×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

المسلمون قوة الوحدة في عالم القوى / الصفحات: ٦١ - ٨٠

صلوات الله عليه وعليهم أجمعين، ففيها حشد هائل من النّصوص التي تؤكّد أهميّة الوحدة والتعاون وأنّها من أساسيات المبادئ الإسلامية، وتنهى عن التفرقة والمعاداة لأنّها من أخلاق أهل النّار، ونقتبس من تلك الأحاديث بعض الومضات المشرقة:

الألفة والحبّ:

الأصل في شخصية المؤمن الألفة والحبّ لإخوانه المؤمنين، أمّا النّفور من الآخرين ومعاداتهم فليس من خلق المؤمن وإنّما هي سمة الفجّار.

يتحدّث الإمام الصادق عليه السلام عن انجذاب قلب المؤمن لأخيه المؤمن مقارناً لها بتنافر قلوب الفاسقين الفجّار فيقول: إنّ ائتلاف قلوب الأبرار إذا التقوا وإن لم يظهروا التودّد بألسنتهم كسرعة اختلاط قطر السّماء على مياه الأنهار، وإن بعد ائتلاف قلوب الفجّار إذا التقوا وإن أظهروا التودّد بألسنتهم كبعد البهائم من التعاطف، وإن طال اعتلافها على مذودٍ(١) واحد (٢).

والرسول الأعظم صلى الله عليه و آله و سلم يعتبر الألفة مع الناس مقياساً للأفضلية في الخير، ويصف من يفتقد هذه الخصلة بانعدام الخير في شخصيته.

عنه صلى الله عليه و آله وسلم : خياركم أحاسنكم أخلاقاً الذين يألفون ويُؤلفون (٣).

وأيضاً عنه صلى الله عليه و آله وسلم : ... وخير المؤمنين من كان مألفة للمؤمنين، ولا خير فيمن لا يألف ولا يُؤلف (٤).

١- مذود معلف الدابة، لسان العرب ٣: ١٦٨، (ذود).

٢- الأمالي للشيخ الطوسي: ٤١٢.

٣- مستدرك الوسائل ٨: ٤٥١، الحديث٩٩٧١.

٤- الأمالي للشيخ الطوسي: ٤٦٢.

٦١
المسلمون قوة الوحدة في عالم القوى » السيد عبدالقادر حسن احمد الادرسي » (ص ٦١ - ص ٩٠)إنّ اقتراب المؤمن من إخوانه المؤمنين وانشداده القلبي إليهم يؤهّله للاقتراب إلى رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يوم القيامة حيث يقول: ألا أخبركم بأحبّكم إليّ وأقربكم منّي مجالس يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً، الموطئون أكنافاً الذين يألفوا ويُؤلفون (١).

المقاطعة والهجرة:

إنّ تعامل أخيك المسلم بسلبية وإعراض، وأن تقاطعه وتهجره فذلك أمر محرّم مبغوض عند الله، فلست حرّاً مختاراً في أن تقيم علاقة مع إخوانك المؤمنين أو لا تقيم، بل أنت مطالب بذلك، وإذا ما حدث سوء فهم أو تفاهم أوجب نوعاً من الإعراض فلا يصحّ أن يستمرّ طويلاً وبالتحديد أكثر من ثلاثة أيام كما تؤكّد على ذلك الأحاديث الشريفة:

فعنه صلى الله عليه و آله و سلم : (لا هجرة فوق ثلاث (٢).

وفي حديث آخر يقول صلى الله عليه و آله و سلم : أيّما مسلمين تهاجرا فمكثا ثلاثاً لا يصطلحان إلّا كانا خارجين من الإسلام ولم يكن بينهما ولاية فأيّهما سبق إلى كلام أخيه كان السابق إلى الجنّة يوم الحساب (٣).

إنّ الشيطان الرجيم هو المستفيد الأكبر من تباعد المؤمن عن أخيه المؤمن ومقاطعته له، وهذا ما يؤكّد الإمام جعفر الصادق عليه السلام بقوله: لا يزال إبليس فرحاً ما اهتجر المسلمان، فإذا التقيا اصطكت ركبتاه وتخلّعت أوصاله ونادى يا ويله ما لقي من الثبور (٤).

١- المجازات النبوية: ١٨٧.

٢- الكافي ٢: ٣٤٤، باب الهجرة الحديث٢.

٣- المصدر السابق: ٣٤٥، باب الهجرة الحديث٥.

٤- المصدر السابق: ٣٤٦، باب الهجرة الحديث ٧.

٦٢
وعنه صلى الله عليه وآله و سلم : هجر المسلم أخاه كسفك دمه (١).

وفي وصيته لأبي ذر يقول صلى الله عليه و آله و سلم : يا أبا ذر إيّاك وهجران أخيك فإنّ العمل لا يُتقبّل مع الهجران (٢).

وعن الإمام الرضا عن آبائه عليه السلام ، في أوّل ليلة من شهر رمضان يغل المردة من الشياطين ويغفر في كلّ ليلة لسبعين ألفاً فإذا كان في ليلة القدر غفر الله بمثل ما غفر في رجب وشعبان وشهر رمضان إلى ذلك اليوم إلّا رجل بينه وبين أخيه شحناء فيقول الله عجل الله تعالى فرجه : انظروا هؤلاء حتّى يصطلحوا (٣).

وكما تنطبق هذه الأحاديث على حالة المقاطعة والهجر بين الأفراد المؤمنين فهي أشدّ انطباقاً على الجماعات المؤمنة، فلا يصحّ أن يكون هناك إعراض وتجاهل ومقاطعة بين الجماعات المؤمنة.

مساوئ الاختلاف والفرقة:

ينخدع البعض منّا بالمكاسب العاجلة والمحدودة التي قد يجنيها بصراعه واختلافه مع إخوانه المؤمنين بأن يستشعر الانتصار لذاته، يعبأ حوله أنصاره، وينال بعض المكاسب الآنية، أو يفرض رأيه في السّاحة أو ما أشبه ذلك.

ولكنّا لو راجعنا التعاليم الإسلامية وقرأنا النّصوص الواردة عن قادتنا

١- كنز العمال ٩ : ٣٢، الحديث٢٤٧٨٩.

٢- وسائل الشيعة ١٢: ٢٦٤، الحديث١٦٢٦٢.

٣- عيون أخبار الرضاB ١: ٧٦.

٦٣
المعصومين عليهم السلام لعرفنا كيف أنّ هذه المكاسب السّريعة والمحدودة تكون على حساب مصالحنا الإستراتيجية والمصيرية كمؤمنين، وهل من العقل أن يرضى الإنسان بغنائم تافهة وحقيرة بتنازله عن مكاسب مهمّة وكبيرة؟

إنّ الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يؤكّد لنا أنّ ما نتصوّره مكسباً وخيراً بعدائنا واختلافنا مع المؤمنين الآخرين لهو تصوّر خاطئ واهمٌ يقول عليه السلام : وإنّ الله سبحانه لم يعط أحداً بفرقة خيراً، ممّن مضى ولا ممّن بقي (١).

ومشكلتنا هي مع من يعتقد أنّ صراعه وعداءه للآخرين هو تكليف شرعي وأمر ديني حيث يسوّل له الشيطان أنّه وحده على الحقّ وأنّ الآخرين على الباطل، وأنّ من واجبه معاداتهم انتصاراً للحق!

إنّ الإمام علي عليه السلام ينسف هذا التفكير المتعجرف بإرجاع بواعث الفرقة والخلاف بين المسلمين إلى وساوس الشّيطان وتضليلاته، وأنّ الفرقة والعداء داخل المجتمع المسلم لا يمكن أن تكون مقبولة ومندوباً إليها من قبل الله تعالى.

يقول عليه السلام : إنّ الشّيطان يُسنّي لكم طُرُقه، ويريد أن يحُلّ دينكم عقدة عقدة، ويعطيكم بالجماعة الفرقة، وبالفرقة الفتنة فاصدفوا عن نزغاته ونفثاته (٢).

إن من أهمّ أسباب انهيار الحضارات وهزيمة الأُمم وقوع النزاعات

١- نهج البلاغة ٤: ٩٦ الخطبة ١٧٦.

٢- المصدر السابق: ٢١٨، الخطبة ١٢٠.

٦٤
والاختلافات في أوساطها ولو درسنا تاريخ المجتمعات البشرية لواجهتنا هذه الحقيقة الواضحة في أزمنة التاريخ.

يقول الرسول الأعظم محمّد صلى الله عليه و آله و سلم : لا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا (١).

وبشيء من التفصيل يستعرض الإمام علي عليه السلام هذه الحقيقة في خطبته المعروفة (القاصعة) الواردة في نهج البلاغة فيقول:

إحذروا ما نزل بالأُمم قبلكم من المثلات بسوء الأفعال، وذميم الأعمال فتذكّروا في الخير والشرّ أحوالهم، واحذروا أن تكونوا أمثالهم... وتدبّروا أحوال الماضين من المؤمنين قبلكم... فانظروا كيف كانوا حيث كانت الأملاء مجتمعة، والأهواء متفقة، والقلوب معتدلة، والأيدي مترادفة، والسيّوف متناصرة، والبصائر نافذة، والعزائم واحدة.

ألم يكونوا أرباباً في أقطار الأرضين، وملوكاً على رقاب العالمين؟

فانظروا إلى ما صاروا إليه في آخر أمورهم، حين وقعت الفرقة، وتشتّتِ الألفة، واختلفت الكلمة والأفئدة، وتشعّبوا مختلفين، وتفرّقوا متحازبين قد خلع الله عنهم لباس كرامته، وسلبهم غضارة نعمته... (٢).

تزاور المؤمنين وتلاقيهم:

حينما يبتعد المؤمن عن أخيه المؤمن، وتنعدم اللقاءات والاجتماعات بينهما فإنّ الفرصة مؤاتيه للشيطان حينئذٍ ليخلق بينهما حواجز العداوة والفرقة وخاصّة إذا كان بينهما اختلاف في الرأي أو المصلحة فبسبب الابتعاد تتضخم

١- صحيح البخاري ٣: ٨٨.

٢- نهج البلاغة ٢: ١٥٠ - ١٥٢.

٦٥
القضايا الصغيرة في نظر كلّ منهما عن الآخر، كما تتراكم الانفعالات النفسية ويقوم الوشاة والنّمّامون بدورهم الخبيث في نقل المساوئ فيما بين الطرفين.

ولو التقيا لذاب كثير من الجليد والتراكمات النّفسيّة التي بينهما ولتفاهما على ما يختلفان عليه وجعلاه في حدوده الواقعية.

ومشكلتنا هي انعدام أو قلّة اللقاءات بين الجهات المختلفة في الرأي أو المصلحة حيث يبتعد كلّ طرف عن أماكن تواجد الطرف الآخر، فلا القيادات الدينية تكثّف اللقاءات فيما بينها ولا الحركات الإسلامية تحرص على الاجتماعات ولا مختلف الجهات الفاعلة في المجتمع تتبادل الزيارات.

ولما اللقاءات والاجتماعات من أثر كبير في تقريب النّفوس وتأليف القلوب وتضييق شقة الخلافات نرى الأحاديث الدينية تؤكّد عليها بكثير من الحرص.

ففي الحديث الشريف: إن الله وعجل الله تعالى فرجه يقول: أيّما مسلم زار مسلماً فليس إيّاه زار، إيّاي زار وثوابه عليّ الجنّة (١).

وعن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : من زار أخاه في بيته قال الله عجل الله تعالى فرجه له : أنت ضيفي وزائري، عليّ قراك وقد أوجبت لك الجنّة بحبّك إيّاه (٢).

وعن الإمام الصادق عليه السلام : لقاء المؤمن في الله خير من عتق عشر رقاب مؤمنات (٣).

١- الكافي ٢: ١٧٦، باب زيارة الإخوان، الحديث٢.

٢- المصدر السابق: ١٧٧، باب زيارة الإخوان، الحديث٦.

٣- المصدر السابق: ١٧٨، باب زيارة الإخوان، الحديث١٣.

٦٦
ويقول أمير المؤمنين علي عليه السلام : لقاء الإخوان مغنم جسيم وإن قلّوا (١).

ويوجّه الإمام الصادق عليه السلام وصية لتلامذته وأتباعه يؤكّد عليهم فيها المواظبة على اللقاءات والاجتماعات فيما بينهم فيقول: اتقوا الله وكونوا إخوة بررة، متحابّين في الله، متواصلين متراحمين، تزاوروا، وتلاقوا، وتذاكروا أمرنا وأحيوه (٢).

ويشير الإمام الجواد عليه السلام إلى أنّ في اللقاءات الأخوية فائدتين أساسيتين: فائدة نفسية بتحصيل السرور والانشراح النفسي، وفائدة فكريّة حيث يكون اللقاء فرصة لتبادل الآراء، يقول عليه السلام : ملاقاة الإخوان نشرة وتلقيح للعقل وإن كان نزراً قليلاً (٣).

إنّ الزيارات واللقاءات تساعد على رأب الصدع ولمّ الشّمل وتخفيف حدّة الصّراعات، وتهيء الأجواء للتعاون والتقارب.

وصدق رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم حينما قال: الزيارة تنبت المودّة (٤).

إنّ المرحلة التي تمرّ بها الأُمّة الإسلامية ليست عادية ولا طبيعية، إنّها مرحلة جدّ حساسة وخطيرة، حيث تتآمر وتتكاتف قوى الشّرق والغرب لإجهاض الصّحوة الإسلامية المباركة ولمنع تحرّك الأُمّة باتّجاه دينها واستقلالها وحرّيتّها.

والمستهدف الرئيسي في تآمر الأعداء هم طلائع الأُمّة والفئات العاملة

١- المصدر السابق: ١٧٩، باب زيارة الإخوان، الحديث١٦.

٢- المصدر السابق: ١٧٥، باب التراحم والتعاطف، الحديث١.

٣- الأمالي للشيخ المفيد: ٣٢٩.

٤- بحار الأنوار ٧١: ٣٥٥.

٦٧
لتوعية الأُمّة وقيادتها في معركتها المصيرية الحاسمة.

إنّ الأعداء يسعون بكلّ قوّة ونشاط لتصفية الحركات والنشّاطات الثورية في الأُمّة أو لا أقلّ لإضعافها وعزلها عن التفاعل مع جماهير الأُمّة.

وفي مقابل توحّد الأعداء وتعاونهم على ظلمنا والعدوان على استقلالنا وحرّيّاتنا رغم كلّ ما بينهم من اختلافات آيدلوجية وسياسية ومصلحية هل يصحّ لنا نحن المتصدّين للعمل في سبيل الله والذين تجمعنا رابطة الإيمان والجهاد أن نواجه عدونا المتوحّد المتكاتف بصفوف ممزّقة ورايات متصارعة؟!

فمهما كانت أسباب الخلاف وموجباته فإنّ الخطر الذي يحدق بنا من الأعداء يفرض علينا ان نتعاون ونتّحد ونؤجّل خلافاتنا الجانبية والتفصيلية، وإلّا فوجودنا وديننا ومستقبلنا وأوطاننا كلّ ذلك مهدّد بالفناء والدّمار.

إنّ المعركة والقتال يستوجب التلاحم والتراصّ في مواجهة الأعداء ولذلك يؤكّد ربّنا سبحانه على اتحّاد المؤمنين وتكاتفهم في ميادين الصّراع حتّى يكونوا كالبنيان المرصوص ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾(١).

فالاتحّاد سلاح يتقوّى به من يشهره مؤمناً كان أو كافراً، والفرقة ضعف تسبّب الهزيمة لمن يعيشها مؤمناً كان أو كافراً وصدق ربّنا سبحانه حيث يقول: ﴿وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾(٢).

١- الصف (٦١): ٤.

٢- الأنفال (٨): ٤٦.

٦٨
وفي الآية إشارة مهمّة إلى أنّ الوحدة وعدم النّزاع يحتاج إلى صبر وتحمّل نفسي وتجمّل.

وإذا ما كان الأعداء متوحّدين أمامنا وكنّا عاجزين عن تجاوز وتجميد خلافاتنا في مقابلهم فإنّ الهزيمة الشنعاء هي المستقبل الذي ينتظرنا لا سمح الله.

وقديماً وقف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أمام أصحابه المتفرّقين لينذرهم بتغلّب جيش معاوية المتّحد عليهم، يقول: والله لأظُنُّ أنّ هؤلاء القوم سيُدالون منكم باجتماعهم على باطلهم وتفرّقكم عن حقكم (١).

إنّ الخلافات والصّراعات في أوساط المؤمنين العاملين تسبّب انخفاضاً وتراجعاً كبيراً في نشاطهم وفعاليتهم في السّاحة وذلك للأسباب التالية:

أوّلاً: حينما تتآلف القلوب وتتراصّ الصفوف فإنّ الله تعالى ينزل بركاته وتوفيقه، أمّا حينما تدبّ الفرقة والنزاع وتسود الخلافات فإنّ الله ينزع بركته ويسلب تأييده وتوفيقه.

ولعلّ ذلك ما يشير إليه الحديث الشريف المروي عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : يد الله مع الجماعة (٢).

ثانياً: حالات الصّراع والخلاف الداخلي تحدث في نفس الإنسان انفعالات وجراحات ومضاعفات جدّ مقيتة، فيمارس الإنسان العامل دوره في السّاحة ونفسه مثقلة بتلك المضاعفات مما يقلّل من اندفاعه وإنتاجيته وجودة

١- نهج البلاغة ١: ٦٥، خطبة ٢٥.

٢- كنز العمال ٧: ٥٥٨ الحديث ٢٠٢٤١.

٦٩
وإتقان عطائه، وقد تتراكم تلك الانفعالات فتنحرف به عن الطريق ويتراجع عن مواصلة مسيرة الجهاد، وكم رأينا عناصر عاملة مجاهدة في سبيل الله انسحبت من ميدان العمل وتخلّت عن الجهاد بتأثير هذه المضاعفات النّفسية التي تحدثها الخلافات والصراعات، وإن كنّا لا نبرّر انسحاب هؤلاء العاملين ولا نقبل أعذارهم في التهرّب من المسؤولية ولكنّا مطالبون بتنقية الأجواء وتهيئة الظروف المساعدة على الاستقامة والصمود في خطّ الجهاد.

وبمراجعة سريعة للتعاليم الدّينية والنّصوص الإسلامية نكتشف بوضوح مدى حرص الإسلام على طهارة ونقاء نفس الإنسان المؤمن ليتمكّن من النهوض بمسؤولياته العظيمة ودوره الخطير في هذه الحياة.

إنّ الصراع الداخلي يستلزم تلوّث النفس بالكراهية والحقد على الآخرين من أبناء المجتمع، وما أفتك (الحقد) بطهارة القلب، إنّه ورم خبيث وجرثومة مقيتة تجعل النفس مظلمة متآكلة.

لذلك يقول الإمام علي عليه السلام : الحقد ألأم العيوب (١).

وفي حديث آخر: طيّبوا قلوبكم من الحقد فإنّه داء مُؤبّى (٢).

ويبارك الإمام علي لمن عافاه الله من مرض الأحقاد بأنّه يعيش راحة في قلبه وتفكّره، يقول عليه السلام : من أطرح الحقد استراح قلبه ولبّه (٣).

ويقول أيضاً: الحقود معذّب النفس متضاعف الهمّ (٤).

١- غرر الحكم: ٣٣٤٩.

٢- المصدر السابق: ٤٩٢٤.

٣- المصدر السابق: ٨٧٠٨.

٤- المصدر السابق: ٣٣٥٨.

٧٠
ولكن ماذا يكون موقف المؤمن إذا رأى من أخيه المؤمن عملاً مؤذياً؟ ألا يحق له أن يتأثّر ويأخذ في نفسه عليه؟

تجيب الأحاديث الشريفة بأنّ ذلك تأثّراً وانفعالاً طبيعياً لا إشكال في حصوله ولكن لا يصحّ أن يبقى ويستمرّ في نفس الإنسان المؤمن على أخيه المؤمن.

وفي حديث آخر: المؤمن يحقد ما دام في مجلسه فإذا قام ذهب عنه الحقد (١).

وعن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم في صفة المؤمن: قليلاً حقده (٢).

مساكين هم أولئك الذين يثقلون قلوبهم بالأحقاد على الآخرين لا لشيء إلّا لأنّهم يختلفون معهم في رأي أو موقف.

إنّ البعض من هؤلاء يبدو وكأنّهم يتلذّذون بالخصومة والنزاع مع الآخرين ويحملون في نفوسهم قوائم سوداء يصنّفون النّاس من خلالها فيعادون هذا الشّخص ويحاربون تلك الجهة ويستشكلون على هذه الجماعة أو تلك بأسباب ومبرّرات، مهما كانت فإنّها لا تجيز للمسلم أن يوقع نفسه في سلوكية الخصام والعداء لأبناء دينه ومجتمعه.

إنّ المؤمن ليدعو الله من أعماق قلبه أن يطهّر نفسه من مرض الأحقاد والعداء للمؤمنين: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾(٣).

١- تحف العقول: ٣١٠.

٢- كتاب التمحيص: ٧٥.

٣- الحشر (٥٩): ١٠.

٧١
أما كيف يُبتلى الإنسان بمرض الخصومة مع الآخرين؟

يحدّد الإمام الصادق عليه السلام سببين لهذا المرض السيّئ فيقول: لا يخاصم إلّا رجل ليس له ورع أو رجل شاك (١).

فحينما يفقد الإنسان (الورع) ويعيش حالة اللاهتمام اتجّاه المعاصي والذنوب فإنّه يتجّرأ على مخاصمة الآخرين والنزاع معهم.

وحينما يُبتلى بسوء الظّنّ والتشكيك في نوايا الآخرين وأعمالهم ومواقفهم فإنّه يندفع للخصام والعداوة.

إنّ الخصومات تضعف دين الإنسان وتقلّل انتاجيته وفعاليته وتكرّس في نفسه الشّكوك واللاثقة بالآخرين.

يقول الإمام محمّد الباقر عليه السلام : الخصومة تمحق الدين وتحبط العمل وتورث الشّك (٢).

وإذا كانت المصالح الدنيوية الضيّقة توقع الإنسان في الخصومات والأحقاد فإنّ رحابة الدين وسماحته لا تسمح للمتديّنين بأن يخاصموا في دينهم هؤلاء الذين يجعلون اعتقادهم بفكرة دينية أو اقتناعهم بعمل ديني سبباً لمخاصمة الآخرين وعداوتهم بدلاً من السعي للحوار معهم ودعوتهم بالحكمة والموعظة الحسنة، هؤلاء بعيدون عن روح الدين ومخالفون لأخلاقه الكريمة.

ثالثاً: تستهلك الخلافات والصّراعات الداخلية قسطاً لا بأس به من اهتمام وجهود العاملين في الوقت الذي تشتدّ فيه الحاجة إلى كلّ ذرّة من الجهد

١- التوحيد للشيخ الصدوق: ٤٥٨، الحديث٢٣، باب النهي عن الكلام والجدال والمراء في اللهU.

٢- المصدر السابق: الحديث٢١.

٧٢
والاهتمام لمواجهة الأخطار المحدقة بالأُمّة والأعداء الرئيسيين على الإسلام.

إنّ كلّ جهة تضطرّ إلى صرف شيء من الوقت والتفكّر في مواجهة الجهات الأخرى، كما تبذل الكثير من الجهد لتحصين أفرادها وأتباعها من تشكيك الآخرين وإثارتهم، وقد تخصّص نسبة من إعلامها للردّ على الفئات المخالفة لها داخل السّاحة الإسلامية.

ويلعب التخريب من كلّ جهة على أعمال ومشاريع الجهة الأخرى دوراً بشعاً في استنزاف الطّاقات الإسلامية عند الخلافات والصّراعات.

فإذا ما قامت جهة بمشروع اجتماعي فإن الجهات المناوئة لها ستسعى إلى إفشال ذلك المشروع وإضعافه.

وإذا ما أصدرت جهة مطبوعة إعلامية أو ثقافية فإنّ الجهات المعادية ستبثّ الدعايات والإشاعات التي تمنع الناس من التفاعل مع تلك المطبوعة.

وإذا ما عملت جهة على استقطاب أفراد أو جماعة إلى جانبها فإنّ الجهات الأُخرى ستحاول تشكيكهم وإبعادهم عن تلك الجهة.

وحينما نسأل: على من تقع الخسارة في مثل هذه الحالات؟

فإنّ الجواب الذي لا شكّ فيه : أنّها على حساب الإسلام والهدف المقدّس الذي يسعى إليه الجميع، أليس كذلك؟

وتؤثّر تلك الخلافات والصراعات بين العاملين في سبيل الله على مدى تفاعل الناس وتجاوبهم مع خطّ الجهاد والتحرّك، حيث تضعف ثقة الناس بالمتنازعين ويشكّكون في سلامة نواياهم وصحّة مسيراتهم حيث يتوقّع الناس من المتصدّين لقيادة الأُمّة والداعين إلى الإسلام أن يكونوا نموذجاً رفيعاً

٧٣
لأخلاق الإسلام وقيمه وتعاليمه، فإذا ما رأوهم يتنازعون ويتسابقون في إبداء عيوب بعضهم البعض وكشف نقاط ضعفهم فإنّ ذلك سيضعف احترامهم في أعين الناس وتقلّل نسبة التجاوب مع أطروحاتهم ومشاريعهم.

كما سيكون ذلك فرصة مناسبة لدعايات العدو المشترك وإشاعاته ضد الإسلام والعاملين من أجله.

حرّية العقيدة:

إنّ الإسلام هو الدّين الحقّ وهو العقيدة الصّائبة التي ينبغي أن يؤمن بها الإنسان ليرضي خالقه ويسعد حياته في الدّارين، ولكنّ الله تعالى يريد للإنسان أن يعتنق الحقّ ويلتزم الصّواب بمليء حرّيته واختياره، عن طريق استخدام عقله، والتأمّل فيما حوله، لا أن يُجبر على الإيمان، أو يُفرض عليه الدّين قهراً، فذلك يتنافى مع إنسانية الإنسان، وصفاته التي ميّزه الله بها.

ولو أراد الله تعالى قسر الإنسان على الإيمان في هذه الحياة الخلقه على هيئة الملائكة ولسلب منه حرّيّة الإرادة والاختيار، ولكنّه شاءت حكمته أن يكون الإنسان حرّاً مختاراً، يستخدم عقله، ويمارس إرادته، وينتخب طريقه. أمّا الأنبياء فيقتصر دورهم على التذكير والتوجيه، وليست لهم صلاحية الإكراه والجبر وهذا ما تؤكّد عليه آيات عديدة في القرآن الحكيم يقول تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾(١).

﴿وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾(٢).

١- الغاشية (٨٨): ٢١ - ٢٢.

٢- ق (٥٠): ٤٥.

٧٤

﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾(١).

﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾(٢).

وقد روي أنّ سبب نزول هذه الآية ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ هو النهي والتحذير لأحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم وهو رجل من الأنصار من بني سالم ابن عوف يقال له الحصين وكان له ابنان نصرانيان فأراد ان يجبرهما على اعتناق الإسلام، فانزل الله تعالى هذه الآية(٣)، دفاعاً عن حرّية العقيدة، ومنعاً للإرهاب والقمع الفكري.

حرّية الفكر:

والعقيدة الإسلامية إطار واسع يمنح الإنسان حرّية الفكر والتأمّل والاستنباط، فإذا آمن الإنسان بأصول العقيدة فهو مسلم، له ما للمسلمين، وعليه ما عليهم، أمّا التفاصيل وقضايا العلم وشؤون الحياة، فللإنسان أن يعتمد على فكره وعقله على هدى تلك الأصول العقيدية وبشكل لا يتناقض معها.

فالقرآن الحكيم لا يفرض على الإنسان حتميّات ومسلّمات علميّة في شؤون الحياة بل يوجّه الإنسان للتأمّل والتفكير والنظر راسماً له منهجيّة التفكير السليم، والنّظرة العلمية الموضوعية حتّى لا يقع فكر الإنسان تحت تأثير

١- يونس (١٠): ٩٩.

٢- البقرة (٢): ٢٥٦.

٣- جامع البيان عن تأويل آي القرآن ٣: ٢٢.

٧٥
الضّغوط والشّهوات، وقد كان بعض المعاصرين لنزول القرآن الحكيم يتوقّعون منه الإجابة على تساؤلاتهم العلمية والحياتية لكن الخالق سبحانه كان يريد منهم إعمال عقولهم واستخدام أفكارهم دون الاعتماد على إجابات جاهزة تأتيهم من السّماء لذلك نلاحظ إعراض الوحي عن الإجابة على العديد من التساؤلات، كسؤالهم عن الرّوح يقول تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾(١)، وكامتناع الوحي عن البت في مسألة عدد أهل الكهف وهي مسألة ترتبط بالتاريخ وعلم الآثار يقول تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاء ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا﴾(٢).

والملفت للنظر أنّ فهم آيات القرآن وتفسيرها هي وظيفة عقل الإنسان وفكره، حيث لم يفرض الإسلام إلى جانب القرآن تفسيراً منصوصاً محدّدا يلزم به كلّ مسلم، بل دعا الناس إلى إعمال عقولهم في تفهّم القرآن وتدبّر آياته: يقول تعالى:

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾(٣).

﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾(٤).

﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾(٥).

١- الإسراء (١٧): ٨٥.

٢- الكهف (١٨): ٢٢.

٣- محمّد (٤٧): ٢٤.

٤- ص (٣٨): ٢٩.

٥- النساء (٤): ٨٢.

٧٦
ويشير الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام إلى أنّ كلّ جيل ومجتمع يمكنه أن يستفيد فهماً جديداً من القرآن الكريم فيقول حينما سأله رجل: ما بال القرآن لا يزداد على النشر والدرس إلّا غضاضة؟

أجاب عليه السلام : لأنّ الله تعالى لم ينزله لزمان دون زمان، ولا لناس دون ناس فهو في كلّ زمان جديد، وعند كلّ قوم غضّ إلى يوم القيامة (١).

أمّا إذا أشكل على الإنسان شيء في فهمه لآية من القرآن الحكيم أو تشابهت عليه معاني الآيات، فعليه أن يرجع إلى الراسخين في العلم ويسأل أهل الذّكر: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾(٢).

ونتيجة لهذه الحريّة الفكرية التي أرساها الإسلام في مجتمعه تعدّدت المدارس العقيدية والمذاهب الفقهية ونبغ علماء الطبيعة والمخترعون والمكتشفون فإعمال الفكر مطلوب في الإسلام ينال صاحبه عليه الثواب حتّى وإن لم يوفّق للصواب شرط صحّة المنهج المتبّع.

التسامح واحترام الرأي:

لكي تعطي حرّيّة الفكر نتائجها الإيجابية في تقدّم مسيرة المجتمع لابدّ من معالجة بعض السّلبيّات والأمراض التي قد ترافقها، وما قد تجرّ إليه هذه السّلبيّات من تفرّق وصراع.

وهنا لابدّ من مبادئ أخلاقية وتعاليم تربويّة تجعل العقول منفتحة والصّدور متّسعة لاختلاف الرّأي وتعدّد وجهات النّظر، وهذا ما صنعه الإسلام

١- عيون أخبار الرضاB ١: ٩٣.

٢- النحل (١٦): ٤٣ والأنبياء (٢١): ٧.

٧٧
بالتأكيد على مبدأ التسامح واحترام الرّأي فليس في الإسلام محاكم للتفتيش، ولا يحقّ لأحد أن يمارس دور الوصاية والرقابة على أفكار الناس ونواياهم ومشاعرهم، والانتماء إلى الإسلام والعضويّة في مجتمعه لا تحتاج إلى شهادة أو قبول من أحد، وبذلك لا يمتلك أحد حقّ الحكم بطرد أحد من إطار الإسلام ما دام يعلن قبوله بالإسلام حتّى لا تتكرّر مآسي التكفير والاتّهام بالزندقة والمروق عن الدين كما يفعله البعض.

إنّ التكفير والاتهام بالزّندقة والمروق هو مظهر للإرهاب الفكري حيث يدعي البعض لنفسه أنّ الإسلام ينحصر فيما يراه ويفهمه هو: وأنّ من تخالفه في ذلك الفهم أو الرّأي والمذهب فهو كافر لا مكان له في أجواء الإسلام ومجتمعه! ولقد حذّر رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم من أن يشهر مسلم على أخيه المسلم سلاح التكفير ففي الحديث الصحيح : من قال لأخيه : يا كافر فقد باء بها أحدهما (١).

وعن الإمام علي عليه السلام : من قال المؤمن لأخيه: أُفّ انقطع ما بينهما فإذا قال له: أنت كافر كفر أحدهما، وإذا اتّهمه انماث الإسلام في قلبه كما ينماث الملح في الماء (٢).

وعن أبي جعفر الإمام الباقر عليه السلام : ما شهد رجل على رجل بكفر قط إلّا باء به أحدهما، إن كان شهد على كافر صدق، وإن كان مؤمناً رجع الكفر عليه فإيّاكم والطعن على المؤمنين (٣).

وعن الإمام الصادق عليه السلام ملعون معلون من رمى مؤمناً بكفرٍ ومن رمر

١- مسند أحمد ٢: ١١٢.

٢- الخصال ٢: ٦٢٢، حديث أربعمائة.

٣- الكافي ٢: ٣٦٠، الحديث ٥ باب السباب.

٧٨
مؤمناً بكفر فهو كقتله (١).

وعنه أيضاً عليه السلام : من اتهم أخاه في دينه فلا حرمة بينهما (٢).

ولم يكن مبدأ التسامح مجرّد فكرة نظريّة أو خلق مثالي بل كان سياسة ونظاماً اجتماعياً طبّقه رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم في حياته، وذلك ملحوظ في تعامله مع المنافقين حيث لم يكفّرهم ولم يطردهم من مجتمع المسلمين ولم يقاتلهم، وبعد رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ينقل لنا التاريخ صفحات رائعة من حالة التسامح التي كانت سائدة في حياة المسلمين، ومن أروع الصفحات موقف الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام من مخالفيه ومناوئيه فعلي عليه السلام لا يُنكر علمه وفضله، وإذا كان هناك من يتّهم فهم علي للإسلام فهو - الإمام علي - بلا شكّ واثق من نفسه متأكّد من فهمه، وهو أقرب الناس لرسول الله صلى الله عليه و آله و سلم وألصقهم به ومع ذلك فإنّه لم يحكم على من اختلف معه في الفهم أو الموقف بالخروج عن حضرة الإسلام، ولم يحرمهم من حقوقهم كأعضاء في المجتمع الإسلامي.

ورغم أنّ المتمرّدين على الإمام علي عليه السلام من الخوارج تجرئوا حتّى على تكفيره واتّهموه بالشّرك، ولكنّه عليه السلام رفض أن يبادلهم التهمة بل اعترف لهم بالإسلام وعاملهم معاملة سائر المسلمين.

ففي مصنّف ابن أبي شيبة بسنده عن كثير بن نمر قال: بينا أنا في الجمعة وعلي بن أبي طالب على ا لمنبر إذ جاء رجل فقال : لا حكم إلّا لله، ثم قام

١- كنز الفوائد لأبي الفتح الكراجكي: ٦٣.

٢- الكافي ٢: ٣٦١، الحديث٢، باب التهمة وسوء الظن.

٧٩
آخر فقال: لا حكم إلّا لله، ثم قاموا من نواحي المسجد يحكّمون الله، فأشار عليهم بيده: أجلسوا: نعم، لا حكم إلّا لله: كلمة حقّ يبتغى بها باطل، حكم الله ينتظر فيكم، الآن لكم عندي ثلاث خلال ما كنتم معنا: لن نمنعكم مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، ولا نمنعكم فيئاً ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتّى تقاتلوا، ثمّ أخذ في خطبته (١).

وينقل عن إمام المذهب الحنفي أبو حنيفة أنّه قد جلس بالمسجد يوماً فدخل عليه بعض الخوارج شاهري سيوفهم، فقالوا: يا أبا حنيفة، نسألك عن مسألتين، فإن أجبت نجوت وإلّا قتلناك، قال: اغمدوا سيوفكم فإنّ برؤيتها ينشغل قلبي. قالوا: وكيف نغمدها ونحن نحتسب الأجر الجزيل بإغمادها في رقبتك؟

قال: سلوا إذن. قالوا: جنازتان بالباب، إحداهما رجل شرب الخمر فمات سكران، والأخرى امرأة حملت من الزنا فماتت في ولادتها قبل التوبة، أهما مؤمنان أم كافران؟

فسألهم : من أيّ فرقة كانا؟ من اليهود؟ قالوا: لا، قال : من النصارى؟ قالوا: لا، قال : ممن كانا؟ قالوا: من المسلمين. قال : قد أجبتم!

قالوا : هما في الجنّة أم في النار؟

قال: أقول فيهما ما قال الخليل عليه السلام فيمن هو شر منهما ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(٢)، وأقول كما قال عيسى عليه السلام : ﴿إِن

١- المصنف لابن أبي شيبة الكوفي ٨: ٧٤٦.

٢- إبراهيم (١٤): ٣٦.

٨٠