×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة عبد الله بن عبّاس ـ ج 10 / الصفحات: ٤١ - ٦٠

ج- نص المحاورة:

(قال ابن عباس: لمّا اعتزلت الخوارج الحرورية، دخلوا داراً واعتزلوا في دار على حدتهم وكانوا ستة آلاف(١) وأجمعوا أن يخرجوا على عليّ بن أبي طالب وأصحاب النبيّ صلّى الله عليه (وآله) وسلّم معه.

قال: وكان لا يزال يجيء إنسان فيقول: يا أمير المؤمنين إنّ القوم خارجون عليك. فيقول: (دعوهم فإنّي لا أقاتلهم حتى يقاتلوني وسوف يفعلون).

فلمّا كان ذات يوم أتيته قبل صلاة الظهر فقلت له: يا أمير المؤمنين أبرِد بالصلاة ــ بالظهر أي أخّرها حتى يبرد الوقت ــ لعليّ آتي هؤلاء القوم فأكلّمهم.

قال: (إنّي أخافهم عليك).

قال: قلت: كلاّ.

قال: فخرجت آتيهم ولبست أحسن ما يكون من حلل اليمن، فلبست أحسن ما أقدر عليه من هذه اليمانية وترجّلت، فأتيتهم ودخلت عليهم وهم مجتمعون في دار، وهم قائلون في نحر الظهيرة نصف النهار فسلّمت عليهم.

فقالوا: مرحباً بك يا أبا عباس فما هذه الحلّة؟

قال: قلت: ما تعيبون عليّ، لقد رأيت على رسول الله صلي الله عليه و اله وسلم أحسن ما

١- أنظر سنن النسائي ٥/١٠٥, والخصائص له أيضاً وسنن البيهقي والمعرفة والتاريخ وغيرها ذكر هذا العدد, وتاريخ الإسلام للذهبي ٢/١٨٣ وهم ستة آلاف أو نحوها.

٤١
يكون من الحلل، ونزلت: ﴿قل مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ﴾(١).

قالوا: فما جاء بك؟

قلت: أتيتكم من عند أصحاب النبيّ صلي الله عليه و اله وسلم من المهاجرين والأنصار، ومن عند ابن عم النبيّ صلي الله عليه و اله وسلم وصهره، لأبلّغكم ما يقولون، وتُخبرون بما يقولون، فعليهم نزل القرآن وهم أعلم بالوحي منكم، وفيهم أنزل، وليس فيكم منهم أحد.

فقال بعضهم: لا تخاصموا قريشاً فإنّ الله يقول: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾(٢).

قال ابن عباس: وأتيت قوماً لم أر قوماً قط أشدَّ إجتهاداً منهم، مسهمة وجوههم من السهر كأنّ أيديهم ورُكبهم كأنّها ثفن الإبلُ، ووجوههم معلَّمة من آثار السجود، وعليهم قمص مرحضّة مشمرَّين.

ــ أقول: قمصٌ مرحضَة أي مغسولةــ .

فقال اثنان أو ثلاثة: لو كلّمتهم، فانتحى لي نفر منهم، قال بعضهم: لنكلمنّه ولننظرن ما يقول.

قلت: أخبروني، هاتوا ما نقمتم على ابن عم رسول الله صلي الله عليه و اله وسلم وصهره والمهاجرين والأنصار؟

قالوا: ثلاثاً.

١- الأعراف/٣٢.

٢- الزخرف/٥٨.

٤٢
قلت: ما هنّ؟

قالوا: أمّا إحداهنّ فإنّه حكّم الرجال في أمر الله، قال الله عزوجل: ﴿إِنْ الْحُكْمُ إِلاّ لِلَّهِ﴾(١)، ما شان الرجال والحكم؟

فقلت: هذه واحدة.

قالوا: وأمّا الثانية فإنّه قاتل ولم يسب ولم يغنم، فلئن كان الذين قاتل كفاراً لقد حلّ سبيهم وغنيمتهم، ولئن كانوا مؤمنين ما حلّ سبيهم ولا قتالهم.

قلت: هذه ثنتان، فما الثالثة؟

قالوا: إنّه محا اسمه من أمير المؤمنين، فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين.

قلت: هل عندكم شيء غير هذا؟

قالوا: حسبنا هذا.

فقلت لهم: أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله جلّ ثناؤه وسنة نبيّه صلي الله عليه و اله وسلم ما يردّ به قولكم أترضون؟ أترجعون؟

قالوا: نعم.

فقلت لهم: أمّا قولكم حكّم الرجال في أمر الله، فإنّي أقرأ عليكم ما قد ردّ حكمه إلى الرجال في ثمن ربع درهم في أرنب ونحوه من الصيد، فأمر الله تبارك وتعالى أن يحكموا فيه، أرأيتم قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا

١- الأنعام/٥٧.

٤٣
قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾(١)، وكان من حكم الله أنّه صيّره إلى الرجال يحكمون فيه، ولو شاء يحكم فيه، فجاز من حكم الرجال. فنشدتكم بالله أحكم الرجال في أرنب ونحوها من الصيد أفضل أم حكمهم في حقن دمائهم وإصلاح ذات بينهم؟

قالوا: بل هذا أفضل.

وقال الله عزوجل في المرأة وزوجها: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾(٢)، فنشدتكم بالله حكم الرجال في صلاح ذات بينهم وحقن دمائهم أفضل أم حكمهم في بُضع امرأة؟ فجعل حكم الرجال سنّة ماضية. أخرجت من هذه؟

قالوا: نعم.

قلت: وأمّا قولكم قاتل ولم يسب ولم يغنم، أفتسبون أمّكم عائشة تستحلون منها ما تستحلون من غيرها وهي أمكم؟ فإن قلتم: إنّا نستحل منها ما نستحلّ من غيرها فقد كفرتم، وإن قلتم: ليست بأمّنا فقد كفرتم، فإنّ الله تعالى يقول: ﴿النبيّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾(٣)، فأنتم تدورون بين ضلالتين أيّهما صرتم إليها صرتم إلى ضلالة، فاتوا منها بمخرج فاختاروا أيتهما شئتم؟ــ فنظر بعضهم إلى بعض ــ قلت: أفخرجت من هذه؟

قالوا: نعم.

١- المائدة/٩٥.

٢- النساء/٣٤.

٣- الأحزاب/٦.

٤٤
قال: قلت: وأمّا قولكم محا نفسه من أمير المؤمنين، فأنا آتيكم بما ترضون، أراكم قد سمعتم أنّ نبيّ الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم يوم الحديبية كاتب المشركين سهيل بن عمرو وأبا سفيان بن حرب، فقال رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم لأمير المؤمنين: (أكتب يا عليّ: هذا ما أصطلح عليه محمّد رسول الله). فقال المشركون: لا والله ما نعلم أنّك رسول الله، لو نعلم أنّك رسول الله ما قاتلناك. فقال رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم: (اللّهمّ إنّك تعلم أنّي رسولك، أكتب يا عليّ: هذا ما أصطلح عليه محمّد بن عبد الله). فوالله لرسول الله خير من عليّ، وقد محا نفسه، ولم يكن محوه نفسه ذلك محاه من النبوّة. أخرجت من هذه؟

قالوا: نعم.

قال عبد الله بن عباس: فرجع منهم ألفان، وخرج سائرهم فقتلوا على ضلالهم، قتلهم المهاجرون والأنصار).

أقول: لقد ذكر عبد الرزاق في (المصنف) هذه المحاورة(١)، ولم يذكر في أوّلها أنّهم كانوا ستة آلاف، وذكر في آخرها: (فرجع منهم عشرون ألفاً وبقي منهم أربعة آلاف فقتلوا)، وأحسبه قد وهم في ذكر رجوع عشرين ألفاً، والصواب ما مرّ من رجوع الفين وبقي منهم أربعة آلاف على ضلالتهم، فصاروا جميعاً ستة آلاف، وهو ما مرّ ذكره عن سنن النسائي

١- المصنف ١٠/١٥٧ــ١٦٠ منشورات المجلس العلمي.

وذكره السيوطي في الدر المنثور ٢/١٥٧. ط أفست الإسلامية، وقال: أخرجه الطبراني، والحاكم وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في سننه.

٤٥
والخصائص له، وسنن البيهقي، و(المعرفة والتاريخ) للبسوي، وغيرهم.

ولمّا كانت المحاورات متعددة ومتشابهة في النقض والإبرام، كما أنّها كانت متعاقبة من الحبر ابن عباس والإمام عليه السلام، فهي مظنة للإيهام ومزلّة الأقلام على تعاقب الأيام.

ومن شاء الإستزادة في المقام فليراجع المصادر التالية مضافاً إلى ما مرّ ذكره:

١ــ (مصباح الأنوار) للشيخ الجليل هاشم بن محمّد, (مخطوط).

ومن المطبوعات:

٢ــ بحار الأنوار) ٨/٦١١ــ٦١٩ ط كمپاني.

٣ــ (درر البحار) ٣/٢٨٥ ط حجرية.

٤ــ (شرح نهج البلاغة) للمعتزلي ١/٢١٦ ط مصر الأولى.

٥ــ (مناقب الخوارزمي) ١٧٥ــ١٧٦ ط حجرية.

٦ــ (كنز العمال) ٦/٧٩ ط حيدر آباد الأولى.

٧ــ (أحكام القرآن) للجصاص ٣/٤٩٤.

٨ــ (كفاية الطالب) للشنقيطي٨١ ط الإستقامة بمصر.

٩ــ (رغبة الآمل في شرح الكامل) ٥/١٧٠.

١٠ــ ترجمة تاريخ ابن أعثم ٣١٩ ط حجرية. مضافاً إلى ما مرّ من أصله العربي.

١١ــ (مطالب السؤول) لابن طلحة الشافعي١٥٢ ط حجرية.

١٢ــ (ناسخ التواريخ) ٣/كتاب٣/٥٧٥ ط حجرية.

١٣ــ (الفرق الإسلامية) للبشبيشي ط الرحمانية بمصر.

٤٦

فسينغضون إليك رؤوسهم

لم يبرح الخوارج قذىً في عهد الولاة منذ عهد الإمام عليه السلام فمن بعده، وفي حكم الأمويين تزايد شرّهم، وحتى أيام ابن الزبير فقد أصابه منهم نصيب غير منقوص، وكلّما وجدوا مجالاً ثاروا وقتلوا الناس ظلماً، وتعالى نشاطهم أيام حصار الجيش الأموي بقيادة الحصين بن نمير لعبد الله بن الزبير، فتوافدوا على مكة رجالاً وركباناً، وانضموا إلى صفوف جنده، ولمّا هلك يزيد بن معاوية (لعنه الله)، ووضعت الحرب أوزارها في سنة (٦٤هـ) أضحوا قوّة يُحسب لها حسابها، وثقلاً يهددّ كيان الدولة.

وقد أفاض الطبري في سبب مفارقتهم لابن الزبير، فلنقرأ ماذا قال:

قال الطبري في تاريخه: تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم

((ذكر الخبر عن فراق الخوارج عبد الله بن الزبير)

وفى هذه السنة (٦٤هـ) فارق عبد الله بن الزبير الخوارج الذين كانوا قدموا عليه مكة، فقاتلوا معه حصين بن نمير السكوني فصاروا إلى البصرة، ثم افترقت كلمتهم فصاروا أحزاباً.

ذكر الخبر عن فراقهم ابن الزبير والسبب الذي من أجله فارقوه والذي من أجله افترقت كلمتهم.

حدثت عن هشام بن محمد الكلبيّ، عن أبي مخنف لوط بن يحيى، قال: حدثني أبو المخارق الراسبي، قال: لمّا ركب ابن زياد من الخوارج بعد قتل أبى بلال ما ركب، وقد كان قبل ذلك لا يكف عنهم ولا يستبقيهم، غير أنّه بعد قتل أبى بلال تجرّد لاستئصالهم وهلاكهم، واجتمعت الخوارج حين ثار ابن الزبير بمكة وسار إليه

٤٧
أهل الشام، فتذاكروا ما أتى إليهم، فقال لهم نافع بن الأزرق: إن الله قد أنزل عليكم الكتاب وفرض عليكم فيه الجهاد واحتج عليكم بالبيان، وقد جرّد فيكم السيوف أهل الظلم، وأولو العدى والغَشم، وهذا مَن قد ثار بمكة فاخرجوا بنا نأت البيت ونلق هذا الرجل، فإن يكن على رأينا جاهدنا معه العدو، وإن يكن على غير رأينا دافعنا عن البيت ما استطعنا ونظرنا بعد ذلك في أمورنا، فخرجوا حتى قدموا على عبد الله بن الزبير فسرّ بمقدمهم ونبّأهم أنّه على رأيهم، وأعطاهم الرضا من غير توقف ولا تفتيش، فقاتلوا معه حتى مات يزيد بن معاوية وانصرف أهل الشام عن مكة.

ثم إنّ القوم لقي بعضهم بعضاً فقالوا: إنّ هذا الذي صنعتم أمس بغير(١) رأى ولا صواب من الأمر، تقاتلون مع رجل لا تدرون لعلّه ليس على رأيكم، إنّما كان أمس يقاتلكم هو وأبوه ينادى يا لثارات عثمان، فأتوه وسلوه عن عثمان فإن برئ منه كان وليّكم، وإن أبى كان عدوكم(٢).

فمشوا نحوه فقالوا له: أيّها الانسان إنّا قد قاتلنا معك ولم نفتشك عن رأيك حتى نعلم أمنّا أنت أم من عدونا؟ خبرّنا ما مقالتك في عثمان؟

فنظر فإذا مَن حوله مِن أصحابه قليل، فقال لهم: إنّكم أتيتموني فصادفتموني حين أردت القيام، ولكن روحوا إليّ العشية حتى أعلمكم من ذلك الذي تريدون، فانصرفوا. وبعث إلى أصحابه فقال: البسوا السلاح وأحضروني بأجمعكم العشية ففعلوا، وجاءت الخوارج وقد أقام أصحابه حوله سماطين

١- ابن الأثير: (لغير رأي).

٢- ابن الأثير: (لغير رأي).

٤٨
عليهم السلاح، وقامت جماعة منهم عظيمة على رأسه بأيديهم الأعمدة(١).

فقال ابن الأزرق لأصحابه: خشي الرجل غائلتكم وقد أزمع بخلافكم(٢)، واستعد لكم، ما ترون؟

فدنا منه ابن الأزرق، فقال له: يا ابن الزبير اتق الله ربك وابغض الخائن المستأثر، وعادِ أوّل من سنّ الضلالة وأحدث الأحداث، وخالف حكم الكتاب، فإنّك إن تفعل ذلك ترض ربك وتنج من العذاب الأليم نفسك وإن تركت ذلك فأنت من الذين استمتعوا بخلاقهم وأذهبوا في الحياة الدنيا طيباتهم.

يا عبيدة بن هلال صف لهذا الانسان ومن معه أمرنا الذي نحن عليه والذي ندعو الناس إليه. فتقدم عبيدة بن هلال.

قال هشام: قال أبو مخنف: وحدثني أبو علقمة الخثعمي عن قبيصة(٣) ابن عبد الرحمن القحافي من خثعم قال: أنا والله شاهد عبيدة بن هلال إذ تقدم فتكلم، فما سمعت ناطقاً قط ينطق كان أبلغ ولا أصوب قولاً، منه وكان يرى رأى الخوارج.

قال: وإن كان ليجمع القول الكثير، في المعنى الخطير، في اللفظ اليسير.

قال: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أمّا بعد فإنّ الله بعث محمّداً صلي الله عليه و اله وسلم يدعو إلى عبادة الله وإخلاص الدين فدعا إلى ذلك فأجابه المسلمون، فعمل

١- ابن الأثير: (العمد).

٢- (خلافكم).

٣- (عن أبي قبيصة) والصواب ما أثبت.

٤٩
فيهم بكتاب الله وأمره حتى قبضه الله إليه صلي الله عليه و اله وسلم، واستخلف الناس أبا بكر، واستخلف أبو بكر عمر، فكلاهما عملا بالكتاب وسنّة رسول الله، فالحمد لله ربّ العالمين .

ثم إنّ الناس استخلفوا عثمان بن عفان فحمى الأحماء فآثر القربى واستعمل الفتى(١)، ورفع الدرّة، ووضع السوط، ومزّق الكتاب وحقّر المسلم، وضرب منكري(٢) الجور، وآوى طريد الرسول صلي الله عليه و اله وسلم، وضرب السابقين بالفضل، وسيرّهم وحرمهم، ثم أخذ فيء الله الذي أفاءه عليهم فقسّمه بين فسّاق قريش ومُجّان العرب، فسارت إليه طائفة من المسلمين أخذ الله ميثاقهم على طاعته، لا يبالون في الله لومة لائم، فقتلوه، فنحن لهم أولياء ومن ابن عفان وأوليائه برآء، فما تقول أنت يا ابن الزبير؟

قال: فحمد الله ابن الزبير وأثنى عليه، ثم قال: أمّا بعد فقد فهمتُ الذي ذكرتم وذكرت به النبيّ صلي الله عليه و اله وسلم فهو كما قلت صلي الله عليه و اله وسلم وفوق ما وصفته، وفهمتُ ما ذكرت به أبا بكر وعمر وقد وُفْقت وأصبت، وقد فهمتُ الذي ذكرت به عثمان بن عفان رحمة الله عليه، وإنّي لا أعلم مكان أحد من خلق الله اليوم أعلم بابن عفان وأمره منّي، كنت معه حيث نقم القوم عليه واستعتبوه، فلم يدع شيئاً استعتبه القوم فيه إلاّ أعتبهم منه، ثم إنّهم رجعوا إليه بكتاب له يزعمون أنّه كتبه فيهم يأمر فيه بقتلهم، فقال لهم: ما كتبته فإن شئتم فهاتوا بيّنتكم، فإن لم تكن حلفت لكم، فوالله ما جاؤوه ببينة ولا استحلفوه، ووثبوا عليه فقتلوه، وقد

١- ابن الأثير: (الغني).

٢- ابن الأثير: (منكر الجواد).

٥٠
سمعتُ ما عبته به، فليس كذلك، بل هو لكلّ خير أهل، وأنا أشهدكم ومن حضر(١) أنّى وليّ لابن عفان في الدنيا والآخرةٌ ووليّ أوليائه وعدُوّ أعدائه.

قالوا: فبرئ الله منك يا عدو الله.

قال: فبرئ الله منكم يا أعداء الله.(٢)

١- ابن الأثير: (حضرني).

٢- ذكر ابن عبد ربّه الأندلسي في (العقد الفريد) خطبة ابن الزبير في الخوارج فقال:

(فنظر بعضهم الى بعض ثم انصرفوا عنه، وكتب بعد ذلك نافع بن الأزرق الى عبد الله بن الزبير يدعوه الى أمره: أمّا بعد...

وقد حضرت عثمان يوم قتل، فلعمري لئن كان قتل مظلوماً فقد كفر قاتلوه وخاذلوه، وإن كان قاتلوه مهتدين ــ وإنّهم لمهتدون ــ لقد كفر من تولاه ونصره، ولقد علمت أنّ أباك وطلحة وعليّاً كانوا أشدّ الناس عليه... وكانوا في أمره بين قاتل وخاذل، وأنت تتولى أباك وطلحة وعثمان، فكيف ولاية قاتل متعمد ومقتول في دين واحد، ولقد ملك (ولي) عليّ بعده، فنفى الشبهات، وأقام الحدود، وأجرى الأحكام مجاريها، وأعطى الأمور حقها فيما عليه وله، فبايعه أبوك وطلحة، ثم خلعا بيعته ظالمين له، وإن القول فيك وفيهما لكما.

قال ابن عباس رحمه الله: إن يكن عليّ في وقت معصيتكم ومحاربتكم له كان مؤمناً لقد كفرتم بقتال المؤمنين وأئمة العدل، وإن كان كافراً كما زعمتم وفي الحكم جائراً، فقد بؤتم بغضب من الله بفراركم من الزحف ولقد كنت له عدواً، وليس له عائباً، فكيف توليته بعد موته؟)(العقد الفريد ٢/٣٩٤).

وفي تاريخ ابن الأثير: (وتفرق القوم، فأقبل نافع بن الأزرق الحنظلي، وعبد الله بن صفار السعدي من بنى صريم بن مقاعس، وعبد الله بن أباض أيضاً من بنى صريم، وحنظلة بن بيهس، وبنو الماحوز: عبد الله، وعبيد الله والزبير من بنى سليط بن يربوع وكلهم من تميم، حتى أتوا البصرة، وانطلق أبو طالوت بن زمان بن مالك بن صعب بن علي بن مالك بن بكر ابن وائل، وعبد الله بن ثور أبو فديك من بنى قيس بن ثعلبة، وعطية بن الأسود اليشكري إلى اليمامة، فوثبوا باليمامة مع أبي طالوت، ثم أجمعوا بعد ذلك على نجدة بن عامر الحنفي، فأمّا البصريون منهم فإنّهم قدموا البصرة وهم مجمعون على رأي أبى بلال) (الكامل في التاريخ ٤/١٦٧).

٥١
قال هشام: قال أبو مخنف لوط بن يحيى: فحدثني أبو المثنى عن رجل من إخوانه من أهل البصرة: أنّهم اجتمعوا فقالت العامّة منهم: لو خرج منّا خارجون في سبيل الله فقد كانت منّا فترة منذ خرج أصحابنا فيقوم علماؤنا في الأرض فيكونون مصابيح الناس يدعونهم إلى الدين ويخرج أهل الورع والإجتهاد فيلحقون بالربّ فيكونون شهداء مرزوقين عند الله أحياء.

فانتدب لها نافع بن الأزرق فاعتقد على ثلاثمائة رجل فخرج، وذلك عند وثوب الناس بعبيد الله بن زياد، وكسر الخوارج أبواب السجون وخروجهم منها، واشتغل الناس بقتال الأزد وربيعة وبنى تميم وقيس في دم مسعود بن عمرو، فاغتنمت الخوارج اشتغال الناس بعضهم ببعض، فتهيؤا واجتمعوا، فلمّا خرج نافع بن الأزرق تبعوه، واصطلح أهل البصرة على عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب يصلى بهم، وخرج ابن زياد إلى الشام، واصطلحت الأزد وبنو تميم، فتجرد الناس للخوارج فاتبعوهم وأخافوهم، حتى خرج من بقي منهم بالبصرة فلحق بابن الأزرق إلاّ قليلاً منهم ممن لم يكن أراد الخروج يومه ذلك، منهم عبد الله بن صفار وعبد الله بن أباض ورجال معهما على رأيهما، ونظر نافع بن الأزرق ورأى أنّ ولاية مَن تخلف عنه لا تنبغي، وأن من تخلف عنه لا نجاة له، فقال لأصحابه: إنّ الله قد أكرمكم بمخرجكُم وبصّركم ما عمي عنه غيركم، ألستم تعلمون أنّكم إنّما خرجتم تطلبون شريعته وأمره؟ فأمره لكم قائد، والكتاب لكم إمام، وإنّما تتبعون سننه وأثره؟

٥٢
فقالوا: بلى.

فقال: أليس حكمكم في وليكم حكم النبيّ صلي الله عليه و اله وسلم في وليّه، وحكمكم في عدوّكم حكم النبيّ صلي الله عليه و اله وسلم في عدوّه؟ وعدوكم اليوم عدوّ الله وعدّو النبيّ صلي الله عليه و اله وسلم كما أنّ عدو النبيّ صلي الله عليه و اله وسلم يومئذ هو عدو الله وعدّوكم اليوم.

فقالوا: نعم.

قال: فقد أنزل الله تبارك وتعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾(١)، وقال: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾(٢)، فقد حرّم الله ولايتهم والمقام بين أظهرهم، وإجازة شهادتهم، وأكل ذبائحهم، وقبول علم الدين عنهم، ومناكحتهم ومواريثهم، وقد احتج الله علينا بمعرفة هذا، وحق علينا أن نعلّم هذا الدين الذين خرجنا من عندهم ولا نكتم ما أنزل الله، والله عزوجل يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾(٣)، فاستجاب له إلى هذا الرأي جميع أصحابه.

فكتب من عبيد الله نافع بن الأزرق إلى عبد الله بن صفار، وعبد الله بن أباض، ومن قبلهما من الناس: سلام على أهل طاعة الله من عباد الله، فإنّ من الامر كيت وكيت ــ فقصّ هذه القصة ووصف هذه الصفة ــ ثم بعث بالكتاب إليهما، فأُتيا به، فقرأه عبد الله بن صفار فأخذه فوضعه خلفه، فلم

١- التوبة/١.

٢- البقرة/٢٢١.

٣- البقرة/١٥٩.

٥٣
يقرأه على الناس خشية أن يتفرقوا ويختلفوا.

فقال له عبد الله بن أباض: مالك لله أبوك أيّ شئ أُصبت أن قد أصيب إخواننا أو أُسر بعضهم؟

فدفع الكتاب إليه فقرأه، فقال: قاتله الله أيّ رأي رأى، صدق نافع بن الأزرق لو كان القوم مشركين كان أصوب الناس رأياً وحكماً فيما يشير به وكانت سيرته كسيرة النبيّ صلي الله عليه و اله وسلم في المشركين، ولكنّه قد كذب وكذبنا فيما يقول، إنّ القوم كفّار بالنعم والأحكام، وهم برآء من الشرك، ولا يحلّ لنا إلاّ دماؤهم، وما سوى ذلك من أموالهم فهو علينا حرام.

فقال ابن صفار: برئ الله منك فقد قصرت، وبريء الله من ابن الأزرق فقد غلاٌ، برئ الله منكما جميعاً.

وقال الآخر: فبرئ الله منك ومنه.

وتفرّق القوم واشتدت شوكة ابن الأزرق وكثرت جموعه(١) وأقبل نحو البصرة...)(٢). انتهى ما أردنا نقله عن الطبري.

ومنه علمنا أنّ الخوارج الذين كانوا بمكة أيام ابن الزبير هم الذين ابتلي ابن عباس بمسائلهم.

ولنبدأ بعرض محاوراته مع رموزهم وزعماء فرقهم:

١- بعدها في ابن الأثير: (وأقام بالأهواز يجبي الخراج ويتقوّى به).

٢- تاريخ الطبري ٤/٤٣٦ ــ٤٤٠.

٥٤

فأوّلهم: نافع بن الأزرق

وكان من المتشددين في مذاهبهم، وهو أوّل من أحدث الخلاف بينهم، ففارقه النجدات أتباع نجدة بن عويمر ــ عامر ــ وغيرهم، وبقي معه طائفة هم الأزارقة، ولهم تطرّف في سلوكهم مع باقي المسلمين، فيرون كما يقول الأشعري: (أنّ كلّ كبيرة كفر، وأنّ الدار دار كفر ــ ويعنون دار مخالفيهم ــ وأنّ كلّ مرتكب معصية كبيرة ففي النار خالداً مخلداً، ويكفرون عليّاًــ رضي الله عنه ــ في التحكيم، ويكفرون الحكمين ــ أبا موسى وعمرو بن العاص ــ ويرون قتل الأطفال)، (ويرون أنّ أطفال المشركين في النار، فإنّ حكمهم حكم آبائهم، وكذلك أطفال المؤمنين حكمهم حكم آبائهم)، إلى غير ذلك من مقالات شاذة(١)...

(محاورات نافع مع ابن عباس)

وكان جريئاً على ابن عباس، فقد كانت تبدر منه الكلمة النابية، فيغضي

١- راجع بشأنها: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلّين ١/١٥٩ــ١٦٢، لأبي الحسن الأشعري ت٣٣٠هـ، بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد ط مصر ١٣٦٩هـ، التنبيه والرد/٥٦و١٦٧، للملطي ت٣٧٧هـ ط الأولى١٣٦٩هـ، ولمعرفة المزيد عن نافع بن الأزرق، فراجع شرح نهج البلاغة ٤/١٣٦، لابن أبي الحديد، بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ستجد قول ابن أبي الحديد عنه: (وكان شجاعاً مقدماً في فقه الخوارج، واليه تنسب الأزارقة، وكان يفتي بأن الدار دار كفر، وأنهم جميعاً في النار، وكل من فيها كافر، إلا من أظهر إيمانه، ولا يحلّ للمؤمنين أن يجيبوا داعياً منهم إلى الصلاة، ولا أن يأكلوا من ذبائحهم، ولا أن يناكحوهم، ولا يتوارث الخارجي وغيره، وهم مثل كفار العرب وعبدة الأوثان، لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف... فتفرق عنه جماعة من الخوارج).

٥٥
عنه ابن عباس، ويتحملها بحلمه، رجاء أن يستصلحه بعلمه، ولكن الذي خبث لا يخرج إلاّ نكداً.

لقد روى الشيخ الطوسي في كتابه (التبيان):

(أنّ نافع بن الأزرق قال لابن عباس: يا أعمى القلب، يا أعمى البصر، تزعم أنّ قوماً يخرجون من النار، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾(١)؟

فقال ابن عباس: ويحك أوما فقهتَ؟ هذه للكفار)(٢) .

وروى ابن أبي حاتم في تفسيره، بسنده عن يوسف بن ماهك، أنّه حدثهم:

(إنّ ابن الأزرق ــ يعني نافعاً صاحب الأزارقة ــ كان يأتي عبد الله بن عباس، فإذا أفتى ابن عباس، فيرى هو أنّه ليس بمستقيم، يقول له: قف من أين أفتيت بكذا وكذا؟ ومن أين كان؟

فيقول ابن عباس: أوقاف مَن كذا وكذا.

حتى ذكر يوماً الهدهد، فقال: قف كيف تزعم أنّ الهدهد يرى مسافة الماء تحت الأرض، وقد يذرّ على الفخ التراب فيصطاد؟

فقال ابن عباس: لولا أن يذهب فيقول كذا وكذا فرددت عليه لم أقل شيئاً، إنّ البصر ينفع ما لم يأت القدر، فإذا جاء القدر حال دون البصر.

فقال ابن الأرزق: لا أجادلك بعدها في شيء من كتاب الله. أو قال: في شيء)(٣).

١- المائدة/٣٧.

٢- التبيان ٣/٥١١ ط العلمية بالنجف الأشرف.

٣- تفسير أبي حاتم ٩/٢٨٦٠ ط صيدا.

٥٦
أقول: لقد نقد الزمخشري في (الكشاف) هذه الرواية لا لقول نافع لابن عباس يا أعمى البصر يا أعمى القلب... فحسب، بل لأنّ الرواية فرية تمسك بها المجبرة، فقال: (وما يروى أنّ نافع بن الأزرق قال لابن عباس: يا أعمى البصر أعمى القلب، تزعم أنّ قوماً يخرجون من النار وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾(١)، فقال: ويحك إقرأ ما فوقها، هذا للكفار. فمما لفّقته المجبّرة، وليس تكاذبهم وفراهم، وكفاك بما فيه من مواجهة ابن الأزرق ابن عم رسول الله صلي الله عليه و اله وسلم وهو بين أظهر أعضاده من قريش، وأنصاره من بني عبد المطلب، وهو حبر الأمة، وبحرها ومفسّرها، بالخطاب الذي لا يجسر على مثله أحد من أهل الدنيا، وبرفعه إلى عكرمة دليلين ناصعين أنّ الحديث فرية ما فيها مرية)(٢).

وقد ردّ عليه أحمد ابن المنبر الأسكندري المالكي في كتابه (الإنتصاف فيما تضمنه الكشاف من الإعتزال)، قال: (في هذا الفصل من كلامه وتمشدقه بالسفاهة على أهل السنة ورميهم بما لا يقولون به من الأخبار بالكذب والتخليق والإفتراء ما يحمي الكبد المملوء بحبّ السنة وأهلها على الإنتصاب للإنتصاف منه، ولسنا بصدد تصحيح هذه الحكاية، ولا وقف الله صحة العقيدة على صحتها)(٣).

ونحن أيضاً نقول معه: كذلك لسنا بصدد تصحيح هذه الحكاية فإنّه:

١- المائدة/٣٧.

٢- الكشاف ١/٤٥٨ ط البابي الحلبي وأولاده بمصر ١٣٦٧هـ.

٣- المصدر السابق.

٥٧


ما في الديار أخو وجد نطارحهحديثّ نجد ولا خلٌ نجاريه

والذي لا نشك فيه أنّ ابن الأزرق كان جلفاً جافاً، مضافاً إلى غلظة البداوة وشدّة الإنحراف في المذهب .

وقد مرّ بنا في الجزء الثاني من هذه الحلقة في المبحث الخامس في (كشف ما استبهم علمه من المتشابه في القرآن) بعض مسائل نافع التي كان يسألها من ابن عباس تعنتّاً لا تفقهاً، وقد أخرج البخاري في صحيحه منها خبراً مبهماً لم يسمه فيه(١)، لكن ابن حجر كشفه، فقال: (كان هذا الرجل هو نافع بن الأزرق الذي صار بعد ذلك رأس الأزارقة من الخوارج، وكان يجالس ابن عباس بمكة ويسأله ويعارضه) .

ثم قال ابن حجر: (ومن جملة ما وقع سؤاله عنه صريحاً ما أخرجه الحاكم في المستدرك من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة، قال: سأل نافع بن الأزرق ابن عباس عن قوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾(٢)، ﴿فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً﴾(٣)، وقوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾(٤)، و﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ﴾(٥)، الحديث بهذه القصة حسب، وهي أحدى القصص المسؤول عنها في حديث الباب.

١- فلعله إنما أبهم اسمه لأنه كان له تعاطف مع الخوارج، فقد ترجم في تاريخه لبعضهم وخرّج في صحيحه عمران بن حطّان شاعرهم.

٢- المرسلات/٣٥.

٣- طّه/١٠٨.

٤- الصافات/٢٧.

٥- الحاقة/١٩.

٥٨
وروى الطبري من حديث الضحاك بن مزاحم، قال: قدم نافع بن الأزرق ونجدة بن عويمر في نفر من رؤوس الخوارج بمكة، فإذا هم بابن عباس قاعداً قريباً من زمزم، وأناس قياماً يسألونه، فقال له نافع بن الأزرق: أتيتك لأسألك، فسأله عن أشياء كثيرة من التفسير ساقها في ورقتين.

وأخرج الطبري من هذا الوجه بعض القصة ولفظه:

إنّ نافع بن الأزرق أتى ابن عباس، فقال: قول الله: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً﴾(١)، وقوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾(٢)؟

فقال: إنّي أحسبك قمتَ من عند أصحابك فقلتَ لهم: آتي ابن عباس فألقي عليه متشابه القرآن؟

فأخبرهم أنّ الله تعالى إذا جمع الناس يوم القيامة، قال المشركون: إنّ الله لا يقبل إلاّ من وحّده، فيسألهم فيقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، قال: فيختم على أفواههم ويستنطق جوارحهم، انتهى).

ثم استمر ابن حجر في التعقيب على ذلك فراجعه فلا يخلو كلامه من فائدة(٣).

ويبدو من أخبار نافع بن الأزرق مع ابن عباس، أنّه كان يتعمّد إسماعه ما لا يليق به، ولعلّها كوامن أحقاد من أيام الخوارج الأولى، حيث كان ابن عباس في محاوراته معهم ينسف مزاعمهم، ويكشف زيف ما شبّه عليهم، وقد هدى الله تعالى به آلافاً منهم، كما مرّ ذكر ذلك في أخباره معهم في حروراء

١- النساء/٤٢.

٢- الأنعام/٢٣.

٣- فتح الباري ١٠/١٧٧ ط مصطفى البابي الحلبي بمصر (١٣٧٨هـ).

٥٩
والكوفة والنهروان وما بعدها، لهذا كان نافع لا يحبّه ويراه خصماً خصيماً.

فكانت مسائله بلغة تحدٍّ واستعلاء، مع سوء أدب في التعبير، وجُلّ مسائله إن لم يكن كلّها، كانت تعنتاً، وليس تفقّهاً وتفّهماً، وهو كان من أشدّ الخوارج عناداً لأهل البيت عليهم السلام، ومع ذلك فقد كان ابن عباس يوليه من سعة أخلاقه مسامحة ورحابة صدر، رجاء إستصلاحه، ولكن الرجل على طبيعته نسباً وسبباً يزداد عتواً وتجبّراً، فهو من بني حنيفة المرتدة الذين كانت لهم مواقف في حروب الردّة، وكان معدوداً في أصحاب ابن عباس فيما قال ابن حزم في (الجمهرة): (وأبو راشد نافع بن الأزرق... بن حنيفة، الذي تنسب إليه الأزارقة من الخوارج، وكان في أوّل أمره من أصحاب ابن عباس رضي الله عنه ثم غلب عليه الشقاء فاستعرض المسلمين بسيفه، وقتل النساء والأطفال، وعطل الرجم، وفارق الإسلام...أهـ)(١).

ثم هو صاحب المسائل في غريب ألفاظ من القرآن الكريم التي زعم أنّه لم يعرف معناها فسأل عنها ابن عباس، على أن يأتيه على كلّ لفظة بشاهد من شعر العرب، فهي كانت تعجيزية أكثر منها تعليمية، وهي تزيد على المائتين، وستأتي في الحلقة الثالثة إن شاء الله.

أمّا الآن فإلى ذكر بعض مسائله التي سألها تعنتّاً، وهي مسائل قرآنية في مختلف فنون المعرفة:

فمنها ما أخرج الخطيب البغدادي في تاريخه في ترجمة:

(عرفة بن يزيد ــ والد الحسن بن عرفة العبدي، حدث عن عاصم بن

١- جمهرة أنساب العرب/٣٣١، تحقيق هارون.

٦٠