×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

النظرية المهدوية في فلسفة التاريخ / الصفحات: ١٨١ - ٢٠٠

إلا مستخفياً ثمّ يأتي الله بقوم صالحين يملؤونها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً-(١).

فهؤلاء يعتقدون: أنّ المهدي لا يظهر حتّى تعجّ الأرض بالمظالم والمفاسد، ولذلك فهم يفهمون أنّه -يجب توفير الظلم والجور وترك العمل ضدّه استعجالاً لظهور المهدي-(٢)، ورأينا أنّ الشهيد مطهّري رحمه الله يطلق على هذا التصوّر الساذج تسمية -الانتظار المخرّب-؛ لأنّ أصحابه يقِفون ضدّ كلّ إصلاح وتغيير إيجابي في المجتمع -لأنّ الإصلاح يشكّل نقطة مضيئة على ساحة المجتمع العالمي، ويؤخّر الإمداد الغيبي، كما يعتبر هذا التصوّر كلّ ذنب وتمييز وإجحاف مباحاً؛ لأنّ مثل هذه الظواهر تمهّد للإصلاح العام وتقرّب موعد الانفجار-(٣)، فالتعجيل في هذا المنظور يصطبغ بنوع من الإباحية فتكون إشاعة الفساد أفضل عامل على تسريع الظهور وأرقى أشكال انتظار الفرج.

ويذهب الشهيد مطهّري رحمه الله أنّ الاتجاه المخرّب في فهم الظهور يشترك مع الاتجاه الديالكتيكي في معارضة الإصلاحات واعتبار الظلم والفساد مقدّمة ضرورية لانفجار مقدّس، ولكن الفرق بين الاتجاهين -أنّ الاتجاه الديالكتيكي يعارض الإصلاحات ويؤكّد على ضرورة تشديد الفوضى والاضطرابات انطلاقاً من هدف مشخّص يتمثّل في تعميق الفجوات والتناقضات لتصعيد النضال، لكن هذا التفكير المبتذل في مسألة المهدي يفتقد هذه النظرة ويرتئي زيادة الظلم والفساد من أجل الوصول إلى النتيجة المطلوبة تلقائياً-(٤).

ولا يخفى تهافت هذا التصوّر وتناقضه مع القواعد الإسلامية والموازين الشرعية، وأهمّها إقامة الحدود والأحكام الإسلامية ومقارعة الظلم والظالمين حيث إنّ غيبة الإمام لا تُبَرّر تجميد هذه الأحكام فهي سارية المفعول والناس مسؤولون عنها -ومن الواضح أنّ الاعتقاد بوجود المهدي وغيبته لا يرفعها ولا يخصّصها لضرورة الدين وإجماع المسلمين، وليس على الفرد المسلم الذي يريد الإطاعة والامتثال إلا أن يراجع الأحكام الإسلامية

١- . المصدر نفسه، ج٥١، ص١١٧.

٢- . محمّد صادق الصدر، تاريخ الغيبة الكبرى، ص٣٤٩.

٣- . مرتضى مطهري، نهضة المهدي في ضوء فلسفة التاريخ، ص٤٨.

٤- . المصدر نفسه، ص٤٩.

١٨١
النظرية المهدوية في فلفسة التاريخ » الاسعد بن علي قيدارة » (ص ١٨١ - ص ٢١٠)ليعرف ما فيها من جوانب شخصية وجوانب عامّة لكي يطبّقها على حياته الخاصّة والعامّة، ويباشر العمل الاجتماعي العام طبقاً للتكليف الإسلامي بالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومكافحة الظلم-(١).

ومن جهة أخرى إنّ الظلم والجور لا يقع في عصر ما قبل الظهور بالجبر والإكراه من قبل الله، وإنّما يحدث نتيجة سوء اختيار الناس واستغراقهم في أهوائهم وشهواتهم وانغماسهم الكلي في رغباتهم وحاجاتهم المادّية غافلين كلّ الغفلة عن الحقّ والدور والرسالة. وتتمثّل مسؤولية الفرد الذي ينسجم في حركته مع التخطيط الإلهي والإرادة الإلهية في انتصار الدين وقيام مجتمع المتقين، في مقاومة الظلم ومحاربة رموزه لا في الوقوف مؤيّداً له؛ لأنّ شرط الظهور ليس هو امتلاء الأرض ظلماً وانحرافاً تماماً كما يفكّر هؤلاء، وإلا لما أمكن إصلاحها حينئذٍ، حتّى مع ظهور الإمام إلا بطريق المعجزة، وهذا ما لم يرتضه التخطيط منذ البداية.

ومقصود الروايات من الامتلاء سيطرة الكفر على الإيمان مع وجود أنصار للإيمان على قلّتهم وخوفهم، وبالتأمّل العميق في الحكمة من هذا البلاء العظيم بهيمنة الطاغوت لفترة يتضح لنا أنّ الدرجة العالية من الإخلاص التي يستهدفها التخطيط في أنصار المهدي تتطلّب هذا الجو المليء فتناً ومحناً، والمؤمنون بحركتهم وجهادهم في هذا الجو الضاغط، وما يكلّفهم ذلك من ضريبة قوية يصعّدون درجات إخلاصهم، ويوطنون أنفسهم على التضحيات الكبيرة في سبيل الرسالة، -كما أنّ الأُمّة إذا شاع بين ظهرانيها الظلم والتعسّف وكانت راضية مستجدية تجاهه لا يوجد العمل فيها ضدّه ولا التفكير لرفعه أو التخفيف منه إذن فستكون أُمّة خائنة يتثاقل إخلاصها وينمحي شعورها بالمسؤولية، وتحتاج في ولادة ذلك عندها من جديد إلى زمان مضاعف ودهر طويل، ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ﴾ [الرعد].

وليت شعري كيف يكون هؤلاء على مستوى إصلاح البشرية كلّها في اليوم الموعود وهم قاصرون عن إصلاح مجتمعهم الصغير-(٢).

١- . محمّد صادق الصدر، تاريخ الغيبة الكبرى، ص٣٤٩.

٢- . المصدر نفسه، ص٣٥١.

١٨٢
بعد تخطّي هذا الطرح السلبي لمبدأ -تعجيل الفرج- والكشف عن المغالطات التي تنخره من الداخل لنحاول الآن تأسيس أو على الأقلّ بلورة رؤية إيجابية لهذا المبدأ، رؤية واقعية تتماشى مع روح النصوص وخطّ الأئمة في التاريخ وتتحرّك منسجمة مع النظرية المهدوية في فلسفة التاريخ كما كشفنا عنها إلى حدّ الآن.

فنقول: إنّ النظرية المهدوية تطرح الشرائط العامّة التالية للظهور:

أ. وجود القائد القادر على التصدّي لزمام هذه الدولة العالمية بما يمتلكه من قابليات وملكات عالية جدّاً، وكفاءة قصوى، وقد تصدّى التخطيط نفسه لحفظ هذا القائد وادخاره لحين توافر الشرائط الأخرى (الإمام محمّد بن الحسن العسكري عجل الله تعالى فرجه) أمّا لِمَ كان هذا الإمام من زمان غير زمان دولته حتّى يضطرّ إلى الغيبة ترقّباً لتوافر الظروف الملائمة ولمَ لا يولد في آخر الزمان ؟ فقد عالجنا هذا الإشكال في بحثنا حول أبعاد الغيبة.

ب. وجود أطروحة وبرنامج تفصيلي لهذه الدولة، ويمثّل الإسلام روح هذه الأطروحة وجوهرها؛ لأنّ رسالة الإسلام هي رسالة المهدي عقيدة وشريعة، غير أنّ التطبيق العالمي الشامل يحتاج إلى تعميق الوعي بهذه الأطروحة وتوسيع رواجها بين الأمم وتجذ ير الإيمان بما تختزنه من حلول لمشاكل العالم حاضراً ومستقبلاً.

ج. وجود القاعدة الشعبية الملتفّة حول الإمام ومشروعه العالمي، ويمكن تقسيم هذه القاعدة إلى خاصّة وعامّة، الخاصّة هم الصفوة من أصحاب الإمام وأنصاره والتي عيّنت الروايات عددهم بعدّة أهل بدر، والعامّة وهم عموم الأتباع والموالين الذين يزداد عددهم باضطراد مع الانتصارات التي يحقّقها الإمام، وركّزت الروايات كثيراً على الخاصّة من أنصار المهدي وعلى ما يملكونه من إيمان بالهدى والرسالة، واعتقاد راسخ بهما، ودرجات عالية من الإخلاص والتضحية في سبيل الله والمستضعفين، وعلّقت الروايات ظهور الإمام على توافر العدد الكامل لهؤلاء الحواريين.

د. تحقّق الظروف السياسية والحضارية العالمية المناسبة لقيام هذه الدولة ونجاحها في تحقيق العدالة التامّة والسعادة القصوى لبني البشر.

ويتبيّن لنا أنّ الشروط التي يجب تحقيقها هي الثاني والثالث والرابع، مما يعطي لمبدأ

١٨٣
التعجيل بمعناه الإيجابي مضموناً محدّداً ألا وهو: السعي الحثيث لتحقيق هذه الشروط.

ومن الطبيعي أن يستوجب ذلك تفعيل قدرات المؤمنين الفردية والجماعية في اتجاه تحقيق الأرضية اللازمة لظهور القائد وبناء المجتمع العالمي الجديد.

عوامل تعجيل الفرج

يمكن أن نتحدّث عن هذه العوامل على مستويين اثنين: المستوى الفردي والمستوى الجماعي حيث تفرض التحدّيات التاريخية جملة من المسؤوليات على مستوى الفرد وعلى مستوى الأُمّة.

١. المستوى الفردي

على هذا الصعيد ينجز المؤمن جزءاً كبيراً من مسؤولياته في تفعيل إرهاصات الظهور والتقدّم نحوه بثبات عندما يوطن نفسه على الانضمام إلى أنصار المهدي والتضحية في سبيله، ولا يتمّ ذلك إلا من خلال مقوّمات نفسية وفكرية وعبر جملة من السلوكيات والمواقف العملية، فيجسّد روحية المنتظر الربّاني، ويكون أقرب إلى الفرج.

أ. امتلاك الوعي العقائدي العميق

لابدّ للمؤمن أن يمتلك وعياً عقائدياً تفصيلياً بالإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه حيث يؤمن به وبغيبته وبظهوره ودولته وإنجازاته، ولا يزيده طول الغياب إلا يقيناً، فلا تصيبه الحيرة والشكّ، ولا ينفعل بالادعاءات المضادّة التي تحاول زعزعة إيمان الأُمّة بقائدها ومستقبلها فلا يسقط مع المتساقطين، عن أبي عبد الله عليه السلام -والله ليغيبنّ سبتاً من الدهر، وليخملنّ حتّى يقال: مات أو هلك بأي واد سلك، و لتفيضنّ عليه أعين المؤمنين، و ليكفأنّ كتكافؤ السفينة في أمواج البحر حتّى لا ينجو إلا من أخذ الله ميثاقه وكتب الإيمان في قلبه وأيّده بروح منه-(١).

وعن موسى بن جعفر عليه السلام -لابدّ لصاحب هذا الأمر من غيبة حتّى يرجع عن هذا الأمر من يقول به، إنّما هي محنة يمتحن الله بها خلقه-(٢).

وعن الرضا عليه السلام : -سيكون فتنة صمّاء صَيْلَم، يذهب فيها كلّ وليجة وبطانة (وفي

١- . النعماني، الغيبة، ص١٥٣.

٢- . المصدر نفسه، ص١٥٤.

١٨٤
رواية) يسقط كلّ وليجة وبطانة، وذلك عند فقدان الشيعة الثالث من ولدي، يحزن لفقده أهل الأرض والسماء، كم من مؤمن ومؤمنة متلهّف حيران حزين-(١)، فالفرد مسؤول عن حراسة معتقده وتحذيره في وجه كلّ التشكيكات سواء التي تعلّقت بالمهدي في شخصه وظروف ولادته وظروف غيبته، أم تعلّقت بالرسالة في مفاهيمها العقائدية والفكرية العامّة أو الخاصّة، مما يجعل التمسّك بالدين في هذا الجو زمن الغيبة تحدّياً كبيراً وموقفاً شامخاً لا يقدر عليه إلا القليل.

عن أبي عبد الله عليه السلام : -إنّ لصاحب هذا الأمر غيبة المتمسّك فيها بدينه كالخارط لشوك القتاد بيده، ثمّ أطرق ملياً ثمّ قال: إنّ لصاحب هذا الأمر غيبة، فليتق الله عبد وليتمسّك بدينه-(٢)، إضافة إلى هذا على الفرد أن يسعى إلى امتلاك تفسير واضح لحركة المهدي فيما هي علاقتها بالماضي والحاضر والمستقبل، وفهم عميق لطبيعة المرحلة التاريخية التي تعيشها الأُمّة وما تحتّمه من أدوار، بفضل هذا الوعي العقائدي المنبثق عنه رؤية واضحة حول تكليف المؤمن زمن الغيبة يحمي الفرد نفسه من الضياع والتيه والضلال، -اللّهم عرّفني نفسك؛ فإنّك إن لم تعرّفني نفسك لم أعرف رسولك، اللّهم عرّفني رسولك؛ فإنّك إن لم تعرّفني رسولك لم أعرف حجّتك، اللّهم عرّفني حجّتك؛ فإنّك إن لم تعرّفني حجّتك ضللت عن ديني-(٣)، ويجعل عمله مرتبطاً بإمام العصر، ويشعر أنّه يتحرّك فعلاً في الاتجاه الصحيح نحو المستقبل منسجماً مع أهداف التخطيط الإلهي مما يعطي نجاعة لهذه الأعمال وثقلاً تاريخياً في الميزان الواقعي طبعاً لا المادي الذي يقيّم الأعمال حسب آثارها الحسيّة.

وبفضل هذا الوعي يندفع المؤمن نحو خيارات التغيير والإصلاح فيواجه الانحرافات بهمّة عالية وإيمان بالنصر متسلّحاً برؤية مستقبلية متفائلة عن المستقبل السعيد المبارك كما شرحنا تفاصيله في الفصل الرابع.

ب. الدعاء والالتحام الروحي بالإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه

لا يكتفي المؤمنون بتأصيل العلاقة بالمهدي تعجيلاً لفرجه على المستوى الفكري

١- . المصدر نفسه، ص١٨٠.

٢- . محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢، ص١٣٥.

٣- . عباس القمي، مفاتيح الجنان، دعاء زمن الغيبة، ص١٠٢.

١٨٥
فحسب؛ بل يعملون جاهدين على تقوية الانجذاب الروحي والتعلّق الوجداني بالإمام، فالمسألة ليست قضية تجريدية نتعاطى معها في أفق النظر الفكري بل هي عمق الارتباط بالقيادة الربّانية وروح التديّن الصحيح، وهذا يفسّر اللوعة في قلوب المؤمنين والألم الشديد لغيبته وحرمان الجميع من بركاته، جاء في الحديث -واعلم أنّ قلوب أهل الطاعة والإخلاص نزع إليك مثل الطير إذا أمّت أوكارها-(١)، ودور الفرد في هذا المجال أن يعزّز هذا الشعور ويغذّيه بكلّ ألوان الدعاء والمناجاة حتّى تتأجّج نار الشوق واللهفة صدقا وحقّا.

عن الرضا عليه السلام : -لابدّ من فتنة صمّاء صيلم يسقط فيها كلّ بطانة ووليجة، وذلك عند فقدان الشيعة الثالث من ولدي، يبكي عليه أهل السماء والأرض، وكلّ حرّى وحرّان، وكلّ حزين لهفان، (إلى أن قال)كم من حرّى مؤمنة، وكم من مؤمن متأسّف حيران حزين عند فقدان الماء المعين-(٢).

وقد حثّ الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه نفسه المؤمنين على الدعاء جاء في التوقيع المنسوب للحجّة: -وأمّا وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيّبها عن الأبصار السحاب، وإنّي لأمان لأهل الأرض كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء، فأغلقوا أبواب السؤال عما لا يعنيكم، ولا تتكفّلوا ما قد كفيتكم، وأكثروا من الدعاء بتعجيل الفرج؛ فإنّ ذلك فرجكم-(٣).

وقد وردت أدعية كثيرة تتعلّق بالموضوع وتستهدف تعميق جملة من المعاني والمبادئ نذكر نماذج منها:

أدعية لتحسّس غيبة الإمام والتعبير عن الحزن لذلك:

منها ما ورد عن الصادق عليه السلام : -سيدي غيبتك نفت رقادي، وضيّقت على مهادي، وأسرت منّي راحة فؤادي، سيدي غيبتك أوصلت مصابي بفجائع الأبد، وفقدان الواحد بعد الواحد، يفني الجمع والعدد، فما أحسّ بدمعة ترقى من عيني، وأنين في

١- . محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢، ص٣٥.

٢- . المصدر نفسه، ج٥١، ص١٥٢.

٣- . المصدر نفسه، ج٥٢، ص٩٢.

١٨٦
صدري عن دوارج الرزايا، وسوالف البلايا، إلا مثل لعيني عوايد أعظمها وأفظعها وتراقي أشدّها وأنكرها، ونوايب مخلوطة بغضبك، ونوازل معجونة بسخطك-(١).

وفي دعاء الندبة: -عزيز عليّ أن أرى الخلق ولا ترى، ولا أسمع لك حسيساً ولا نجوى، عزيز عليّ أن تحيط بك دوني البلوى، ولا ينالك مني ضجيج ولا شكوى، بنفسي أنت من مغيّب لم يخلو منّا، بنفسي أنت من نازح ما نزح عنّا، بنفسي أنت أمنية شائق يتمنّى من مؤمن ومؤمنة، ذكراً فحنا، بنفسي أنت من عقيد عزّ لا يسامى، هل من معين فأطيل معه العويل والبكاء؟ هل من جزوع فأساعد جزعه إذا خلا؟ هل قذيت عين فساعدتها عيني على القذى؟ هل إليك يا ابن أحمد سبيل فتلقى؟ هل يتّصل يومنا منك بعدة فنحظى؟ متى نرد مناهلك الروية فنروى؟ متى ننتفع من عذب مائك فقد طال الصدى؟-(٢).

أدعية لحفظ الإمام

منها ما ورد في دعاء زمن الغيبة: -اللّهم أعذه من شرّ جميع ما خلقت وذرأت وبرأت وأنشأت وصوّرت، واحفظه من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، ومن فوقه، ومن تحته، بحفظك الذي لا يضيع من حفظته به، واحفظ فيه رسولك صلى الله عليه و آله ووصي رسولك عليه السلام ، اللّهم ومدّ في عمره، وزد في أجله، وأعنه على ما وليّته واسترعيته-(٣).

ومنها: -اللّهم ادفع عن وليّك وخليفتك وحجّتك على خلقك، ولسانك المعبّر عنك، الناطق بحكمتك، وعينك الناظرة بإذنك، واجعله في وديعتك التي لا تضيع، وفي جوارك الذي لا يخفر، وفي منعك وعزّك الذي لا يقهر، وآمنه بأمانك الوثيق الذي لا يخذل من آمنته به، واجعله في كنفك الذي لا يرام من كان فيه، وانصره بنصرك العزيز-(٤).

١- . محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢، ص٩٢.

٢- . عباس القمي، مفاتيح الجنان، ص٦١٢.

٣- . المصدر نفسه، ص١٠٢-١٠٣.

٤- . المجلسي، بحار الأنوار، ج٩٢، ص٢٣١.

١٨٧
أدعية لتعجيل الفرج وظهور الإمام

منها ما جاء في دعاء العهد: -اللّهم أرني الطلعة الرشيدة، والغرّة الحميدة، واكحل ناظري بنظرة منّي إليه، وعجّل فرجه، وسهّل مخرجه، واسلك بي محجّته، وأنفذ أمره، واشدد أزره، وأعمر اللهم به بلادك، وأحيي به عبادك؛ فإنّك قلت وقولك الحقّ، Nظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ M [الروم]. اللّهم فأظهر لنا وليّك، وابن وليّك، وابن بنت نبيّك، المسمّى باسم رسولك صلى الله عليه و آله في الدنيا والآخرة حتّى لا يظفر بشيء من الباطل إلا مزّقه، ويحقّ الحقّ ويحقّقه-(١).

ومنها -اللهم عجّل فرجه، وأيّده بالنصر، وانصر ناصريه، واخذل خاذليه، ودمدم على من نصب له وكذّب له، -وأظهر به الحقّ، وأمت به الجور، واستنقذ به عبادك المؤمنين من الذلّ، وأنعش به البلاد، واقتل به جبابرة الكفر، واقصم به رؤوس الضلالة، وذلّل به الجبارين والكافرين-(٢).

أدعية للثبات على معرفة الإمام في وجه الفتن

منها ما ورد في دعاء الافتتاح: -اللّهم إنّا نشكو إليك فقد نبينا صلى الله عليه و آله ، وغيبة ولينا، وكثرة عدونا، وقلّة عددنا، وشدّة الفتن بنا، وتظاهر الزمان علينا، فصلّ على محمّد وآله، وأعنّا على ذلك بفتح منك تعجّله، وبضرّ تكشفه، ونصر تعزّه، وسلطان حقّ تظهره-(٣).

ومنها ما جاء في دعاء زمن الغيبة:- اللّهم وثبتني على طاعة ولي أمرك الذي سترته عن خلقك، وبإذنك غاب عن بريتك، وأمرك ينتظر، وأنت العالم غير المعلّم بالوقت الذي فيه صلاح أمر وليك في الأذن له بإظهار أمره وكشف ستره، فصبّرني على ذلك حتّى لا أحبّ تعجيل ما أخّرت، ولا تأخير ما عجّلت، ولا كشف ما سترت، ولا البحث عما كتمت، ولا أنازعك في تدبيرك، ولا أقول لم؟ وكيف؟ وما بال ولي الأمر لا يظهر؟! وقد

١- . عباس القمي، مفاتيح الجنان، ص٦١٥.

٢- . المصدر نفسه، ص١٠٣.

٣- . المصدر نفسه، ص٢٣٥.

١٨٨
امتلأت الأرض من الجور اللهم، ولا تسلبنا اليقين لطول الأمد في غيبته، وانقطاع خبره عنّا، ولا تنسنا ذكره وانتظاره، والإيمان به، وقوّة اليقين في ظهوره، والدعاء له، والصّلاة عليه حتّى لا يقنطنا طول غيبته من قيامه، ويكون يقيننا في ذلك كيقيننا في قيام رسولك صلى الله عليه و آله ، وما جاء به من وحيك وتنزيلك فقوّ قلوبنا على الإيمان به حتّى تسلك بنا على يديه منهاج الهدى والمحجّة العظمى والطريقة الوسطى، وقوّنا على طاعته، وثبّتنا على متابعته، واجعلنا في حزبه وأعوانه وأنصاره والراضين بفعله، ولا تسلبنا ذلك في حياتنا وعند وفاتنا حتّى تتوفّانا ونحن على ذلك لا شاكّين ولا ناكثين ولا مكذّبين-(١).

أدعية لتجديد البيعة والعهد للإمام

ندبت أدعية كثيرة لإعلان البيعة والولاء للإمام وتجديد ذلك باستمرار، منها دعاء العهد الذي نقتطف منه المقطع التالي: -اللهم إنّي أجدّد له في صبيحة يومي هذا وما عشت فيه من أيام حياتي عهداً وعقداً وبيعة له في عنقي، لا أحول عنها ولا أزول أبداً، اللهمّ اجعلني من أنصاره، وأعوانه، والذّابّين عنه، والمسارعين إليه في قضاء حوائجه، والممتثلين لأوامره، والمحامين عنه، والسابقين التابعين إلى إرادته، والمستشهدين بين يديه-(٢).

وفي دعاء آخر: -اللّهمّ إنّي أجدّد له في هذا اليوم، وفي كلّ يوم عهدا وعقدا وبيعة في رقبتي، اللهمّ كما شرّفتني بهذا التشريف، وفضّلتني بهذه الفضيلة، وخصصتني بهذه النعمة، فصلّ على مولاي، وسيّدي صاحب الزمان، واجعلني من أنصاره، وأشياعه، والذّابّين عنه، واجعلني من المستشهدين بين يديه-(٣).

ولا تنحصر فوائد هذه الأدعية والتوسّلات في الجانب النفسي والشعوري للمؤمنين، والرقي بهم إلى مراتب أعلى من الإيمان واليقين والارتباط بالمهدي، والانصهار في مشروعه والاستعداد للتضحية والاستشهاد بين يديه؛ وإنّما لها آثار واقعية في حركة الأحداث وصيرورة التحوّلات؛ لأنّ للدعاء نوع ارتباط بعوالم التقدير الإلهي كما بيّن في

١- . المصدر نفسه، ص١٠٢.

٢- . المصدر نفسه، ص٦١٥.

٣- . المصدر نفسه، ص٦١٤.

١٨٩
محلّه في بحوث العقائد في مبحث: القضاء والقدر، ومسألة البداء، ودور الدعاء في تغيير المصير، -فالدعاء سلاح المؤمن- و-الدعاء يردّ القضاء ولو أبرم إبراماً- فالدعاء يدخل في الأسباب المؤثّرة في حركة الكون ومسار التاريخ، فالمؤمنون قادرون على تسريع الفرج وتعجيل قدوم المهدي بالدعاء الإيجابي المشفوع بالعمل وأداء التكاليف.

ج. الالتزام الفعلي بالإسلام (بناء الشخصية الملتزمة)

الشخصية السوية هي التي يتلاءم سلوكها ومواقفها العملية مع محتواها الداخلي المتمثّل في الأفكار والعواطف، فمن تكون سيرته الحياتية في خطّ أفكاره ومشاعره يعكس حالة توازن في الشخصية بمنأى عن الازدواجية، وأمّا من تكون أفكاره في واد وتصرّفاته في واد آخر بإيحاء من رغبات مكبوتة أو هوس مادي أو شهواني فهذا يجسّد حالة فصام ونموذجاً لشخصية مرضية.

والمؤمن المهدوي بامتلاكه ذلك العمق العقائدي بالإمام والرسالة وتوافره على ذلك المخزون العاطفي، لابدّ أن يؤثّر هذا المضمون على مواقفه اليومية وتفاصيل حياته فلابدّ له من مراقبة سلوكه ليجعله منسجماً مع فكره وإرادته ويحقّق أعلى درجات التقوى والورع، وهو أمر مطلوب على خطّ تعجيل الفرج، عن أبي عبد الله عليه السلام -من سرّه أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر، وليعمل بالورع، ومحاسن الأخلاق، وهو منتظر، فإن مات وقام القائم بعده كان له من الأجر مثل أجر من أدركه، فجدوا وانتظروا هنيئاً لكم أيّتها العصابة المرحومة-(١).

ولا معنى لمؤمن يدّعي ارتباطه بالمهدي الذي يطبّق الإسلام تطبيقا عالمياً شاملاً وهو ينأى بنفسه عن هذا التطبيق كيف يكون مثل هذا الشخص تحت قيادة المهدي الذي يقيم شرعة الإسلام ونظامه عالمياً وهو لا يلتزم به على المستوى الشخصي ؟ كيف يدّعي الانخراط في مشروع أسلمة العالم وهو لم يحقّق أسلمة ذاته أو محيطه ؟

وقد حرص أئمة أهل البيت عليهم السلام أن يكرسوا هذا الفهم للتشيّع ورسالة أهل البيت

١- . النعماني، الغيبة، ص١٣٤.

١٩٠
إنّها رسالة الالتزام بالإسلام والتقيّد بأخلاقه وأحكامه، وأنّه لا معنى لولايتهم دون طاعة الله في أوامره و نواهيه، -لا تنال ولايتنا إلا بالعمل والورع-.

وعن أبي عبد الله عليه السلام :-إذا أردت أن تعرف أصحابي فانظر إلى من اشتدّ ورعه، وخاف خالقه، ورجا ثوابه، وإذا رأيت هؤلاء فهؤلاء أصحابي- .

وعن أبي جعفر عليه السلام : -يا جابر أيكتفي من ينتحل التشيّع أن يقول بحبّنا أهل البيت؟! فو الله ما شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه، وما كانوا يعرفون إلا بالتواضع والتخشّع، وأداء الأمانة، وكثرة ذكر الله، والصوم والصلاة والبرّ بالوالدين، والتعهّد للجيران من الفقراء، وأهل المسكنة، والغارمين والأيتام، وصدق الحديث وتلاوة القرآن، وكفّ الألسن عن الناس إلا من خير. قال جابر: يا ابن رسول الله ما نعرف أحداً بهذه الصفة. فقال: يا جابر لا تذهبنّ بك المذاهب، أحسب الرجل أن يقول: أحبّ علياً صلوات الله عليه وأتولاّه، فلو قال: إنّي أحبّ رسول الله صلى الله عليه و آله ، ورسول الله خير من علي، ثمّ لا يتبع سيرته، ولا يعمل بسنته، ما نفعه حبّه إيّاه شيئاً، فاتقوا الله، واعملوا لما عند الله، ليس بين الله وبين أحد قرابة، أحبّ العباد إلى الله وأكرمهم عليه أتقاهم له وأعملهم، من كان لله مطيعاً فهو لنا ولي، ومن كان لله عاصياً فهو لنا عدو، لا تنال ولايتنا إلا بالعمل والورع-(١).

فالأحاديث السابقة تبيّن بوضوح أنّ الانتماء لمدرسة أهل البيت يعني التحلّي بأخلاقهم والالتزام بطاعة الله، وليس التشيّع انفعال عاطفي أو حبّ ندعيه دون أن يستتبعه عمل وعطاء، وما كان المهدي نفسه ليغيب لولا تفريط الناس في مسؤولياتهم وعدم التمكين له حيث تداعت جملة من التراكمات التاريخية لسوء اختياراتهم حالت دون تصدّيه لقيادة المجتمع وتنفيذ مشروعه.

فيجب أن نؤكّد للإمام أنّنا مع الإسلام قلباً وقالباً، وأنّ الإسلام ليس شعاراً نرفعه، وإنمّا هو مشروع حياة نرسمه ونجسّده في حدود استطاعتنا، توّاقين للتنفيذ الكامل لهذا الدين في ثورته العالمية الموعودة.

١- . الصدّوق، صفات الشيعة، ص١٦.

١٩١
وهكذا نعبّر تعبيراً صحيحاً عن علاقتنا بالرسالة زمن الغيبة. وهذا نقيض ما فهمه البعض من التخلّي عن المسؤوليات والتحلّل من أعباء الرسالة والدين، سئل أبو عبد الله عليه السلام : -يكون فترة لا يعرف المسلمون فيها إمامهم؟ فقال: يقال ذلك. قلت كيف نصنع ؟ قال إذا كان ذلك فتمسّكوا بالأمر الأوّل حتّى يتبيّن لكم الآخر-(١).

وعن أبي عبد الله عليه السلام -إذا أصبحت وأمسيت يوماً لا ترى فيه إماماً من آل محمّد فأحبب من كنت تحبّ، وأبغض من تبغض، و والِ من كنت توالي، وانتظر الفرج صباحاً ومساء-(٢).

د. الارتباط بالقيادة الشرعية الزمنية

عرفنا في الفقرة السابقة أنّ التمسّك بالإسلام والتقيّد بأحكامه من أهمّ الأدوار التاريخية التي يؤدّيها الفرد على طريق التمهيد والتوطئة للمهدي والتعجيل بالظهور ولكن يبقى سؤال محيّر: ما هو الإطار القيادي لهذه الحركة؟ من هو القائد الذي يرتبط به الفرد زمن الغيبة؟ ما هي المرجعية الفكرية والاجتماعية التي ينتمي لها ؟

رَسَمَ الإمام الحجّة للمؤمنين الخطّ العام لهذه القيادة النائبة التي لابدّ للفرد أن يعتصم بها في غيبته: جاء في التوقيع المنسوب للحجّة عجل الله تعالى فرجه: -أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا؛ فإنّهم حجّتي عليكم، وأنا حجّة الله-(٣)، وعنه أيضاً: -فأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه-(٤).

فالمهدي عجل الله تعالى فرجه ومن قبله سائر الأئمة عليهم السلام لمّا كانوا عارفين بالغيبة والفراغ التي ستحدثه عيّنوا لشيعتهم خطّاً قيادياً عامّاً، ومسؤولية المؤمنين الالتزام بهذه القيادة، والنصيحة لها، والانضواء تحت لوائها، وإلا كيف ندّعي انتظار الإمام ونزعم التمهيد له،

١- . النعمامي، الغيبة، ص١٥٨.

٢- . المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢، ص١٣٣.

٣- . محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٣، ص١٨١.

٤- . المصدر نفسه، ج٢، ص٨٨.

١٩٢
ونحن نخالف أوامره، ونخرج عن الخطّ القيادي العام الذي نصّبه، لنخضع لطاغوت هنا أو هناك ؟ عن عمر بن حنظلة: -سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة أيحلّ ذلك ؟ قال: من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنّما يأخذ سحتاً، وإن كان حقّاً ثابتاً له؛ لأنّه أخذه بحكم الطاغوت، وقد امر الله أن يكفر به... قلت: فكيف يصنعان ؟ قال: ينظران ]إلى [من كان منكم ممن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حَكَماً، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه، فإنّما استخفّ بحكم الله، وعلينا ردَّ، والرَّادُّ علينا لرَّادُّ على الله، وهو على حدّ الشرك بالله-(١).

ولهذا الارتباط بالقيادة الشرعية في الأُمّة - مع كونه مسؤولية شرعية - منافع كثيرة على درب التعجيل، أهمّها: انحسار دور القيادات الدخيلة والمفروضة على الأُمّة، والتفاف الجماهير حول رموزها ورموز مجدها وحضارتها ورسالتها، وتعتاد الجماهير شيئاً فشيئاً على الارتباط بقيادة مركزية في المستقبل حينما يتكامل جهاز المرجعية لتستقرّ على صيغة تُوحّد الأُمّة لا تفرّقها، وتتحوّل معها هذه الجموع من غبار بشري لا قيمة له إلى كتل متراصّة تتحرّك تحت راية واحدة.

وتمنح العلاقة بالقيادة الشرعية المؤمنين الثقة أنّهم يسيرون فعلاً في اتجاه تطبيق أطروحات الإسلام في مجالات الحياة كافّة، يقول الإمام الخميني قدس سره في معرض استدلاله على وجوب تأسيس حكومة إسلامية: - واليوم في عهد الغيبة لا يوجد نصّ على شخص معيّن يدير شؤون الدولة فما هو الرأي ؟ هل نترك أحكام الإسلام معطّلة ؟ أم نرغب بأنفسنا عن الإسلام ؟ أم نقول: إنّ الإسلام جاء ليحكم قرنين من الزمان فحسب ليهملهم بعد ذلك ؟ أم نقول إنّ الإسلام أهمل أمور تنظيم الدولة ؟ ونحن نعلم أنّ عدم وجود الحكومة يعني ضياع ثغور المسلمين وانتهاكها، ويعني تخاذلنا عن حقّنا وعن أرضنا، وهل يُسمح بذلك في ديننا ؟ أليست الحكومة ضرورة من ضرورات الحياة، وبالرغم من عدم

١- . محمّد يعقوب الكليني، أصول الكافي، ج١، ص٦٧.

١٩٣
وجود نصّ على شخص من سينوب عن الإمام عليه السلام حال غيبته، إلا أنّ خصائص الحاكم الشرعي لا يزال يعتبر توافرها في أي شخص مؤهّلاً إيّاه للحكم في الناس، وهذه الخصائص التي هي عبارة عن العلم بالقانون والعدالة، موجودة في معظم فقهائنا في هذا العصر-(١).

وبقطع النظر عن الجدل الواقع بين العلماء حول حدود هذه الولاية للفقهاء العدول على الناس، هل هي مطلقة أم محدودة؟ وهل هي ثابتة بالعنوان الأولي أم بالعنوان الثانوي ومقيدة بحالات الضرورة؟ فهناك قدر متيقن لهذه الولاية: المرجعية الفتوائية القانونية، وإدارة بعض الشؤون الاجتماعية (الأمور الحسبية)، والأهمّ من ذلك أنّ هذا الخلاف النظري بين الفقهاء أنفسهم لا يلغي ما قادت إليه التجربة الحياتية للناس والأُمّة، فما نراه اليوم في مختلف الساحات الإسلامية هو التفاف الجماهير حول المرجعية والإيمان بدورها القيادي في كلّ المجالات حتّى تلك المرجعيات التي لا تؤمن فتوائياً ونظرياً بالولاية المطلقة للفقيه كما نعتقد ونرجّح، وهذا أمر عجيب حقّاً ! ولكنّه يثبت واقعية نظرية الولاية المطلقة

هـ. الإخلاص للإمام والترقّب المستمرّ له

ظهور الإمام لم تحدّده الروايات بزمن معيّن وإن علّقته على علامات مبيّنة وقع أغلبها، ولكن الروايات نهت عن التوقيت: عن الإمام جعفر بن محمّد عليه السلام : -أبى الله إلا أن يخلف وقت الموقِّتين-(٢)، وعن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قلت له: -جعلت فداك متى خروج القائم؟ فقال: يا أبا محمّد إنّا أهل بيت لا نوقّت-(٣). وأكّدت الروايات بالمقابل أنّ الأمر يأتي بغتة: -إنّ أمرنا بغتة فجأة-، ومما روي: - فعند ذلك توقّعوا هذا الأمر صباحاً ومساء-(٤).

وعلى أساس ذلك ينبغي على المؤمن أن يكون على أهبّة الاستعداد، يعيش أعلى درجات الاستنفار للانضمام إلى جيش الإمام والجهاد تحت لوائه، بل هو يرى الأمر وشيكاً

١- . الإمام الخميني، الحكومة الإسلامية، ص٧١.

٢- . النعماني، الغيبة، ص٢٨٩.

٣- . المصدر نفسه.

٤- . محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٤، ص٢٠٤.

١٩٤
قريبا:ً ﴿ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا ﴾ [المعارج]، لعمق ارتباطه العاطفي بالإمام وانشداده للمخلّص، وهو يعلم أن عنوان الجدارة لهذا الانتماء هو الإخلاص الكامل لله ولوليّه، لذا فتكليفه أن ينقّي قلبه من كلّ الارتباطات الأرضية المادّية ويتوجّه بكلّ وجوده لربّه وإمامه ورسالته، وهذه الدرجة العالية من الإخلاص لا تنمو في أجواء الاسترخاء؛ بل تتعمّق في ساحات الصراع ومواقع الابتلاء: عن الصادق عليه السلام : -لابدّ للناس من أن يمحصّوا ويميّزوا ويغربلوا وسيخرج من الغربال خلق كثير-(١)، ولن تكون الأجواء الضاغطة نتيجة عوامل خارجية فحسب - تشكيك عقائدي، استبداد سياسي، ظلم اجتماعي تمييز ديني ومذهبي وعرقي، اضطهاد، قمع، تجويع، تهجير، تمييع وتسطيح الوعي... - بل سيكون الامتحان أشدّ حينما تنشأ الفتن من الداخل لتعصف بوحدة المؤمنين أيضاً في هذه المرحلة، عن الحسين بن علي عليه السلام -:لا يكون الأمر الذي تنتظرونه حتّى يبرأ بعضكم من بعض، ويتفل بعضكم في وجوه بعض، ويشهد بعضكم على بعض بالكفر، ويلعن بعضكم بعضاً، فقيل له: ما في ذلك الزمان من خير، فقال الحسين عليه السلام : الخير كلّه في ذلك-(٢).

إنّها فتن كقطع الليل المظلم تقبل من كلّ جانب، ولن يصمد إلا القليل القليل، عن الرضا عليه السلام : -والله لا يكون ما تمدّون إليه أعينكم حتّى تمحّصوا وتميّزوا، وحتّى لا يبقى منكم إلا الأندر فالأندر-(٣).

٢

. عوامل التعجيل على مستوى الأمة

تقوم النظرية الاجتماعية الإسلامية على أصالة الفرد وأصالة المجتمع معاً فهي تفسّر الظواهر الاجتماعية والأحداث التاريخية التي تعيشها المجتمعات لا على أساس فردي صرف و لا على أساس اجتماعي خالص؛ بل هي تسند دوراً للفرد كما تسند جزءاً من المسؤولية إلى المجتمع والأُمّة، فكلّ طرف له يد في صنع الأحداث ونسج التحوّلات، وقد

١- . النعماني، الغيبة، ص٢٠٤.

٢- . المصدر نفسه، ص٢٠٨.

٣- . المصدر نفسه، ص٣٠٤.

١٩٥
رأينا كيف كان للأُمّة في المنظور القرآني أجل وكتاب وحياة وموت... ، بمعنى آخر لها نوع وجود يؤثّر في الأحداث ويحدّد المسارات، ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس]، ﴿ وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ * مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ ﴾ [الحجر]، ﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا * وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا ﴾ [الكهف]، وهذا ما طرحناه في الفصل الثالث.

وعلى أساس هذه الرؤية نوّعنا البحث في عوامل تعجيل الظهور إلى مستويين، فردي وجماعي، وبعد ما فصّلنا الحديث في المستوى الأوّل، نطرح الآن أهمّ عوامل تفعيل حركة الأُمّة في اتجاه ظهور المهدي وقيام مجتمع العدل العالمي في العناصر التالية:

أ. إحراز العدد الكافي من الأنصار

يعدّ من أهمّ العوامل التي نصّت عليها الروايات المتظافرة، حيث اشترطت عدّة من الأنصار تبلغ ثلاثمائة ونيف: عن أبان ابن تغلب -كنت مع جعفر بن محمّد في مسجد بمكّة وهو آخذ بيدي وقال: يا أبان سيأتي الله بثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً في مسجدكم هذا يعلم أهل مكّة أن لم يخلق آباؤهم ولا أجدادهم بعد-(١).

وعن أبي بصير عن أبي جعفر الباقر عليه السلام : -إنّ القائم يهبط من ثنية ذي طوى في عدّة أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً حتّى يسند ظهره إلى الحجر الأسود ويهزّ الراية الغالبة-(٢).

فمسؤولية الأُمّة الأساسية اتجاه إمامها أن تفرز هذا الجيش أو هذه العدّة من الخلّص، وإذا علمنا الخصائص العامّة لأفراد هذه الطليعة والدرجة العالية من الكمالات المعنوية التي يمتازون بها اندفع ذلك الإشكال الذي تردّد كثيراً في التاريخ ولا يزال يتردّد: أيعقل ألا يوجد بين هذه الألوف المؤلفة؛ بل الملايين الحاشدة من الشيعة بضعة مئات من المخلصين -ثلاثمائة ونيف- ؟

١- . المصدر نفسه، ص٣٠٤.

٢- . المصدر نفسه، ص٣١٥.

١٩٦
عن أبي عبد الله عليه السلام : -إنّه دخل عليه أحد أصحابه فقال له: جعلت فداك إنّي والله أحبّك وأحبّ من يحبّك يا سيدي، ما أكثر شيعتكم، فقال له: أذكرهم، فقال: كثير، فقال تحصيهم؟ فقال: هم أكثر من ذلك، فقال أبو عبد الله: أما لو كملت العدّة الموصوفة ثلاثمائة وبضعة عشر كان الذي تريدون، ولكن شيعتنا من لا يعدو صوته سمعه، ولا شحناؤه بدنه. (إلى أن سأل) فكيف أصنع بهذه الشيعة المختلفة الذين يقولون إنّهم يتشيّعون؟ فقال: فيهم التمييز، وفيهم التمحيص، وفيهم التبديل، يأتي عليهم سنون تفنيهم، وسيف يقتلهم، واختلاف يبدّدهم، إنّما شيعتنا من لا يهرّ هرير الكلب، ولا يطمع طمع الغراب، ولا يسأل الناس بكفّه وإن مات جوعاً.

قلت: جعلت فداك فأين أطلب هؤلاء الموصفين بهذه الصفة؟ فقال اطلبهم في أطراف الأرض، أولئك الخفيض عيشهم، المنتقلة دارهم، الذين إن شهدوا لم يعرفوا، وإن غابوا لم يفتقدوا، وإن مرضوا لم يعادوا-(١).

فالروايات إذن لم تكتف بضبط عددهم؛ بل تحدّثت أيضاً عن صفاتهم وخصائصهم وأنّهم من جميع أنحاء العالم، عن علي عليه السلام : -أحصاهم لي رسول الله صلى الله عليه و آله ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً بعدد أصحاب بدر يجمعهم الله من مشرقها إلى مغربها-(٢).

إنّهم يتميّزون بالدرجة العليا من الإخلاص، وهم أوّل من يبايع المهدي بعد جبرائيل واستماعهم لخطبته بين الركن والمقام، وسيكونون الفقهاء والحكّام والقضاة وقادة الجيش في دولة المهدي، وهم رهبان بالليل أُسْد بالنهار، جاء في الأثر: -يظهر المهدي بمكّة عند العشاء. فيظهر في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً عدد أهل بدر من غير ميعاد قزعاً كقزع الخريف، رهبان بالليل أُسْد بالنهار-.

وفي غيبة النعماني حديث عن راية المهدي: -فإذا هزّها لم يبق مؤمن إلا صار قلبه أشدّ من زبر الحديد، وأعطي قوّة أربعين رجلاً-(٣)، فهم يتحلّون بالشجاعة والطاعة المطلقة للإمام والانقياد الكامل له حتّى، جاء في رواية البحار أنّهم:-يتمسّحون بسرج الإمام عليه السلام ،

١- . المصدر نفسه، ص٢٠٣.

٢- . محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار،

٣- . النعماني، الغيبة، ص١٦٧.

١٩٧
يطلبون بذلك البركة، ويحفّون به، يقونه بأنفسهم بالحروب، ويكفّونه ما يريد منهم- هم أطوع له من الأَمَةُ لسيّدها-.

كما جاء في الروايات في وصفهم: -رجال مؤمنون عرفوا الله حقّ معرفة-، -خير فوارس على وجه الأرض-، -قلوبهم كزبر الحديد-، -لا يبالون في الله لومة لائم-، -لو حملوا على الجبال لأزالوها-، -فيهم رجال لا ينامون الليل، لهم دوّي في صلاتهم كدوّي النحل-، -إذا ساروا سار الرعب أمامهم مسيرة شهر-....

هذه الطليعة المهدوية هي عصارة التاريخ وحصيلة قانون التمحيص زمن الغيبة الكبرى.

وأخيراً يجب أن نقف عند دلالتين رمزيتين مهمّتين لعدد أفراد هذه الطليعة -ثلاثمائة وثلاثة عشر- وتسميتها -جيش الغضب- أمّا الدلالة الأولى فهي توحي أنّ معركة الإمام مع الأعداء هي شبيهة بمعركة بدر، فإن كانت الأخيرة أسّست لانتصار الإسلام وإرساء الدولة النبوية، -اللّهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبداً- فإنّ معركة الإمام هي التي ستؤدّي إلي قيام الدولة العالمية وسيادة رسالة الإسلام فمعارك المهدي هي امتداد لحركة الرسول في التاريخ وتتويج لجهوده التأسيسية المباركة.

أمّا الدلالة الثانية المتعلّقة بتسمية جيش الغضب فإنّها إشارة لما يختزنه عواطف هؤلاء الأنصار من رفض للواقع ومعارضة للنظام العالمي الزائف المليء ظلماً وضلالاً، فهم غاضبون لربّهم ودينهم وإمامهم وللمستضعفين والمحرومين لا تأخذهم في ذلك لومة لائم، -جيء للإمام علي برجل قيل: إنّه يكذب على الله وعلى رسوله ويستشهدك، فقال أمير المؤمنين عليه السلام : لقد اعرض وأطول يقول ماذا؟ فقال: يذكر جيش الغضب، فقال: خلِّ سبيل الرجل، أولئك قوم يأتون في آخر الزمان قزع كقزع الخريف، الرجل والرجلان والثلاثة من كلّ قبيلة حتّى يبلغ تسعة، أما والله، إنّي لأعرف أميرهم واسمه ومناخ ركابهم-(١).

١- . محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢، ص٢٤٧.

١٩٨
وفي غيبة النعماني: دخل جماعة من الخوارج على الإمام علي عليه السلام فقال لهما: -ما حملكما على أن خرجتما عليّ بحروراء؟ قالا: أحببنا أن نكون من جيش الغضب. قال: ويحكما وهل في ولايتي غضب أو يكون الغضب حتّى يكون من البلاء كذا وكذا؟! ثمّ يجتمعون كقزع الخريف من القبائل، ما بين الواحد والاثنين والثلاثة والأربعة و الخمسة والستة والسبعة والثمانية والتسعة والعشرة-(١).

ب. انتشار فكرة المهدي ورواجها في العالم

من أوكد المهام الموكولة على عاتق الأُمّة أن تنشر فكرة المخلِّص وتعرف بمشروع المهدي لإنقاذ العالم وقيادته نحو حياة جديدة توفّر السعادة والرفاه للجميع، فهذا الرواج شرط من شروط نجاح المهدي وجيشه، وتعاطف الناس معه ورسالته. ويمكن الاستفادة في هذا المجال من الميل الفطري للناس المغروس في وجدانهم نحو المخلًص ونحو اليوم الموعود حيث لم يخل دين من الأديان أو ثقافة من ثقافات الشعوب من فكرة المنقذ، ولكن ما يفتقده الفكر الإنساني كما رأينا في الفصل الثاني هو التشخيص الواقعي، ولذا اضطربت الأديان والمذاهب في تعيين هوية المهدي، وأدخلوا الناس في حيرة وأثاروا غباراً من التشكيك حول القضية، ومن الصعوبة بمكان أن ينجح مشروعاً حضارياً عالمياً بمستوى دولة المهدي دون أن يكون له قاعدة عقائدية فكرية.

إنّ الأساس الثقافي لهذا المشروع هو الترويج لهذه الفكرة، أهدافها، منافعها للناس والعالم، وضرورتها لكمال الإنسان وسلامة الكون، فالتلويح بهذه المقوّمات الأساسية لهذه الفكرة في أسلوب هادف عصري مؤثّر من شأنه أن يكسب للمشروع أنصاراً من أنحاء المعمورة كافّة، وبالتالي يُوجِد الأرضية المناسبة للالتفاف العالمي حول القائم حين ظهوره. ولابدّ أيضاً من دفع كلّ الشبهات التي تثار حول قضية المهدي سواءً على أساس عقلي أم نقلي، فهذه الشبهات المتعدّدة تجد لها في الإعلام المعادي كلّ سبل الدعم والترويج خاصّة في ظلّ ثقافة العولمة التي يريد النظام الرأسمالي تعميمها، والتي تستغرق في الحسّيات والحاجات

١- . النعماني، الغيبة، ص ٢١٢.

١٩٩
المادّية وتتنكّر للغيبيات والقيم الروحية، فعلى أساس مثل هذه الثقافة جُرّ الناس إلى الإنكار والشكّ في ظهور الإمام.

عن أبي عبد الله عليه السلام : -والله ليغيبنّ سبتاً من الدهر، ولا يخملنّ حتّى يقال مات أو هلك بأي واد سلك-(١)، عن أبي عبد الله عليه السلام : -إنّ القائم إذا قام يقول الناس أنّى ذلك وقد بليت عظامه؟!-(٢).

وللأسف الشديد وباستقراء واقعنا الإسلامي يتجلّى لنا غياب مؤسّسات إعلامية متخصّصة في هذا المجال (دوريات، إذاعات، فضائيات، مواقع على شبكة الإنترنيت...) تُعرّف بالإمام المهدي وتبيّن أهداف نهضته ووسائلها، وتوضّح ضرورتها الحضارية وفوائدها على الناس جميعاً، تُعلم الناس سبل الارتباط به والانتفاع بوجوده المبارك، وتكشف عمَّا يعانيه المظلومون والمحرومون من اضطهاد وحرمان، وما تمارسه مراكز القوى في العالم من بطش وقمع وتنكيل واسترقاق للمستضعفين، وامتصاص لخيراتهم، كما تبشّر بدولة الحقّ والعدل والحرّية التي يرفع رايتها المهدي عجل الله تعالى فرجه.

بعث مثل هذه المؤسّسات ودعم ما هو موجود منها - إن كان موجوداً حقّاً - من شأنه فعلاً تعجيل الخلاص.

ج. فشل النظريات والنظم الحضارية الأخرى

الأطروحة التي سيطبّقها المهدي هي رسالة الإسلام، و إن جاءت الروايات بعبارات (أمر جديد) (كتاب جديد)...، وعرفنا دلالات ذلك في الفصل الرابع وأنّ الأمر لا يخرج عن عنوان الإسلام والأحكام الإسلامية الملائمة للزمان وحاجات العصر، عن رسول الله صلى الله عليه و آله : -يا حذيفة لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتّى يملك رجل من أهل بيتي، تجري الملاحم على يديه، ويظهر الإسلام، لا يخلف وعده، وهو سريع الحساب-(٣)، هذا الظهور للإسلام على الدين كلّه كما وعد الله و عجل لن يكون إلا بعد إفلاس

١- . النعماني، الغيبة، ص١٥٢.

٢- . المصدر نفسه، ص١٥٤.

٣- . محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥١، ص٨٣.

٢٠٠