس من عرفات؟ فقال: إن كان في مهل حتى يأتي عرفات في ليلته فيقف بها ثمّ يفيض فيدرك الناس بالمشعر قبل أن يفيضوا فلا يتم حجه حتى يأتي عرفات من ليلته ليقف بها(٣) . الحديث.

وهذه الرواية صريحة في أنّ إدراك الموقف الاضطراري بدلاً من

الاختياري كاف في إتمام الحج فالمناط هو الزمان.

ومنها: صحيحة حريز قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل مفرد للحج فاته الموقفان جميعاً، فقال: له إلى طلوع الشمس يوم النحر، فإن طلعت الشمس

١- ـ وسائل الشيعة ج ١٠ باب ١٩ من أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة الحديث ١٠ .

٢- ـ نفس المصدر الحديث ١١ .

٣- ـ نفس المصدر الحديث ١ .

٥١٦

من يوم النحر فليس له حج ويجعلها عمرة، وعليه الحج من قابل(١) .

والرواية واضحة الدلالة على أنّ الركن هو الزمان سواء كان باختياره أو بدونه.

ومنها: موثقة عبد الله بن المغيرة قال: جاءنا رجل بمنى، فقال: إني لم أدرك الناس بالموقفين جميعاً، إلى أن قال: فدخل إسحاق بن عمار على أبي الحسن عليه السلام فسأله عن ذلك؟ فقال: إذا أدرك مزدلفة فوقف بها قبل أن تزول الشمس يوم النحر فقد أدرك الحج(٢) .

وهذه الرواية شبيهة بصحيحة الحلبي المتقدمة.

ومنها: رواية ابن أبي عمير ـ وهي معتبرة على ما حققناه في محله ـ عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال: أتدري لم جعل المقام ثلاثاً بمنى؟ قال: قلت: لأي شيء جعلت فداك؟ أو لماذا جعلها؟ قال: من أدرك شيئاً منها فقد أدرك الحج(٣) .

وغيرها من الروايات التي يستفاد منها أنّ ركنية الموقف من جهة الزمان.

وأما ركنية المجموع من الزمان والمكان فيدل عليها جملة من الروايات منها:

صحيحة عمر بن أذينة عن أبي عبد الله عليه السلام (في حديث) قال: وسألته عن قول الله عزوجل: »الحج الأكبر« فقال: الحج الأكبر الموقف بعرفة، ورمي الجمار(٤) .

ومنها: رواية زرارة عنه عليه السلام قال: الحج الأكبر الوقوف بعرفة وبجمع، وبرمي الجمار بمنى، والحج الأصغر العمرة(٥) .

وهاتان الروايتان دالتان على أنّ المراد من الحج الأكبر هو الموقف بعرفة

١- ـ وسائل الشيعة ج ١٠ باب ٢٣ من أبواب الوقوف بالمشعر الحديث ١ .

٢- ـ نفس المصدر الحديث ٦ .

٣- ـ نفس المصدر الحديث ٧ .

٤- ـ نفس المصدر باب ١٩ من أبواب الحج والوقوف بعرفة الحديث ٩ .

٥- ـ مستدرك الوسائل ج ١٠ باب ٢٠ من أبواب الوقوف بالمشعر الحديث ٦ .

٥١٧

من جهة الزمان والمكان، ثمّ إنّ هنا عدة من الروايات ـ وبعضها صحيح السند ـ تدل على أنّ الحج الأكبر هو يوم النحر، وقد تقدمت رواية الفضل بن عياض وفيها أنّ الإمام عليه السلام طبق الحج الأكبر الوارد في الآية الكريمة على يوم النحر.

ولا منافاة بين هذه الروايات ويمكن الجمع بينها بأنّ إدراك اليومين معاً هو الحج الأكبر ومما يؤيد ما نحن فيه:

أولاً: ما ورد في رسالة المحكم والمتشابه نقلاً عن تفسير النعماني بإسناده عن علي عليه السلام (في حديث) قال: وأمّا حدود الحج فأربعة وهي: الإحرام، والطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف في الموقفين، وما يتبعها ويتصل بها، فمن ترك هذه الحدود وجب عليه الكفارة والإعادة(١) .

والمستفاد من هذه الرواية أنّ الوقوف بعرفة حد من حدود الحج وتركه يستوجب الإعادة، وإنما جعلناها مؤيدة لما في ذيلها من ترتب الكفارة مضافاً

إلى عدم صراحتها في إفادة الركنية بالنسبة للوقوف بعرفة.

وثانياً: ما ورد من أنّ يوم عرفة هو اليوم المشهود، وقد تقدمت عدة روايات في الطائفة الرابعة تدل على ذلك، وفيها إشعار بالاهتمام بهذا اليوم ومنها يستكشف ركنيته.

وثالثاً: ما ورد في المصدود وهو ما رواه في الكافي عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الفضل بن يونس، عن أبي الحسن عليه السلام قال: سألته عن رجل عرض له سلطان فأخذه ظالماً له يوم عرفة قبل أن يعرف، فبعث به إلى مكة فحبسه، فلما كان يوم النحر خلّى سبيله، كيف يصنع؟ فقال: يلحق فيقف بجمع، ثمّ ينصرف إلى منى فيرمي ويذبح ويحلق ولا شيء عليه، قلت: فإن خلى عنه يوم النفر كيف يصنع؟ قال: هذا مصدود عن الحج، إن كان دخل متمتعاً بالعمرة

١- ـ وسائل الشيعة ج ٨ باب ٢ من أبواب أقسام الحج الحديث ٣١ .

٥١٨

إلى الحج فليطف بالبيت اسبوعاً ثمّ يسعى اسبوعاً ويحلق رأسه ويذبح شاة، فإن كان مفرداً للحج فليس عليه ذبح ولا شيء عليه(١) .

والمستفاد من هذه الرواية أنّ عدم إدراكه للموقف يستوجب بطلان حجه مع أنّه مضطر، فيمكن استفادة الركنية من ذلك، نعم إذا فاته الموقف الاختياري والاضطراري في عرفة وأمكنه إدراك الموقف الاختياري بمزدلفة أغناه ذلك عن إدراك عرفة، وأما إذا فاته الموقف في مزدلفة أيضاً فقد فاته الحج كما هو ظاهر الرواية.

والحاصل: أنّه إذا ثبت أنّ وجوب الوقوف على نحو الإطلاق أي سواء كان على نحو الاضطرار أو الاختيار فأدلة العسر والحرج وأدلة التقية غير نافعة في المقام، فلا يمكن الحكم بالإجزاء ولابد من إدراك الموقف على كل حال ويترتب على هذا البحث:

أولاً: تجب المتابعة في حالة الشك، إما من جهة التقية، وإما من جهة الأمارية والشياع.

وثانياً: لا دليل على صحة المتابعة في حالة العلم بالخلاف، كما إذا رأى الهلال بنفسه، وكذا إذا قامت البينة على الخلاف على القول بتقديم الشهادة على الشياع، وفيه بحث ليس هنا محل ذكره.

وبناء على ما ذكرناه من الأدلة فالحكم بالإجزاء والصحة مشكل جداً والقول به بعيد في النظر.

فرعان:

الفرع الاول : قال السيد قدس سره في مناسك الحج: »ومن خالف ما تقتضيه التقية بتسويل نفسه أنّ الاحتياط في مخالفتهم ارتكب محرماً وفسد وقوفه، والحاصل: أنّه تجب متابعة الحاكم السني تقية، ويصح معها الحج، والاحتياط

١- ـ وسائل الشيعة ج ٩ باب ٣ من أبواب الاحصار والصد الحديث ٢ .

٥١٩

حينئذ غير مشروع، ولا سيما إذا كان فيه خوف تلف النفس ونحوه، كما قد يتفق ذلك في زماننا هذا« (١) .

وهذا الفرع له صورتان:

الأولى: أن يترك المكلف متابعتهم ولا يأتي بالموقف رأساً.

الثانية: أن يترك المتابعة ويأتي بالموقف مخالفاً لهم.

أما بالنسبة للصورة الأولى فلا إشكال في بطلان حجه لتركه الوقوف عمداً، وقد ذكرنا فيما تقدم أنّ الوقوف ركن ويبطل الحج بتركه، أما على القول بعدم إجزاء الموقف تقية فواضح، وأما على القول بأنّ التقية تبدل الواقع ولازمها الإجزاء فكذلك، وهكذا بناء على القول بأنّ دليل التقية السيرة المتصلة

بالأئمة عليه السلام . وبعبارة أخرى: لا فرق في الحكم بالبطلان بين أن يكون دليل التقية لفظياً أو لبياً وذلك لأنّه لم يأت بوظيفته، فلا وجه للحكم بصحة عمله.

إلاّ أن يقال: بأنّ أدلة التقية إذا كانت لفظية واستفدنا منها رفع الحكم الواقعي فقط من دون إثبات لجزء أو شرط فيمكن القول بالصحة إذا أتى ببقية الأعمال وقد ذهب بعضهم إلى ذلك.

ولكن بناء على ما تقدم من أنّ لأدلة الإجزاء والشرائط إطلاقاً لا يختص بحال الاضطرار وعدمه، وقد استظهرنا من الروايات ركنية الوقوف فلا مناص من القول بالبطلان.

وأما بالنسبة إلى الصورة الثانية ففيها تفصيل وحاصله: أن ما أتى به المكلف من العمل تارة يكون مخالفاً لمقتضى التقية، وأخرى لا يكون، فعلى الأول يكون عمله باطلاً كما هو ظاهر كلامه قدس سره لأنه وقع منهياً عنه والنهي في العبارة يقتضي فسادها، كما أنّ مخالفة التقية حرام، فما أتى به من العمل محرم عليه ومحكوم

١- ـ مناسك الحج : ١٤٦ المسألة ٣٧١ الطبعة التاسعة.

٥٢٠