×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة من حياة المستبصرين (ج 09) / الصفحات: ٦١ - ٨٠

وورد عن العلاء بن المسيب عن أبيه قال: لقيت البراء بن عازب، فقلت: طوبى لك، صحبت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وبايعته تحت الشجرة، فقال: يا ابن أخي إنّك لا تدري ما أحدثنا بعده(١).

وهذا القول شهادة صريحة تكشف عن حقيقة إرادة السلطات الجائرة ووعّاظ السلاطين طمسها والتكتيم عليها.

ولكن الباحث عن الحقيقة لا يخفى عليه شيء، ويجد بأنّ الأمر لم يقتصر على شهادة الصحابة على أنفسهم، بل قد شهد الشيخان أيضاً على نفسيهما.

أخرج البخاري في صحيحه في باب مناقب عمر بن الخطاب بأنّه عندما اغتيل أظهر جزعه، فأراد ابن عباس أن يهدّئه ولكن أجابه عمر: «... وأمّا ما ترى من أجلك وأجل أصحابك، والله لو أنّ لي طلاع الأرض ذهباً لافتديت به من عذاب الله عزّ وجلّ قبل أن أراه»(٢).

وورد أيضاً عن عمر بن الخطاب أنّه قال:

«ليتني كنت كبش أهلي يسمّنونني ما بدا لهم، حتّى إذا كنت أسمن ما أكون زارهم بعض من يحبّون، فجعلوا بعضي شواءً وقطّعوني قديداً، ثمّ أكلوني، وأخرجوني عذرة، ولم أكن بشراً»(٣)!

ولماذا يستبعد هذا القول من عمر بن الخطاب وقد قال من سبقه إلى سدّة الحكم أبو بكر عندما نظر إلى طائر على شجرة: «طوبي لك يا طائر تأكلّ الثمر، وتقع على الشجر، وما من حساب ولا عقاب عليك، لوددت أنّي شجرة على

١- صحيح البخاري ٥: ٦٦، باب غزوة الحديبية.

٢- انظر: صحيح البخاري ٤: ٢٠١، كتاب فضائل أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، باب مناقب عمر بن الخطاب. تاريخ مدينة دمشق ٤٤: ٤١٣.

٣- حلية الأولياء ١: ٨٨ رقم ١٣٦، وعنه كنز العمال ١٢: ٦١٩، ح٣٥٩١٢.

٦١
موسوعة من حياة المستبصرين ج ٩ (مركز الابحاث العقائدية)(ص ٦١ - ص ٩٠)

جانب الطريق، مرّ عليّ جمل فأكلني وأخرجني من بعره ولم أكن من البشر»(١).

وقال عمر أيضاً وقد أخذ تبنة من الأرض: «ليتني كنت هذه التبنة، ليتني لم أخلق، ليت أمي لم تلدني ليتني لم أك شيئاً»(٢).

ونحن إذا دقّقنا النظر في القرآن الكريم وما يبشّر الله به المؤمنين عندما تفارق أرواحهم الحياة سنجد مدى بعد أبي بكر وعمر عن هذه الآيات القرآنية:

قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِّنْ غَفُور رَّحِيم﴾(٣).

ولو نلاحظ القرآن نجد بأنّ قول عمر بن الخطاب ينطبق على هذه الآية:

قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْس ظَلَمَتْ مَا فِي الأَرْضِ لاَفْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾(٤).

وقال تعالى أيضاً: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ * وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾(٥).

ويقول الدكتور التيجاني في كتابه «ثمّ اهتديت» حول إمكان أن تشمل هذه الآيات صحابة كباراً أمثال أبي بكر وعمر:

١- تاريخ دمشق ٣٠: ٣٣٠، كنز العمال ١٢: ٥٢٨، ح٣٥٦٩٩.

٢- الطبقات الكبرى لابن سعد ٣: ٣٦٠.

٣- فصّلت (٤١): ٣٠ - ٣٢.

٤- يونس (١٠): ٥٤.

٥- الزمر (٣٩): ٤٧ - ٤٨.

٦٢

«إنّني أتوقّف كثييراً عند مثل هذه النصوص، لأطّلع على مقاطع مثيرة من علاقتهم ]أي علاقة ا بي بكر وعمر[ مع الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وما شهدتها تلك العلاقة من تخلّف عن إجراء أوامره وتلبية طلبه في اللحظات الأخيرة من عمره المبارك الشريف، ممّا أغضبه ودفعه إلى أن يأمر الجميع بمغادرة المنزل وتركه.

كما أنّني أستحضر أمامي شريط الحوادث التي جرت بعد وفاة الرسول وما جرى مع ابنته الزهراء الطاهرة(عليها السلام) من إيذاء وهضم وغمط وقد قال(صلى الله عليه وآله وسلم):

«فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها أغضبني»(١).

وقالت فاطمة لأبي بكر وعمر: «نشدتكما الله تعالى ألم تسمعا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول رضى فاطمة من رضاي، وسخط فاطمة من سخطي، فمن أحبّ ابنتي فاطمة فقد أحبّني، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني، ومن أسخط فاطمة فقد اسخطني؟

قالا: نعم سمعناه من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)،

فقالت:«فإنّي أُشهد الله وملائكته أنّكما أسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيت النبيّ لاشكونّكما إليه»(٢).

ويضيف التيجاني:

دعنا من هذه الرواية التي تدمي القلوب فلعل ابن قتيبة وهو من علماء أهل السنّة المبرزين في كثير من الفنون، وله تآليف عديدة في التفسير والحديث واللغة والنحو والتاريخ لعله تشيّع هو الآخر كما قال لي أحد المعاندين مرّة عندما أطلعته على كتابه تاريخ الخلفاء، وهذه هي الدعاية التي يلجأ إليها بعض علمائنا بعدما تعييهم الحيلة.

١- صحيح البخاري ٤: ٢١٠، كتاب فضائل الصحابة باب مناقب قرابة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

٢- الإمامة والسياسة لابن قتيبة ١: ٣١٠.

٦٣

فالطبري عندنا تشيّع، والنسائي الذي ألّف كتاباً في خصائص الإمام علي تشيّع، وابن قتيبة تشيّع، وحتّى طه حسين من المعاصرين لمّا ألّف كتاب الفتنة الكبرى وذكر حديث الغدير واعترف بكثير من الحقائق الأخرى فهو أيضاً تشيّع!!

والحقيقة أنّ كلّ هؤلاء لم يتشيّعوا، وعندما يتكلّمون عنّ الشيعة لا يذكرون عنهم إلاّ ما هو مشين، وهم يدافعون عن عدالة الصحابة بكلّ ما أمكنهم، لكن الّذي يذكر فضائل علي بن أبي طالب ويعترف بما فعله كبار الصحابة من أخطاء نتهمه بأنّه تشيّع؟!

ثمّ يعود الدكتور التيجاني إلى رواية ابن قتيبة ويقول:

إذا شككتُ فيها فإنّه لا يمكنني أن أشكّ في صحيح البخاري الذي هو عندنا أصحّ الكتب بعد كتاب الله، وقد ألزمنا أنفسنا بأنّه صحيح، وللشيعة أن يحتجّوا به علينا ويلزموننا بما الزمنا به أنفسنا...

فها هو البخاري يخرج من باب مناقب قرابة رسول الله أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها أغضبني»(١).

وأخرج في باب غزوة خيبر عن عائشة أنّ فاطمة بنت النبيّ أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منه شيئاً، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك، فهجرته فلم تكلّمه حتّى توفّيت(٢).

والنتيجة في النهاية واحدة ذكرها البخاري باختصار، وذكرها ابن قتيبة بشيء من التفصيل، ألا وهي أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يغضب لغضب فاطمة ويرضى

١- صحيح البخاري ٤: ٢١٠ كتاب فضائل أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، باب مناقب قرابة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

٢- صحيح البخاري ٥: ٨٢ كتاب المغازي، باب غزوة خيبر. صحيح مسلم ٥: ١٥٤، كتاب الجهاد، باب قول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لا نورّث.

٦٤

لرضاها وأنّ فاطمة ماتت وهي غاضبة على أبي بكر وعمر(١).

واصل «أديب» بحثه العقائدي، فوجد نفسه يقترب إلى التشيّع، وبدأ يحضر المجالس الحسينيّة، ويصغي إلى محاضرات المنبر الحسيني، كما بدأ يأخذ الأشرطة الصوتية ويستمع إلى محاضرات رائد المنبر الحسيني الدكتور أحمد الوائلي.

وبمرور الزمان تبلورت عنده القناعة التامّة بأحقّية مذهب التشيّع فأعلن استبصاره، فتوجّهت إليه الأنظار في منطقته، فبدأ «أديب» يبيّن للناس الأدلّة والبراهين التي دفعته إلى الاستبصار، وبدأ يكلّم الناس حسب مستواهم في الفهم، فالذي يستوعب الأدلّة يبيّن له الأدلّة وأمّا الشخص الفارغ من الناحية العلميّة فإنّه ممن لا تنفعه الأدلّة بل هو بحاجة إلى توعية ليهتم بالعلم والتعلم، وأمّا الشخص المتعصّب فإنّه بحاجة إلى تهذيب ليتخلّص من الشوائب العالقة بنفسه ليندفع نحو تطهير ذاته من الرذائل النفسيّة.

وعموماً فكلّ إنسان يواجه في اتجاهه نحو معرفة الحقّ موانع محدّدة، وينبغي على كلّ إنسان يبتغي معرفة الحقّ أن يشخّص هذه الموانع، ويجتهد في إزالتها لتتجلّى أمام بصيرته الحقيقة بوضوح.

كما ينبغي أن لا يغفل الإنسان بأنّ طريق معرفة الحقّ طريق ذات الشوكة ولا يمكن اجتيازه إلاّ عن طريق الاستعانة بالله وطلب العون والتسديد منه، ولا يستطيع الإنسان الاعتماد على قدرته الذاتيه في هذا الصعيد وإنّما السبيل الوحيد للتخلّص من الجهل وكيد الشيطان هو الاستعانة بالله العلي الأعلى والتوكل عليه والاعتصام به عزّ وجلّ.

١- ثمّ اهتديت للدكتور التيجاني: ١٣٧.

٦٥

(١٢) أديب نيروي سعيد (حنفي / العراق)

[image] - مركز الأبحاث العقائدية

ولد عام ١٣٨٠هـ (١٩٦١م) في «دهوك» بالعراق، وترعرع في أُسرة حنفية المذهب، ثمّ استبصر عام ١٤١٠هـ (١٩٩٠م) في إيران.

أسباب انتمائه المذهبي السابق:

كان السبب الأساسي الذي جعل «أديب» متمسّكاً بالانتماء المذهبي وفق مذهب أهل السنّة الاقتصار على التقليد للسلف وعدم الاهتمام بالبحث والتحقيق.

وكان الانشغال بالأُمور المعاشية وعدم الاهتمام الحقيقي بأمر الدين السبب الذي دفع «أديب» إلى التمسّك السطحي بمذهب أهل السنّة، ولكن عندما تغيّرت الأجواء المحيطة به وانتقاله إلى إيران وجد «أديب» نفسه أمام عقائد جديدة لم يكن مطّلعا عليها من قبل.

وهنا اندفع «أديب» إلى التأمّل والتفكير، وبدأ يعيش حالة الصحوة، فأدرك بأنّه قد آن أوان تمتين أُسسه العقائدية والفكرية والاهتمام بالبحث، فخصّص لنفسه وقتاً لذلك، وهنا بدأت رحلته في البحث.

كيف محقت السنّة النبوية:

إنّ أكبر مصيبة ابتلت بها الأُمّة الإسلاميّة بعد التحاق رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بالرفيق

٦٦

الأعلى والتي أدّت إلى محق السنّة النبويّة، وخرق حدود الله عزّ وجلّ، هي اجتهاد بعض الصحابة مقابل النصّ.

ومن أوائل الصحابة الذين بادروا إلى فتح الاجتهاد مقابل النصّ على مصراعيه هو عمر بن الخطاب، وقد أشار العلاّمة عبد الحسين شرف الدين في كتابه «النص والاجتهاد» إلى العديد من هذه الموارد من الاجتهاد في مقابل النصّ.

ويرى الباحث بأنّ عمر بن الخطاب كان من أوائل من سمح لنفسه الوقوف بوجه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)من حياة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وعارض الرسول عدّة مرّات وجهاً لوجه منها:

بعث رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أبا هريرة وقال له: «من لقيته من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلاّ الله مستيقناً بها قلبه فبشّره بالجنّة».

فخرج أبو هريرة ليبشر فلقيه عمر ومنعه من ذلك وضربه حتّى سقط على أسته.

فرجع أبو هريرة إلى رسول الله وهو يبكي، وأخبره بما فعل عمر، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لعمر: «ما حملك على ما فعلت»؟

قال: هل أنت بعثته ليبشّر بالجنّة من قال: لا إله إلاّ الله مستيقناً بها قلبه؟

قال رسول الله «نعم».

قال عمر: لا تفعل فإنّي أخشى أن يتّكل الناس على لا إله إلاّ الله(١)!

وسلوك وتصرّفات عمر مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كلّها تكشف بأنّه كان لا يعتقد بعصمة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) المطلقة، ويبدو أنّ هذا السلوك من عمر اتّجاه الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)

١- صحيح مسلم ١: ٤٤، كتاب الإيمان، باب من لقي الله بالإيمان، فتح الباري ١: ٢٠٢ صحيح ابن حبّان ١٠: ٤٠٩، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٢: ٥٦.

٦٧

هو الذي دفع أهل السنّة إلى عدم اعتقادهم بعصمة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) خارج نطاق التبليغ، بل عقيدتهم بأنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) فيما عدا السنّة بشر يخطئ ويصيب، بل هو بحاجة في موارد غير التبليغ إلى من يصوّب رأية، وكان عمر هو المتكفّل بهذه المهمّة!

وقد روى البخاري في صحيحه بأنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقبل مزمارة الشيطان في بيته! وهو مستلق على ظهره، والنسوة يضربن الدفوف، والشيطان يلعب ويمرح إلى جانبه حتّى إذا دخل عمر هرب الشيطان وأسرع النسوة فخبّأن الدفوف تحت أستهن، وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لعمر: «ما رآك الشيطان سالكاً فجّاً حتّى سلك فجّاً غير فجّك»(١)!

وعندما استلم عثمان دفّة الحكم أفرط في هذا النمط من الاجتهاد في مقابل النصّ، فبالغ أكثر ممّن سبقوه، حتّى دفع حياته ثمن اجتهاده هذا.

وعندما ولي الإمام علي(عليه السلام) أُمور المسلمين واجه صعوبة شديدة في تطهير الساحة الإسلاميّة من البدع التي جاء بها من غصب الخلافة منه، وعندما حاول إزالة البدع «صاح وا عمراه الناس»(٢).

وعندما جاء بني أميّة وبني العبّاس استغلّوا هذا الأمر وأدخلوا الكثير من البدع في الدين الإسلامي، ولم يبق الدين الإسلامي الصحيح إلاّ عند أهله وهم أهل البيت(عليهم السلام).

ولهذا فإنّ الاستبصار في يومنا هذا يعني الرجوع إلى سنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)الصحيحة والحقّة والتخلّص من السنّة المحرّفة.

١- صحيح البخاري ٧: ٩٣، كتاب الأدب، باب الإخاء والحلف، صحيح مسلم ٧: ١١٥، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل عمر، مسند أحمد ١: ١٧١.

٢- الشافي للمرتضى ٤: ٢١٩.

٦٨

أهل السنّة تسمية غير صحيحة:

أدرك «أديب» حقائق دفعته إلى الإعراض عن أهل السنّة، لأنّه وجدها تسمية غير مطابقة للواقع، ووجد بأنّ سنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الحقيقية عند أهل البيت(عليهم السلام)، وأنّ أهل البيت(عليهم السلام) هم الذين حفظوا السنّة الحقيقية.

ومن هنا يكتشف الباحث أسباب تأكيد الرسول على محبّة أهل البيت(عليهم السلام)ومودّتهم والتمسّك بهديهم وجعلهم قرناء للقرآن بحيث يؤدّي التمسّك بهما الاعتصام من الضلال وعندما نظر «أديب» في أدلّة مذهب أهل البيت(عليهم السلام) وجد بأنّه لا منافي من الاستبصار وتغيير الانتماء المذهبي إلى التشيّع.

ويقول «أديب»: كانت المحاضرات الدينية من أهمّ الأسباب التي دفعتني إلى الاستبصار، وكانت كلّ محاضرة استمع إليها تضفي على قلبي نوراً يأخذ بيدي لينشلني من الظلام الذي كنت أعيش في أوساطه.

وبمرور الزمان أبصرت الحقيقة فأعلنت استبصاري، وكانت الأجواء المحيطة بي تشجّعني على ذلك، حيث كان حولي الكثير من الشيعة في إيران، فانتهزت هذه الفرصة والتحقت بركب أهل البيت(عليهم السلام).

ووجد «أديب» بعد استبصاره بأنّ العقيدة لا تكفي لوحدها. بل ينبغي أن يلتزم الإنسان مع الإيمان الصحيح بالعمل الصالح ليكمل إيمانه، وليكون العمل مطيّته للحصول على الكمال الحقيقي وهو القرب من الله تعالى، بل العمل الصالح هو الذي يرسّخ العقيدة في النفوس.

ومن هذا المنطلق اهتمّ «أديب» بالعبادات والالتزام بأحكام الشريعة من أجل تهذيب نفسه وتزكيتها وتطهيرها من الشوائب.

وبهذا تمكّن «أديب» أن يعيش الحياة الطيّبة، وأن يكون من المؤمنين الحقيقيين، وأن يتغلّب على جميع الموانع التي كان يواجهها في طريق الهداية.

٦٩

(١٣) أزور خوشناو (شافعي / العراق)

[image] - مركز الأبحاث العقائدية

ولد عام ١٣٩١هـ (١٩٧٢م) في «أربيل» بالعراق، وكان استبصاره على يد والده، حيث ذهب إلى إيران وبقي فيها عدّة سنوات ثمّ عاد إليهم مستبصراً، فدفعه هذا الأمر إلى البحث والتحقيق حتّى انتهى به الأمر إلى الاستبصار واعتناق مذهب أهل البيت (عليهم السلام).

آية الولاية:

طالع «أزور» خلال بحثه مجموعة من الكتب والكراسات وأكّد في مطالعاته على الأدلّة التي يعتمد عليها أتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام).

ومن أهمّ الأدلّة التي يبيّنها الشيعة لإثبات إمامة أمير المؤمنين(عليه السلام)هي آية الولاية وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾(١).

وقد أجمع المفسرون من علماء أهل السنّة والشيعة بأنّ هذه الآية نزلت في حقّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) عندما تصدق بخاتمه في أثناء الصلاة(٢).

١- المائدة (٥): ٥٥ .

٢- انظر: شواهد التنزيل ١: ٢١٩، ح٢٢٧، أنساب الأشراف: ١٥٠، ح١٥١.

٧٠

ولكن المخالفون - تبعاً لما أملت عليهم حكومة بني أميّة وبني العبّاس المعادية لأهل البيت(عليهم السلام) - توجّهوا إلى إثارة الشبهات في هذا الخصوص لصرف دلالة هذه الآية عن مدلولها الحقيقي.

احتجاج الإمام علي بآية الولاية:

من الشبهات التي طرحت حول آية الولاية أنّها لو كانت تدلّ على إمامة أمير المؤمنين(عليه السلام) لاحتجّ بها الإمام علي(عليه السلام)، ولكنّه لم يحتجّ بها، وهذا ما يثير الشكّ في دلالتها.

الجواب: إنّ الأدلّة على إمامة أمير المؤمنين(عليه السلام) لا تعدّ ولا تحصى، ولا يوجد أيّ دليل على لزوم احتجاج الإمام علي(عليه السلام) بجميع هذه الأدلّة، وثانياً: فإنّ مسألة غصب الخلافة من الإمام علي(عليه السلام) لم تكن من منطلق الجهل بالأدلّة ليبيّن الإمام علي(عليه السلام) الأدلّة، وإنّما كانت المسألة مؤامرة لهيمنة قريش على دفّة الحكم والسيطرة على زمام أُمور الخلافة حبّاً للدنيا وطمعاً بالرئاسة وحسداً وبغياً منهم على الإمام علي(عليه السلام).

فالإمام علي(عليه السلام) دافع كثيراً عن حقّه إزاء من التبس عليهم الأمر وأتم الحجّة على الناس.

ولو فرضنا بأنّ الإمام علي(عليه السلام) لم يحتج بآية الولاية، فإنّ عدم الاحتجاج هذا لا يسقط دلالتها الواضحة، ولا يوجد تلازم بين المسألتين.

وأوّل من أثار هذه الشبهة هو الفخر الرازي في تفسيره للآية وقال:

«فلو كانت هذه الآية دالّة على إمامته لاحتجّ بها في محفل من المحافل»(١).

مع ذلك فالواقع التاريخي يكشف بأنّ الإمام علي(عليه السلام) احتجّ بهذه الآية

١- التفسير الكبير ١٢: ٢٨.

٧١

ولكن مصادر أهل السنّة لم تنقل هذا الاحتجاج، وليس هذا الأمر غريباً من مصادر دُوّنت في ظلّ حكومات كانت تكنّ أشدّ العداء لأهل البيت(عليه السلام) ولاسيّما الإمام علي.

وقد ورد احتجاج الإمام علي(عليه السلام) بآية الولاية في المصادر الشيعية التي هي أنقى المصادر ; لأنّها لم تخضع لإرادة الحكومات الجائرة، وذكر العديد من علماء الشيعة القدماء احتجاج الإمام علي(عليه السلام) بآية الولاية، منهم الشيخ الصدوق والشيخ الطوسي والشيخ الطبرسي(١) كما أشار إلى بعض الحديث جمع من مصادر أهل السنّة(٢).

كيفية تصدّق الإمام علي(عليه السلام):

إنّ تصدّق الإمام علي(عليه السلام) بالخاتم موضع اتفاق الفريقين، وممّا جاء في مصادر أهل السنّة: «روى الحاكم الحسكاني بسند صحيح عن ابن عبّاس: أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) صلّى يوماً بأصحابه صلاة الظهر، وانصرف هو وأصحابه، فلم يبق في المسجد غير علي قائماً، يصلّي بين الظهر والعصر، إذ دخل المسجد فقير من فقراء المسلمين، فلم يرفي المسجد أحداً خلا عليّاً، فأقبل نحوه فقال: يا ولي الله بالذي تصلّي له أن تتصدّق عليّ بما أمكنك، وله خاتم عقيق يماني أحمر، كان يلبسه في الصلاة في يمينه، فمد يده فوضعها على ظهره، وأشار إلى السائل بنزعه، فنزعه ودعا له، ومضى وهبط جبرائيل، فقال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي: فقد باهي الله بك ملائكته اليوم، أقرأ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ...﴾(٣).

١- انظر: الخصال: ٥٨٠، أمالي الطوسي: ٥٤٩، الاحتجاج ١: ٢٠٢.

٢- انظر: المناقب للخوارزمي: ٣١٣، تاريخ مدينة دمشق ٤٢: ٤٣٢.

٣- شواهد التنزيل ١: ٢١٢.

٧٢

وقد ذُكرت هذه الواقعة في المئات من مصادر أهل السنّة(١).

التصدّق حين الصلاة عبادة:

من الشبهات الأخرى التي أُثيرت حول آية الولاية أنّ الإمام علي(عليه السلام)عندما يصلّي فإنّ توجّهه يتمركز في ذكر الله، فكيف التفت(عليه السلام) حين الصلاة إلى الفقير والمتوقّع منه أن لا ينتبه إلى ذلك؟

الجواب: إنّ هذا الالتفات لم يكن لأمر دنيوي، وإنّما هو عبادة ضمن عبادة، ومدح الله للإمام علي(عليه السلام) في هذه القضية أفضل دليل على حسن ما فعل الإمام أمير المؤمنين علي(عليه السلام).

سبب صيغة الجمع في آية الولاية:

ورد الإشارة في آية الولاية إلى الإمام علي(عليه السلام) بصيغة الجمع وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ﴾ ولا يصحّ الإشكال بأنّ الإمام علي مفرد فكيف يصحّ استعمال صيغة الجمع فيه، لأنّ مقام الآية من الموارد التي يصحّ فيها إطلاق صيغة الجمع وإرادة المفرد لأجل التفخيم والتعظيم.

كما ذهب الزمخشري - وهو من أعلام مفسري أهل السنّة - بأنّ الآية وردت بصيغة الجمع من منطلق ترغيب الآخرين، ليتبعوا الإمام علي في هذا الأمر، وليكن الإمام علي القدوة للجميع في هذا المجال(٢).

١- انظر: شواهد التنزيل ١: ٢١٩، تاريخ مدينة دمشق ٤٢: ٣٥٧، أنساب الأشراف: ١٥٠، ح١٥١ التفسير الكبير ٤: ٣٨٣، الدر المنثور ٢: ٢٩٣، مجمع الزوائد ٧: ١٧، كنز العمال ١٣:١٠٧، ح٣٦٣٥٤.

٢- الكشاف للزمخشري ١: ٦٢٤.

٧٣

تصدّق أو زكاة:

أشكل البعض بأنّ الله تعالى قال: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ ولكن إعطاء الإمام علي للخاتم كان تصدّقاً ولم يكن زكاةً.

الجواب: إنّ إطلاق ﴿الزَّكَاةَ﴾ على الصدقة المندوبة أمر شائع في الفقه، فقد يطلق على الزكاة بأنّها صدقة واجبة وأخرى يطلق على الصدقة المستحبة بأنّها زكاة.

أداة الحصر في آية الولاية:

﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر، وهذا ما صرّح به أهل اللغة، ولهذا قال العلاّمة الطباطبائي: «إنّ القصر في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ...﴾ لقصر الإفراد، كأنّ المخاطبين يظنّون أنّ الولاية عامّة للمذكورين في الآية وغيرهم، فأفرد المذكورين للقصر»(١).

ووجود هذه الأداة في هذه الآية يدلّ بوضوح على أنّ الولاية أمر خاص بالإمام علي(عليه السلام) بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ولا يصحّ قبول ولاية غيره.

لماذا لم تصرّح الآية باسم الإمام علي(عليه السلام):

لم تصرّح الآية اسم الإمام علي(عليه السلام)، والدليل هو اقتضاء إرادة الله ذلك، والله تعالى حكيم، ولو كان في تصريح اسم الإمام علي(عليه السلام) حكمة لذكره الله، ولكن شاءت الحكمة الإلهيّة اتّباع هذا الأسلوب في هداية العباد.

وعدم تصريح الاسم لا يقلّل من دلالة الآية، حيث أجمع العلماء من

١- الميزان في تفسير القرآن للعلامة الطباطبائي ٦: ١٤.

٧٤

الفريقين بأنّ هذه الآية نزلت في حقّ الإمام علي(عليه السلام).

ومن أراد أن يهتدي فطريق الهداية واضح، ومن كان في قلبه مرض فإنّ الله لا يجبر أحداً على الهداية.

وإذا كان الاستضعاف العلمي في قديم الأيّام أمراً على أرض الواقع نتيجة التعتيم والتحريف، فالعذر في يومنا هذا نتيجة الانتشّار الواسع للمعلومات غير مقبول.

واستبصرت على يد والدي:

يقول «أزور» عاد أبي من رحلته إلى إيران، وعندما عاد استقبلناه بحفاوة، ولكنّنا تفاجأنا بأنّه عاد منتمياً إلى غير مذهبنا، فحملنا الأمر على أسوء المحامل، ولكن الوالد التزم بالتأنّي، وبدأ بمرور الزمان يبيّن لنا الحقائق التي دفعته إلى هذا التحوّل المذهبي.

وقدّم إلينا الوالد العديد من الكتب والكرّاسات وبدأنا بقراءتها، حتّى انكشفت لنا الحقيقة وعرفنا بأنّ الدين أمر لابدّ من قيامه على الأدلّة والبراهين لا التعصّب والأنانيات وبدأنا ننظر إلى العقيدة بموضوعية، وعندما تبلورت لدينا القناعة بأحقيّة التشيّع استبصرنا، وكان من أهمّ الأمور التي دفعتنا إلى الاستبصار إضافة إلى الأدلّة والبراهين هي تغيير سلوك وتصرفات الوالد، فإنّه عاد متحلّياً بأحسن خلق، عاد وكلامه نور وسيرته نور وأفعاله نور، فانجذبنا نحو هذا النور وبحثنا عن مصدره فرأينا كلام أهل البيت(عليهم السلام) نوراً، ومنهج أهل البيت(عليهم السلام) نوراً، وطريقة أهل البيت(عليهم السلام) نوراً.

٧٥

وعندما أبصرنا النور أدركنا الظلمات التي كنّا فيها، وتوجّهنا نحو هذا النور، واستأنسنا بكلام أهل البيت(عليهم السلام) وانجذبنا بأحاديثهم.

وباتت الاعتراضات التي كانت متوجّهة إلينا من هنا وهناك فاقدة الأهميّة والاعتبار، فأهملناها وتركناها ولم نهتمّ بها، وكانت هذه ردود الأفعال كالزبد سرعان ما تلاشت وبقي الحقّ الذي توصّلنا إليه هو الباقي على أرض الواقع.

فإذا حاربنا البعض في قوتنا وعزّتنا وسمعتنا فدعهم وشأنهم فإنّنا لا نفعل إلاّ بوظيفتنا الشرعيّة.

قال الإمام الصادق(عليه السلام): قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «سيأتي على الناس زمان لا ينال الملك فيه إلاّ بالقتل والتجبّر، ولا الغنى إلاّ بالغصب والبخل، ولا المحبّة إلاّ باستخراج الدين واتباع الهوى ; فمن أدرك ذلك الزمان فصبر على الفقر وهو يقدر على الغني، وصبر على البغضاء وهو يقدر على المحبّة، وصبر على الذلّ وهو يقدر على العزّ، آتاه الله ثواب خمسين صدّيقاً ممّن صدّق بي»(١).

فاشهد يا رسول الله بأنّنا كان بإمكاننا البقاء على انتمائنا السابق واتّباع أهل السنّة والجماعة، وكان في بقائنا هذا المال والجاه واحترام الناس والعزّ الدنيوي، ولكنّنا بحثنا فأملت علينا الأدلّة اتباع وصاياك في أمير المؤمنين وأهل بيتك(عليهم السلام)فهدّدونا بالفقر والذلّ والعُزلة، ولكنّنا قبلنا ذلك طلباً لرضوان الله.

١- الكافي ١: ٩١.

٧٦

(١٤) إسراء الأمير (حنفية / العراق)

ولدت في العراق ١٣٩٢هـ (١٩٧٣م)، ونشأت في أسرة تعتنق المذهب الشافعي، ثمّ واصلت دراستها حتّى مرحلة الإعداديّة. وكان السبب الذي دفعها إلى اعتناق مذهب التشيّع هو قراءة كتب الدكتور التيجاني السماوي.

الاهتداء بنور أهل البيت(عليهم السلام):

من جملة المواضيع التي اهتمّت بها «إسراء الأمير» هو موضوع العصمة.

والعصمة في اللغة عبارة عن «الإمساك والاعتصام والاستمساك...، وإنّ العاصم والمعصوم يتلازمان فأيّهما حصل حصل معه الآخر»(١).

والعصمة في الاصطلاح - كما عرّفها الشيخ المفيد - «لطف يفعله الله تعالى بالمكلّف، بحيث تمنع منه وقوع المعصية وترك الطاعة، مع قدرته عليهما»(٢).

وقال أيضاً: «العصمة من الله لحججه هي التوفيق، واللطف، والاعتصام، من الحجج بهما عن الذنوب والغلط في دين الله»(٣).

١- مفردات غريب القرآن، ا لراغب الأصفهاني: ٣٣٦.

٢- النكت الاعتقادية للشيخ المفيد: ٣٧.

٣- تصحيح اعتقادات الإماميّة للشيخ المفيد: ١٢٨.

٧٧

والعصمة ثابتة بالقرآن والسنّة والعقل، كما سنبيّن ذلك في هذا العرض.

أدلّة عصمة الأئمّة في القرآن الكريم:

قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾(١)

تبيّن هذه الآية بأنّ مقام الإمامة مقام لا يناله المتّصف بصفة الظلم، وهذا ما يعني كون الإمام منزّهاً من كلّ شيء يؤدّي به إلى الدخول في دائرة الظلم.

ويقول عزّ وجلّ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾(٢).

يؤكد سبحانه وتعالى في هذه الآية أنّ أهل البيت مطهّرون من كلّ رجس، والمراد من الرجس هو كلّ ما ينافي الطهارة وكذلك الآية تشير إلى أنّ الله عزّ وجلّ هو الذي طهّر أهل البيت(عليهم السلام) من الرجس وكذلك يقول عزّ من قائل: ﴿أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾(٣).

يقول الفخر الرازي في كتابه مفاتيح الغيب في تفسير هذه الآية: «إنّ الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم والقطع، فلابدّ أن يكون (وليّ الأمر) معصوماً عن الخطأ ; إذ لو لم يكن معصوماً عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد أمر الله به بمتابعته، فيكون ذلك أمراً بفعل ذلك الخطأ، والخطأ لكونه خطأ منهيّ عنه، فهذا يقضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد باعتبار واحد، وذلك محال.

١- البقرة (٢): ١٢٤.

٢- الأحزاب (٣٣) : ٣٣.

٣- النساء (٤): ٥٩.

٧٨

فثبت أنّ الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم، مثبت إن كلّ من أمر الله بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوماً عن الخطأ، فثبت قطعاً أنّ أولي الأمر المذكورين في هذه الآية لابدّ وأن يكونوا معصومون»(١).

أدلّة عصمة الأئمّة(عليهم السلام) من السيرة النبويّة:

قال رسول الله: «يا أيّها الناس إنّي تارك فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي»(٢). يقول الدكتور التيجاني في كتابه «لأكون مع الصادقين» حول هذا الحديث:

وهو كما ترى صريح بأنّ الأئمّة من أهل البيت(عليهم السلام) معصومون أولاً ; لأنّ كتاب الله معصوم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهو كلام الله، ومن شكّ فيه كفر.

ثانياً: بما أنّ التمسّك بهما (الكتاب والعترة) يؤمّن من الضلالة، فدلّ هذا الحديث على أنّ الكتاب والعترة لا يجوز فيهما الخطأ.

وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق»(٣).

وهو كما ترى صريح في أنّ الأئمّة من أهل البيت(عليهم السلام) معصومون عن الخطأ ; ولذلك يأمن وينجو كلّ من ركب سفينتهم، وكلّ من تأخر عن ركوب سفينتهم غرق في الضلالة.

وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من أحبّ أن يحيا حياتي، ويموت ميتتي، ويدخل

١- التفسير الكبير، الفخر الرازي ١٠: ١٤٤.

٢- صحيح الترمذي ٥: ٣٢٨، الحاكم في المستدرك ٣: ١٤٨.

٣- مستدرك الحاكم ٢: ٣٤٣، كنز العمال ١٢: ٩٤.

٧٩

الجنّة التي وعدني ربّي، وهي جنّة الخلد، فليتولّ عليّاً وذرّيته من بعده، فإنّهم لن يخرجوكم من باب هدى، ولن يدخلوكم في باب ضلالة»(١).

وهو كما ترى صريح في أنّ الأئمّة من أهل البيت(عليهم السلام) - وهم عليّ وذريّته - معصومون عن الخطأ ; لأنّهم لن يدخلوا الناس الذين يتّبعوهم في باب ضلالة، ومن البديهي أنّ الذي يجوز عليه الخطأ لا يمكنُ له هداية الناس.

وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «أنا المنذرُ، وعليُّ الهادي، وبك يا علي يهتدي المهتدون من بعدي»(٢).

وهذا الحديث هو الآخر صريح في عصمة الإمام، كما لا يخفى على أُولي الألباب.

وعلاوة على الرسول الكريم فإنّ الإمام علي(عليه السلام) أيضاً أثبت العصمة لنفسه والأئمّة من ولده عندما قال:

«فأين تذهبون وأنّى تؤفكون؟ والأعلام قائمةُ، والآياتُ واضحةُ، والمنار منصوبةُ، فأين يُتاه بكم؟ بل كيف تعمهون؟ وبينكم عترة نبّيكم، وهم أئمّة الحقّ، وأعلام الدين، وألسنةُ الصدق؟ فانزلوهم بأحسن منازل القرآن، وردوهم ورود الهيم العطاش.

أيّها الناس خذوها من خاتم النبيّين(صلى الله عليه وآله وسلم)، إنّه يموت من مات منا وليس بميّت، ويبلى من بُلي منّا وليس ببال، فلا تقولوا بما لا تعرفون، فإنّ أكثر الحقّ فيما تنكرون، وأعذروا من لا حجّة لكم عليه وأنا هو، ألم أعمل فيكم بالثقل الأكبر وأترك فيكم الثقل الأصغر، وركزتُ فيكم راية الإيمان»(٣)؟!

١- صحيح الترمذي ٥: ٣٢٨، الحاكم في المستدرك ٣: ١٤٨.

٢- تفسير الطبري ١٣: ١٤٢.

٣- نهج البلاغة ١: ١٥٤، الخطبة٨٧.

٨٠