×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

التقية في فقه أهل البيت عليهم السلام (1) (بحوث الشيخ مسلم الداوري) / الصفحات: ٦١ - ٨٠

والتقاة مثله وجمعها تُقى(١) .

وقال في المجمع: والتقوى فَعْلَى كنجوى، والأصل فيه وقوى من وقيته:

منعته قلبت الواو تاء، وكذلك تقاة، والأصل وقاة، قال تعالى: ﴿إلاّ أن تتّقوامنهم تقاة﴾ (٢) ، أي اتقاءً مخافة القتل، وجمع التقاة تقى كطلى للاعناق وقرىء تقية، والتقية والتقاة اسمان موضوعان موضع الاتقاء(٣) .

ويقرّب هذا المعنى: أنّ الوارد في كثير من الروايات أنسب بالاسم

المصدري، كقوله عليه السلام : (التقية ديني ... الخ) ، و (التقية ترس المؤمن) ، و (التقية حرز المؤمن) وغير ذلك من الموارد التي وردت محكوماً عليها بنحو الإخبارأو متعلقة للحكم كسائر المتعلقات مثل الصلاة والصوم والحج وغيرها.

وعلى كل تقدير فالتقوى أو التقية أو الإتقاء لها معنيان أحدهما عام،

والآخر خاص، أما المعنى الأول فهو التحفّظ والحذر من الوقوع في المحرمات والإخلال بالواجبات، وبعبارة أخرى: أن يجعل الإنسان بينه وبين غضب الله حاجزاً، وهذا إنما يتم بالعمل الصالح.

وقد أسند هذا المعنى في الكتاب العزيز إلى الله تعالى في آيات كثيرة،

ومنها: ﴿واتقوا الله﴾ (٤) ، ﴿واتّقوني يا أولي الألباب﴾ (٥) ، ﴿يا أيها الناس اتقوا ربّكم﴾ (٦) ، وغيرها من الآيات.

وهذا المعنى يشمل بمقتضى عمومه، التحفّظ عن كل ضرر، والإتّقاء من

كلّ ما يخاف ويخشى، دينياً كان أو دنيوياً، وليس لهذا المعنى حكم شرعي

١- ـ المصباح المنير ٢ : ٩٢٢ الطبعة السابعة.

٢- ـ سورة آل عمران، الآية: ٢٨ .

٣- ـ مجمع البحرين ١ : ٤٥٢ الطبعة المحققة الثانية ١٣٩٥ هـ .

٤- ـ سورة البقرة، الآية: ١٩٤ .

٥- ـ سورة البقرة، الآية: ١٩٧ .

٦- ـ سورة النساء، الآية: ١ .

٦١

مولوي بل حكمه الوجوب العقليّ، وما ورد من الأمر فهو محمول على الإرشاد إلى ما أدركه العقل.

وأما المعنى الثاني فهو اصطلاحي خاص، وهو: التحفّظ عن ضرر الغير

بموافقته في القول والعمل.

قال في معجم الفقهاء: التّقِيّة: بفتح التاء وكسر القاف وتشديد الياء

المفتوحة، مصدر وقي، الحذر والمخافة: إظهار غير ما يعتقد وقاية لنفسه من أذى قد يصيبها(١) .

ولهذا المعنى حكم المولويّة، ويتّصف بالأحكام الشرعية الخمسة من

الوجوب والحرمة والاستحباب والكراهة والإباحة، وهو محلّ البحث والكلام.

أدلة التقية:

ويمكن الاستدلال على التقية بالأدلة الأربعة:

الدليل الأول: من الكتاب:

وقد استدلّ بعدة آيات:

الأولى: قوله تعالى: ﴿ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلاّ أن تتقوامنهم تقاة﴾ (٢) .

الثانية: قوله تعالى: ﴿إلاّ من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾(٣) .

والآيتان صريحتا الدلالة في التقية، وقد ذكر المفسرون أن الآية الثانية

نزلت في شأن عمار بن ياسر في قصة مشهورة تقدم ذكرها(٤) .

الثالثة: قوله تعالى ﴿أولئك يدرؤون بالحسنة السيئة﴾ ورد في الرواية أن

١- ـ معجم لغة الفقهاء: ١٤٢ الطبعة الثانية.

٢- ـ سورة آل عمران، الآية: ٢٨ .

٣- ـ سورة النحل، الآية: ١٠٦ .

٤- ـ مجمع البيان ٦ : ٣٧٨ منشورات شركة المعارف الإسلامية ١٣٧٩ هـ .

٦٢

المراد من الحسنة هي التقية(١) ، وستأتي الرواية في الدليل الثاني.

الرابعة: قوله تعالى ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ أي أشدّكم تقيّة، كما

في صحيحة عبد الله بن حبيب عن أبي الحسن عليه السلام (٢) .

الخامسة: قوله تعالى: ﴿اجعل بيننا وبينهم ردماً﴾ ورد في رواية المفضل

عن الصادق عليه السلام أنها التقية، وقوله تعالى: ﴿فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقباً﴾ ، قال: إذا عملت بالتقية لم يقدروا لك على حيلة، وهو الحصن الحصين، وصار بينك وبين أعداء الله سدّاً لا يستطيعون له نقبا (٣) .

السادسة: قوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ ، ورد عن

حذيفة عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال: هذا في التقية(٤) .

السابعة: قوله تعالى: ﴿أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا﴾ ورد في

صحيحة هشام بن سالم، عن أبي عبد الله قال: بما صبروا على التقية(٥) ، وسيأتي نصّ الرواية في الدليل الثاني.

الثامنة: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا﴾

ورد في رواية أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل: >يا أيها الذين آمنوا ...< قال: اصبروا على المصائب وصابروهم على التقية ورابطوا على من تقتدون به، واتقوا الله لعلكم تفلحون(٦) .

وغيرها من الآيات.

والحاصل: أنّ التقية ثابتة بالكتاب العزيز، وبعض الآيات وإن لم تكن

١- ـ وسائل الشيعة ج ١١ باب ٢٤ من أبواب الأمر والنهي الحديث ١ .

٢- ـ نفس المصدر الحديث ٣٠ .

٣- ـ نفس المصدر الحديث ٣٣ .

٤- ـ نفس المصدر الحديث ٣٥ .

٥- ـ نفس المصدر الحديث ١ .

٦- ـ نفس المصدر الحديث ١٥ .

٦٣

صريحة في دلالتها، وإنما دلّت بمعونة الروايات التفسيرية، إلاّ أنها بعضها الآخر صريح في دلالتها كما هو بيّن.

الدليل الثاني: من السنة: والروايات الواردة في التقية كثيرة تبلغ أكثر

من سبعين رواية، ولذا لا يبعد القول بأنها متواترة إجمالاً بحيث تطمئن النفس بصدورها عن المعصومين عليهم السلام .

وبعض هذه الروايات ورد في بيان أصل مشروعية التقية، وبعضها الآخر

في بيان الحكم بالوجوب.

أما الطائفة الأولى: وهي التي يستفاد منها المشروعية فمنها:

ما ورد في صحيحة هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز

وجل: ﴿أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا﴾ ، قال: بما صبروا على التقية ﴿ويدرءون بالحسنة السيئة﴾ قال: الحسنة التقية، والسيئة الإذاعة(١) .

ومنها: صحيحة حريز عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال: التقية ترس الله بينه

وبين خلقه(٢) .

ومنها: صحيحة هشام بن سالم، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (ما

عبد الله بشيء أحب إليه من الخباء) ، قلت: وما الخباء؟ قال: (التقية) (٣) .

ومنها: صحيحة زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: التقية في كل ضرورة،

وصاحبها أعلم بها حين تنزل به(٤) .

ومنها صحيحة إسماعيل الجعفي ومعمّر بن يحيى بن سالم، ومحمّد بن مسلم، وزرارة قالوا: سمعنا أبا جعفر عليه السلام يقول: (التقية في كل شيء يضطر إليه ابن آدم

١- ـ وسائل الشيعة ج ١١ باب ٢٤ من أبواب الأمر والنهي الحديث ١ المكتبة الإسلامية.

٢- ـ نفس المصدر الحديث ١٢ .

٣- ـ نفس المصدر الحديث ١٤ .

٤- ـ نفس المصدر باب ٢٥ من أبواب الأمر والنهي الحديث ١ .

٦٤

فقد أحلّه الله له) (١) .

ومنها: رواية محمّد بن مروان، عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال: كان أبي عليه السلام

يقول: وأي شيء أقرّ لعيني من التقية، إنّ التقيّة جنّة المؤمن(٢) .

ومنها: رواية حبيب بن بشر قال: قال أبو عبد الله عليه السلام : سمعت أبي يقول:

لا والله ما على وجه الأرض شيء أحب إليّ من التقية، يا حبيب: إنه من كانت له تقية رفعه الله، يا حبيب من لم تكن له تقية وضعه الله. يا حبيب: إن الناس في هدنة فلو قد كان ذلك كان هذا(٣) .

إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة الدالة على أنّ التقية أمر مشروع.

أما الطائفة الثانية: وهي التي يستفاد منها وجوب التقية فهي أيضاً

روايات كثيرة:منها: صحيحة عبد الله بن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (اتّقوا على دينكم واحجبوه بالتقية، فإنه لا إيمان لمن لا تقيّة له، إنما أنتم في الناس كالنّحل في الطير، ولو أنّ الطير يعلم ما في أجواف النحل ما بقي منها شيء إلاّ أكلته، ولو أنّ الناس علموا ما في أجوافكم أنكم تحبونا أهل البيت لأكلوكم بألسنتهم ولنحلوكم في السرّ والعلانية، رحم الله عبداً منكم كان على ولايتنا) (٤)

ودلالة هذه الرواية صريحة في الوجوب فإنّها تنفي الإيمان عمّن لا تقية له.

ومثلها في الدلالة صحيحة معمّر بن خلاّد، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن

القيام للولاة، فقال: قال أبو جعفر عليه السلام : التقية من ديني ودين آبائي، ولا إيمان لمن لا تقيّة له(٥) .

وهكذا صحيحة عبد الله بن أبي يعفور، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول:

١- ـ وسائل الشيعة ج ١١ باب ٢٥ من أبواب الأمر والنهي الحديث ٢ المكتبة الإسلامية.

٢- ـ نفس المصدر باب ٢٤ الحديث٤ .

٣- ـ نفس المصدر الحديث ٨ .

٤- ـ نفس المصدر الحديث ٧ .

٥- ـ نفس المصدر الحديث ٣ .

٦٥

(التقية ترس المؤمن، والتقية حرز المؤمن، ولا إيمان لمن لا تقية له) (١) .

ومعتبرة أبان بن عثمان، عن الصادق عليه السلام أنّه قال: (لا دين لمن لا تقية

له، ولا إيمان لمن لا ورع له) (٢) .

وصحيحة أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (لا خير فيمن لا تقية له،

ولا إيمان لمن لا تقية له) (٣) .

وما أورده صاحب السرائر في خاتمة كتابه، نقلاً من كتاب مسائل الرجال ومكاتباتهم مولانا عليبن محمّد عليه السلام من مسائل داود الصرمي، قال: قال لي:

(يا داود لو قلت: إن تارك التقية كتارك الصلاة لكنت صادقاً) (٤) .

ورواية الحسين بن خالد، عن الرضا عليه السلام ، قال: (لا دين لمن لا ورع له،

ولا إيمان لمن لا تقية له، وإن أكرمكم عند الله أعملكم بالتقية، قيل: يابن رسول الله إلى متى؟ قال: إلى قيام القائم، فمن ترك التقية قبل خروج قائمنا فليس منّا) (٥) .

إلى غير ذلك من الروايات الدالة على وجوب هذا الحكم، بل إنه من أعظم الواجبات، فاتصاف التقية بالوجوب مما لا إشكال فيه.

وأما كيفية ذلك فسيأتي بيانه.

الدليل الثالث: الإجماع منقولاً ومحصّلاً، قولاً وعملاً:

فإنّ المتسالم عليه عند الفقهاء، أنّ التقية واجبة، بل لا نظن أن أحداً من الفقهاء يخالف في ذلك. نعم المتيقن به أنها محلّ اتفاق في الجملة لا في كل مسألة مسألد، فلا خلاف فيها بين الفقهاء، بل قد تعدّ من ضروريات المذهب، وقد ذهب بعض العامة إلى القول

١- ـ وسائل الشيعة ج ١١ باب ٢٤ من أبواب الأمر والنهي الحديث ٦ .

٢- ـ نفس المصدر الحديث ٢٢ .

٣- ـ نفس المصدر الحديث ٢٩ .

٤- ـ نفس المصدر الحديث ٢٦ .

٥- ـ نفس المصدر الحديث ٢٥ .

٦٦

بوجوبها، كما نسب ذلك إلى الشافعي وغيره، وهكذا سيرة العلماء والمتشرعة على ذلك، وهذه السيرة تنتهي إلى الأئمة عليهم السلام ، وإنها ممضاة من قبلهم عليهم السلام عملاً، وهذا مما لا يعتريه ريب بل تتصل بالأنبياء والأوصياء السابقين قبل الإسلام، كما تقدم في الحديث ـ مفصلاً ـ عن تاريخ التقية.

الدليل الرابع: العقل: فإن التقية موافقة لمقتضى حكم العقل، والاستدلال

به على التقية على نحوين:

الأوّل: استقلال العقل بهذا الحكم، فيقال: إن العقل يرى أن أحكام الدين

إنما شرعت لسعادة الإنسان في حياته إلى الأبد، فإذا كانت هذه السعادة وإدامة الأحكام متوقفة على التقية والإخفاء عن الأعداء في فترة من الزمن، فالعقل يستقل بالحكم بحسن التقية تقديماً للأهم على المهم، نظير سكوت أمير المؤمنين عليه السلام عن حقه رعاية لبقاء الدين.

والشاهد على ذلك سيرة العقلاء في حياتهم العملية، فإنهم في حالات

الخوف من الأعداء يخفون عقائدهم ويظهرون الموافقة لخصومهم تحفظاً على أنفسهم، وذلك أمر شايع بيّن، وقد تحدث القرآن عن ذلك في العديد من الآيات ومن ذلك:

أصحاب الكهف فإنهم فتية آمنوا بربهم إلاّ أن الخوف على أنفسهم وإيمانهم دفعهم للتقية، وفكانوا يشدون الزنانير ويشهدون أعياد الناس، فآتاهم الله

أجرهم مرتين كما نطقت بذلك الروايات.

كما تحدث القرآن عن إبراهيم الخليل عليه السلام فإنه مارس التقية مع قومه حيث

قال: إني سقيم، وهكذا بالنسبة إلى موسى الكليم عليه السلام فإنه عاش في بيت فرعون بالتقية إلى أن صار مأموراً بالتبليغ، ومثله يوسف الصديق عليه السلام فإنه أصبح خازن

٦٧

الملك الكافر وقد عاش في تلك الأجواء بالتقية، وكذلك تحدثت السيرة عن أبي طالب عليه السلام وتمكنه من الدفاع عن النبيّ صلي الله عليه و آله بواسطة التقية وقد اشار القرآن الكريم إلى قضية عمار بن ياسر كما مر.

وغيرهم من الأنبياء والأوصياء والأخيار والعقلاء الذين كانوا يماسرون

التقية.

وإذا كان الأمر كذلك فلا ندري كيف ساغ للعامة الإنكار على الشيعة

لقولهم بالتقية؟ وكيف اجترأوا على الشيعة بالتشنيع لذلك، وهل هذا إلاّ ضلال منهم عن الصراط المستقيم وانحراف عن الحق والهداية، حيث لم يدخلوا البيوت من أبوابها ولم يأخذوا الأحكام من معادنها ولم يتبعوا أئمة الهدى عليهم السلام وأهل بيت العصمة والطهارة الذين هم أحد الثقلين الذين أمرنا بالتمسك بهم(١) .

الثاني: الاستدلال بالعقل غير المستقل، بأن يقال: إن نظر الشارع المقدس

في أحكامه أنه: إذا دار الأمر بين الضرر كالقتل والقطع وأمثالهما وبين حكم شرعي بوجوب شيء ما مثلاً فالعقل يحكم بتقديم الضرر على الحكم الشرعي، إذ

لا ضرر ولا ضرار في الإسلام، وأحلّ الله ما اضطروا إليه، فتدخل المسألة بهذه المقدمة في الأدلة الحاكمة على الأحكام الأولية وحينئذ يرتفع الحكم الشرعي، وتجب التقية بحكم العقل لا مستقلاًّ بمعونة الشارع.

ويمكن الاستدلال أيضاً بالقواعد الكلية إذا تحققت صغريات بعض

المسائل، كما إذا كان هناك ضرر راجع إلى النفس، أو العرض، أو المال الخطير، فيقدم على الحكم الشرعي، ولابد حينئذ من التقية، وإن كان هذا يرجع إلى النحو الأول كما لا يخفى.

ثم أنّه ليس في سرد بقيّة أحكام التقية من الحرمة والاستحباب والكراهة

١- ـ تقدم في مطلع الكتاب حديث ضاف حول نشأة التقية في التاريخ فراجع.

٦٨

والإباحة كثير فائدة، ولهذا نقتصر على الحكم الأول وهو الوجوب، وقد نتعرض لبعض هذه الأحكام تبعاً، ونعطف الكلام على ذكر ما هو المهم في المقام، وهو البحث حول موارد التقية المشهورة الواردة في الروايات في جميع أبواب الفقه كما ذكرنا آنفاً، والتحقيق في كل مورد بخصوصه بحسب ما تقتضيه طبيعة المورد نظراً لأهمية التقية في مجال التشريع ولعموم الابتلاء بمواردها واستمراره في مجالي العمل والتطبيق، فقد ورد في الاحتجاج عن أبي محمّد الحسن بن علي العسكري عليهما السلام ، في حديث أن الرضا عليه السلام جفا جماعة من الشيعة وحجبهم، فقالوا: يابن رسول الله صلي الله عليه و آله ما هذا الجفاء العظيم، والاستخفاف بعد الحجاب الصعب؟ قال: لدعواكم أنكم شيعة أمير المؤمنين عليه السلام ، وأنتم في أكثر أعمالكم مخالفون ومقصرون في كثير من الفرائض، وتتهاونون بعظيم حقوق إخوانكم في الله، وتتقون حيث لا تجب التقية، وتتركون التقية حيث لابد من التقية(١) .

وغيرها من الروايات الواردة في هذا المعنى.

ولما كان تشخيص مواردها وبيان الوظيفة العملية فيها وكيفية التعامل معها

في جهتي الموافقة والمخالفة من الأهمية بمكان، ولم نقف إلى الآن على كتاب جامع يخدم هذا الغرض وإن كان علماؤنا رضوان الله تعالى عليهم بحثوا موضوع التقية ووضعوا فيها كتباً ورسائل إلاّ أنها تناولت كليات مسائلها وبعضاً من مواردها، ولذلك انعقد العزم بتوفيق الله على التعرّض لموارد التقية المشهورة في جميع أبواب الفقه والتي صارت مورداً للبحث والكلام أو وردت في روايات أهل

البيت عليهم السلام (٢) .

وينبغي أولاً الإشارة إلى العناوين التي تنطبق عليها التقية.

وثانياً: الموارد المستثناة التي لا يجوز فيها التقية.

١- ـ وسائل الشيعة ج ١١ باب ٢٥ من أبواب الأمر والنهي الحديث ٩ .

٢- ـ قد أشرنا إلى ذلك في مقدمة الكتاب فراجع.

٦٩

أما بالنسبة للأمر الأول فقد أحصينا العناوين التي تتعلق بها التقية ووردت

في الآيات والروايات فوجدناها تبلغ إلى أكثر من أربعين مورداً وهي:

أ ـ التقية في أصول الدين وتتضمّن المباحث التالية:

١ ـ إظهار الكفر أو إنكار أحد أصول الدين.

٢ ـ البراءة.

٣ ـ سبّ أحد الأنبياء أو أحد الأئمة عليهم السلام .

ب ـ التقية في فروع الدين وهي تارة تلاحظ بالإضافة إلى الكفار فقط

وأخرى على نحو أعم، أما الأول فيتضمن المباحث التالية:

١ ـ في حكم مودتهم واتخاذهم أولياء.

٢ ـ في حكم الابتداء بالتسليم عليهم.

٣ ـ في الحكم بطهارتهم أو نجاستهم.

٤ ـ في جواز إطعامهم وعدمه.

٥ ـ في حكم دخولهم المساجد.

٦ ـ في إلحاق أهل الكتاب والمخالفين بالكفار وعدمه.

٧ ـ فيحكم بيع المصحف وما في حكمه إليهم.

٨ ـ في حكم طعامهم وذبائحهم.

٩ ـ في حكم مناكحتهم.

١٠ ـ في بيان آثار الحكم التكليفي والوضعي في حال التقية وبعدها.

وأما الثاني فهو تارة يكون في أمر غير مشروط بقصد القربة، وأخرى

يكون في أمر مشروط بها، وثالثة في العقود والمعاملات، ورابعة في الإيقاعات، وخامسة في الأحكام.أما الأول فيتضمن المباحث التالية:

١ ـ التقية في كتمان الدين والولاية، والحديث عن الكفار والمخالفين.

٧٠

٢ ـ التقية في تسمية الحجة (عج).

٣ ـ في حكم الجمع بين اسمه عليه السلام وكنيته في المولود.

وأما الثاني فهو يشمل المباحث التالية:

أولاً: التقية في الوضوء وتتناول:

١ ـ في غسل الوجه واليدين مرة أو ثلاثاً.

٢ ـ في غسلهما من الأعلى أو من الأسفل.

٣ ـ في مسح الرأس كلاًّ أو بعضاً مع الأذنين أو بدونهما.

٤ ـ مسح الرأس والرجلين بماء الوضوء أو بماء مستأنف.

٥ ـ في جواز المسح على الخفين وعدمه.

ثانياً: التقية في الوقت وتتناول:

١ ـ وقت صلاة المغرب والإفطار من الصوم هل هو ذهاب الحمرة

المشرقية أو سقوط قرص الشمس.

٢ ـ في حكم الصلاة قبل غروب الشمس.

ثالثاً: التقية في الصلاة وتتناول:

١ ـ جواز الاقتداء والائتمام بالمخالف تقية وعدمه.

٢ ـ حكم الاقتداء بسائر فرق الشيعة من غير الإمامية تقية.

٣ ـ حكم الاقتداء بالموافق تقية مع عدم إحراز الشرائط.

٤ ـ في حكم الجهر بالبسملة وإخفائها.

٥ ـ في حكم التأمين في الصلاة.

٦ ـ في حكم التكفير في الصلاة.

٧ ـ في حكم السجود على الأرض أو ما أنبتت من غير المأكول

والملبوس وغيرها.

٧١

رابعاً: التقية في الصوم وتتناول:

١ ـ حكم الإفطار في حال التقية.

٢ ـ في وجوب القضاء وعدمه.

خامساً: التقية في الحج وتتناول:

١ ـ حكم التظليل حال الإحرام تقية.

٢ ـ حكم الوقوف بعرفات والمشعر ومنى في حال التقية.

سادساً: التقية في الزكاة وتتناول:

١ ـ شرائط المستحق للزكاة.

٢ ـ في حكم إعطاء الزكاة للمخالف.

سابعاً: التقية في الجهاد وتتناول:

١ ـ أقسام الجهاد.

٢ ـ اشتراط الجهاد الابتداء بإذن المعصوم عليه السلام وعدمه.

٣ ـ التحقيق حول الجهاد الابتدائي في زمان النبيّ عليه السلام .

٤ ـ التهمة بأن الإسلام دين الدم والسيف والجواب عنها.

وأما الثالث فيتضمّن المباحث التالية:

أوّلاً: التقية مع السلطان الجائر وتتناول:

١ ـ حكم معاونة السلطان الجائر.

٢ ـ حكم قبول الولاية من قبل السلطان الجائر في القضاء والفتوى.

٣ ـ حكم قبول الولاية من قبله في السياسة وتدبير الأمور.

٤ ـ حكم التقية في الإضرار بالناس والتفصيل في أقسام الإضرار

بالغير.

٥ ـ حكم جوائز السلطان وأقسامها.

٧٢

٦ ـ حكم أموال السلطان بالنسبة إلى الورثة والمستحقين والحاكم

الشرعي.

٧ ـ ولاية الحاكم الشرعي ـ حدودها وأحكامها.

ثانياً: التقية في الغناء ويتناول:

١ ـ موضوع الغناء وحدوده وحكمه.

٢ ـ حكم الآلات والأفعال اللهوية.

٣ ـ الموارد المستثناة من الغناء والتحقيق حولها.

٤ ـ حكم الغناء حال التقية.

ثالثاً: التقية في النكاح ويتناول مناكحة أهل الكتاب والمخالفين.

وأما الرابع فهو يتضمن:

التقية في الطلاق.

وأما الخامس فيتضمن:

التقية في الميراث.

وأما بالنسبة للأمر الثاني وهو الموارد التي لا يجوز فيها التقية فهي ستة:

١ ـ التقية في الدم.

٢ ـ التقية في ما يوجب الفساد في الدين.

٣ ـ التقية في البراءة من أمير المؤمنين عليه السلام .

٤ ـ التقية في متعة الحج.

٥ ـ التقية في المسح على الخفين.

٦ ـ التقية في شرب النبيذ.

ثم إنّ الضابط في دخول المورد في التقية هو كل ما يكون الحكم الإلزامي

فيه الثابت عند المخالف إجماعاً أو شهرة على خلاف ما هو عند أهل البيت عليهم السلام ولا

٧٣

يمكن التقصي عنه أو علاجه إلاّ بالتقية، وأما الضابط في الموارد المستثناة فهو كل ما ثبت فيه الحكم الإلزامي ولم يرخص الشارع بمخالفته إلى التقية.

ويقع الكلام حول هذه الموارد من جهات ثلاث:

الأولى: التحقيق حول الحكم الواقعي في المسألة.

الثانية: بيان الحكم الثانوي وهو العمل على طبق ما تقتضيه التقية،

والآثار المترتبة عليها تكليفاً ووضعاً.

الثالثة: التحقيق حول ما إذا خالف المكلف وظيفته الفعلية وأتى بالواقع

بدلاً من العمل على طبق التقية وبيان ما يترتب عليه من جرّاء ذلك.

ومما نلفت إليه أننا لن نتقيد بحرفية هذا الترتيب فقد تقتضي المناسبة تقديم

بعض الموارد وتأخير بعضها عن مواقعها من هذا الترتيب، نعم نلتزم بالترتيب العام بجعل كل مورد في موقعه كما هو الحال في ترتيب أبواب الفقه.

ثم إنّ تفصيل الموارد والتحقيق حولها يتم في عدة فصول:

٧٤
٧٥

الفصل الأول التقية في أصول الدين

* إمكان التقية في أصول الدين.

* الأدلة من الكتاب والسنة.

* البراءة والسب والفرق بينهما.

* هل تجوز التقية في البراءة أو لا؟

* الجمع بين الروايات المختلفة.

* الوجوه التي من أجلها لم يبرأ أصحاب

علي عليه السلام منه.

٧٦
٧٧

التقية في أصول الدين

وهي تشمل أموراً ثلاثة:

الأول: إظهار الكفر أو إنكار أحد الأصول.

الثاني: البراءة من النبيّ صلي الله عليه و آله أو أحد الأئمة عليهم السلام .

الثالث: سب أحد الأنبياء عليهم السلام أو أحد الأئمة عليهم السلام .

وقد قيل بجواز التقية في جميع هذه الأمور، ويقع الكلام فيها في مقامات:

الأول: في الأدلة. وقد استدل له بالآيات والروايات:

الدليل الأول: الآيات ومنها قوله تعالى: ﴿لا تلقوا بأيديكم إلىالتهلكة﴾(١) .

وقوله تعالى: ﴿إلاّ من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ (٢) وقد وردت هذه

الآية في قضية عمار بن ياسر كما ذكرنا سابقاً.

وغير ها من الايات وقد ذكرنا جملة منها في ادلة التقية.

الدليل الثاني: الروايات: وهي على طائفتين:

الأولى: الروايات العامّة، وهي متعددة، واشتملت على الصحاح،

١- ـ سورة البقرة، الآية: ١٩٥ .

٢- ـ سورة النحل، الآية: ١٠٦ .

٧٨

وحاصلها أنّ التقية في كل ضرورة، ومن جملة الضرورات التقية في أصول

الدين.

الثانية: الروايات الخاصة ومنها: رواية معمّر (عمر) بن يحيى بن سالم

عن أبي جعفر عليه السلام قال: التقية في كل ضرورة (١) ، وهذه الرواية وإن كان في سندها معمّر أو عمر وهما محل كلام إلاّ أن البرقي يرويها في المحاسن بسند صحيح عن الحارث بن المغيرة عن أبي جعفر عليه السلام (٢) .

ومنها صحيحة إسماعيل الجعفي، ومعمر بن يحيى بن سالم، ومحمّد بن مسلم، وزرارة قالوا: سمعنا أبا جعفر عليه السلام يقول: التقية في كل شيء يضطر إليه ابن آدم فقد أحله الله له(٣) .

ومنها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام ، قال: التقية في كل ضرورة،

وصاحبها أعلم بها حين تنزل به(٤) .

ومنها: موثقة مسعدة بن صدقة، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول وسئل

عن إيمان من يلزمنا حقه وأخوته، كيف هو؟ وبما يثبت؟ وبما يبطل؟ فقال: إن الإيمان قد يتخذ على وجهين: أما أحدهما فهو الذي يظهر لك من صاحبك، فإذا ظهر لك مثل الذي تقول به أنت حقت ولايته وأخوته، إلاّ أن يجيء منه نقض للذي وصف من نفسه وأظهره لك فإن جاء منه ما تستدل به على نقض الذي أظهر لك خرج عندك مما وصف لك وأظهر وكان لما أظهر لك ناقضاً، إلاّ أن يدعي أنّه إنما عمل ذلك تقية، ومع ذلك ينظر فيه، فإن كان ليس مما يمكن أن تكون التقية في مثله، لم يقبل منه ذلك، لأنّ للتقية مواضع من أزالها عن مواضعها لم تستقم له،

١- ـ وسائل الشيعة ج ١١ باب ٢٥ من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الحديث ٨ .

٢- ـ المحاسن كتاب مصابيح الظلم باب التقية الحديث ٣٠٧ .

٣- ـ وسائل الشيعة ج ١١ باب ٢٥ من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الحديث ٢ .

٤- ـ نفس المصدر الحديث ١ .

٧٩

وتفسير ما يتقى مثله ]أن يكون[ قوم سوء ظاهر حكمهم وفعلهم على غير حكم الحق وفعله، فكل شيء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقية بما لا يؤدي إلى الفساد في الدين فإنه جائز(١) .

ومنها: صحيحة هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن مثل أبي

طالب مثل أصحاب الكهف، أسروا الإيمان وأظهروا الشرك فآتاهم الله أجرهم مرتين(٢) .

ومنها: موثقة أخرى لمسعدة بن صدقة، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام : إن

الناس يروون أن علياً عليه السلام قال على منبر الكوفة: أيها الناس إنكم ستدعون إلى سبّي فسبوني، ثمّ تدعون إلى البراءة مني فلا تبرؤا مني، فقال: ما أكثر ما يكذب الناس على علي عليه السلام ، ثمّ قال: إنما قال إنكم ستدعون إلى سبّي فسبوني، ثمّ تدعون إلى البراءة مني وإني لعلى دين محمّد صلي الله عليه و آله ولم يقل ولا تبرؤا مني، فقال له السائل: أرأيت إن اختار القتل دون البراءة؟ فقال: والله ما ذلك عليه، وما له إلاّ ما مضى عليه عمار بن ياسر، حيث أكرهه أهل مكة وقلبه مطمئن بالإيمان فأنزل الله عزوجل فيه إلاّ من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، فقال له النبيّ صلي الله عليه و آله عندها: يا عمار إن عادوا فعد فقد أنزل الله عذرك وأمرك أن تعود إن عادوا(٣) .

ومنها: معتبرة محمّد بن مروان قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام : ما منع ميثم (ره) من التقية؟! فوالله لقد علم أنّ هذه الآية نزلت في عمار وأصحابه ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ (٤) ، وهذه الرواية وإن كان في سندها محمّد بن مروان وهو مشترك بين جماعة إلاّ أن الظاهر أن المراد به عند إطلاقه هو محمّد بن مروان

١- ـ وسائل الشيعة ج ١١ باب ٢٥ من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الحديث ٦ .

٢- ـ وسائل الشيعة ج ١١ باب ٢٩ من أبواب الأمر والنهي الحديث ١ .

٣- ـ نفس المصدر الحديث ٢ .

٤- ـ نفس المصدر الحديث ١٣ .

٨٠