×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة من حياة المستبصرين (ج 08) / الصفحات: ٤١ - ٦٠

ثُمّ قال: إنّ اللّه‏ تعالى أنزل إليّ . . . ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾، وقد أمرني جبرئيل عن ربّي أن اقوم في هذا المشهد، وأعلم كلّ أبيض وأسود أنّ عليّ بن أبي طالب أخي ووصيي وخليفتي والإمام من بعدي، فاعلموا معاشر الناس إنّ اللّه‏ قد نصّبه لكم وليّاً، وفرض طاعته على كلّ أحد، ماضٍ حكمه، جائز قوله، ملعون من خالفه، مرحوم من صدّقه، اسمعوا وأطيعوا فإنّ اللّه‏ مولاكم وعليّ إمامكم، ثُمّ الإمامة في ولده من صلبه إلى يوم القيامة . . . لا تحلّ إمرة المؤمنين بعدي لأحد غيره﴾. ثُمّ رفعه صلى الله عليه و آله و سلم حتّى صارت رجله مع ركبة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وقال: ﴿معاشر الناس هذا (عليّ) أخي ووصيي وواعي علمي وخليفتي على من آمن بي وعلى تفسير كتاب ربّي﴾(١). وفي رواية ﴿من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، اللّهم وال من والاه وعاد من عاده والعن من أنكره واغضب على من جحد حقه . . . ﴾. وعرفت هذه الحادثة عند المحدّثين بحادثة الغدير. أورث اللّه‏ عزّ وجلّ من عباده في هذه الأمّة بعض المصطفين الكتاب ثُمّ أمر بطاعتهم، وحدّد ذلك بالولاية التي أعطاها للرسول ثُمّ للذين آمنوا ﴿الآية التي قال المحدثون أنّها نزلت في عليّ﴾ ثُمّ كان الإعلان العام والبيان الختامي للنبي صلى الله عليه و آله و سلم حين قربت لحظة الوداع في أعظم موقف ﴿حجّة الوداع﴾ ليسطر الوحي أهمية الأمر ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾. ويعلن النبيّ في خطبة مفصلة ﴿.. فإنّ اللّه‏ مولاكم وعلي إمامكم..﴾. ولولا ورود حديث الغدير وتواتره لظللنا في حيرة من أمر هذه الآية الكريمة، الشديدة في لهجتها، التي تجعل أمر الولاية يعادل أمر الرسالة،

١- ولحديث للغدير أسانيد معتبرة واتّفق عليه الفريقان.

٤١
وبالإضافة إلى حديث الغدير هناك كثير من الروايات التي تحدد الخليفة والولي والإمام بعد النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم في شخص عليّ بن أبي طالب، لكن دعني قبل ذلك أذكّر ببعض الحقائق. لقد سألني الكثير في حواراتي، وأعلم أنّ هذا السؤال يدور في خلد الكثيرين غيرهم، وهو لماذا لم تحدّد مفصّلاً مسألة الخلافة والإمامة في القرآن؟! أقول: أولاً: هذا السؤال غير واقعي، بمعنى أنّ البعض عندما تحيط به الأدلّة والبينات والحجج أيّاً كان مصدرها، يبحث عن مهرب ومتكأ ليبرر لنفسه عدم التسليم لنتائج هذه الأدلّة والبراهين، وهذه المشكلة نفسيّة ولا تجدي نفعاً، إنّ المطلوب من الإنسان اتّباع العلم والحجّة والبرهان، وفي المقام يكفي حديث واحد فقط من النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم . ثانياً: إنّ الأمر في القرآن الكريم واضح جداً وكلّ حديثنا في تثبيت الحقائق التي بدأنا بها البحث من القرآن، ومع ذلك فإن تفسير النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم للقرآن يرتفع لمقام حجّية القرآن ؛ لأنّه هو المخاطب الأوّل بالقرآن، بل إن بيانه وتفسيره من مختصّاته صلى الله عليه و آله و سلم يقول تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾(١). ثالثاً: إنّنا نجد في القرآن أنّ موسى عندما نصب هارون خليفة له على بني إسرائيل لم يطالبوه بأن يكون ذلك في الألواح، فهو نبي إذا أمرهم بأمر فعليهم التسليم. وكذلك قصة الملك طالوت، لقد اصطفاه اللّه‏ وأخبر نبيّه بأن يؤتيه الملك، فكان البلاغ عن طريق بنيهم فالنبي هو الذي أخبرهم باصطفاء اللّه‏ تعالى لطالوت وجعله حاكماً.

١- النحل ١٦ : ٤٤.

٤٢
هذه هي قصص القرآن، فلماذا نحن نصرّ على أنّ اسم الخليفة والإمام لابدّ من ذكره في القرآن؟ ألا يكفينا قول النبيّ وتحديده . . . ؟ ألا تكفينا محكمات القرآن التي تحدثت عن ضرورة خلافة اللّه‏ في الأرض وسنّة الاصطفاء والأمر بطاعة أولياء اللّه‏ المنتجبين الذين آتاهم العلم والحكمة والملك. رابعاً: ومع كلّ ذلك فقد جلجل بها الوحي واضحة جليّة: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾(١). إنّهم يقولون: إنّ اللّه‏ لم يذكرهم صراحة، وعندما يجدون أن الآيات لا يمكن أن تكون أكثر صراحة من مثل هذه الآية يحرّفون المعنى ويحاولون إبعادها عن ظاهرها، فالقضية ليست قضية عدم وضوح، بل هي مصداق لقوله تعالى:

﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ﴾(٢).

إمامة أهل البيت عليهم‏السلام مشكاة النور:

قريب صديقي الذي كنت أحاوره عندما تعرّضنا أثناء حوارنا لموضوع الإمامة قال لي: أنتم يا شيعة جعلتم المسألة أقرب إلى الملوكية يرثها أحفاد النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ، وكأنّ الرسالة ملك خاص، ثُمّ رفعتم هؤلاء الأئمّة فوق البشر وجعلتموهم معصومين، وزدّتم غلوّاً فيهم فأضحوا يعلمون الغيب الذي لا يعلمه إلا اللّه‏. قلت له: إنّ القرآن نفسه الذي هو كلام اللّه‏ يذكر أنّ الغيب يعلمه البعض ويطلع عليه بإذن اللّه‏: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن

١- صحيح مسلم ٧: ١٣٠، الأحزاب ٣٣ : ٣٣.

٢- النمل ٢٧ : ١٤.

٤٣
رَّسُولٍ﴾(١). لكن دعني أسألك كمقدمة لموضوع العصمة، هل تعتقد بعصمة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم ؟ سكت قليلاً ثُمّ قال: النبيّ معصوم من ما يخصّ الدين. قلت: وما المقصود بالدين؟ دعني أسألك سؤالاً آخر، هل تعتقد بأنّ سورة عبس نزلت في النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ؟ قال: نعم. قلت: يعني تعتقد بأنّ الرسول ـ حاشاه ـ عبس وتولّى من الأعمى حتّى نزلت فيه آيات نتلوها ليل نهار تُقرّع الرسول، إذاً عن أيّ عصمة تتحدث؟! نحن الشيعة ننزّه النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم الذي قال عنه المولى عزّ وجلّ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾(٢) ننزّهه من كلّ خطأ بل ومن السهو والغفلة، فهو معصوم عصمة كاملة، أمّا أنتم فترونه صلى الله عليه و آله و سلم ذلك الذي عبس في وجه شخص جاء يتزكّى، وترونه ذلك الشخص الذي سُحر لمدة ستة أشهر حتّى أصبح لا يعلم ما يقوله، بل حكم في الأسرى خطأ فصححه عمر بن الخطّاب حتّى نزل وحي يؤيّد عمر ويغلّط النبيّ، وتروون في صحاحكم أنّ كلّ البشر عندما يولدون ـ بما فيهم نبيّنا محمّد صلى الله عليه و آله و سلم وكلّ الأنبياء ـ ينخسهم الشيطان نخسة ما عدا عيسى بن مريم والذي يفترض أنّ نبينا صلى الله عليه و آله و سلم أفضل وأكمل منه. قاطعني قائلاً: كلّ ذلك ورد فيه أحاديث صحيحة، وتجادلنا ساعة وهو يحاول جاهداً إثبات صحّة الأحاديث وتأكيد أنّ للنبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم أخطاء في حياته.

١- الجن ٧١ : ٢٦ ـ ٢٧.

٢- القلم ٦٨ : ٤.

٤٤
وعندما لم يقنع بكلامي حول هذه الروايات التي نعتبرها إسرائيليات تحاول النيل من مقام النبوّة في شخص النبيّ محمّد صلى الله عليه و آله و سلم حينها أشهدت الحضور بخلاصة الحديث ـ وكانوا من أقربائه وأصدقائه ـ وقلت: اشهدوا، أنا أحاول جاهداً تنزيه النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم والأخ مصر على خلاف ذلك، صحيح يا جماعة؟! سكتوا موافقين ولم ينبس أحدهم ببنت شفة. ثُمّ قلت: فلننتقل إلى محور آخر. قال: إنكم تسيئون للصحابة، وبدأ بعزف النغمة المعهودة. قلت له: لماذا تصرّون على وضع الصحابة في قبال أهل البيت عليهم‏السلام؟! إنّ الموضوعين مختلفان، فنحن نقول بأنّ أهل البيت عليهم‏السلام مختارون ومعيّنون من قبل اللّه‏ تعالى كأئمّة لهذه الأمّة، والمقصود فئة محددة منهم وليس كلّهم أجمعين، وهؤلاء معصومون عصمة يصح معها ائتمانهم على وحي اللّه‏ وعزائم أمره، أمّا الصحابة كمفهوم فقد ابتدع كحاجز لمنع انتقاد تصرّفات بعض الصحابة والتي تخالف ما جاء به النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم بل إنّ بعضهم بمنطوق حديث الحوض

المعروف ﴿بينما أنا فرطكم في الحوض . . . ﴾(١)، سيرد بعضهم النار. هنا ثارت ثائرة الأخ وبدأ بالدفاع المستميت عن كلّ الصحابة وكلّ أفعالهم، فما أتيت له بحادثة خالف فيها بعض الصحابة صاحب الرسالة إلاّ ونفاها وأصرّ على أنّ الصحابي المعني أكبر من المستحيل أن يقوم بذلك. قلت له: عجيب أمرك، منذ قليل كنت تصرّ على عدم عصمة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وتدّعي صحة كلّ ما ورد من أحاديث تنسب الخطأ للرسول صلى الله عليه و آله و سلم ﴿بصورة أو بأخرى﴾، وتدافع عن صحة معتقدك في هذا الأمر، وتأتي بما تحسبه أدلّة وشواهد الواحد تلو الآخر ولا يرمش لك جفن، وعندما آتي لك بالأدلّة التي تؤكّد بأنّه ليس كلّ الصحابة عدولاً تصرّ على عكس ذلك، ممّا يدلّ على أنّ العقيدة عندك

١- صحيح البخاري ٧: ٢٠٨.

٤٥
مقلوبة، فالنبيّ صلى الله عليه و آله و سلم غير معصوم ويخطيء، والصحابة كلّهم عدول، والمقصود عندكم من كلمة عدول يضاهي مفهوم العصمة، ألا ترى معي ذلك؟! سكت الأخ وكأنّما أُلقم حجراً، ثُمّ استدرك. أنا لا أقول: إنّ الصحابة معصومون. قلت له: إذاً يحق لي التعرّض لسيرتهم ونقد بعض التصرفات. فسكت، فلم أشأ إحراجه أكثر من ذلك وقلت له: أرجو أن ترجع إلى نور عقلك ووجدانك، وابدأ في تقييم معتقداتك بعيداً عن قوى الضغط حينها سترى الحقّ حقّاً. نعم عزيزي القارئ، هكذا هي العقيدة المقلوبة، يلوموننا عندما نطهّر أناساً طهّرهم اللّه‏ تعالى من الذنب، ويعيبون علينا النقد وإعمال علم الجرح والتعديل في كلّ الطبقات ابتداءً فيمن كان حول الرسول صلى الله عليه و آله و سلم لنعلم من اتّبع النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ومن خالفه، وهذا هو منهج القرآن الكريم. إنّ في جعبتنا الكثير الذي يدلّ على ولاية أهل البيت عليهم‏السلام وإمامتهم وعصمتهم وميراثهم العلم والكتاب من رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم . أمّا التعيين للإمامة، والوصاية للخلافة، فقد بيّنا ذلك فيما سبق، ويدعم مدّعانا معطيات العقل وسيرة العقلاء كما ذكرنا، وما قرأناه من سيرة النبيّ الأعظم صلى الله عليه و آله و سلم ما ذهب لغزوة إلاّ وجعل على المدينة خليفة، فكيف به إذا فارق الدنيا وهو يخلف أعظم رسالة للبشر لا تعقبها رسالة؟!

أمّا ما ذكروه من شورى لتعيين الإمامة فلا دليل عليه. أيّ شورى تلك التي يتحدّثون عنها ولم نجد لها أيّ تفصيل من رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم حتّى تخبط الناس في مفهومها، صحيح أنّ كلمة شورى وردت في القرآن، ولكن لم تكن أبداً لتعيين الخليفة.

٤٦

(٦) مجاهد أحمد النور الزاكي (سنّي / السودان)

[image] - مركز الأبحاث العقائدية
ولد سنة ١٣٨٥ه ، (١٩٦٦م)، في مدينة كردفان بدولة السودان، وأكمل الدراسة الثانوية فيها، له نشاطات تبليغية واسعة وخاصّة بعد استبصاره. راسل مركز الأبحاث العقائدية عن طريق الإنترنيت، وكان من ضمن مراسلاته طلب الردّ على الشبهات الواردة على الحديث النبويّ الشريف: ﴿أنا مدينة العلم وعليّ بابها﴾، وقد أجابه المركز على هذا السؤال على موقعه على الإنترنيت نورد السؤال والجواب هنا لتعميم الفائدة:

السؤال:

بسم اللّه‏ الرحمن الرحيم

الحمد للّه‏ ربّ العالمين والصلاة على محمّد وآله الطاهرين

السلام عليكم ورحمة اللّه‏ وبركاته، نرجو أن تكونوا جميعاً بخير وصحة. نرجو أنْ تمدوننا ببحث حديثيّ على ما أورده الشيخ الدهلوي (١١٥٩ ـ ١٢٣٩ه) في التحفة الاثني عشرية واختصره السيّد الآلوسي (١٢٧٣ ـ ١٣٤٢ه) من تعريب الشيخ الأسلمي، الذي أنجزه ١٢٢٧ه . إذ جاء في المختصر المعرب في الباب الخامس ص١٦٥: الحديث

٤٧
الخامس: رواية جابر عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم أنّه قال: ﴿أنا مدينة العلم وعليّ بابها﴾. يقول الدهلوي: وهذا الخبر مطعون فيه.

قال يحيى بن معين: لا أصل له.

وقال البخاري: أنّه منكر وليس له وجه صحيح.

وقال الترمذي: أنّه منكر غريب.

وذكره ابن الجوزي في الموضوعات.

وقال ابن دقيق العبد: لم يثبتوه.

وقال النووي والذهبي والجوزي: إنّه موضوع. ويعود الدهلوي فيقول: فالتمسّك بالأحاديث الموضوعة ممّا لا وجه له. إذ شرط الدليل اتّفاق الخصمين عليه..الخ ص١٦٥ مختصر التحفة الاثني عشرية تأليف شاه عبد العزيز الإمام ولي اللّه‏ أحمد عبد الحليم الدهلوي ـ تعريب الشيخ غلام محمّد بن محيي الدين عمر الأسلمي ـ اختصره وهذّبه السيّد محمود شكري الآلوسي (١٢٧٣ ـ ١٣٤٢ه) ـ تحقيق وتعليق محبّ الدين الخطيب ـ طبع ونشر الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ـ الرياض ـ المملكة العربية السعوديّة ـ وقف سنة ١٤٠٤ه . ونرجو الآتي:

١ - أن يكون البحث حديثياً بحتاً لا كلاميّا إلا ما يقتضيه إيراد بحث كلامي متعلّق بعلم الحديث.

٢ - اطلعنا على تعريب عبقات الأنوار للسيّد حامد حسين اللكهنوي للسيّد الميلاني ثُمّ على الطبعة الجديدة منه بعنوان نفحات الأزهار في تعريب عبقات الأنوار في إثبات إمامة الأئمّة الأطهار للسيّد الميلاني واستوفينا الاطلاع على المجلّدات الخاصّة في الردّ على هذه الفقرة، وكذلك إفاضة الشيخ الأميني في

٤٨
الغدير وإشارة السيّد شرف الدين في المراجعات وغيرها ولكن كان ما ورد في العبقات هو الأوفى ولكنّه أطنب كثيرا جدّاً بحيث يصعب علينا أن نفيد منه.

٣ - وعليه نريد منكم بحثا متخصّصا مركّزاً على ما أورده الدهلوي ويمكن أن يكون منجزاً شافيا.

٤ - الطعن في حديث مدينة العلم لم يكن في السودان قبل ظهور الوهابيّة، وأصبح ولا زال موضوعاً مهمّا عندهم لا تمرّ مدّة إلا ويتطرقون إليه في خطبهم ودروسهم مثلا: الشيخ محمّد هاشم الهدية رأس الوهابية هنا وفي ندوة في

التلفزيون في موضوع عام بدأ كلامه مذكّراً المؤمنين ببطلان حديث ﴿أنا مدينة

العلم﴾ ثُمّ رجع لكلامه في الموضوع؟؟

وفقكم اللّه‏ مع شكري وتقديري.

مجاهد الزاكي

كردفان ـ السودان

الجواب:

بسم اللّه‏ الرحمن الرحيم

اللّهم صلّ على محمّد وآل محمّد

الأخ مجاهد الزاكي المحترم

السلام عليكم ورحمة اللّه‏ وبركاته: بخصوص ما أوردته من إشكالات الدهلويّ حول حديث باب مدينة العلم نودّ أنْ نبيّن المسألة بشيء من التفصيل وفق قواعد الحديث والرجال:

فنقول مستعينين باللّه‏ سبحانه وتعالى:

٤٩
إنّ طرق هذا الحديث كثيرة وقد وردت عن الإمام عليّ عليه‏السلام وجابر بن عبد اللّه‏ الانصاري، وابن عبد اللّه‏، وغيرهم وعلى النحو الآتي: أمّا حديث الإمام عليّ عليه‏السلام فله أكثر من طريق:

١ - فقد رواه ابن المغازلي في المناقب ص١١٨، ح١٢٦، من طريق محمّد ابن المطّلب، نا أحمد بن محمّد بن عيسى، نا محمّد بن عبد اللّه‏ بن عمر بن مسلم اللاحقي، نا أبو الحسن عليّ بن موسى الرضا، حدّثني أبي، عن أبيه جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه عليّ بن الحسين، عن أبيه عليّ بن أبي طالب قال: قال رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم : ﴿يا عليّ، أنا مدينة العلم وأنت الباب، كذب من زعم أنّه يصل إلى المدينة إلاّ من قبل الباب﴾، وهذا السند ضعفوه من أجل (محمّد بن المطّلب) واسمه محمّد بن عبد اللّه‏ بن المطّلب، وقد ضعّفوه لا ختلاطه.

٢ - رواه ابن المغازلي أيضاً في المناقب ص١١٦، ح١٢٢، من طريق محمّد بن مصفّى، نا حفص بن عمر العدني، نا عليّ بن عمر، عن أبيه، عن جرير، عن عليّ قال: قال رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم : ﴿أنا مدينة العلم وعليّ بابها﴾. وهذا السند ضعّفوه من أجل (حفص بن عمر العدني) أيضاً.

٣ - رواه العاصمي في كتابه (زين الفتى في تفسير سورة هل أتى) بسنده عن أبي أحمد داود بن سليمان الفرّاء قال: حدّثني عليّ بن موسى الرضا، عن آبائه عليهم‏السلام عن عليّ عليه‏السلام وقال: قال رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم : ﴿أنا مدينة العلم وعليّ بابها﴾.

٤ - رواه الكنجي وهذا الحديث ضعّفوه من قبل (داود بن سليمان الفرّاء) أيضاً الشافعي في كتابه (كفاية الطالب) بسنده عن يحيى بن بشر (بشار) الكندي، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن أبي إسحاق الهمداني ،عن الحرث، عن عليّ عليه‏السلام، وعن عاصم بن ضمرة عن عليّ عليه‏السلام قال: قال رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم : ﴿أنا مدينة العلم وعليّ بابها﴾.

٥٠
قال الذهبي في الميزان: (يحيى بن بشار) لا يعرف. أي (مجهول). أمّا حديث جابر بن عبد اللّه‏ الأنصاري فله عنه ثلاث طرق: الطريق الأوّل: رواها الحاكم في المستدرك٣: ١٢٧، بسنده عن أحمد بن عبد اللّه‏ بن يزيد الحرّاني، عن عبد الرزاق، عن الثوري، عن عبد اللّه‏ بن عثمان بن خيثم، عن عبد الرحمن بن عثمان التميمي، عن جابر قال: قال رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم :

﴿أنا مدينة العلم وعليّ بابها﴾. وهذا السند ضعّفوه من أجل أحمد بن عبد اللّه‏ الحرّاني، فقد ضعّفوه واتّهموه. الطريق الثاني: ذكرها السيوطي في اللاليء المصنوعة١: ٣٠٧، عن كتاب خصائص عليّ عليه‏السلام للمؤلّف أبي الحسن شاذان الفضلي قال: ثنا محمّد بن إبراهيم ابن فيروز الأنماطي، ثنا الحسين بن عبد اللّه‏ التميمي، ثنا حبيب بن النعمان، حدّثني جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جابر به وهذه الرواية ضعّفوها لأجل حبيب فقد قالوا له مناكير. الطريق الثالث: ذكرها العاصمي في كتابه (زين الفتى) بسنده عن أحمد بن محمّد بن فضيل، عن زياد بن زياد، عن عبيد بن أبي الجعد، عن جابر الأنصاري به، وفي سنده مَنْ لم نهتد إليه. أمّا طريق ابن عبّاس فله عنه ثلاث طرق أيضاً: الطريق الأوّل: وهو أشهرها طريق أبي الصلت الهروي، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عبّاس: قال رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم : ﴿أنا مدينة العلم وعليّ بابها﴾. رواه الحاكم في المستدرك٣: ١٢٧، والخطيب البغدادي وغيرها. وقد تكلّم جمع من المحدثين في أبي الصلت الهروي لروايته هذا الحديث واتّهموه به بلا دليل حتّى بيّن أمام الجرح والتعديل (يحيى بن معين) أنّ أبا الصلت

٥١
الهروي ثقة لا يكذب وقال: إنّ حديث ﴿أنا مدينة العلم وعليّ بابها﴾، صحيح وقدرواه محمّد بن جعفر الفيدي عن أبي معاوية به. فهذه متابعة تامّة لأبي الصلت الهروي تبريء ساحته من الكذب لو أنصف المحقّقون من أهل السنّة. ثُمّ تبيّن فعلاً أنّ الحديث معروف عن أبي معاوية عندما ذكر (ابن نمير) أنّ أبا معاوية قد حدّث بهذا الحديث قديماً ثُمّ كفّ عنه. (انظر كتاب تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني) ترجمة (عبد السلام بن صالح الهروي)، أبو الصلت. إذا عرفت ما تقدّم تعرف أنّ ابن عدي صاحب (الكامل في الضعفاء) قد تحامل كثيراً على هذا الحديث وأنّهم كلّ راو رواه عن أبي معاوية بأنّه سرقه من أبي الصلت الهروي. وانّ الحديث حديثه، علماً أنّ للحديث طريقين آخرين من غير طريق أبي معاوية وهما: الطريق الأوّل: رواه ابن عدي في الكامل في الضعفاء، من طريق أحمد بن حفص السعدي الجرجاني قال: حدّثنا أبو الفتح، عن الأعمش، عن مجاهد عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم : ﴿أنا مدينة العلم وعليّ بابها﴾، قال ابن عديّ: قال ابن عقدة: لا أعرف هذا، فقال ابن عديّ: لعلّ هذا من اختلاق السعدي. مع أنّ السعدي ترجمه السهمي في تاريخ جرجان وذكر أنّه صدوق فتأمّل أخي المسلم ماذا يفعل التعصّب بصاحبه. الطريق الثاني: رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق بسنده عن عليّ بن إسحاق بن زاطيا، حدّثنا عثمان بن عبد اللّه‏، حدّثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن مجاهد عن ابن عبّاس به. وقد اتّهم ابن عدي ابن زاطيا بوضع هذا الحديث وغيره. ولو تابع الباحث الموضوعي التحقيقات في هذا الموضوع بالذات سيصل إلى نتيجة مفادها أنّ (ابن

٥٢
عدي) لو رأى البخاري ومسلماً قد رويا هذا الحديث لردّه أيضاً دفعاً لصدر الحديث ليس إلاّ. على أنّ بعض المتأخرين في القرن العشرين كالمعلمي والألباني قد شككّا في الحديث من جهة أخرى فقالا: حتّى لو كان الحديث صحيحاً عن أبي الصلت عن أبي معاوية! إلا أنّه ضعيف عن الأعمش عن مجاهد! بحجّة أنّ الأعمش وان كان ثقة إلا أنّه مدلّس وقد عنعن حديثه، فتكون الرواية ضعيفة، قلنا: فعلى هذا، لو سلّمنا بمثل هذا التشكيك، ستكون طرق هذا الحديث ضعيفة ولكن بمجموعها يتقوّى الحديث حسب ما قرره أهل هذه الصنعة، من أنّ الحديث الضعيف يتقوى بمجيئه من طرق أخر، ولهذا كان ابن حجر العسقلاني يردّ على من يقول بوضع الحديث بأن له طرقاً أقلّها أن يكون للحديث أصلاً كما في لسان الميزان٢: ١٢٣، بل أفتى بأنّ الحديث من أقسام الحسن كما سيأتي إنْ شاء اللّه‏ تعالى.

تنبيهان:

الأوّل: الذي يظهر من كلمات بعض المحقّقين من أهل السنّة أنّ حديث ﴿أنا مدينة العلم وعليّ بابها﴾، قد رواه الترمذي في جامعه (سنن الترمذي) فلاحظ كتاب جامع الأصول لابن الاثير الجزري٨: ٤٩٥، وفي كتاب مطالب السؤول ص٧٥ ـ ١٢٩، وفي كتاب تاريخ الخلفاء للسيوطيّ ص١٧٠، وفي كتاب السيرة الشامية وغيرها، لكن عندما تبحث عن هذا الحديث في الطبعات الجديدة لا تجد لهذا الحديث أيّ أثر فتأمّل ذلك. التنبيه الثاني: ورد حديث الباب بلفظ آخر وهو ﴿أنا مدينة الحكمة وعليّ بابها﴾ ويعتبر هذا الحديث شاهداً آخر لحديث ﴿مدينة العلم﴾ كما قرّره الكثير منالمحقّقين كالعلائي وابن حجر والسيوطي وغيرهم، وله طريقان عن الإمام

عليّ عليه‏السلام:

٥٣
الطريق الأوّل: رواه الترمذي في سننه، عن محمّد بن عمر الرومي، عن شريك، عن سلمة بن كهيل، عن سويد بن غفلة، عن الصنابحي، عن عليّ عليه‏السلام قال:

قال رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم : ﴿أنا دار الحكمة وعليّ بابها﴾.

قال الترمذي: هذا حديث غريب، روى بعضهم هذا الحديث عن شريك ولم

يذكروا فيه الصنابحي، ولا نعرف هذا الحديث عن أحدٍ من الثقات غير شريك، في

الباب عن ابن عبّاس. وهذا هو نصّ كلام الترمذي على هذا الحديث حسب ما نقله أكثر المحقّقين كما سيأتي إنْ شاء اللّه‏ تعالى، بل نصّ بعضهم على أنّه قال: حسن غريب كالمحبّ الطبري وغيره. وأمّا ما نقله الدهلويّ وغيره من أنّه قال: منكر غريب، فمردود من وجوه سيأتي بيانها فيما بعد. وقد تكلّم بعض المحقّقين في سند هذا الحديث بحجّة أنّ شريك سيء الحفظ ، فضعّف الحديث لأجل ذلك. فنقول: هذا صحيح، ولكن له شاهد من طريق آخر. رواه: ابن مردويه من طريق الشعبي عن عليّ عليه‏السلام مرفوعاً به. وفي سنده ضعيف أشار إلى ذلك صاحب كتاب الفوائد المجموعة، وعليه إذا ضمّ حديث مدينة الحكمة إلى حديث مدينة العلم يزداد قوّة ومتانة. وممّا تقدّم تعلم أنّ كلام الدهلوي على هذا الحديث فيه شيء من المغالطة والتهويل لغرض التشكيك بالحديث ليس إلا، فهو لم ينقل آراء العلماء بشكل دقيق، وإنّما كان غرضه الحشو كعادة المشكّكين وإليك تفصيل ذلك: أوّلاً: ما نقله عن يحيى بن معين من أنّه قال: لا أصل لهذا الحديث فهو ممّا يضحك الثكلى، ويعدّ منه مغالطة صريحة ؛ لأنّ ابن معين يعتبر أوّل المصحّحين

٥٤
لهذا الحديث بلا خلاف بين المحدّثيين، والمسألة مفصّلة في كتاب تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني في ترجمة عبد السلام بن صالح الهروي. وإنّما قال ابن معين: لا أصل له، من رواية عمر بن إسماعيل بن مجالد الذي ادّعى أنّه سمع الحديث من أبي معاوية في بغداد، فكذّبه ابن معين لأجل ذلك على اعتبار أنّ أبا معاوية لم يحدّث بهذا الحديث في بغداد كما هو موضّح في ترجمة عمر بن إسماعيل بن مجالد في كتاب تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني. ثانياً: بخصوص ما نقله عن الترمذيّ أنّه قال: إنّ الحديث منكر غريب، فهو مردودٌ ؛ لأنّ المعروف بين أهل العلم أنّ حكم الترمذي على بعض الاحاديث يختلف باختلاف النسخ المخطوطة لأصل سنن الترمذي، وقد اختلف قول الترمذي هنا على ثلاثة أقوال:

١ - إنّه قال: إنّ هذا الحديث غريب، نقل ذلك أكثر المحقّقين كالشيخ صلاح الدين العلائي (انظر اللآلئالمصنوعة ١: ٣٠٥) والخطيب التبريزي في مشكاة المصابيح٣: ١٧٢١، وشمس الدين ابن الجزري في كتاب أسنى المطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب، وكذا العلاّمة المناوي في كتاب فيض القدير شرح الجامع الصغير٣: ٦٠.

٢ - القول الثاني: إنّ الترمذي قال: حسن غريب، نقل ذلك المحبّ الطبري في الرياض النضرة٣: ١٣٧.

٣ - القول الثالث: ما نقل أنّه قال منكر غريب. فبعض الطبعات خصوصاً المطبوعة فى الدار السلفيّة اكتفت بهذا القول دفعاً لصدر الحديث، وإلا لو كان محقّقوا هذه الكتب أكثر موضوعيّة لأشاروا إلى اختلاف الأقوال في النقل عن الترمذيّ، وأنّ المنقول عنه هو أنّه قال: حديث غريب كما عليه أكثر المحقّقين من أهل السنّة، مع ملاحظة أنّ اختلاف الأقوال هنا إنّما أريد بها حديث أنا مدينة

٥٥
الحكمة لا على حديث مدينة العلم فتأمّل ذلك. ثالثاً: أنّ الدهلوي لم ينقل آراء المصحّحين لهذا الحديث، وهم من الجهابذة الذين يعتمد على تصحيحاتهم (كابن معين) وهو إمام الجرح والتعديل كما مرَّ آنفاً وكذا تصحيح المفسّر الكبير محمّد بن جرير الطبري كما في كتابه تهذيب الآثار، وقد قال السيوطي: كنت أجيب بهذا الجواب دهراً إلى أنّ وقفت على تصحيح ابن جرير لحديث عليّ في تهذيب الآثار مع تصحيح الحاكم لحديث ابن عبّاس فاستخرتُ اللّه‏ تعالى وجزمت بارتقاء الحديث عن مرتبة الحسن إلى مرتبة الصحّة كما في اللآلئالمصنوعة ١: ٣٠٦، وكتاب خلاصة عبقات الأنوار ج١٠ ص٢٣٦ / ٣٢٧، بل إنّه لم ينقل رأي الحافظ العلائي أو الشيخ ابن حجر العسقلاني من أنّ الحديث حسن لا صحيح ولا موضوع، نقل ذلك محمّد بن يوسف الشامي في أسماء رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله و سلم حرف الدال، ونقله السيوطي في اللآلئ١: ٣٠٦. وبوسعكم الرجوع إلى كتاب فتح الملك العليّ بصّحة حديث باب مدينة العلم عليّ للمحقّق أحمد بن الصديق الغماري، ففيه ما يغنيكم ان شاء اللّه‏ تعالى. وللفائدة الأكثر: أرجع إلى صفحتنا تحت عنوان (الاسئلة العقائدية / حديث مدينة العلم).

ودمتم في رعاية اللّه‏.

٥٦

(٧) محمّد عليّ المتوكل (سلفي وهابي / السودان)


[image] - مركز الأبحاث العقائدية
مرّت ترجمته في٣: ٣٠٩ من هذه الموسوعة، ونشير هنا إلى معلومات أخرى لم تذكر من قبل. تعرّض المحامي ﴿محمّد على المتوكل﴾ في أحدى فصول كتابه ﴿ودخلنا التشيّع سجّداً﴾ إلى مدى اهتمام أمير المؤمنين عليه‏السلام بالإصلاح الجذري في الحكومة والمجتمع الإسلامي وبيّن بأنّ هذا الإصلاح كان من أولى برامجه عليه‏السلامبعد تولّيه الخلافة الإسلاميّة.

أمير المؤمنين عليه‏السلام والإصلاح الجذري:

شكّل أمير المؤمنين عليه‏السلام جهازاً ـ كخطوة اُولى في برنامجه الإصلاحي ـ قويّاً لإدارة الحكومة الإسلاميّة قوامه العناصر التي لم تكن العهود في الخوالي قد نالت منها، فأبعد كلّ الولاة الذين استعملهم عثمان وأقام بدلاً عنهم رجالاً من خواصّه وأهل ثقته، وقام بعزل معاوية عن إمارة الشام ممّا دفع الأخير إلى التمرّد على الإمام عليه‏السلام، الأمر الذي أدّى إلى نشوب حرب صفّين فيما بعد. كما همّ عليه‏السلام بردم الاختلاف الطبقي العميق القائم بين ثلّة قليلة من الموالين للخليفة وعامّة المسلمين، حيث كان قطّاع عريض من الناس يعيش الظلم والفقر

٥٧
والحرمان إلى جانب أقلّية مستغلّة ومستأثرة ترى البلاد بطولها وعرضها بستاناً لها، وبيت المال مخزناً لأموالها. فقرّر أن يردّ إلى بيت المال كلّ قطائع عثمان التي اقتطعها للطلقاء وأبنائهم وأفراد حزبه من قريش، كما قرّر أن يسوّي بين الناس في العطاء مع عدم اعتبار اللون والعرق والجاه، تاركاً سياسة عمر حيث صنف الناس وفق تلك المعايير مقدّماً العرب على الموالي، والقرشيء على سائر العرب، والسابقين من قريش على المتأخّرين، والموالي الصريح منهم على غيره و . . . . وفي مواجهة هذه السّياسات قامت بعض الفئات المسلمة من أصحاب المصلحة، والتي اعتادت على الأوضاع القديمة ونظّمت حياتها على أساسها، قامت بعتاب أمير المؤمنين عليه‏السلام على تسويته لهم بغيرهم، كما خاف بعض المخلصين عليه نقمة قريش فنصحوه أن يبقي الأُمور كما كانت عليه حتّى يستتبّ له الأمر، فردّ عليهم بقوله: ﴿لو كان المال لي لسوّيت بينهم، فكيف وإنّما المال مال اللّه‏، ألا وإنّ عطاء اللّه‏ في غير حقّه تبذير وإسراف وهو يرفع صاحبه في الدنيا ويضعه في الآخرة﴾(١). وحيث لم يجد الإمام عليه‏السلام أذناً صاغية لطلباتهم قاموا بتشكيل جبهات مضادّة له عليه‏السلام وأشعلوا فتيل الفتنة بين المسلمين، فرفعت عائشة قميص عثمان مدّعيةً الأخذ بثأره من أمير المؤمنين عليه‏السلام وتزعّمت صراعاً أدّى إلى إراقة دماء جمع كبير من المسلمين، كما قام معاوية بحشد جيش في الشام وواجه أمير المؤمنين عليه‏السلام في منطقة صفّين.

١- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٨: ١٠٩.

٥٨

(٨) محمّد النّور الزاكي (مالكي / السودان)

[image] - مركز الأبحاث العقائدية

ولد عام ١٣٩٧ه ، (١٩٧٧م)، في السودان بمدينة أمدم حاج أحمد، نشأ في أُسرة مالكيّة المذهب، حفظ١٧ جزءاً من القرآن الكريم، كانت أُسرته عائلة دينيّة تمثّل مشيخة في الطريقة التيجانية، وكان جميع أفراد الأُسرة يحظون بمقام اجتماعي وروحي رفيع، توجه ﴿محمّد النّور﴾ نحوالتبليغ والدعوة، وكان قبل استبصاره من المبلّغين النشطين في منطقته.

الكتب التي تأثّرت بها:

يقول ﴿محمّد النّور﴾: كان عمّي السيّد مجاهد أحمد النّور أوّل من استبصر من أُسرتنا، وكان استبصاره عام ١٤٠٦ه ، (١٩٨٦م)، وبواسطته تشيّع عمّي منتصر وأخي أحمد وآخرون من أُسرتنا. وفي سنة ١٤١٠ه ، (١٩٩٠م)، بدأت بقراءة الكتب الشيعيّة، فقرأت كتاب

﴿المراجعات﴾ للعلامة شرف الدّين، وكتاب ﴿أئمّة أهل البيت تنوّع أدوار ووحدة هدف﴾ للشهيد الصدر ومجموعة كتب التيجاني السماوي، و﴿ليالي بيشاور﴾، وبعض أجزاء موسوعة ﴿الغدير﴾ تأليف العلاّمة الأميني، وكتاب ﴿التشيّع﴾ للسيّد الغريفي، فصارت عندي معرفة عامّة حول نقاط الخلاف بين الشيعة والسنّة.

٥٩
وعندما قرأت كتاب ﴿معالم المدرستين﴾ للسيّد العسكري، وكتاب ﴿أصول العقائد في الإسلام﴾ تأليف السيّد اللاّري، بلغت مرحلة اليقين بأحقّية مذهب أهل البيت عليهم‏السلام فتشهّدت بأنّ لا إله إلاّ اللّه‏، وأنّ محمّداً رسول اللّه‏ وأنّ علياً وليّ اللّه‏.

إعجابي بكتاب أصول العقائد:

يضيف ﴿محمّد النّور﴾: يُعدّ كتاب ﴿أصول العقائد﴾ من أهمّ الكتب التي أدّت قراءتها إلى بلورة قناعتي التامّة بأحقّية مذهب أهل البيت عليهم‏السلام.

ومن أهمّ البحوث التي تأثّرت بها في هذا الكتاب هو الأصل الرابع المتضمّن لمبحث الإمامة، وقد جاء فيه:

الرسول ومستقبل الإسلام:

إنّ النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم ، كان خبيراً بأنّ الاُمّة بعد وفاته سوف تفقد محور وحدتها، وتسقط في خضم أمواج الاختلاف والتشتّت. إنّ المجتمع الإسلامي الجديد يومذاك كان مشكّلاً من المهاجرين بما فيهم بنو هاشم وأُمّية وقبائل عدي وتيم، والأنصار من الأوس والخزرج، وبوفاة شخصيّة رسول اللّه‏ ثارت نيران الفتن في الرؤوس، وكان كثير منهم لا يفكّرون في ما يصلح للإسلام، بل في سبيل الحصول على زعامة المسلمين وتبديل القيادة الإلهيّة بحكومة مركزيّة قويّة مقتدرة وأن الأماني والآمال والاتجاهات المختلفة لم تدع رباطاً دينيّاً أصيلاً وقويّاً، وقد نوّه بذلك رسول اللّه‏ لأصحابه فقال:

﴿افترقت أُمّة موسى على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت أُمّة عيسى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أُمّتي هذه على ثلاث وسبعين، فرقة واحدة ناجية، وسائر الفرق في النار﴾(١).

١- انظر: سنن ابن ماجه ٢: ١٣٢٢ حديث٣٩٩٢.

٦٠