×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

التقية في فقه أهل البيت عليهم السلام (1) (بحوث الشيخ مسلم الداوري) / الصفحات: ٤١ - ٦٠

وقال: فمن وقف على ما ذكره العلماء في ترجمته علم يقيناً أنّه كان على التوحيد، وهكذا بقية آبائه إلى أدم، وبهذا يعلم أن قول أبي طالب هو على ملة عبد المطلب إشارة إلى أنّه على التوحيد ومكارم الأخلاق، ولو لم يصدر من أبي طالب من الأشارات الدالة على توحيده إلاّ قوله: وهو على ملة عبد المطلب كان ذلك كافياً(١) .

٣ ـ وقال التلمساني في حاشيته على الشفاء عند ذكر أبي طالب: لا ينبغي

أن يذكر إلاّ بحماية النبيّ صلي الله عليه و آله لأنه حماه ونصره بقوله وفعله، وفي ذكره بمكروه أذية للنبي صلي الله عليه و آله، ومؤذي النبيّ صلي الله عليه و آله كافر، والكافر يقتل(٢) .

٤ ـ وقال أبو طاهر: من أبغض أبا طالب فهو كافر(٣) .

هذا ومن شاء الوقوف على المزيد من الأقوال فليرجع إلى الجزء السابع من الغدير وإلى كتاب منية الراغب في إيمان أبي طالب وكتاب الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب.

ثم إن هناك جوانب أخرى في حياة أبي طالب عليه السلام جديرة بالإكبار إلاّ أن لها مقاماً آخر.

وخلاصة القول إن إيمان أبي طالب حقيقة ثابتة لا يرتاب فيها إلاّ مريض

القلب والإيمان.

١٣ ـ عمار بن ياسر والتقية:

وهو أحد السابقين الأولين، ومن الذين واكبوا مسيرة الإسلام منذ أيامها

الأولى مع النبيّ صلي الله عليه و آله ، وختم حياته شهيداً في معركة الحق والباطل يوم صفين.

١- ـ منية الراغب في إيمان أبي طالب: ٦٠ الطبعة الثانية.

٢- ـ نفس المصدر: ٥٨ .

٣- ـ نفس المصدر.

٤١

وبلغ من المقام أن قال فيه النبيّ صلي الله عليه و آله : (عمار جلدة ما بين العين والأنف) (١)

بل جعله مقياساً للحق، فقال صلي الله عليه و آله: (تقتله الفئة الباغية) (٢) الأمر الذي جعل بعضهم ينتظر شهادة عمار ليحدد موقفه يوم صفين(٣) ، وقد علّل بعض الكتّاب انصراف الزبير يوم الجمل عن محاربة علي عليه السلام بأنه رأى عماراً في صفوف جيش الإمام عليه السلام فترك المعركة خوفاً من قتله(٤) .

وليس غريباً أن يكون عماراً كذلك، بل الغريب أن لا يكون، فهو الذي

مُلىء حباً للحق وأهله وبذل حياته في سبيل الحق والدفاع عنه والموت دونه، وقد لاقى من الشدائد والمحن ما اضطره إلى إعلان كلمة الكفر.

قال الزمخشري في كشافه بعد قوله تعالى: ﴿إلاّ من أكره وقلبه مطمئنبالإيمان﴾ : روي أن أناساً من أهل مكة فتنوا، فارتدوا عن الإسلام بعد دخولهم فيه، وكان فيهم من أكره وأجرى كلمة الكفر على لسانه وهو معتقد بالإيمان، منهم عمار بن ياسر وأبواه ياسر وسميّة وصهيب وبلال وخباب وسالم عذبوا، ... فأمّا عمار فأعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهاً(٥) .

وقال المراغي في تفسيره: فمن نطق بكلمة الكفر وقاية لنفسه من الهلاك

وقلبه مطمئن بالإيمان لا يكون كافراً، بل يعذر كما فعل عمار بن ياسر حين أكرهته قريش على الكفر فوافقها مكرهاً وقلبه مُلىء بالإيمان، وفيه نزلت آية: ﴿... من كفر بعد إيمانه إلاّ من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ...﴾ ويدخل في التقية مداراة الكفرة والظلمة والفسقة وإلانة الكلام لهم والتبسم في وجوههم وبذل المال لهم

١- ـ بحار الأنوار: ٣١ : ١٩٦ .

٢- ـ تنقيح المقال في علم الرجال ٢ : ٣٢١ الطبع القديم.

٣- ـ نفس المصدر: ٣٢١ .

٤- ـ الانتقال الصعب في المذهب والمعتقد: ٢٤٠ الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ ، دار النخيل للطباعة والنشر بيروت ـ الحمرا.

٥- ـ الكشاف ٢ : ٤٣٠ دار المعرفة للطباعة والنشر ـ بيروت.

٤٢

لكفّ أذاهم وصيانة العرض منهم، ولا يعدّ هذا من الموالاة المنهي عنها، بل هو مشروع، فقد أخرج الطبراني قوله صلي الله عليه و آله: ما وقى به المؤمن عرضه فهو صدقة(١)

وقد ورد في روايات أهل البيت عليهم السلام أن ما جاء به عمار بن ياسر هو عين الصواب، ففي موثقة مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله عليه السلام ... والله ما ذلك عليه، وما لـه إلاّ ما مضى عليه عمار بن ياسر حيث أكرهه أهل مكة وقلبه مطمئن بالإيمان، فقال لـه النبيّ صلي الله عليه و آله عندها: يا عمار إن عادوا فعد، فقد أنزل الله عذرك وأمرك أن تعود إن عادوا(٢) .

وفي موثقة محمّد بن مروان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام : ما منع ميثم رحمه الله

من التقية، فوالله لقد علم أن هذه الآية نزلت في عمار وأصحابه ﴿إلاّ من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾(٣) .

وهناك روايات أخرى بهذا المضمون وسيأتي ذكر بعضها في مباحث الكتاب.

المرحلة الثانية: التقية بعد وفاة النبيّ صلي الله عليه و آله:

قلنا: إن التقية لا تخضع لزمن معين إلاّ أنها اقترنت بعد رحيل النبيّ صلي الله عليه و آله باسم أئمة أهل البيت عليه السلام وشيعتهم إلى يوم الناس هذا، ولا تحصى شواهدها كثرة، حتى أن أغلب الأزمنة التي عاشها أئمة أهل البيت عليه السلام (٤) وشيعتهم كانت على التقية.

والذي نؤكد عليه ـ بعد كل ما ذكرنا ـ أن التقية لم تكن وليدة فكرة مذهبية

١- ـ تفسير المراغي ١ : ١٣٧ الطبعة الثانية دار إحياء التراث العربي.

٢- ـ وسائل الشيعة ج ١١ باب ٢٩ من أبواب الأمر والنهي الحديث ٢ .

٣- ـ نفس المصدر الحديث ٣ .

٤- ـ كما في سكوت الإمام علي (ع) عن حقه في الخلافة مدة طويلة، وفي قضية التحكيم بعد معركة النهروان، وفي صلح الإمام الحسن (ع) مع معاوية بن أبي سفيان، وفي سكوت الإمام الحسين (ع) بعد شهادة الإمام الحسن (ع) في زمان معاوية، وفي ولاية العهد للإمام الرضا (ع) وغيرها من القضايا والأحداث التي عاشها أئمة أهل البيت (ع) .

٤٣

انبثقت عن الخلاف القائم بين مذاهب المسلمين كما يحلو للبعض أن ينعتها بذلك، وليست هي غطاءً يخفي وراءه تنظيماً سرّياً يهدف إلى هدم الدين وتقويض دعائمه كما يرجف بذلك آخرون أو يحاول الإرجاف، بل هي أمر فطري أكّده القرآن وأيّده البرهان.

وإذا كانت التقية قد اقترنت باسم الشيعة بعد وفاة النبيّ صلي الله عليه و آله ، فليس لأن

الشيعة هي الأساس فيها، وإنما هي إحدى الضحايا التي اضطرتها الظروف العصبية لممارسة التقية على مرّ الزمان، كنتيجة طبيعية لما لاقاه الشيعة في سبيل الحفاظ على منهجها عبر التاريخ، وهناك عوامل عديدة ساهمت بصورة مباشرة وغير مباشرة في اقتران التقية باسم الشيعة.

إنّ الشيعة الإماميّة ـ وهي الفئة المؤمنة ـ التي انتهجت طريقاً رسمه لها

قادتها ـ الأئمة المعصومون عليهم السلام ـ وكان طريقاً صعباً ـ أرادت الحفاظ على السير قدماً فيه لتقطعه إلى نهايته، فاستسهلت فيه كل عسير، واسترخصت من أجله كل ثمين، لأن غايته أشرف الغايات، ونهايته أسعد النهايات، وكان لزاماً عليها

أن تدفع ضريبة ولائها لأهل البيت الطاهر، وتتحمل في سبيل ذلك كلّ مشقّة وعناء، ولم يكن ذلك نتيجة جبر أو إكراه، بل كان بمحض القناعة والرضا والإرادة، اقتداء بمسيرة أئمة الهدى عليه السلام في سيرتهم واستجابة لنداء القرآن والرسول صلي الله عليه و آله.

إن تاريخ الشيعة كما هو حافل بالعطاء في مجالات الفكر والعلم والعمل

كذلك هو حافل بالمآسي والآلام، فقد صبّ أعداؤهم عليهم العذاب صبّاً، ولم يألوا جهداً في التنكيل بهم، قتلاً وسجناً وتشريداً، حتى اصطبغت صفحات التاريخ بدمائهم الزاكية، وضاقت بهم غياهب المعتقلات، وشتتوا لا يلجأون إلى مأوى، في محاولات مسعورة من أعدائهم لمحو كل أثر لهم في الوجود، لا لشيء إلاّ لأنّهم قالوا ربنا الله ثمّ استقاموا.

٤٤

وإنّ الشرارة التي أذكت نارالتقية، وأصبحت بعد ذلك مقترنة بالشيعة

بدأت برحيل النبيّ صلي الله عليه و آله ولقائه بالرفيق الأعلى، حينما أقصي أمير المؤمنين عليه السلام عن منصب قيادة الأمة بالحق ومع الحق وإلى الحق فالتزم الصمت عن المطالبة بحقه إبقاءاً على الدين، وحفاظاً على مبادىء السماء، وإلاّ فقد كان بمقدوره أن يشعلها حرباً لا هوادة فيها ـ وهو الفارس المهاب ـ لتكون بعد ذلك فتنة لا ينجو منها أحد، بيد أنّه ـ وعند تزاحم المقتضيات ـ آثر السكوت وإن جُهل قدره ومقامه أو سُلب حقه المشروع.

ولم يكن أمير المؤمنين عليه السلام قد خسر في ذلك شيئاً، فما كانت الخلافة لتضيف

إلى مقامه شأناً، أو ترفع من قدره مقداراً، فهو علي وكفى به تعريفاً. وإنما وقع الخسران على الناس، حيث حرموا أنفسهم وأضاعوا حظهم، ﴿وألّوا استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقاً﴾ (١) (ويعرف التّالون غبّ ما أسسه

الأولون)(٢) .

وتوالت الأحداث مؤلمة، على علي وأولاد علي، وشيعة علي، وكأنما لم

يكن علي أخا الرسول صلي الله عليه و آله ونفسه وقرين بضعته وباب مدينة علمه وحامل لوائه، وكأنما لم يكن أولاد علي عليه السلام ذريّة الرسول صلي الله عليه و آله وعترته والقربى الذين أمر الله بمودتهم ومحبتهم(٣) ، وكأنما لم يكن شيعة علي عليه السلام هم الذين صدّقوا الرسول فيما قال وابتعوه فيما أمر.

وتمخضت تلك الأحداث المؤلمة عن مصرع علي في محرابه، وقتل أولاده

غيلة وصبراً، وتشريد شيعته في الآفاق.

١- ـ سورة الجن، الآية: ١٥ .

٢- ـ من خطبة الصديقة فاطمة الزهراء (ع) لاحظ كشف الغمة في معرفة الأئمة ١ : ٤٩٤ المطبعة العلمية قم ١٣٨١ هـ .

٣- ـ إشارة إلى قوله تعالى: ((قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودة في القربى)) سورة الشورى، الآية: ٢٣ .

٤٥

صور من الظلم والمعاناة:

ويحدثنا التاريخ عن فجائع مروعة، لولا أنها وصلت إلينا عن طرق الثقاة

لكانت ضروباً من الخيال والأساطير (لقد بلغت الأمور حداً استقرّت فيه قناعة عامة لدى الأكثرية بأن الرافضة ويعنون بهم الشيعة هم من مذهب خارج عن الإسلام، وبالتالي فليس ثمة أيّة حرمة لنفوسهم وأعراضهم وأموالهم، وعلى أثر هذه القناعة المجحفة والاعتقاد الظالم هدرت دماء مئات الآلاف من الأبرياء حتى بات من الصعب أن تجد بقعة وإن كانت في أطراف العالم الإسلامي لم تلطخ بدماء الشيعة)(١) .

ويرسم لنا الإمام الباقر عليه السلام صورة عما لاقاه آل البيت عليهم السلام وشيعتهم من

الأذى والاضطهاد، قال ابن أبي الحديد: وقد روي أن أبا جعفر محمّد بن علي الباقر عليه السلام قال لبعض أصحابه: يا فلان، ما لقينا من ظلم قريش إيانا وتظاهرهم علينا، وما لقي شيعتنا ومحبّونا من الناس ! إن رسول الله صلي الله عليه و آله قبض وقد أخبر أنّا أولى الناس بالناس، فتمالأت علينا قريش، حتى أخرجت الأمر من معدنه، واحتجت على الأنصار بحقنا وحجتنا، ثمّ تداولتها قريش واحد بعد واحد، حتى رجعت إلينا فنكثت بيعتنا ونصبت الحرب لنا، ولم يزل صاحب الأمر في صعود كئود حتى قتل، فبويع الحسن ابنه وعوهد ثمّ غدر به، وأسلم، ووثب عليه أهل العراق، حتى طعن بخنجر في جنبه، ونهبت عسكره، وعولجت خلاخيل أمهات أولاده، فوادع معاوية وحقن دمه ودماء أهل بيته، وهم قليل حق قليل، ثمّ بايع الحسين عليه السلام من أهل العراق عشرون ألفاً، ثمّ غدروا به، وخرجوا عليه، وبيعته في أعناقهم وقتلوه ثمّ لم نزل ـ أهل البيت ـ نُستَذَل ونُستظام، ونقصَى ونُمتهن، ونُحرم ونُقتل، ونخاف، ولا نأمن على دمائنا ودماء أوليائنا، ووجد الكاذبون

١- ـ الشيعة ـ نص الحوار مع المستشرق كوربان ـ ص ٨٠ الطبعة الأولىالمترجمة.

٤٦

الجاحدون لكذبهم وجحودهم موضعاً يتقربون به إلى أوليائهم وقضاة السوء وعمّال السوء في كل بلدة، فحدثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة، ورووا عنّا ما لم نقله، وما لم نفعله، ليبغّضونا إلى الناس، وكان عظم ذلك وكبره زمن معاوية بعد موت الحسن عليه السلام فقتلت شيعتنا بكل بلدة، وقطعت الأيدي والأرجل على الظنّة، وكان من يذكر بحبنا والانقطاع إلينا سجن، أو نهب ماله، أو هدمت داره، ثمّ لم يزل البلاء يشتد ويزداد إلى زمان عبيد الله بن زياد، قاتل الحسين عليه السلام ، ثمّ جاء الحجاج فقتلهم كل قتلة، وأخذهم بكل ظِنّة وتهمة، حتى إن الرجل ليقال له: زنديق أو كافر، أحبّ إليه من أن يقال له: شيعة علي، وحتى صار الرجل

الذي يذكر بالخير ـ ولعلّه يكون ورعاً صدوقاً ـ يحدث بأحاديث عظيمة عجيبة، من تفضيل بعض من قد سلف من الولاة، ولم يخلق الله تعالى شيئاً منها، ولا كانت ولا وقعت وهو يحسب أنها حق لكثرة من قد رواها ممن لم يعرف بكذب ولا بقلة ورع(١)

ولقد حوت صفحات التاريخ من الأحداث ما يندى له جبين الشرف

والإنسانية خجلاً، وإن منها لما تعفّ المروءة حياء من ذكره، وإن منها لما يفتت الأكباد.

وتكاد تتفق كلمة المتسلطين على رقاب الأمة على مناهضة الشيعة والسعي الحثيث لطمس معالمهم يتوارثه الأجيال جيل بعد جيل.

ومما ينبغي إلفات الأنظار إليه أن الشيعة الإمامية وإن كانت تُعدّ أقلّية ـ من حيث العدد ـ بالقياس إلى بعض من عداها، إلاّ أن ذلك لا يعني شيئاً في مقياس تقييم الحقائق والأشخاص، فليست الأقلّية عنصر ضعف في الحجة والبرهان، كما أن الأكثرية ليست دليلاً على الأحقية والصواب، بل قد يكون الأمر على العكس تماماً، وفي النصوص الدينية ما يؤكد هذا المعنى، فقد ورد في العديد من الآيات

١- ـ شرح نهج البلاغة١١ : ٤٣ الطبعة الأولى ـ دار إحياء التراث العربية.

٤٧

القرآنية مدح(١) الأقلّية والثناء عليهم، بينما جاء الذم(٢) للأكثرية، مضافاً إلى أن ما تمخض عن الوقائع والأحداث يؤيد هذه الحقيقة، فإن الأكثرية هي التي حاربت النبيّ صلي الله عليه و آله وهضمت علياً عليه السلام وظلمت الزهراء عليه السلام ، وإن الأكثرية هي التي اعتدت على الحسن عليه السلام وقتلت الحسين عليه السلام ، وإن الأكثرية هي التي شرّدت أهل البيت وأذاقتهم الويلات، وارجع إلى ما سطره التاريخ لتقف على هذه الحقيقة في كل زمان ومكان، وهي أن الأكثرية ما كانت ولن تكون المقياس في التقييم والترجيح.

أقول: إنّ هذا الاتفاق ـ من قبل الفئات التي أحكمت القبضة على زمام

الأمور ـ على اتخاذ علي عليه السلام وأولاده وشيعته أعداء أدّى إلى اتّباع مختلف الوسائل والأساليب في القهر والبطش والاضطهاد، وعلى مر العصور ابتداء من قضية مالك بن نويرة(٣) ، وما سبقها، وما أعقبها من أحداث وإلى يومنا هذا.

فممّا يحدثنا به التاريخ في العهد الأموي: أن معاوية بن أبي سفيان دعا بُسر

بن أرطاة وكان قاسي القلب سفّاكاً للدماء، لا رأفة عنده، ولا رحمة، فوجهه إلى اليمن وأمره أن يأخذ طريق الحجاز والمدينة ومكة، حتى ينتهي إلى اليمن، وقال له: لا تنزل على بلد أهله على طاعة عليّ إلاّ بسطت عليهم لسانك، حتى يروا أنهم لا نجاة لهم منك، وأنك محيط بهم، ثمّ اكفف عنهم وادعهم إلى البيعة لي فمن

١- ـ منها قوله تعالى: ]وقليل من عبادي الشكور[ سورة سبأ، الآية: ١٣ ، ومنها قولـه تعالى: ]إلاّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم[ سورة ص، الآية: ٢٤ ، ومنها قوله تعالى: ]وما آمن معه إلاّ قليل[ سورة هود، الآية: ٤٠ ، وغيرها من الآيات.

٢- ـ منها قولـه تعالى: ]إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين[ سورة الشعراء، الآية: ٨ ، ومنها قوله تعالى: ]لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون[ سورة الزخرف، الآية٧٨ ، ومنها قوله تعالى: ]وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين[ سورة الأعراف، الآية: ١٠٢ ، وغيرها كثير.

٣- ـ راجع تفاصيل القضية ومصادرها الشيعية والسنية في البحار ٣٠ : ٤٧١ ـ ٤٩٥ الطبعة الأولى المحققة.

٤٨

أبى فاقتله، واقتل شيعة علي حيث كانوا.

وسار بسر بن أرطاة حتى دخل المدينة فخطب الناس وشتمهم وتهدّدهم ...

ثمّ شتم الأنصار فقال: يا معشر اليهود وأبناء العبيد بني زريق، وبني النجار، وبني سالم، وبني عبد الأشهل، أما والله لأوقعنّ بكم وقعة تشفي غليل صدور المؤمنين وآل عثمان، أما والله لأدعنّكم أحاديث كالأمم السالفة ...

وفي طريقه إلى مكة قتل رجالاً، وأخذ أموالاً، حتى إذا دخل مكة أدخل

في قلوب أهلها الرعب والخوف، وتركهم متوجهاً بجيشه نحو اليمن حيث شيعة أمير المؤمنين.

ويتفق المؤرخون على أن بُسر بن أرطاة عاث في اليمن فساداً وأهلك

الحرث والنسل، فقد غار على همدان وسبى نساءهم، فكن أول مسلمات سبين في الإسلام، وقتل أحياء من بني سعيد، وروى أبو عمر الشيباني بإسناده عن أبي ذر: أنّه دعا وتعوّذ في صلاة صلاها، أطال قيامها وركوعها وسجودها، فسئل ممّ تعوّذت وفيم دعوت؟ قال: تعوذت بالله من يوم البلاء يدركني، ويوم العورة أن أدركه، فقيل له: وما ذاك؟ فقال: أما يوم البلاء فتلتقي فئتان من المسلمين فيقتل بعضهم بعضاً، وأما يوم العورة فإن نساءً من المسلمات يُسبين فيكشف عن سوقهن، فأيتهن كانت أعظم ساقاً اشتُريت على عظم ساقها، فدعوت الله أن لا يدركني هذا الزمان ... ثمّ أرسل معاوية بُسر بن أرطاة إلى اليمن فسبى نساء مسلمات فأقمن في السوق.

ووجد ابنين لعبيد الله بن العباس صبيّين، فأخذهما بُسر لعنه الله وذبحهما

بيده بمدية كانت معه، فأصاب أم حكيم بنت قارظ ـ زوجة عبيد الله ـ ولهٌ على ابنيها، فكانت لا تعقل ولا تصغي إلاّ إلى قول من أعلمها أنهما قد قتلا، ولا تزال تطوف في المواسم تنشد الناس ابنيها بهذه الأبيات:

٤٩
يامن أحسّ بابني اللذين هماكالدرتين تشظّي عنهما الصّدف
يامن أحسّ بابني اللذين هماسمعي وقلبي فقلبي اليوم مردهف
يامن أحسّ بابني اللذين همامخّ العظام فمخي اليوم مختطف
نبّئت بُسراً وما صدّقت ما زعموامن قولهم ومن الإفك الذي اقترفوا
أنحى على ودجَي ابنيّ مرهفةمشخوذة وكذاك الافك يقترف
حتى لقيت رجالاً من أُرومتهشُمّ الأنوف لهم في قومهم شرف
فالآن ألعن بُسراً حقّ لعنتههذا لعمر أبي بسر هو السرف
من دلّ والهة حرّى مولهة على صبيين ضلاّ إذ غدا السّلف

قالوا: ولما بلغ علي بن أبي طالب عليه السلام قتل بسر الصبيين جزع لذلك جزعاً شديداً ودعا على بسر لعنه الله ...(١) .

هذه صورة تنبئك عما تلاها من أحداث، فإذا كان هذا بعض ما فعله سيد الأمويين معاوية فما ظنك بمن جاء من بعده!؟

ومما يحدّث به التاريخ في العهد العباسي: أن المنصور لما بنى الأبنية ببغداد

جعل يطلب العلوية طلباً شديداً، ويجعل من ظفر به منهم في الاسطوانات المجوّفة المبنية من الجص والآجر، فظفر ذات يوم بغلام منهم حسن الوجه، عليه شعر أسود من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام فسلّمه إلى البنّاء الذي كان يبني له وأمره أن يجعله في جوف اسطوانة بمشهده، فجعله البناء في جوف اسطوانة فدخلته رقة عليه ورحمة له، فترك في الاسطوانة فرجة يدخل منها الروح، وقال للغلام: لا بأس عليك، فاصبر فإني سأخرجك من جوف هذه الاسطوانة إذا جنّ الليل، ولما جنّ الليل جاء البنّاء في ظلمته وأخرج ذلك العلوي من جوف تلك الاسطوانة، وقال له: إتّق الله في دمي ودم الفعلة الذين معي، وغيّب شخصك،

١- ـ الغدير ١١ : ١٧ ـ ٢٠ الطبعة الخامسة ١٣٧٢ هـ نقلاً عن عدة مصادر.

٥٠

فإني إنما أخرجتك في ظلمة هذه الليلة من جوف هذه الاسطوانة لأنّي خفت إن تركتك في جوفها أن يكون جدك رسول الله صلي الله عليه و آله يوم القيامة خصمي بين يدي الله عزوجل، ثمّ أخذ شعره بآلات الجصّاصين كما أمكن، وقال له: غيّب شخصك وانجُ بنفسك، ولا ترجع إلى أمك، قال الغلام: فإن كان هذا هكذا فعرّف أمي أني قد نجوت وهربت لتطيب نفسها، ويقلّ جزعها وبكاؤها إن لم يكن لعودي إليها وجه، فهرب الغلام ولا يُدرى أين قصد من أرض الله، ولا إلى أي بلد وقع، قال ذلك البنّاء: وقد كان الغلام عرّفني مكان أمه وأعطاني العلامة شعره، فانتهيت إليها في الموضع الذي كان دلّني عليه، فسمعت دويّاً كدويّ النحل من البكاء، فعلمت أنها أمّه فدونت منها وعرّفتها خبر ابنها وأعطيتها شعره وانصرفت(١) .

وغيرها من الفجائع التي عاناها العليون إبّان الحكم العباسي، وقد ذاق

أئمة أهل البيت عليهم السلام ألواناً من القهر والاضطهاد حتى استشهد ستة منهم على أيدي حكام بني العباس، وكانت شهادة بعضهم في غياهب السجون، وهكذا كان بنو العباس مع بني عمهم آل أبي طالب، وقد وضع أبو الفرج الاصفهاني كتاباً سمّاه مقاتل الطالبيين ذكر فيه أسماء العشرات ممن قتل أيام بني العباس من العلويين، وأما من قتل من شيعتهم فحدّث عن ذلك ولا حرج.

ومما يحدّث به التاريخ أيضاً في العهد العثماني(٢) : أن السلطان سليم كان شديد التعصب على أهل الشيعة، ولا سيما أنّه كان في تلك الأيام قد انتشرت بين رعاياه تعاليم شيعية تتنافى مع مذهب أهل السنة، وكان قد تمسك بها جماعة من الأهالي، فأمر السلطان سليم بقتل كل من يدخل في هذه الشيعة فقتلوا نحو أربعين ألف رجل،

١- ـ بحار الأنوار ٤٧ : ٢٠٦ الطبعة الإسلامية نقلاً عن عيون أخبار الرضا (ع) .

٢- ـ تنسب الدولةالعثمانية ـ التي تأسست سنة ٦٩٩ هـ ـ إلى عثمان الأول بن أرطغول مؤسس السلالة العثمانية وكانوا أول أمرهم أمراء على البلاد التركية ثمّ استقلوا بالخلافة سنة ٩٢٣ هـ ، راجع دائرة معارف القرن العشرين ٢ : ٥٤٦ ـ ٦٦٧ الطبعة الثالثة، دار المعرفة ـ بيروت.

٥١

وأخرج فتوى شيخ الإسلام بأنه يؤجر على قتل الشيعة وإشهار الحرب ضدهم(١) .

ويقول الشيخ المظفّر في كتابه (تاريخ الشيعة) : ولا تسل عما لقيته الشيعة

من ذريع الفتك عندما استلبه (العراق) العثمانيون في هذه المرة (عام ١٠٤٥ هـ) وهذه النكبة الكبرى إحدى النكبات الفظيعة التي شاهدها الشيعة في أدوار حياتهم من جرّاء المذهب وما أكثرها(٢) .

ويستعرض جملة من النكبات التي ذهب ضحيتها الآلاف من الشيعة في

مناطق أخرى ويقول: وهكذا استمر التشيع في حلب رفيع البناء، لم تقلعه تلك الهزّات العنيفة، ولم تردمه تلك العواصف الشديدة، إلى أن أفتى الشيخ نوح الحنفي في كفر الشيعة واستباحة دمائهم وأموالهم تابوا أو لم يتوبوا، فزحفوا على شيعة حلب وأبادوا منهم أربعين ألفاً أو يزيدون، وانتهبت أموالهم، وأخرج الباقون

منهم من ديارهم ... واختبأ الشيعة في أطراف حلب في هذه القرى والبلدان، ولم يبق في حلب شيعي أبداً ... ويوجد اليوم في حلب قليل من الشيعة سكنوها بعد تلك الحادثة المؤلمة، وهذه إحدى الوقائع الممضّة التي شاهدها الشيعة من أجل ولائهم لأهل البيت وتمسكهم بعرى مذهبهم ... وهاجم الأمير ملحم بن الأمير حدير بسبب هذه الفتوى جبال عاملة عام (١٠٤٨ هـ) ، فانتهك الحرمات واستباح المحرمات يوم وقعة قرية أنصار فلا تسل عما أراق من دماء، واستلب من أموال، وانتهك من حريم، فقد قتل ألفاً وخمسمائة، وأسر ألفاً وأربعمائة، فلم يرجعوا حتى هلك في الكنيف ببيروت(٣) .

وأما الجرائم البشعة التي أحدثها الجزّار في لبنان وأهلك فيها الحرث

والنسل فقد سود فيها صفحات من التاريخ.

ولا تكاد تقف على حقبة زمنية مرت على شيعة أهل البيت عليهم السلام في أي بقعة

١- ـ الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ١ : ٢٤٤ الطبعة الثانية ١٣٩٠ هـ .

٢- ـ تاريخ الشيعة: ٨٣ منشورات مكتبة بصيرتي ـ قم.

٣- ـ نفس المصدر: ١٤٧ .

٥٢

من بقاع الأرض إلاّ وقد اصطبغت بدمائهم وكانوا فيها ضحايا البطش والقهر والاضطهاد، فإذا كان هذا حال الشيعة عبر التاريخ فماذا تراهم فاعلين؟؟

لقد كانت التقية أنجع وسيلة لحفاظ الشيعة على عقائدهم وأرواحهم بالقدر الممكن حيث استطاعوا من خلالها الإبقاء على أنفسهم، ولم يكن ثمّة مناص عنها إذا ما أرادوا أن يعيشوا كسائر الناس.

إنّ التقية أمر فرضته الظروف القاسية والأجواء الرهيبة التي مر بها الشيعة

عبر التاريخ، وقد دفعوا إليها دفعاً اضطرهم إلى مسايرة الجائرين في الظاهر إبقاءً على أنفسهم وحفاظاً على أرواحهم وأعراضهم، وقلوبهم مطمئنة بالإيمان، ولم يكن ذلك بدعاً من الفعل، ولا تنكّراً للفطرة ولا خلافاً لقوانين الإسلام وتعاليمه، ولعمر الحق إن قضية التقية أمر لا مراء فيه غير أن المغرضين أرادوا نبز الشيعة بها فكان مآلهم الخسران.

هذا كله ما لم تكن هناك مصلحة أهم من الإبقاء على النفس، وغاية أسمى يسترخص من أجلها كل ثمين، الأمر الذي يفسر لنا إقدام البعض على معانقة الموت واستقبال أهواله في عمليات فدائية حدّدها الشارع الحكيم وعيّن مواطنها.

شبهات مغرضة:

ولكن مع ذلك قد نجد بعض من لا يبصر أبعد من أنفه يتّخذ من التقية

موضوع نبز وافتراء، فيتّهم الشيعة بالنفاق لقولهم بالتقية، لأن ملاكها إظهار خلاف ما انطوت عليه النفس وانعقد عليه القلب، وهو عبارة أخرى عن النفاق. وقد فات هذا القائل أن معنى النفاق هو عبارة عن إظهار الإيمان وإخفاء

الكفر(١) ، وأما التقية فهي وسيلة اتقاء مع اطمئنان القلب بالإيمان، وقد تضطر الإنسان لإظهار الكفر ومجاراة من يخافه ويخشاه في القول والعمل، على أن

١- ـ مجمع البحرين ٥ : ٢٤١ الطبعة المحققة الثانية.

٥٣

القرآن الكريم قد تحدّث عن النفاق والمنافقين ووعدهم بالدرك الأسفل من النار، بينما تحدّث عن أولئك الذين مارسوا التقية فأثنى عليهم وآتاهم أجرهم مرتين، فليست التقية ـ مفهوماً ومصداقاً ـ تلتقي مع النفاس في شيء أبداً.

وقد يحلو للبعض أن يصم التقية بأنها تنطوي على تنظيم سرّي يهدف إلى تقويض الدين وزعزعة أركانه ببث الأفكار الهدّامة للدين في الخفاء.

أقول: إنّ الشيعة الإمامية أتقى وأبرّ من أن تدنّس شرف ولائها لأهل

البيت الطاهر عليهم السلام بذلك، فإنها قد اعتصمت بحبل الله المتين، واستسهلت في سبيله

كل عسير، وما فتىء تاريخها حافلاً بمواقف التضحية والفداء دفاعاً عن حريم

الدين والمعتقد الحق.

وتتهاوى كل الافتراءات التي تلصق بالشيعة في ممارستهم لهذا المبدأ، فإنها

ما مارست التقية في سيرتها العملية في بعض الظروف إلاّ لأجل الإبقاء على نفوسها حيث دفعت إلى ذلك دفعاً، واضطرها إليها جور الجائرين واستبداد الظالمين، ولو أن هؤلاء الذين يحلو لهم هذا النوع من العبث السخيف لاقوا بعض ما لاقاه الشيعة في حياتهم عبر تاريخهم المرير لعرفوا وعلموا أن ما يفعله الشيعة لا يعدو الحق ولا يحيد عن الصواب.

ثم إنّ التقية حافظت على قيم الإسلام وتعاليمه، واستطاع رجال الشيعة في تاريخهم أن يساهموا في صيانة الدين والدفاع عنه والمحافظة عليه من عبث العابثين، وتكون التقية بذلك قد أسدت للدين خدمة جُلّى ستبقى آثارها حيّة إلى

أن يرث الله الأرض ومن عليها.

التقية في الفقه الإمامي:

إنّ المعاناة الروحية والجسدية التي واجهها الشيعة في تاريخهم المظلوم

دفعت بأئمتهم عليهم السلام من أجل الحفاظ على شيعتهم إلى بيان الأحكام في صورتين:

الأولى: بيانها في الصورة الصريحة الواضحة، كما جاء بها النبيّ صلي الله عليه و آله ، وكما

٥٤

هي في القرآن الكريم، وهي المعبر عنها بالأحكام الأوّلية، وذلك في حالات

الأمن من العدو والاطمئنان من تربّصه أو انشغاله بغيرهم، وهذا ما نجده في الموسوعات الشيعية الروائية، فإنها زاخرة ببيانات الأئمة عليهم السلام في مختلف شؤون الحياة.

الثانية: بيانها وقد ارتدت لباس التقية وهي المعبّر عنها بالأحكام الثانوية

في بعض وجوهها، وذلك في حالات الخوف والتربّص بالأئمّة عليهم السلام وشيعتهم، وقد امتزجت الروايات في التبويب والتصنيف مما أدّى إلى ظهور التعارض البدوي بينها في بعض جهاته، الأمر الذي احتاج ـ في عملية الفصل بين الصورتين ـ إلى مهارة فقهية وتضلع راسخ في معرفة ما يتناسب ومذهب أهل البيت عليهم السلام من غيره، ورد كل حكم إلى منشئه، ويحتاج إلى قدرة علمية فائقة وذوقاً فقهياً رفيعاً لمعرفة الضوابط وعمليات الجمع بين الروايات مما جعل البحث في ذلك شاقاً وعسيراً.

وقد بحث فقهاء الإمامية قدس الله أسرارهم ـ على مر تاريخهم المعطاء ـ

مسألة التقية بجميع أبعادها في جميع أبواب الفقه إلاّ أن أبحاثهم جاءت بحسب اقتضاء المناسبة فكانت مبعثرة في جميع أبواب الفقه ولم تنتظم في سلك عقد واحد، ومن هنا جاء هذا الكتاب ليكون نواة في هذا المجال، ورائد السبق في هذا المضمار حيث يقوم بحصر جميع موارد التقية في الفقه الإمامي الواردة في روايات أهل البيت عليهم السلام على نحو استدلالي لوحظت فيه جميع الأدلة الأخرى.

ويمكننا إيجاز منهجية الكتاب على النحو التالي:

أولاً: بيان أصل الحكم الأولي والدليل عليه في المسألة المبحوث عنها.

ثانياً: الإشارة إلى جهات الاختلاف فيها.

ثالثاً: ذكر ما عليه العامة ـ في أغلب الأحيان ـ وبيان جهة اختلافهم مع الخاصة.

رابعاً: بيان الحكم عند عروض التقية وما يترتب عليه من الآثار.

وستقف ـ قارئي العزيز ـ على مواطن ذلك في صفحات هذا الكتاب.

وهذا هو الجزء الأول من هذا الكتاب ويتناول موضوع التقية في أصول

الدين والتقية في بعض الفروع وهي الطهارة والصلاة والصوم والحج والزكاة،

٥٥

وأما بقية الفروع وما يتعلق بها من المسائل والأحكام ففي ما سيليه.

وهذا الكتاب هو مجموعة المحاضرات الفقهية التي كان سماحة العلامة

الأستاذ آية الله الحاج الشيخ مسلم الداوري دام ظلّه، يتفضّل بها في مجلس بحثه اليومي في الحوزة العلمية في عشّ آل محمّد صلي الله عليه و آله بقم المقدسة.

وإن من ألطاف الله تعالى ـ وله الحمد ـ أن حالفني التوفيق للتشرف

بالحضور في مجلس البحث وتدوين هذه المحاضرات تحت إشرافه ورعايته.

وقد حظيت من قبل بشرف تدوين محاضراته في علم الرجال وكان من

ثمراتها المباركة كتاب أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق.

وكنت قد ذكرت في مقدمته طرفاً من حياة شيخنا الأستاذ دام ظله، والتي

كانت أنموذجاً يحتذى في الدأب والجد في العلم والعمل، وهو مصداق من أعطي العلم كلّه، ورهن حياته في خدمة مدرسة أهل البيت عليهم السلام وفقه آل محمّد صلي الله عليه و آله.

أسأل الله الكريم المنّان أن يديم ظله وارفاً، وأن ينفع ببركاته أبناء

الحوزات العلمية المقدسة، كما أسأله تعالى أن يشمل بعين رعايته هذا الجهد وينظر إليه نظرة القبول والرضا، وأن يكون موضعاً لعناية السادة الأطهار عليه السلام ولا سيما بقية الله في أرضه إمام العصر وصاحب الزمان أرواحنا فداه، وأن يجعله عملاً خالصاً لوجهه الكريم.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

وصلى الله على محمّد وآله

الطاهرين

محمّد علي المعلم

عش آل محمّد ـ قم المقدسة

٢٠ جمادى الثانية ١٤١٧ هـ

٥٦
٥٧

المدخل

التقية وأدلتها

* التحديد اللغوي والاصطلاحي للتقية.

* الأدلة الأربعة على مشروعية التقية بل وجوبها.

* دفاع عن حريم التشيع.

* فهرسة إجمالية لفصول الكتاب.

* الموارد المستثناة من حكم التقية.

* منهجية البحث في هذا الكتاب.

٥٨
٥٩

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلقه محمّد وآله

الطاهرين.

التقية في اللغة والاصطلاح:

اختلف في تحديد لفظ التقية، من جهة كونه مصدراً أو اسم مصدر، فالذي

يظهر من شيخنا الأنصاري رحمه الله : أنّ التقية اسم لاتقى يتقي(١) .

والذي يذهب إليه السيد الأستاذ قدس سره: أن التقية مصدر تقي يتقي والاسم التقوى، وهي مأخوذة من الوقاية وتاؤها بدل من الواو(٢) .

والمستفاد من المعاجم اللغوية أن التقية مصدر ثان لتقي أتقي، والاسم هو

التقوى.

قال في القاموس: واتَّقَيْتُ الشيءَ وَتَقيْتهُ أتَّقيه وأتْقِيه تُقىً وتَقِيّةً وتِقاءً ككساء حَذِرْتهُ، والاسم التَّقْوى(٣) .

وقال في اللسان: وقد توقَّيتُ واتَّقَيتُ الشيء وتَقَيْتهُ أتَّقيه واتْقِيه تُقىً وتَقِيّةً

وتقاء: حذرته، الأخيرة عن اللحياني، والاسم التقوى، التاء بدل من الواو

والواو بدل من الياء(٤) .

وجاء في بعض الكتب اللغوية: أن مصدر اتقيت هو الإتقاء.

قال في المصباح: اتقيت الله اتقاءً، والتقية، والتقوى اسم منه والتاء مبدلة

من واو، والأصل وقوى من وقيت لكنه أبدل ولزمت التاء في تصاريف الكلمة،

١- ـ رسالة في التقية وهي مطبوعة ضمن كتاب المكاسب: ٣٢٠ الطبع القديم.

٢- ـ التنقيح في شرح العروة الوثقى ٥ : ٢٥٣ الطبعة الثانية.

٣- ـ القاموس المحيط ٤ : ٥٨٢ الطبعة الأولى.

٤- ـ لسان العرب ١٥ : ٣٧٨ الطبعة الأولى.

٦٠