×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

المسلمون قوة الوحدة في عالم القوى / الصفحات: ٢٨١ - ٣٠٠

فإنّ الدول القوية التي كانت تهيمن على مقدّراتنا، وترسم لنا سياستنا منذ أمد طويل - هذه الدول خرجت من الحرب منهكّة القوى مخضودة الشوكة سواء في ذلك الدول الغالبة والمغلوبة.

وقبل أن تستردّ الدول الغالبة أنفاسها بدأت بينها حرب ثالثة غير أنّها كانت حرباً باردة.

فجعل بعضهم يضرب بعضاً، وجعل كلّ منهم يخلق المشكلات للآخرين، حتّى سقطت هيبتهم جميعاً، وبذلك سقطت هيبة الدول التي كنّا نؤخذ بها ونسحر بقوّتها، وانهارت كبرياؤها وشغلت عن تجديد مساعيها للتفرقة بيننا، بمشاكلها التي أصبحت تهدّد كيانها، وبذلك ضعفت قبضتها علينا!

وهناك جانب آخر من الواقع في هذه الحرب وما ترتّب عليها من آثار:

ذلك أنّها أوجدت في الشعوب الإسلامية لونا من الاعتزاز بالنفس والاعتزاز بالمبادئ الإسلامية، فقد رأوا بأعينهم ما جرته المدنية الحديثة على صنّاعها من ويلات وبلايا ومن فتك ذريع ومن جرائم وحشية اقترفها أساتذة المدنية الحديثة ضدّ الإنسانية، حبّا في السيطرة.

وأدركوا بيقين أنّ المدنية والمذاهب الاجتماعية التي كان يتيه بها أصحابها في الشرق أو الغرب والمثل التي يتشدّق بها هؤلاء وهؤلاء، لم تستطع أن تكبح من ضراوتهم ، أو تحدّ من وحشيتهم وأنّ الأسلحة الفتّاكة التي طالما هدّدونا بها استخدمت في القضاء عليهم.

لقد كان هذا كلّه بمثابة ضجّة أيقظت المسلمين من سباتهم ، ودفعتهم إلى الاهتمام بما عندهم من مبادئ إنسانية، ومن مثل عليا خدعهم عنها العدو

٢٨١
الطامع فيهم بأباطيله حيناً من الدهر، وهكذا كان التنافس بين الدولة الغالبة المضعضعة، وشعور الاعتزاز عند المسلمين كلاهما من الأسباب المهيّئة لظهور فكرة إصلاحية جديدة.

وفي هذا الوقت الذي أرهفت فيه مشاعر المسلمين وقعت حادثة هزّت عواطفهم هزّة عنيفة، مع أنّها لو وقعت في غير وقت الحسّاسية لمرّت عادية ولم تترك أثراً، والحوادث العادية إن وقعت في زمن الحساسية فغالباً ما تصنع المعجزات!

وقعت الحادثة في الحرم الآمن وفي الشهر الحرام وفي أيام الحجّ بالذات وراح ضحيتها شاب مسلم قصد إلى الحجّ، وقطع أكثر مراحل سفره سائراً على قدميه حتّى وصل البيت الحرام، وهناك أصابه مرض، فغلبه القيء فتلقّاه في حجره حرصاً على طهارة البيت، ولكن حظّه السيئ خيل لبعض الطائفين أنّه يحمل ما يحمل يريد به تلويث البيت فصاح بذلك في الناس، وليس من عادة الجماهير أن تتثبت إذا هيّجها مهيّج، فشهدوا عليه بما كان منه بريئاً، وقتلوه مظلوماً، وهو في رحاب الحرم الشريف الآمن!

وإنّما كان مبعث ذلك سوء ظن طائفة بطائفة، وكان يمكن أن تؤدّي هذه الحادثة إلى أسوأ النتائج، وأن تثير الأحقاد، وأن تهيج العصبيات القديمة، وأن تقطع الصلات بين فريقي المسلمين، ولكن هذه الحادثة أثّرت في كثير من المفكّرين تأثيراً كان له عاقبة محمودة، ووضعت الأصبع على موضع الداء، فكأنّما أراد الله أن تكون موجهة للمصلحين إلى الاهتمام بهذا الداء الوبيل داء التفرّق الطائفي بالذات.

ولا عجب أن تكون هذه الواقعة مع ما اكتنفها من خطورة مفزعة حافزاً

٢٨٢
على التفكير، وعلى العمل فكثيراً ما يأتي الشرّ بالخير لقد بدأوا بسؤال أنفسهم: كيف تعيش أمّة موزّعة على نفسها في دنيا الأقوياء؟ كيف يمكن أن تقدّم المبادئ الإسلامية إلى العالم والإسلام في حرب بين أبنائه داخل بلادهم؟ وكيف يتمكّن الذي تسوء حالته الداخلية من إصلاح مركزه الخارجي؟

هكذا بدأنا التفكير في التقريب، ثمّ سلخنا بعد ذلك شهوراً نبحث في سبل العلاج فدرسنا الدعوات التي سبقتنا وأفدنا منها كثيراً، ودرسنا المشاكل الطائفية برمّتها، والكتب المعتمدة عند كلّ فريق لتحدّد الطوائف التي تتفق في الأصول الإسلامية، ودرسنا الخلافات الفرعية والفقهية ومبلغ ما وصلنا إليه. ثمّ حدّدنا أنجح طريقة للوصول بفكرتنا إلى الأعماق.

وقد أدّى بنا إلى أن هذه الدعوة يجب أن تقوم بها جماعة بدل أن يقوم بها فرد يتعرّض لكثير من الأخطار، وأن تكون الدعوة إلى التقريب بين أرباب المذاهب لا إلى جمع المسلمين على مذهب واحد، فيبقى الشيعي شيعياً والسني سنياً، وأن يسود بين الجميع مبدأ احترام الرأي الذي يؤيده الدليل، وأن تكون الجماعة ممثّلة للمذاهب الأربعة المعروفة عند أهل السنّة، ومذهبي الشيعة الإمامية والزيدية. وأن يمثّل كلّ مذهب علماء من ذوي الرأي والمكانة فيه، وأن تكون الجماعة بمعزل عن السياسة، وأن تكون محددة الأهداف، وأن يكون سعيها على أساس البحث والعلم كي تثبت أمام المعارضة، وتكسب الأنصار عن سبيل الإقناع والاقتناع، ولكي تستطيع بسلاح العلم محاربة الأفكار الخرافية الطفيلية التي لا تعيش إلّا في ظلّ الأسرار والأجواء المظلمة. ولكي تتمكّن في الوقت نفسه من مقاومة الطوائف والنحل التي ليست من الإسلام في شيء والتي يحسبها الشيعي سنّية، والسنّي شيعية، بينما هي في حقيقتها حرب على الإسلام.

٢٨٣
وهكذا تكوّنت جماعة التقريب معتمدة على الله وعكفت على البحث الدائب والعمل المستمر، والاتصال بالمراكز الدينية في كلّ بلد إسلامي اتصالاً هادئاً مثمراً، وابتعدت بنفسها عن الدعاية ، ولكن الدعاية جاءتها من قبل المعارضين . فإنّ المتعصّبين والمتزمتين وذوي النزعات والأغراض ؛ رأوا في نشاط الجماعة بدعة لا يصحّ السكوت عليها ؛ فبدأوا هجومهم على الفكرة وعلى الجماعة، وأشتدّ هجومهم على الأيام، وليس بيننا من لم يأخذ نصيبه من هجومهم كاملاً غير منقوص.

لكن الجماعة هيأت نفسها لهذا من أوّل الأمر ؛ لأنّها تعلم أنّها تواجه رواسب قرون، وكانت تتوقّع حملات فيها الطعن والتجريح، وبدل أن تضعف الهجمات العزائم شحذت الهمم وقوت الجماعة على السير بالفكرة إلى النهاية.

وكانت هذه الهجمات نفسها دليلاً على ضرورة فكرة التقريب للمجتمع الإسلامي كي يتخلّص من العناصر البغيضة ذات التفكير السقيم الذي يبلبل الخواطر، ويصرف الأذهان عما ينفع الناس ، ويمكث في الأرض.

أذكر أنّ أحد هؤلاء المتعصّبين ملأ كتاباً بالطعن على الشيعة والهجوم على جماعة التقريب لقيامهم بهذه الفعلة النكراء فعلة التقريب بين السنّة والشيعة!

وفي الوقت نفسه وصلنا كتاب عن الطرف الآخر من تلك الكتب المؤلّفة في عهد الصفوية مليء بالهجوم على أهل السنّة، وكلا الكتابين التقى مع الآخر في الهجوم على الجماعة، فماذا تظن كان موقف الجماعة؟

إنّهم قرؤوا بهدوء تلك المهاجمات العنيفة، ولكنّهم لم يتأثّروا، ولم

٢٨٤
يكفّوا عن الجهاد، كما كان المؤلّفان المتجنيان المتعصّبان - سامحهما الله - يأملان، بل إنّهم أجمعوا على أنّ الحاجة ملحّة إلى بذل نشاط أكبر ما دام في العالم الإسلامي هذا النوع من الأشخاص، وهذا اللون من التفكير، وهذا الإضرار على محاولة التفرقة.

ولم يقف الأمر عند هذين الكتابين بل جاء من مثلهما الكثير، وكثر كذلك الكلام هنا وهناك، وكلّ هذا في جملته كان يحفّز الجماعة إلى أن تسعى لتحقيق ما حسبه البعض مستحيلاً.

لقد كان أكثر الناس يسمّي هذا النشاط محاولة هيهات أن تؤدّي إلى نتيجة، وكان منهم من يرى هذه المحاولة مستحيلة، وكان فريق آخر يظنّها سياسة على المألوف من الذين تعوّدوا إلّا تنبع أفكارهم من ذوات نفوسهم، مع وضوح أنّه لا يمكن أن يكون لسياسة أجنبية ما رغبة في تجمّع على أساس وحدة المبادئ الدينية لثقتها بأنّ ذلك هو عين القضاء عليها.

كلّ هذا كان دعاية نافعة لجماعة التقريب، لفتت إليها الأنظار، وجعلت كثيراً من الناس يدرسون فيعرفون فيصبحون جنوداً، فكثر بذلك أنصارها، وضمّ كثير من المفكّرين وعلماء الدين في مختلف البلاد جهودهم إلى جهودها، فأصبحت هذا الجماعة التي تكوّنت في القاهرة مركزاً فكرياً علمياً أعضاؤه من أولي العلم وأصحاب التوجيه والرأي في العالم الإسلامي كلّه وضاقت الأرض على الأقلام المفرّقة ونبّاشي القبور الذين لا همّ لهم إلّا تحريك الماضي المتعفّن وإثارة العواطف البغيضة!

إنّ تكوين الجماعة نفسه كان توفيقاً، لأنّهم هيئوا للمسلمين مركزاً يصلح للنظر في مشكلاتهم ويلتقي فيه رجال الإسلام من كلتا الطائفتين، ويظلّه

٢٨٥
الهدوء وتقدير المصلحة، ويسوده الوفاق لا الخصام.

وكأن المسلمين بمشاكلهم الطائفية كانوا في ظلام لا يرى بعضهم من بعض إلّا أشباحاً مخيفة، وكأنّ الجماعة أضاءت لهم، لترى كلّ طائفة أختها على حقيقتها لا على وحي الظلام، ولقد كان للسان الجماعة: مجلة رسالة الإسلام ، دور عظيم، إذ جعلت توصل الفكرة إلى مكتبات العلماء ورجال الفكر، وكان كلّ عدد منها يزيل الستار عن جزء من المحجوب، ويكسب عدداً أكبر لجانب التقريب، وتبيّن بوضوح أنّ المسلمين لا يختلفون في كتابهم ولا في صلواتهم ولا في صومهم ولا في حجّهم بالإضافة إلى اتفاقهم المطلق في أصول العقائد وأصول الدين والتوحيد والنبوّة، وليس يضيرهم أن يكون لبعضهم أصول مذهبية خاصّة كالولاية عند الشيعة الذين يرون أنّ علياً وأولاده أحقّ بها من غيرهم.

لقد قرأ السنّي عن الشيعة أبحاثهم واستنباطهم وأعجب بالكثير منها، وقرأ الشيعي عن السنّة أنّ أهل البيت مجمع بينهم على حبّهم وإكرامهم وإنّ ما صدر عن بعض الظالمين لا يمثّل رأي السنّة في أهل البيت.

وعرف أهل السنّة أنّ الشيعة يعتبرون الغلاة نجساً ويحكمون بكفرهم، ويحكمون بخروج أصحاب الحلول كذلك.

وإذن فشتان بين الشيعة على حقيقتها، والشيعة التي تصوّرها المتصوّرون. وشتان بين الناصبي الذي كان يناصب أهل البيت العداء، وأهل السنّة الذين يرون في حبّ أهل البيت عبادة ويصلّون عليهم في تشهدهم اللّهم صل على محمّد وآل محمّد ... وبارك على محمّد وآل محمّد .

٢٨٦
ولم تكن سنّة التدرج تفارق الفكرة، إلى أن جاء دور جعل الجامعات الدينية إسلامية عامة، وهو نصّ في القانون الأساسي للجماعة منذ نشأتها ، فالمادّة الثالثة (ﻫ) تذكر من بين أغراضها: العمل على أن تقوم الجامعات الإسلامية في جميع الأقطار بتدريس فقه المذاهب الإسلامية حتّى تصبح جامعات إسلامية عامة .

فلمّا تهيّأت الأفكار بعد أن قامت الدار بطبع بعض الكتب الفقهية على نفقة وزارة الأوقاف المصرية وتوزيعها، جاءت الخطوة الحاسمة بعد ذلك: خطوة تقرير دراسة فقه المذاهب الإسلامية الشيعية مع السنيّة في أقدم جامعة إسلامية وهي الأزهر الشريف.

ولم تكن الفكرة ارتجالية ، بل كانت مبدأ نادت به الجماعة منذ نشأتها ، فلمّا قدر لرجل مصلح من رجالها المجاهدين - له مركزه الديني الكبير - أن يجلس على كرسي مشيخة الأزهر كان من الطبيعي أن ينفذ ما عاهد الله عليه لخير الإسلام وصالح المسلمين.

ولقد زلزل هذا القرار كثيراً من الانتهازيين وقضى على آمال كثير من المتربصين، ولكن التاريخ لا يخدع، وقد سجّل هذه الخطوة كحديث هام في تاريخ الإسلام والمسلمين، لم يكن سجّل مثله منذ بدأ الخلاف بين الطائفتين إلى اليوم.

فنحمد الله على أنّ المسلمين أثبتوا أنّهم جديرون بإصلاح شؤونهم، قادرون على علاج مشاكلهم. فإنّ نجاح الفكرة كفكرة التقريب رغم المعارضة التي قامت في وجهها والعراقيل التي وضعت في طريقها، في زمن

٢٨٧
لم يتجاوز ثلاثة عشر عاماً تجعلنا نأمل خيراً كثيراً في مستقبل الزمن.

ولا نحبّ أن ننسى أنّ أمامنا فريقين من المعارضين فريقاً له إيمانه بفكرته، وله عذره من بيئته أو ثقافته أو غيرته، وهؤلاء لنا فيهم أمل ورجاء ؛ لأنّ المخلص لابدّ أن ينتهي به إخلاصه إلى معرفة الحقّ والرجوع إليه يوماً ما، أمّا الفريق الآخر ففريق كان أمثالهم يقولون في عهد نزول القرآن لرسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾(١)، وهؤلاء لا شأن لنا بهم ، ولعلّهم لا يعيشون إلّا بالفرقة، أو يحسّون لها لذّة لا يحبّون أن يفقدوها.

وإنّي لعلى يقين من أنّ هذه الفكرة ستكون نقطة الانطلاق لكثير من الأفكار الإصلاحية، ولا يزال أمامنا خطوات جديدة تحتاج إلى تعضيد فكري كبير لنقدّم للإسلام كلّ ما أخذناه على عاتقنا في القانون الأساسي.

أكتب هذا ولا تزال في خاطري صورة أوّل اجتماع بدار التقريب - ولعلّه أيضاً أوّل اجتماع من نوعه في الإسلام - جلس فيه علماء من السنّة والشيعة حول مائدة واحدة، في هدوء العلماء المتضلّعين وفي وجوههم تصميم المجاهدين وقلّبوا وجوه الرأي لعلاج داء التفرق، على هدى رسالة الإسلام والمبادئ الإسلامية، فكتبوا بعملهم هذا فصلاً من فصول التاريخ الإسلامي المجيد.

١- فصلت (٤١): ٥.

٢٨٨
وهكذا قدّر الله لهم أن يكونوا من صانعي التاريخ، وقدّر للمسلمين مرّة أخرى أن يعيشوا في نشوة النداء الإلهي الكريم: ﴿وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾(١).

١- آل عمران (٣): ١٠٣.

٢٨٩

الشيعة والوحدة الإسلامية(١) السيّد محمّد حسين(١)، الشيعة والوحدة الإسلامية السيّد محمّد حسين

للحديث عن الوحدة الإسلامية في حياة العاملين للإسلام طعم الحلم الكبير وذلك بالنظر إلى المشاكل الكثيرة التي يعاني منها المسلمون، من خلال حالة التمزّق التي يعيشونها، فيما يختلفون فيه من مذاهب، وفيما ينقسمون إليه من طوائف وفيما يمارسونه من خصومات ومشاحنات. ممّا أدّى إلى المزيد من الضعف السياسي والاجتماعي والعسكري والاقتصادي... وإلى الشعور بانقسام الشخصية، إلى شخصيات متعدّدة، يتقوقع فيها كلّ واحد منها داخل الإطار الذي عاشت فيه كلّ واحدة منها ممّا يجعل التفكير لا يمتدّ إلى أبعد من الحالة الطائفية، بعيداً عن الشخصية الإسلامية المنفتحة.

وقد استطاع هذا الواقع أن يبعد الإسلام عن حركة الحياة، وأن يخضع المسلمين لقوى الاستعمار والاستكبار التي اشتملت نقطة الضعف هذه فحوّلت البلاد الإسلامية إلى ما يشبه قطع الشطرنج التي تلعب بها كما تشاء وتحرّكها كما تريد. وسيطرت على كلّ مقدّرات المسلمين، وأبعدت حركة الحكم والتشريع في حياتهم عن الأسس الإسلامية في قواعد الحكم والشريعة، وجعلتهم يعيشون إسلامهم ضمن دوائر تاريخية وعملية ضيّقة يختزنون في داخلها كلّ ما يملكون من حسّاسيات وأحقاد وسلبيّات، وتهيّئ

١- نقلاً عن كتاب أحاديث في الوحدة الإسلامية لمحمّد حسين فضل الله.

٢٩٠
لهم - في كلّ مرحلة من مراحل نموهم - عوامل التفتيت والضعف والتقسيم، وتقودهم إلى حروب طائفية لا يملكون معها إلّا أدوات التدمير والتقتيل لبعضهم البعض.

وهذا هو الذي دفع الواعين من الأُمّة إلى طرح شعار الوحدة الإسلامية كهدف إسلامي كبير يعملون له بأساليب متنوّعة، ويثيرون - من خلاله - أمام الوحدة المشاكل الصعبة التي تؤدّي إلى الانقسام في حياتهم العامة والخاصة، في مقابل النتائج الإيجابية التي يحصلون عليها من خلال الاتحاد أو التعاون أو الوحدة.

وقد اختلفت الأطروحات حول الوحدة، فهناك الأطروحة المثالية التي تواجه المشكلة بالروح الغيبية الضبابية، التي تحاول إبعاد المشاكل الحيّة عن تفكير الأُمّة، بالإيحاء بأنّه لا خلافات صعبة بين المسلمين، وأنّ علينا تناسي القضايا الهامشية، والوقوف صفّاً واحداً كالبنيان المرصوص في مواجهة الأعداء. وهكذا يغرق الإنسان المسلم فيما يشبه الأحلام، في أجواء عاطفية، فيستسلم لهذا الخدر اللذيذ، ثمّ يرجع إلى الواقع في داخل حياته اليومية، فيجد أمامه أكثر من مشكلة حادّة، وأكثر من خلاف متحرّك في عمق ممارسته وعلاقاته.

وهناك الأطروحة الواقعية التي تؤكّد على مواطن اللقاء، كما تؤكّد على مواطن الخلاف، ولكنّها لا تضع مواطن الخلاف في الجانب الذاتي الشعوري للأُمّة، بل تضعها في الجانب الفكري من نشاطها وتوحي، في هذا الاتّجاه، بأنّ مثل هذه الخلافات ليست مقصورة على الفئات الكبيرة من المسلمين فيما بينها بل هي موجودة في داخل كلّ طائفة أو مذهب. في أكثر من جانب فقهي أو

٢٩١
كلامي. ثمّ تثير أمام المسلمين قواعد الحوار القرآني الذي يريد للأُمّة أن تناقش قضاياها في الداخل وفي الخارج من موقع التفكير الموضوعي الهادئ الهادف إلى معرفة الحقيقة من أقرب طريق بالحجّة والبرهان الواضح، وتقودهم إلى الأسلوب الأخلاقي في الصراع الذي لا يستخدم كلمات السباب والشتائم في حركة الخلاف، بل يتحرّك من موقع الجدال بالتي هي أحسن، واختيار النكتة الأحسن والأسلوب الأحسن الذي يدفع بالأعداء إلى أن يتحوّلوا إلى أصدقاء، ويوحي لهم بالروحية التي يحملون فيها هم المسلمين في أعماق مشاعرهم ليتوجّهوا إلى الله أن يساعدهم على جمع الكلمة، ولم الشعثّ، وحقن الدماء.

وقد عاشت تجارب الوحدة ، في أكثر من أسلوب. في التجارب الثقافية التي عملت على التأكيد على الآفاق الوحدوية في الثقافة الإسلامية.

كما عملت على ارجاع الخلافات إلى أسس فكرية من المصادر الإسلامية كالكتاب والسنّة وأمثالها، في أسلوب إيجابي بالطابع الاجتهادي العلمي لهذا الخلاف، وفي التجارب الاجتماعية والسياسية، في اللقاء على أكثر من أرض إسلامية واحدة فيما يعيشه المسلمون من قضايا اجتماعية وسياسية مشتركة.

وقد اصطدمت هذه التجارب بأكثر من عقبة ، فيما واجهته من مشاكل الرواسب التاريخية، والعقد النفسية، والأوضاع الاستعمارية التي تثير السلبيات، وتعقد الأوضاع، وتخلق الأزمات على أكثر من صعيد. وما تزال القضية تتفاعل لتضع في كلّ يوم عقبة جديدة ومشكلة جديدة.

٢٩٢
والآن. ماذا عن الشيعة والوحدة.

إنّنا نريد أن نناقش الموضوع من ناحيتين:

الناحية الأولى: نظرة الشيعة إلى الوحدة.

الناحية الثانية: نظرة المسلمين من غير الشيعة إلى الوحدة مع الشيعة.

أمّا من الناحية الأولى: فإنّ هناك اتّجاهين في نظرة الشيعة إلى الوحدة:

الاتّجاه الأوّل: الذي يرى أنّ مشروع الوحدة يعمل على تذويب الشيعة في المحيط الإسلامي العام ويؤدّي إلى فقدان الركائز الأساسية لفكرة التشيع. وهي الإمامة وما يتبعها من قضايا فكرية وفرعية. فيتحوّل الشيعة، بفعل ذلك. إلى سنّة. وبذلك لن تكون عملية الوحدة، إلّا أسلوباً من أساليب احتواء فئة من المسلمين لفئة أخرى. وليست عملية جمع للمسلمين على أساس الحقّ. ويضيف هؤلاء: إنّنا قد نوافق على عملية التذويب والاندماج لو كانت القضية قضية هامشية طارئة، يمكن للإنسان أن يتجاوزها كما يتجاوز الكثير من القضايا الحياتية الطارئة للمحافظة على المصلحة العامة، ولكن القضية تمثّل، في وعينا الفكري، قضية التزامنا الإسلامي بخط الحق في العقيدة والتشريع ؛ لأنّ مسألة الإمامة ليست مسألة شخص أو أشخاص، أو موقف سياسي معين، بل هي مسألة القاعدة الشرعية التي انطلقت القناعة فيها من الدليل والبرهان، فلا يمكن للإنسان أن يتنازل عنها، انطلاقاً من تسوية خاضعة لأوضاع معيّنة.

وهكذا كانت نظرة هذا الاتّجاه إلى مسألة الوحدة، نظرة سلبية تحمل الكثير من الحذر والخوف والشكّ والارتياب.

٢٩٣
الاتّجاه الثاني: الذي يرى أنّ مسألة الوحدة ليست مسألة إدخال الشيعة في محيط السنّة، أو بالعكس في عملية اندماج وتذويب للشخصية الفكرية الخاصّة التي يحملها كلّ واحد منهما، بطريقة عاطفية، بل هي مسألة روحية نفسية في البداية كما هي مسألة فكرية عملية في النهاية ؛ لأنّ قاعدة التفكير الوحدوي ترتكز على أساس الإيحاء للمسلمين بالروحية الإسلامية التي ينبغي أن تطبع شخصيتهم فيما تمثّله الشهادتان من عقيدة والتزام وحركة في حياتهم العامّة والخاصّة مهما اختلفت نظرتهم إلى التفاصيل، الأمر الذي يثير فيهم مشاعر الوحدة، ويحلق بهم في آفاقها، ويوحي لهم بمسؤولياتها ؛ لتكون هذه الروحية سبيلاً من سبل اللقاء الذي يساعد على التفاهم والتحاور والتعاون، فيمكن للشيعي أن يقنع السنّي بطريقته في فهم الإسلام، وفي ممارسته، كما يمكن للسنّي أن يقنع الشيعي بطريقته وبممارسته، ويمكن لهما أن يكتشفا، من خلال اللقاء الفكري، سبيلاً آخر.

ويضيف أصحاب هذا الاتّجاه قائلين: إنّ النتائج الإيجابية التي يحصل عليها المسلمون الشيعة في مسألة الوحدة لا تقاس بالنتائج السلبية التي يعيشونها في مسألة الفرقة والخلاف الفكري والعملي الذي يتحرّك من موقع العقدة الذاتية لا من موقع المصلحة العامة.

ويرون أنّ حركة أيّ صاحب فكر في المحيط العام الذي ينظر إليه بروحية منفتحة إيجابية قد تستطيع أن تحقّق لفكرها الكثير الكثير من المواقع المتقدّمة من خلال ما تملكه من حرّية الجو، ومن طبيعة الانفتاح. مما لا تستطيع أن تحقّقه في إطار الحدود الفاصلة التي تفصل بين هذا الفريق أو ذاك، لتوحي لكلّ منهما بالحاجة إلى الاستعداد المسبق لتحصيل المناعة ضدّ إمكانات التأثّر بالفريق الآخر، وبالتالي لإيجاد حاجز نفسي ضدّ أيّ شيء يثيره

٢٩٤
الفريق الآخر، من أفكار وأطروحات، وحلول. مما يجعل من الحالة النفسية لكلّ منهما، هي كيف يمكن أن يسجّل نقطة ضدّ الأفكار التي يثيرها، لا كيف يناقشها وينظر في طبيعتها الفكرية من حيث الخطأ والصواب.

وينتهي أصحاب هذا الاتّجاه إلى الفكرة التي تقول: إنّنا كشيعة، يمكننا إقناع المسلمين الآخرين بصحّة أطروحتنا الفكرية في فهم الإسلام، فيما نعتقد أنّه الحق، من خلال ما نملك من أدلّة وبراهين. وذلك في نطاق الوحدة، أكثر مما نستطيع ذلك في ظلّ الوضع الطائفي الحاقد المألوف.

أما في الناحية الثانية: وهي نظرة المسلمين غير الشيعة إلى الوحدة مع الشيعة فهناك ثلاثة اتّجاهات:

الأوّل: الذي ينظر إلى الشيعة، بأنّهم خارجون عن الإسلام فيما ينسبه إليهم أصحاب هذا الاتّجاه من عقائد في الغلو والشرك وتحريف القرآن أو إيمانهم بقرآن آخر غير هذا القرآن. وما إلى ذلك من مفاهيم لا تلتقي مع الأسس العقيدية التي ركّز الإسلام عليها فكره وشريعته. وبذلك لا معنى لطرح قضية الوحدة معهم، التي يجب أن تطرح مع المسلمين لا مع المنحرفين عن خطّ الإسلام كما أنّ إقحامهم في داخل المجتمع الإسلامي، يمثّل لوناً من ألوان الخطر على صفاء العقيدة الإسلامية وعلى سلامة المجتمع الإسلامي. وذلك من خلال ما يثيرونه من شبهات وأضاليل ومؤامرات على الإسلام والمسلمين.

وهذا الاتّجاه يتمثّل في الأغلب، في الطريقة السلفية الوهابية. وقد عملت هذه الطريقة على تعميق الهوّة بين السنّة والشيعة بمختلف الأساليب الإعلامية، والضغوط المادّية والمعنوية، وحاولت أن تستغلّ الإمكانات المادية والرسمية

٢٩٥
في تشويه صورة الشيعة لدى المسلمين وغير المسلمين. حتّى رأينا القائمين عليها يتسامحون مع الاتّجاهات الكافرة بما لا يتسامحون فيه مع الشيعة ؛ لأنّهم يرون أنّ الكفر المقنع الذي يمثّله الشيعة هو أكثر خطورة من الكفر الصريح الذي يمثّله الكافرون الصريحون، وقد انطلقوا - في سائر أنحاء العالم - يعملون على عزل شباب المسلمين السنّة، بما فيها العاملون في خط الإسلام الحركي، عن شباب المسلمين الشيعة لمنع أيّ تعاون فكري أو سياسي أو اجتماعي فيما بينهم. مهما بلغت التحدّيات العملية ضدّ الإسلام والمسلمين وقد تداخلت، لدى هؤلاء الخلفيات المذهبية بالخلفيات السياسية، فيما يخافونه على مراكز نفوذهم في المجالات التي يملكون فيها أسباب السلطة والسلطان.

ولعلّ مشكلة هذا الاتّجاه، أنّ أصحابه يرفضون الحوار حول القضايا المختلفة التي يعتقدون انطلاق المذهب الشيعي منها، لتصحيح نظرتهم في طبيعة هذه القضايا من جهة، مما قد تكون النسبة فيه إليهم غير صحيحة في صوابها أو خطئها من جهة أخرى.

الاتّجاه الثاني: الذي لا يرى في الشيعة هذا الرأي، بل يرى أنّهم مسلمون فيما يرتكز عليه الإسلام من عقيدة وشريعة، وإنّ الخلافات بينهم وبين السنّة، كالخلافات بين السنّة أنفسهم في بعض تفاصيل العقيدة والشريعة، فهم مسلمون مخطئون في بعض ما يعتقدون فحالهم حال أي مسلم مخطئ في اجتهاده، فإنّ الخطأ لا يخرجه عن إسلامه، بل يكون مسلماً خاطئاً مأجوراً.

ولكن أصحاب هذا الرأي لا يرون مصلحة في الوحدة مع الشيعة ؛ لأنّ هذه الأفكار الخاطئة قد تنفذ من خلال مجتمع الوحدة إلى ذهنية المسلمين

٢٩٦
من أهل السنّة، فتسيء إلى الأفكار السليمة الصحيحة الصافية ، كما أنّ طبيعة الأوضاع الشيعية، فيما تمثّله من خلفيات سياسية معينة، قد تسيء إلى مستقبل الأمّة.

وربما يلتقي هذا الفريق مع فريق الاتّجاه الأوّل في أساليب العمل ضدّ قضية الوحدة. ولكنّهم يمارسون أساليب المجاملة، فيما تقتضيه اللياقات الاجتماعية، أو المصالح السياسية عندما يطرحون قضية الوحدة تماماً، كما يمارسها الاتّجاه الشيعي الذي يقف موقفاً سلبياً من الوحدة. عندما يطرح الوحدة كشعار في الحالات الطارئة، ولكن بحذر شديد وبدون إخلاص أو إيمان بذلك.

ولعلّ الواقع الذي يعيشه جمهور المسلمين من أهل السنّة يعيش عمق هذا الاتّجاه ولكن بدرجات متفاوتة.

الاتجاه الثالث: الذي ينطلق في حركته الإسلامية من موقع الإيمان بوحدة المسلمين الواقعية ، فيما يلتقي عليه المسلمون من عقائد ومفاهيم وشريعة. وبأنّ الخلافات فيما يختلفون فيه ، لا تضرّ بهذه الوحدة، كما لم تضرّ خلافات المذاهب بين بعضها، في وحدتهم الإسلامية، وعلى هذا الأساس كانوا يرون في الوحدة أمراً واقعياً في عمق الشخصية الإسلامية، ولابدّ لنا من تحويله إلى خطوة عملية في حركة الإسلام في الحياة، وحالة شعورية في داخل وجدان المسلم، ويرون أنّ دخول أيّ فريق في المجتمع الإسلامي لا يمثّل خطراً على ما يعتقد الفريق الآخر أنّه الحقّ، ما دامت القضايا المتنازع عليها تعيش في داخل الأجواء التي تثيرها القضايا المتفق عليها، وما دام المنطق الفكري القائم على الحجّة والبرهان هو الذي يحكم الحوار في

٢٩٧
الساحة، ممّا يجعل الموقف في مصلحة الفريق الذي يملك الحجّة الأقوى، والمنطق الأفضل، وليست هناك أيّة مشكلة لأيّ فريق فيما يخسره من أفكار قد يثبت له أنّها خاطئة من خلال الحوار، ما دامت الروحية الجديدة التي تحكم مساره هي روحية الإسلام الصافي الصحيح بعيداً عن أي إطار آخر.

ويتمثّل هذا الاتّجاه في الحركات الإسلامية الواعية غير الخاضعة لعقلية الأنظمة المرتبطة بالاستعمار وفي الشخصيات الفكرية المسلمة التي تعيش مسؤولية الإسلام من خلال الآفاق الرحبة الواسعة لا من خلال الآفاق الضيقة الحانقة وقد ساهم أصحاب هذا الاتّجاه في خلق جو وحدوي عام، وفي صنع مجتمعات متنوعة هنا وهناك تعيش روحية الوحدة بانفتاح وإيمان، وذلك من خلال اللقاء بالاتّجاه الثاني الموجود في مجتمع المسلمين الشيعة، الذي يرى في الوحدة عنصراً إيجابياً في حركة الإسلام العامة كهدف كبير لابدّ للمسلمين أن يجتمعوا حوله من أجل تحويله إلى حركة واقعية حية . بالأساليب العملية المرنة الحكيمة التي تعمل على الوصول إلى الهدف بالطريقة المرحلية المرتكزة على التخطيط الدقيق في حركة المراحل نحو الهدف.

ولا يزال الصراع حول الوحدة قائماً بين أصحاب هذه الاتّجاهات المختلفة في نطاق الشيعة والسنّة. وما تزال الساحة تمتلئ في كلّ يوم بالجديد الجديد من النتائج السلبية والإيجابية في هذا الخطر أو ذاك، مما يعتبره كلّ اتّجاه منها دليلاً له، أو عليه ، وما يزال المستقبل الإسلامي ينتظر النتائج النهائية لهذا الصراع، ليلتقي بالوحدة الإسلامية كنتيجة إيجابية للوعي الإسلامي الجديد.

٢٩٨
والآن. ومن جديد. نطرح السؤال:

ماذا عن الشيعة. والوحدة؟

إنّنا نتبنى اتّجاه السير في حركة الوحدة الإسلامية، ونرى أنّه السبيل الأمثل لانطلاقة الإسلام في العالم. الأمر الذي يمثّل النهج الشرعي للسير العملي للإنسان المسلم فيما يرضي الله، وفيما يقرب إليه. كما يمثّل النهج الواقعي لاستعادة سيطرة الإسلام على الحياة، وتحقيق العزّة والكرامة للمسلمين، في جميع مجالاتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وذلك على أساس عدة نقاط:

١- إنّ مشروع الوحدة الإسلامية، ليس مشروعاً استعراضياً عاطفياً، يرمي إلى إلغاء المواقف الفكرية بحركة انفعالية سريعة، بل هو مشروع يرمي إلى إعطاء عقلية موضوعية هادئة تناقش المواقف الفكرية بهدوء واتزان ومسؤولية، لتكون الساحة للأفضل والأقرب إلى الحقيقة الإسلامية من قاعدة الحجّة والدليل. وبذلك فإنّها تلغي الخوف من الاحتواء من خلال تأمين الضمانات العلمية للوصول إلى ذلك الهدف.

٢- إنّ الانطلاق من صفة الإسلام في أيّ تحرّك فكري أو عملي، هو الذي يحقّق لأيّ فريق إسلامي القدرة النفسية على مواجهة أيّة قضية فكرية أو شرعية، بجدية الاهتمام، وبسعة الأفق، ورحابة الصدر، والبعد عن التشنج وإثارة الحساسيات الذاتية ؛ لأنّ القضية عنده - في مجملها - هي ماذا يقول الله ورسوله، وما يقوله الإسلام من خلال ذلك، بعيداً عن كلّ مألوف أو موروث، فإمّا أن تكون القضية ثابتة بالطرق الصحيحة الاجتهادية فتقبل، وإمّا أن تكون غير ثابتة فترفض. وهذا هو الذي يوحي بتغلّب الصفة العامّة على

٢٩٩
الصفة الخاصة، أو تأكيد الصفة الخاصة بمقدار انسجامها مع أجواء الصفة العامة.

٣- أن تتحول صيغة الأبحاث الفكرية القائمة على مناقشة الأفكار الإسلامية المختلفة، من صيغة تتخذ صفة الهجوم والدفاع التي تثير - في داخلها، ومن حولها - أجواء الحماس والانفعال، عند تسجيل نقطة هنا، ونقطة هناك، إلى صيغة تأخذ شكل البحث والتحليل الدقيق للقضايا المطروحة في البحث ؛ لأنّ هذه الصيغة توحي بانطلاق البحث من مصادره الأصلية بطريقة هادئة موضوعية، تلتقي بالفكرة، أمام احتمالين يتحرّكان في نطاق وجهتي نظر متنوعة، وبذلك يمكن الوقوف معهما، أمام الجذور العميقة للفكرة. ليعرف في نهاية المطاف، كيف يلتقي هذا أو ذاك بالجذور. ليكون هو الوجه الصحيح للفكرة، بعيداً عن أن يكون هذا الاحتمال ، وجهة نظر زيد أو أن يكون، وجهة نظر عمرو، وهذا هو المنهج القرآني الذي ركّز على الموضوعية، والحكمة والطريقة التي هي أحسن والانطلاق من مواضع اللقاء إلى مواطن الخلاف.

٤- أن يعمل الشيعة على توضيح الخطّ الإسلامي الأصيل، فيما يعتنقونه من أفكار ومفاهيم في جانب العقيدة، أو في نطاق الأشخاص، أو في تفاصيل الشريعة، وذلك بالأساليب المتحرّكة في ساحة الصراع، وبالعمل على كتابة ذلك بطريقة واضحة صريحة، وأسلوب علمي لا تعقيد فيه، وتسهيل وصول النشرات المتضمّنة لهذه الأفكار إلى كلّ مكان في العالم من أجل تطويق الدعايات المضادّة التي تعمل على تشويه الصورة الإسلامية لفكرة التشيع، ولاسيّما فيما يتعلق بالموازين الإسلامية لفكرة التوحيد والشرك، والغلو

٣٠٠