×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

النظرية المهدوية في فلسفة التاريخ / الصفحات: ٢١ - ٤٠

والتاريخ: جملة الأحوال والأحداث التي يمرّ بها كائن، ويصدق على الفرد والمجتمع، كما يصدق على الظواهر الطبيعية والإنسانية(١).

أمّا اصطلاحاً: التاريخ: علم يبحث في الوقائع والحوادث الماضية.

يقول ابن خلدون: -اعلم أنّ فنّ التاريخ غزير المذهب، جسيم الفوائد، شريف الغاية، إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياستهم، حتّى تتمّ فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا-(٢).

ولكن علوم التاريخ لم تنحصر في حدود تدوين الوقائع والحوادث الماضية بل تطوّرت وتنوّعت، ويمكن أن نرصد ثلاثة أقسام أساسية للبحوث التاريخية:

القسم الأول: التاريخ النقلي

ما أشرنا إليه في التعريف السابق يسمّى بالتاريخ النقلي، ويستهدف تدوين مجموع حوادث وشؤون الناس، والعالم، والدول،.....

وخصوصية هذا القسم أنّه يسجِّل كينونة الأشياء، والإنسان، والحوادث، ويوصِّف الأوضاع القائمة دون لحاظ أمرٍ آخر.

وتعجّ المكتبة العربية بعناوين تنتمي إلى هذا القسم، منها: -تاريخ اليعقوبي- (ت٢٩٢هـ)، -تاريخ الرسل والملوك- للطبري (ت٣١٠هـ)، -مروج الذهب ومعادن الجواهر- للمسعودي (ت٣٤٦هـ)، -الكامل في التاريخ- لابن الأثير (ت٦٣٠هـ)....

وفي هذا النوع من الدراسات ينصبّ تركيز واهتمام الباحث على الماضي والحوادث السالفة، وهو يدرس هذه الجزئيات والوقائع في الماضي دون محاولة البحث عن القواعد العامة والضوابط الكلية.

ويغلب على هذا القسم المنهج النقلي الذي يعتمد على الوثائق وما ينقله المؤرّخون من روايات، ومشاهدات، ومسموعات ....

١- . المصدر نفسه.

٢- . عبد الرحمن بن خلدون، المقدمة، ص٩.

٢١
يقول اليعقوبي: -إنّه لما انقضى كتابنا الأوّل اختصرنا فيه ابتداء كون الدنيا وأخبار الأوائل من الأمم المتقدّمة من العلماء والرواة وأصحاب السير والأخبار والتأريخات، ولم نذهب إلى التفرّد بكتاب نصنِّفه ونتكلّف منه ما قد سبقنا إليه غيرنا، لكن قد ذهبنا إلى جمع المقالات والروايات؛ لأنّنا قد وجدناهم قد اختلفوا في أحاديثهم وأخبارهم... وزاد بعضهم ونقّص بعض، فأردنا أن نجمع ما انتهى إلينا مما جاء به كلّ امرئ منهم-(١).

القسم الثاني: التاريخ النقدي

لم تتوقّف البحوث التاريخية عند الأفق الأوّل من التدوين والنقل؛ بل تطورت وظهرت اتجاهات لا تكتفي بمجرّد سرد الأحداث؛ بل تخطّت ذلك إلى تمحيص الأخبار وتعليل الوقائع،واستبدال التسلسل الزمني بالتسلسل السببـي والعلّي، وهذا ما يُعبّر عنه بالتاريخ النقدي أو التاريخ العلمي.

ولا يخفى أنّ هذا الأخير يعتمد أساساً على التاريخ النقلي، فهو مادّته الأساسية ومستنده فيما يفرزه من نتائج.

وهذا النزوع إلى التاريخ النقدي والعلمي نجد ملامحه بدأت تتضح مع المسعودي، حيث نراه طرق باب التنظير في هذا المجال، وسعى إلى تقديم رؤية حضارية للتاريخ، وأبرز في عرضه للأحداث التاريخية الأسباب والعلل المباشرة والعامة(٢).

كما نلمح هذه النزعة عند ابن خلدون في تعريفه للتاريخ: -في ظاهره لا يزيد على إخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأُوَل، تنمو فيها الأقوال وتضرب فيها الأمثال وتعرف بها الأندية إذا غصّها الاحتفال وتؤدّي لنا شأن الخليقة كيف تتقلّب بها الأحوال، وفي باطنه نَظَرٌ وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة، عريق وجدير بأن يعدّ في علومها وخليق-(٣).

١- . أحمد بن أبي يعقوب، تاريخ اليعقوبي، ص٥.

٢- . محمود إسماعيل، إشكالية تفسير التاريخ عند المؤرخين المسلمين الأوائل، مجلة عالم الفكر،ع٢٩، أبريل٢٠٠١، المجلس الوطني للثقافة في الكويت، ص٤٦.

٣- . عبد الرحمن بن خلدون، المقدّمة، ص٣.

٢٢

القسم الثالث: فلسفة التاريخ

لا يكتفي الباحث في هذا القسم من الدراسات التاريخية بتفسير الأحداث وتعليلها في نظرة تجزيئية للماضي؛ بل يسعى للإحاطة بصيرورة التاريخ وحلقاته المتصاعدة واتجاهاته المتحرّكة، فيقف على الأسس العامة التي تحكم تطوّر المجتمعات والقوانين المنظّمة للتحوّلات والتغيّرات في حياة الشعوب والحضارات في الماضي والحاضر والمستقبل.

كما يهتمّ بالاتجاه العام الذي تتجه نحوه الحياة الإنسانية، ويحاول استكشاف الآفاق النهائية لمسيرة الإنسانية ومنتهاها.

واختلف الدارسون في تحديد مؤسّس هذا النوع من الدراسات، فالباحثون الغربيّون وعلى خلفية المركزية الأوربية ينسبون فلسفة التاريخ إلى المؤرّخ الإيطالي فيكو (١٦٦٨-١٧٤٤م) الذي قسّم التاريخ البشري إلى ثلاثة أدوار: (الدور الإلهي، الدور البطولي، الدور البشري).

ولكن الباحثين العرب والمسلمين يرون أن الفضل يعود إلى ابن خلدون في استكشاف وتأسيس فلسفة التاريخ، فهو أوّل من قال بالأدوار التاريخية لحركة المجتمع في نظريته الأطوار الثلاثة: (البداوة، العمران، الاضمحلال).

وهناك من الدّارسين من يرى أنّ بذور التفكير الفلسفي التاريخي أبعد غوراً من ذلك، فيثمّن جهود المسعودي قائلاً: -ونذهب نحن أبعد من ذلك فنعتبر المسعودي من روّاد فلسفة التاريخ، ولا مبالغة في ذلك ألبتة، إذ نجد في مصنّفه ما يشي بالرؤية البيولوجية للتاريخ، حيث يتحدث عن نشأة الدول وشبابها وهرمها، وعلل جميع ذلك، ودعوته إلى ضرورة معرفة المؤرّخ كيف تدخل الآفات على الملك وتزول الدول وتبيد الشرائع والملل والآفات الخارجية المفترضة لذلك، لقد وقف بحقّ على ما أسماه فلاسفة التاريخ المحدثون بـ-الظروف الموضوعية- التي هي نتاج عوامل داخلية وأخرى خارجية تتضافر معها لإحداث حركية التاريخ وصيرورته، هذا فضلاً عن تحوّل هذه الصيرورة لسائر الظواهر المادية والروحية التي توّحدت في خيال المسعودي وتأطّرت في ذهنه تأطيراً عقلانياً-(١).

١- . محمود إسماعيل، إشكالية تفسير التاريخ عند المؤرخين المسلمين الأوائل، مجلة عالم الفكر،العدد٢٩،أبريل/٢٠٠١م، المجلس الوطني للثقافة في الكويت، ص٤٦.

٢٣
ولاشكّ أنّ المؤرّخين العرب والمسلمين قد تأثّروا بالثقافة القرآنية في هذا المجال والتي ساعدتهم على تطوير الدراسات التاريخية من أفق النقل إلى أفق التحليل والنقد، إلى أفق القواعد والقوانين والغايات.

فالقرآن الكريم يحتوي الكثير من الآيات التي تتحدّث عن غايات المسيرة الإنسانية ومنتهاها، كما يعجّ بالآيات حول سنن التاريخ وقوانينه، وهما من أهمّ قضايا فلسفة التاريخ ومسائله. (سيكتشف القارئ ذلك تباعاً).

القرآن والمادّة التاريخية

نلاحظ أنّ المادّة القرآنية التي تصدّت للمسألة التاريخية قد اتسعت لكلّ هذه المستويات من البحث التاريخي: نقل وعرض الوقائع، نقد وتعليل، قوانين وتقعيد.

ونذكر لكلّ قسم من هذه الأقسام نماذج قرآنية:

نقل الوقائع وعرض الحوادث

من ذلك القصص القرآني، سواء قصص الأنبياء عليهم السلام وأخبار الماضين.

ولاشكّ أنّ القرآن لا يستهدف فقط تدوين تاريخ الأنبياء وتسجيل أخبار الماضين أو الوقائع السالفة، وإنّما هدفه - بما هو كتاب هداية - قيادة الناس إلى سبيل الحقّ والسعادة، وما هذه القصص سوى إحدى الأدوات الناجعة لتعليم الناس وهدايتهم:

yوَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَ ذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ [هود].

ويقول أيضاً: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَ ذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ [يوسف].

ويقول تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَ لِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾[إبراهيم].

فهذه الوقائع المهمّة والأحداث البارزة في تاريخ الأمم تمثّل محطّات لابدّ للمجتمعات أن تقف عندها، وتتذكّرها لتتّعظ منها وتستقي الدروس من أجل توجيه المسيرة نحو الهدف الصحيح.

٢٤

النقد والتعليل

ومن جهة النقد والتعليل نجد مادّة قرآنية خصبة أيضاً، فالقرآن يلفت انتباه المؤمنين إلى أنّ الحوادث التاريخية ليست تراكماً عشوائياً؛ بل تخضع لسنن وقوانين، وأنّ النصر له أسبابه وشروطه، والهزيمة لها أسبابها، وعلى المسلمين المؤمنين عموماً أن يأخذوا بأسباب النصر والنهوض، وأنّ المؤمنين وحتّى الرسل أنفسهم لن يكونوا استثناءً لهذا النظام العلّي الذي يحكم حركة التاريخ.

﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ [البقرة].

ويقول تعالى في بيان أسباب الهزيمة في أُحد: ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَ ذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران].

﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾ [التوبة].

وفي آيات أخرى تعليل لظهور الفساد في البرّ والبحر: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [الروم].

ومن نماذج آيات فلسفة التاريخ:

﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾ [آل عمران].

﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا ﴾ [الأحزاب].

-﴿ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ﴾ [الأحزاب].

﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ﴾ [فاطر].

﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ ﴾ [غافر].

﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا ﴾ [الإسراء].

٢٥

﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء].

فهذه الآيات تؤكّد وجود قوانين تحكم حركة التاريخ، وقواعد تضبط نهضة المجتمعات وتقود عملية التغيير فيها.

وهناك آيات أخرى تشرح تفاصيل هذه القوانين والسنن نستعرضها في عنصر لاحق (في الفصل الثالث).

موضوع فلسفة التاريخ ومسائلها

يمكن اعتبار المحور الذي تحوم حوله بحوث فلسفة التاريخ، أي موضوع هذا العلم، هو حركة المجتمعات الإنسانية من حيث المفهوم والقوانين، المبادئ والغايات، ففي هذا العلم نعالج الأسئلة التالية:

هل لأحداث التاريخ سنن وقواعد عامة تتحرّك وفقها ؟

هل للتاريخ غاية يتجه نحوها أم لا ؟

هل هناك مراحل يقطعها التاريخ البشري لبلوغ هذه الغاية إن وجدت أم أنّه مسار عشوائي نحو منتهاه ؟

ما هي آفاق حركة التاريخ البشري ؟ ما هي العوامل المتحكّمة في مستقبل الناس ؟

هل انتهى التاريخ كما يدعي البعض -فوكاياما-، أم للتاريخ نهاية أخرى ؟

ما هو القانون الذي يحكم التنوّع الحضاري والعلاقات الدولية، أهو الصراع والصدام، أم الحوار والتكامل ؟

هذه الأسئلة تعكس أهمّ القضايا التي تتصدّى لها فلسفة التاريخ.

الغاية من فلسفة التاريخ

كأي بحث معرفي تستهدف فلسفة التاريخ جملة غايات، أهمّها:

أوّلاً: اكتشاف القوانين والسنن التي تحكم التاريخ البشري، والعوامل المؤثّرة في حركة المجتمعات والحضارات، والقوى الفاعلة في اتجاه المسيرة الإنسانية.

ثانياً: فهم التاريخ بشكل أعمق، واكتشاف الروابط المهمّة التي تشدّ الماضي إلى

٢٦
الحاضر، وهذا الأخير بالمستقبل.

ثالثاً: تحديد المستقبل بوضوح ودقّة كمقدّمة لطرح الاستراتيجيات والخطط المرحلية للوصول إليه وبلوغه.

رابعاً: امتلاك وعي تاريخي يسهم في اكتمال منظومة الوعي الإنساني قصد قيام النموذج الحضاري الذي يكفل السعادة للجميع.

وفي ضوء هذه الأهداف الخطيرة تبدو فلسفة التاريخ أبعد ما يكون عن الترف الفكري أو أحاديث الصالونات الذي تلوكه النخب المثقّفة و-الانتلجنسيا- المتعالية؛ بل هي جزء أساسي للتركيبة النفسية والفكرية للأُمّة المسؤولة عن واقعها وتغييره نحو الأفضل ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ٣ ﴾ [الرعد].

فغياب وعي قرآني بالتاريخ ونواميسه يعني سيادة وعي زائف ومفاهيم خاطئة من شأنها أن تقود الأُمّة إلى السقوط، وتشدّها إلى الوراء.

ونحن نزعم أنّ أحد أسباب تخلّف الأُمّة وتقهقرها إلى الوراء وتداعي القوى الكبرى عليها ووقوفها وقفة الذليل مسلوب القوّة والطاقة يرجع فيما يرجع إلى غياب وعي تاريخي إيجابي يدفع للعمل الصالح والحضور الفعّال في ساحات الصراع، بدلاً من الاستغراق في الجدل وتمجيد الماضي وإلغاء الآخر، وبالتالي الانسحاب من مواقع التحدّي والعطاء.

إنّنا لا نبالغ إذا قلنا إنّ فلسفة التاريخ تمثّل قاعدة أساسية لبناء شخصية الفرد وروح المجتمع، وهذا ما نوضّحه في العناوين التالية:

فلسفة التاريخ ضرورة عقائدية

لا ينفكّ الإنسان عن عقيدة يتبنّاها، فهو كائن عقائدي، لا يستقيم حاله دون امتلاك رؤية للكون والإنسان والحياة، وهذا يقود بالضرورة إلى الإيمان بدين من الأديان أو إيديولوجية ما أو مذهب من المذاهب، فمعرفة المبدأ والمنتهى والسبيل من القضايا المركزية في العقيدة.

وهذه المفاهيم تمثّل البناء التحتي للرؤية التاريخية وفلسفة التاريخ، فليست هذه الفلسفة سوى رؤية لِحَركة الإنسان في الزمان والمكان تقوم على قراءة للمبدأ وبيان معالم الغايات.

٢٧
لذلك يمكن اعتبار فلسفة التاريخ جزءاً من المنظومة العقائدية، فإن كان البحث العقائدي التقليدي يرنو لدراسة هذه الأصول الخمسة: التوحيد، العدل، النبوة، الإمامة، المعاد، في مفاهيمها وتفاصيلها.

فإنّ فلسفة التاريخ قراءة لهذه الأصول من وجه آخر، أي في بعدها الاجتماعي والتاريخي، فالتوحيد يعبّر عن غاية الحركة التاريخية، ويحفز الطاقات نحو الفلاح والعمل.

والعدل يمثل أساس حركة الإنسان وضمانة النجاعة والنجاح في حركة الفرد، كما يمثل صمّام أمان لنجاح العلاقات الاجتماعية، وقيام حضارة إنسانية تكفل حقوق الجميع، وتوصلهم إلى السعادة الحقّة.

النبوة والإمامة فهذان الأصلان يحدّدان القيادة الإسلامية في التاريخ وتطوّر هذا الخطّ و استمراريته في الإشراف على المسيرة الاستخلافية للإنسان في إعمار الأرض.

أمّا المعاد: فهو يمثّل الأفق الاستراتيجي لحركة المجتمع البشري، ويكشف أنّ تحقّق الغايات على مستوى الساحة التاريخية (قيام المجتمع العالمي العادل) لا يعني فناء الكون والوجود، وإنّما هو مؤشّر على استنفاذ حركة التاريخ أغراضها في النشأة الدنيوية وأنّ مرحلة ما بعد الدنيا أو الآخرة قد حانت ساعتها.

فلسفة التاريخ وتراكم الخبرة الإنسانية

من منظور فلسفة التاريخ يمثّل الجنس البشري خطّاً مستمرّاً وحلقات مترابطة يكمّل بعضها بعضاً، وتسند تجارب السابقين وعي اللاحقين.

فالإنسان في أي مرحلة تاريخية هو امتداد للأجداد ويستمد عمقه من هذا التاريخ الطويل الذي يبدأ من آدم عليه السلام ليمتدّ إلى آخر الزمان، الذي سيتوّج بقيادة الصالحين، فالإنسان في أي عصر تاريخي يجد نفسه بين حدّين: آدم عليه السلام والمهدي عجل الله تعالى فرجه وعصر مجتمع العدل عموماً !

لذا فإنّ فلسفة التاريخ تمنح الإنسان هذا الوعي المتجذّر في أعماق البداية الإنسانية

٢٨
والممتدّ إلى نهايات المسيرة، ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ [إبراهيم].

وعلى أساس هذه الرؤية الترابطية الموضوعية يستطيع الفرد والمجتمع في كلّ آن تاريخي أن يحدّد المرحلة التاريخية والمحطّة الزمانية التي تمرّ بها قافلة الإنسانية، وبالتالي يستطيع أن يشخّص بدقّة الدور والرسالة.

فغياب الوعي بطبيعة المرحلة يقود في أحيان كثيرة إلى الحيرة والاضطراب وفقدان الرؤية الصحيحة في العمل، و-من عَرِف زمانه لم تهجم عليه اللّوابس-.

فلسفة التاريخ وخطورة الوعي المزيف

في ثقافة الأُمّة الكثير من التصوّرات الخاطئة والمفاهيم المغلوطة عن التاريخ وعلاقتنا بالماضي، مما يؤكِّد الحاجة الماسّة لرؤية تاريخية جديدة تزيل الأوهام وتطرد الموروثات القاتلة، فقرون التخلّف لا تزال تلقي بظلالها على وجدان الأُمّة وروحها لتغرس وعياً مزيّفاً نتلمّس ملامحه في أكثر من صيغة.

مثال ذلك: غياب الفكر السنني على مستوى الدور التاريخي، وغياب عقلية الأخذ بالأسباب وانتظار الأُمّة أن ينزل عليها النصر بمعجزة من السماء ! حيث لا تزال أوساط كثيرة من الأُمّة الإسلامية تتوقّع أن تَحسِمَ معاركها مع الخصوم والأعداء المعاجز والملائكة، وهي جالسة خاملة مكتفية في أحسن الأحوال بالدعاء !

ولذلك نَسَجَ الخيال الشعبي العديد من الحكايات التي نسمعها هنا وهناك عن هذه التوقّعات وهذه الرغبات الدفينة، وهي لا ترى مانعاً أن هذا النصر يَنزِل جاهزاً على يد طواغيت نكّلوا بالأُمّة وقتلوا علماءها وشرّدوا أخيارها !

ولكن غاب عن هؤلاء أنّ التاريخ تحكمه سنن وقوانين، والتدخل الإلهي له قوانينه وشروطه ومقوّماته، والتاريخ تحكمه إرادة الخيِّرين والصالحين، لا المعاجز !

وأنّ الرسول صلى الله عليه و آله خاصّةً والأنبياء عليهم السلام عموماً لم يكونوا استثناءً لقوانينه، وزُلزِلوا وامتُحنوا ولم ينزل النصر هديةً عليهم من السماء !

٢٩
﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ [البقرة].

النموذج الثاني لهذا الوعي الزائف: تصوّرات الجماهير عن ثورة الإمام الحسين عليه السلام الموغلة في المأساوية والاستغراق في الماضي، بعيداً عن مركزية هذه الثورة في التاريخ الإنساني وعلاقتها بالمستقبل البشري: -أين الطالب بدم المقتول بكربلاء-(١).

ولذلك غابت روح المسؤولية تجاه الثورة الحسينية، وبالتالي تجاه التاريخ، وحضرت روح برغماتية نفعية: البكاء للفوز بالجنّة وشفاعة الحسين عليه السلام ، فَعِوضَ أن يكون المؤمن ناصراً للحسين باليد والكلمة، يريد من الحسين أن يقضي حوائجه، وعِوضَ أن يعطي للثورة الحسينية يريد أن يأخذ منها.

هذه الروحية تنبع من وعي تاريخي مزيف بالثورة، ولابدّ من تخطّيه، ولن يتحقّق ذلك إلا ببناء وعي تاريخي جديد، يجمع في فهم الثورة الحسينية بين العقل والعاطفة، بين الفعل والانفعال، ويربط بين الماضي والحاضر، فلا يستغرق في التاريخ ويغفل عن طواغيت العصر، يمزج بين عطاء الإمام وفيوضاته، وتكاليف الفرد ومسؤولياته، ويقرن بين ثورة الحسين عليه السلام وثورة القائم عجل الله تعالى فرجه العالمية !

فلسفة التاريخ والتحدّيات الراهنة

يرى البعض أنّ فلسفة التاريخ -موضة بالية- سادت في فترة معينة القرن١٧و١٨ من القرون الميلادية، وتجاوزها تطوّر الفكر الإنساني إلى ما يمكن تسميته بالمستقبليات والدراسات الاستشرافية.

ولكن بعض الطروحات الغربية التي برزت في السنوات الأخيرة، وعُقدت لها مؤتمرات، وتداولتها الدوريات والكتب والمؤلّفات، تُبيّن أنّنا بحاجة إلى بلورة رؤية في فلسفة التاريخ.

وأنّ بروز علم المستقبليات لا يلغي أبداً بحوث فلسفة التاريخ وقيمها المعرفية والحضارية.

١- . عباس القمي، مفاتيح الجنان، دعاء الندبة، ص٦١١.

٣٠
فالصراع الحضاري بين الشرق والغرب مستمرّ، ورغبة الأخير في الهيمنة والاستيلاء على العالم عبّرت عنها جملة من الأطروحات، كنهاية التاريخ لـ-فوكاياما-، الذي يحاول أن يثبت أنّ النموذج الليبرالي هو أرقى نمط سياسي مجتمعي يمكن أن تبلغه البشرية، وأنّ الليبرالية الديمقراطية هي الشكل النهائي للحكم في المجتمعات البشرية.

وهكذا تشكّل -العقلانية الليبرالية- أفق الكمال المعنوي للإنسانية، وتتحوّل بذلك إلى ظاهرة عالمية !

ومن المفاهيم البارزة التي تروّج للمشروع الليبرالي خاصّةً على المستوى الاقتصادي -العولمة- و-الكوكبة-، وكعنوان للهيمنة الغربية والأمريكية بالخصوص على العالم، إنّها الحلّ الجديد لمشروع أمركة العالم وتعميم النمط الليبرالي الغربي !

وفي ظلّ الممانعة التي تبديها المراكز الحضارية في العالم، خاصّة العالم الإسلامي، طلع علينا -صموئيل هينغنتون- بمقولة -صِدام الحضارات- وحتمية انتصار الحضارة الغربية.

كلّ هذا الجو المحموم من الحرب الفكرية والثقافية والنفسية المدعومة بأعتى وسائل الاتصال، والتي أخذت بعداً عسكرياً خاصة بعد ١١/أيلول حيث غَزَتْ الولايات المتحدة أكثر من دولة إسلامية بحجّة مكافحة الإرهاب والدفاع عن مكتسبات الحضارة والمدنية، كلّ هذا الجو يدعو بقوّة لطرح رؤية إسلامية متكاملة للتاريخ وفلسفته من منظور قرآني يحدّد موقفاً واضحاً من كلّ هذه الإشكالات.

٣١
النظرية المهدوية في فلفسة التاريخ » الاسعد بن علي قيدارة » (ص ٣١ - ص ٦٠)

الفصل الثاني عقيدة المخلّص في التراث الإنساني

تتحكّم جدلية -الوحدة والتنوّع- في التاريخ الإنساني، فالتنوّع الديني والمذهبي والاختلاف العرقي، والتعدّد اللساني، لا يلغي ألبتة نقاطاً مشتركة كثيرة بين البشر:

فلقد كانت المجتمعات الإنسانية بمختلف تمثّلاتها، وعلى مدى التاريخ، ترنو إلى إلهٍ خالق، ولذلك لم تخل حضارة من الحضارات من معبد، قد تخلو من مسرح أو ملعب، ولكنّها لا تخلو ألبتة من مكان لتقديس الإله وعبادته.

وعَبرَ التاريخ كان الإنسان يناصر العدل ويبغض الظلم والظالمين، ويقاومه إمّا بطريقة سلبية، وإمّا من خلال الرفض والممانعة الإيجابية، وفي كلّ الحضارات تقريباً نجد نزوعاً إنسانياً فطرياً وميلاً إلى الجمال، ترجمه بأساليب شتّى، وبما خلَّفته هذه الأمم من تراث فنّي وجمالي.

ومن مظاهر الوحدة بين هذه المجتمعات الإيمان بالمخلّص، فباستقراء التاريخ الديني والثقافي للإنسانية نجد أنّ مفهوم المخلّص ومبدأ الخلاص قاسم مشترك بين أكثر الحضارات، وإن كانت تختلف فيما بينها في حدود هذا المفهوم وعمقه وتفاصيله ومشخّصاته.

إنّنا نجد الفكرة ماثلة في أكثر روافد التراث الإنساني (الدين، الفلسفة، السياسة).

أوّلاً: المخلّص في الأديان

لا تخلو ديانة من الديانات تقريباً من فكرة -المخلّص-، وتتراوح هذه المقولة بين كونها مبدأ متجسداً في رمز يستقطب طموح الناس وأحلامهم في الانعتاق والسعادة،

٣٢
وبين كونها مساراً أو مسلكاً تربوياً وأخلاقياً يؤدّي في النهاية إلى السعادة والرفاه.

ويصعب استقصاء كلّ الأديان، وإنّما نستعرض بعضها محاولين الاستدلال على اطراد هذه الفكرة، فكرة المخلّص في التراث الديني الإنساني.

ديانات المصريين القدامى

آمن المصريون القدامى بتعدّد الآلهة، فكانت ما يسمّى بـ-تاسوع ميلبوليس- حيث يؤمنون أنّ -أتوم- هو الإله الخالق الأوّل، وهو الذي اتحد مع إله الشمس -رع-، ويعتقدون أنّ -أتوم- خرج من عماء الماء الذي يسمّى نون (المحيط الذي خرجت منه كلّ الكائنات) ثمّ ظهر فوق تل، وأنجب بغير زواج الإله -شو- الهواء، والإله -نوت- الرطوبة.

وكان إله الهواء هو الذي زجّ بنفسه بين إله السماء -نوت- وزوجها إله الأرض -جب -Geb، وأنجب هذا الزواج بين -جب -Geb و-نوت -Nut الأولاد: أوزوريس، وإيزيس، وست، ونقتيس.

وتقول أساطيرهم: إنّ -ست- قتل أخاه -أوزوريس-، فأرسل -رع- الابن الرابع -أوتس- ليدفنه، ولذلك كان إله الدفن، وأصبحت طريقة دفنه هي النموذج الذي يحتذي به المصريون، ولأجل ذلك طغى على طقوسهم الدينية الطابع الجنائزي، حيث يهتمّون أشدّ الاهتمام بالاحتفال بدفن الميت؛ لأنّهم يعتقدون أنّ خلاص الميت وسعادته في المستقبل يتوقّف على هذه الطقوس.

وكانوا يعتقدون أنّ كلّ إنسان بعد الموت سوف يواجه أمام -أوزوريس- والقضاة الاثنين والأربعين (ميزان القلب)، -وهناك العديد من الرسوم والنصوص التي تعالج هذه الفكرة ويظهر كفي الميزان واحد فيها رمز الإله (ماعت: ربة الحقيقة) وفي الكفة الثانية قلب المتوفي، فإذا استطاعت فضائله إحداث توازن مع كفة الحقيقة فسوف يصدر الحكم لصالحه بالسعادة الأبدية، وإلا فهناك وحش يسمّى (ملتهم الموتى) يقف منتظراً

٣٣
القضاء على الشخص المُدان-(١)، وهكذا يصبح -أوزوريس- هو المخلّص، والتوحّد به هو سبيل السعادة.

كان التوحّد مع -أوزوريس- في الخلود ومنذ الدولة الوسطى وما بعدها أصبح هذا التوحّد ميزة يحصل عليها كلّ من مارس الطقوس الدينية المناسبة.

وفي العهد الروماني أصبح التوحّد مع -أوزوريس- يُعبّر عنه بتصوير المتوفّى في بعض الأحيان، وهو يحمل صفات من -أوزوريس-، لقد أصبح عرفاً سائداً لمدّة طويلة أن يوضع اسم -أوزوريس- قبل اسم المتوفّى، ولا يخفى ما ساهمت به البيئة الجغرافية التي كان يعيش فيها المصريون في تعميق فكرة الخلاص، حيث تجدّد الحياة النباتية مع موسم الأمطار، وعودة النيل الذي يعود حاملاً الخصب والنماء بعد القحط والجفاف، وكذلك الظروف السياسية التي عاشوها عقيب الحكم الفارسي على مصر الذي استولى عليها سنة /٥٢٥/ق.م، مما جعلهم يتوقون إلى مخلّص ينقذهم من الهيمنة الفارسية، إلى أن حرّر الإسكندر مصر سنة /٣٣٢/ق.م، ولذلك أضفوا عليه سمات القداسة، حيث أشاعوا أنّه ثمرة زواج الإله -آتون- الذي تقمّص جسد الأب والآلهة -أولمياس-.

وينقل صاحب قصّة الحضارة كيف كان عرّاف الإسكندرية يخاطب الإسكندر: -ينبغي لخطاك أن تكون بعد اليوم كخطى الصاعقة، وإنّ تاج المحرّر لمصر ينتظرك كابن منتظر للإله -آمون- -(٢).

وبعد موت الإسكندر حاول بطليموس أن يبدو في نظر المصريين بقداسة الإسكندر، فلقّب نفسه -سوتر- ولكنّه فشل، إذ كانت تنقصه أسطورة الأمل الإلهي، فظلّ المصريون مشدودين إلى قادم يزيل عنهم الظلم.

وهذا الانتظار تضخّم في نظر بعض المؤرِّخين فعزا معه سبب اعتناق المصريين

١- . جافري بارندر، المعتقدات الدينية لدى الشعوب، ص٥٨.

٢- . ديورانت، قصة الحضارة، ج١، ص٥٢١.

٣٤
للنصرانية إلى أنّ عيسى سوف يرجع ليحكم العالم ويرفع عنه الظلم بعد أن يقضي على الظالمين(١).

ديانة اليونان

يعدّ اليونانيون أكبر صانعي الأساطير، وقد فرضوا معتقداتهم على تراث أوروبا القديم في منتصف الألف الثاني قبل الميلاد(٢)، ويُرجِع بعض المؤرِّخين هذه المعتقدات إلى ظروف الحرب والهجرة التي سادت.

ولكن ما يهمنا في المقام إيحاءات فكرة المخلّص في هذه الأدبيات الدينية، ويمكن أن نرصد ملامح ذلك في مفردتين أساسيتين:

أوّلاً: الإله -زيوس- الذي يعتبر أعلى آلهة الإغريق، حيث أدرك اليونانيون وجود إله محيط بكلّ شيء وبأنّ -زيوس جامع الغيوم وإله المطر والسحاب والبرق وإله الزواج والمكمل والمنقذ-(٣)، ويصوِّر الشاعر اليوناني اسخيليوس (٥٢٥-٤٥٦ق.م) في ثلاثيته المسرحية -الأورستيا- على أنّ -زيوس- هو المنقذ، وإنّ -زيوس- هو محقّق الأمل(٤).

ثانياً: لقد أسقط اليونانيون على أبطالهم صفات الألوهية، وبقدر ما عرف تاريخهم من أبطالهم بقدر ما اهتزّت صورة الآلهة القديمة، ورأينا سابقاً كيف كان للإسكندر الأعظم تأثير على معتقدات المصريين، وهو ماثل عند اليونانيين مع محاولة الإسكندر في جعل الألوهية الفكرة الأساسية للإمبراطورية فأصبحت سابقة لمن بعده،فحاول ذلك بطليموس لكنّه فشل كما رأينا، وعندما جاء ديمتريوس فاتح المدن الذي طرد بطليموس من أثينا وهزم الأسطول البطلمي -أنشدوا ترنيمة جميلة تعلن أنّ

١- . أحمد عمران، قراءة في كتاب التشيع، ص٤٣.

٢- . كورتل آرثر، قاموس أساطير العالم، ترجمة: سهى الطريحي، ص١٢٧.

٣- . المصدر نفسه، ص١٦٢.

٤- . المصدر نفسه، ص٦٥.

٣٥
الآلهة الأخرى غائبة صمّاء غير مكترثة أو غير موجودة أمّا هو فهو تجلّ للإله الواحد الحقّ... وبعد ذلك اتخذ الحكّام ألقاباً مثل المحيين EU-GETE- أو المنقذ وتجلّي الإله ويتخذون الصاعقة كـ(يرانوس)-(١).

الديانة الهندوسية

إنّ الهندوسية مزيج من الاعتقادات والفرائض والسنن، وهي قد تنتكس أحياناً في اتجاه عبادة بعض الظواهر الطبيعية، وتسمو أحياناً أخرى إلى التجريدات العقلية الفلسفية، لا يعرف لها مؤسّس بعينه، وكذلك كتابهم المقدّس -الفيدا- وهو الجامع لأحكامهم ومعتقداتهم وعاداتهم بين دفتيه.

تتميّز الديانة الهندوسية بكثرة الآلهة بسبب انشدادهم إلى جملة من الظواهر الطبيعية والكائنات، واعتقدوا أنّ لها أرواحاً أو نفوساً فتقرّبوا إليها بالعبادة والقرابين واعتبروها آلهة.

وفي مرحلة أخرى من نضج فكرهم العقائدي، آمنوا أنّ في صف الآلهة رؤساء ومرؤوسين، وأنّ ربّ الأرباب هو الرئيس الآمر وحده، وقالوا: إنّ الآلهة هي إله واحد -هو الذي أخرج العالم من ذاته، وهو الذي يحفظه ثمّ يهلكه ثمّ يردّه إليه، وأطلقوا عليه ثلاثة أسماء فهو -براهما- من حيث هو موجود، وهو -فشنو- من حيث هو حافظ، وهو -سيفا- من حيث هو مُهلك-(٢).

وتقوم الهندوسية على تصنيف طبقي للمجتمع حيث يقسّمونه إلى أربع طبقات: البراهمة، الجند، التجّار والصنّاع، الخدم والعبيد، وهو تقسيم عرقي؛ لأنّهم أخرجوا المنبوذين ومنعوهم من الدخول في هذه الأقسام، وقَصَروا التصنيف على الجنس الآري القادمين من الغرب، والتورانيين - الجنس الأصفر الذين جاءوا من

١- . المصدر نفسه، ص٨٢.

٢- . أحمد شلبي، أديان الهند الكبرى، ط١٠، ص٥٢.

٣٦
الشرق -، ومنح هذا التصنيف البراهمة امتيازات كبرى إلى درجة اعتبروا أنّ -كلّ ما في الأرض ملك للبرهمي، وللبرهمي حقّ في كلّ موجود... لا يُدنّس البرهمي بذنب ولو قَتَلَ العوالم الثلاثة-(١).

وتتضح فكرة المخلّص وضرورة الخلاص من خلال أمرين اثنين: الإله فشنو، ومبدأ الانطلاق.

أمّا فيما يخصّ مبدأ الانطلاق فالهندوسية تعتقد أنّ الشهوات أقوى العوامل في حياتنا، ومن خلال هذه النزعات الشهوانية إمّا أن نحُسن للآخرين وإمّا أن نُسيء إليهم، ومن هنا لابدّ لنا أن ننال جزاءنا، وهو ما يسمّونه بـ-الكارما-، ولكنّهم لاحظوا في الواقع أنّ الجزاء قد لا يصل إلى مُستَحِقِّه، فالظالم قد يموت قبل أن يُقتصّ منه، فلجؤوا إلى فكرة تناسخ الأرواح (تكرار الولادة)، وسبب ذلك أنّ الروح خرجت من الجسم ولا تزال لها أهواء وشهوات متعلّقة بالعالم، وكذلك عليها حقوق للآخرين، فلابدّ لها أن تستوفي شهواتها في أدوار حياتية أخرى، وتنال جزاءها وفق ما عملت في حياتها السابقة، وأمّا إذا أكملت الميول ولم يبق للإنسان شهوة ما وأزيلت الديون، فلم يرتكب الإنسان إثماً، ولم يقم بحسنة تستوجب الثواب، نجت روحه وتخلّصت من تكرار المولد وامتزجت بالبراهما سواء كان الاكتمال في جسد واحد أم أجساد متعدّدة(٢)، فالسبيل إلى عدم تكرار الولادة اكتمال الميول والشهوات بأن يقنع الإنسان بما عنده ولا يطمع في المزيد وينقطع عن كلّ الوشائج التي تربطه بالدنيا والناس، وإذا تمّ له ذلك نجا من تكرار الولادة وامتزج ببراهما وهذا ما يسمّونه بالانطلاق، فالانطلاق هو سبيل الخلاص بالامتزاج ببراهما.

وينقل ول ديورانت عن أسفار اليوبانشاد عن الملك الذي خلّف ملكه وضرب

١- . المصدر نفسه، ص٦٢.

٢- . المصدر نفسه، ص ٦٧.

٣٧
في الغابة متقشّفاً -الملك جاناك-، وكيف يتوسّل إلى الحكيم -باجنافالكيا- أن يرشده إلى طريق الخلاص من العودة إلى الولادة من جديد، فيجيبه الحكيم بشرح رياضة اليوغا والتخلّص من الشهوات إلى أن يقول: -وإنّها لجنّة صارمة تلك التي يعدها -باجنافالكيا- لذلك الملك المتبتّل؛ لأنّ الفرد هناك لن يشعر بفرديته بل كلّ ما سيتمّ هناك هو امتصاص الفرد في الوجود هو عودة الجزء إلى الأنحاء بالكلّ الذي انفصل عنه حيناً من الدهر، فكما تتلاشى الأنهار المتدفّقة في البحر وتفقد أسماءها وأشكالها فكذلك الرجل الحكيم إذا ما تحرّر من اسمه وشكله يفنى في الشخص القدسي الذي هو فوق الجميع-(١).

أمّا الأمر الثاني: ففيه إشارة واضحة إلى المخلّص في عقيدة الهندوس الذين يؤمنون بأنّ فشنو - الإلَه بما هو حافظ - يتجسّد على شكل إنسان أو شكل خارق عندما تدعو الحاجة لإصلاح كلّ شيء والقضاء على الشرّ، يقول فشنو: -وعندما يتدهور النظام والعدالة سأنزل إلى الأرض-، ويؤمن المعتقِد الهندوسي بوجود عشرة تجلّيات لفشنو الإله الحافظ للكون، ومن أشهر هذه التجلّيات تجسّده في شكل سمكة -ماتسا- لإنقاذ -مانو- من الفيضان العظيم و-مانو- هو الجدّ الأعلى للبشرية، وعندما أصبح وجوده في خطر وتهدّد الجنس البشري بالفيضان حماه فشنو عندما تجسّد في سمكة ضخمة.

كما تجسّد فشنو على شكل القزم -فامانا- الذي أنقذ العالم من عفريت شرّير يدعى -بالي-، وكانت العفاريت تحت قيادة بالي نجحت في السيطرة على الأرض بأسرها، ولم تدع مجالاً للأرباب فيها، فتوسّل فشنو وهو متنكّر في هيئة القزم إلى بالي أن يعطيه بقدر ما يستطيع أن يقطع في ثلاث خطوات، فاعتقد بالي أنّ ما يستطيع أن يقطعه لا يساوي شيئاً فمنحه ما أراد، وكان فشنو تحوّل إلى عملاق وقطع الأرض

١- . ول ديورانت، قصة الحضارة، ج٣، ص٥٠.

٣٨
بكاملها في ثلاث خطوات واستعاد الأرض وحرّرها من العفاريت(١).

ولفشنو تجسّدات أخرى كمخلّص في شكل خنزير برّي وراما وبوذا، والتجلّي العاشر والأخير فهو تجسيد المستقبل ليكون الهبوط الأخير لفشنو، وسيحدث نهاية العصر الحاضر، وهو المخلّص الذي يجيء ليعاقب الأشرار ويجازي الأخيار، وقد وُصِفَ في صور مختلفة على أنّه حصان أو إنسان برأس حصان أو إنسان يمتطي صهوة حصان أبيض في يده سيف ملتهب، وسوف يحكم الأرض بالقسط والعدل ويستعيد العصر الذهبي(٢).

الديانة الجانتية

نتيجة للنظام الطبقي الذي كرّسته الهندوسية والامتيازات التي خصّت بها البراهمة، واستبداد البراهمة وظهور تعسّفهم وطغيانهم أحياناً، وضجّ الناس من استبداد البراهمة وجورهم، وتَمنّوا ظهور قائد روحي جديد يخلّصهم من ظلم البراهمة وطغيانهم(٣)، وكانت طائفة -الكشتريا- أكثر الطوائف سخطاً وتبرّماً، وآمنت يوماً بعد آخر بضرورة الثورة، وتحقّق بالفعل حلمهم على يد مصلحين كبيرين، وديانتين جديدتين:

أوّلاً: مهاويرا مؤسّس الجينية أو الجانتية.

ثانياً: بوذا مؤسّس البوذية.

ولد -مهاويرا- ومعناه البطل العظيم سنة /٥٩٩/ ق.م، نشأ في وسط ثري ومالَ إلى الزهد والترهّب، وفي سن ّالثلاثين خلع ملابسه الفاخرة وحلق رأسه وبدأ حياة الزهد والتبتّل، ونتيجة الرياضات الروحية الشاقة والاستغراق في التفكير والتأمّل وصل إلى حالة من الذهول، وأدرك - كما يعتقد - درجات علية من العلم، إلى أن بلغ مرتبة -

١- . جون كولر، الفكر الشرقي القديم، ص١٥٣.

٢- . جفري بارندر، المعتقدات الدينية لدى الشعوب، ص١٧٧.

٣- . أحمد شلبي، ديانات الهند الكبرى، ص١١.

٣٩
المرشد-، ومن هنا بدأ نشاطه الدَعَوي ولاقت دعوته انتشاراً ونجاحاً.

ولماّ كانت الجانتية في جوهرها محاولة للخروج من تسلّط البراهمة لم يعترف -مهاويرا- بالآلهة؛ لأنّ هذا الاعتراف قد يؤدّي إلى إحداث طبقة جديدة أو كهنة جدّد يجعلون أنفسهم واسطة بين الناس وبين الآلهة ويخصّون أنفسهم بامتيازات معيّنة، ولذلك سمّي دينه دين إلحاد، وتعتقد الجينية أنّ كلّ موجود إنساناً كان أم نباتاً أم حيواناً يتركّب من جسم وروح، وأنّ كلّ روح يجري فيها التناسخ، وهنا تلتقي الجانتية مع الهندوسية.

ونتيجة لمسالمتهم ومبالغتهم في عدم العنف لدرجة أنّهم يمنعون من قتل الهوام والحشرات، اعترفوا بآلهة الهندوس: براهما، فشنو، سيفا.

ومقابل -الانطلاق- كعنوان للخلاص لدى الهندوس نجد لديهم عنوان -النجاة-.

ومقابل -فشنو- المخلّص لدى الهندوس فإن المخلّص عند الجانتية هو -بارسفا-.

فما هي النجاة؟

للوصول إلى تخليص الروح من -الكارما- - الشهوات والميول - يظلّ الإنسان يولد ويموت حتّى تطهر نفسه وتنتهي رغباته، حينئذٍ تقف دائرة عمله ومعها حياته المادية فيبقى روحاً خالداً في نعيم خالد، وخلود الروح في النعيم بعد تخلّصها من المادة سمّي عند الجينين: النجاة، وهو ما يعادل الانطلاق في الهندوسية، والنرفانا في البوذية(١).

فالنجاة هي: تنزيه النفس عن الرغبات والشهوات للحيلولة دون تكرار الولادة، -ولابدّ للنجاة من قهر جميع المشاعر والعواطف والحاجات، ومؤدّى هذا ألاّ يحسّ

١- . أحمد شلبي، ديانات الهند الكبرى، ص١٢٠.

٤٠