×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

النظرية المهدوية في فلسفة التاريخ / الصفحات: ٤١ - ٦٠

الراهب بحب أو كره، بسرور أو حزن، لا بحرّ أو برد، ولا خوف أو حياة، ولا بجوع أو عطش، لا بخير أو شرّ، والجيني بذلك يصل إلى حالة من الجمود والخمود والذهول فلا يشعر بما حوله، ودليل ذلك أن يتعرّى فلا يحسّ بحياء، وينتف شعره فلا يتألّم، لأنّه لو أحسّ بما في الحياة من خير أو شرّ أو نظم متفق عليها فمعنى هذا أنّه لا يزال متعلّقاً بها خاضعاً لمقاييسها، وهذا يبعده عن النجاة...-(١).

ومن هو بارسفا ؟

هو اترثانكارا (المرشد) الثالث والعشرون عند طائفة الجينيين، كان أبوه ملكاً حين أخبرته زوجته أنّ ابنها سيصبح ملك العالم ومخلّصه ومنقذه، وأنّها رأت ذلك في المنام(٢).

وتقول الأسطورة: إنّ بارسفا تعب من عدم وجود الكمال في الوجود فاتجه إلى التناسل، وطلب منه الإلَه فتح طريق التعليم لبقية الكائنات، وقام بنزع ملابسه كعلامة لآخر تعلّق بالحياة الدنيا، ووقف ليتأمّل ويصوم دون توقّف، وطُلب منه أن يدرّس الناس طريق الخلاص(٣).

البوذية

في البوذية -النرفانا- هي درب الخلاص، وبوذا - الذي من معانيه المنقذ المنتظر(٤) - هو المخلّص.

ولكن من هو بوذا ؟ وما تعاليمه ؟ وما هي وسيلة النرفانا ؟

بوذا هو غواتيما سدهارتا ولد سنة /٥٧٣/ق.م من عائلة ملكية تعيش الرفاه والترف، عَزف عن هذه الحياة على الرغم مما وفّره له أبوه من وسائل الملذّات واللهو

١- . المصدر نفسه، ص١٢٣.

٢- . كورتل أرثر، قاموس أساطير العالم، ص٧٧.

٣- . المصدر نفسه، ص٧٧.

٤- . جفري بارندر، المعتقدات الدينية لدى الشعوب، ص٢١٥.

٤١
حتّى يشغله عن تأمّلاته في آلام الإنسان وعذاباته وتفاهة الحياة، وفي سنّ التاسعة والعشرين فرّ من قصر أبيه واتجه إلى البراري، التقى هناك باثنين من رهبان البراهمة لكنّه سرعان ما تركهما حين عرف أنّهما يطلبان التقشّف والزهد لذاتهما، وهو يريد الزهد طريقاً إلى أسرار الكون.

واصل سيره إلى أن بلغ ضفة نهر -جاياومو- وجلس تحت شجرة -البو-، وهناك بدأ في التأمّل الجاد على طريقة الرجال المقدّسين في الهند، عازماً أن يظلّ في تأمّله على هذا النحو حتّى يصل إلى الاستنارة التي يسعى لها.

بعد مجاهدة روحية أمكنه أن يتغلّب على كلّ العوامل الشريرة التي تربط الناس، ودخل إلى نطاق العالم الأزلي، وهكذا استيقظ سدهارتا وصار بوذا أي الرجل المستنير، -ويوضّح التراث البوذي أنّه كان باستطاعته عند هذه النقطة أن يظلّ هكذا دون أن ينشغل أو يهتمّ بالعالم الفاني الزائل،لكن بوذا رحمة منه وشفقة على جماهير الجنس البشري طرح هذا الإمكان لكي يكرّس نفسه خلال الفترة الزمانية الباقية لإعلان الـ-دهاما -DAHAMA أو الحقيقة الأزلية التي أيقظته-(١).

وما هي النرفانا ؟

إنّها تلتقي بالانطلاق عند الهندوسية، والنجاة عند الجانتية، إنّها تعني الخلاص من تكرار المولد، وهي تقوم كما ذكرنا سابقاً على عقيدة تناسخ الأرواح.

لمّا أتت الإشراقة الروحية لبوذا تحت الشجرة المقدّسة وسمع ذلك الصوت يشعّ في داخله -نعم، في الكون حقّ أيّها الناسك، هناك حقّ لا ريب فيه، جاهدْ نفسك حتّى تناله-، حاول الشيطان -مارا- غوايته بهجران عالم الفناء والاستمتاع بعالم النرفانا، ولكن بوذا أصرّ أنّه لن يترك هذا العالم حتّى يأخذ بأيدي الآخرين على طريق الخلاص، من هنا قيل: إنّ النرفانا هي التخلّص من رغبات الذات وشهواتها، وأن يصبح الإنسان سيّد رغباته بفضل قوته الروحية الداخلية.

١- . المصدر نفسه، ص٢١٩.

٤٢
وقيل: إنّها وصول الفرد إلى أعلى درجات الصفاء الروحي لتطهير النفس والقضاء على جميع الرغبات المادية، ويصبح المقياس عندئذٍ: -كلّ من أراد أن ينقذ حياته عليه أن يخسرها-.

وقيل: إنّ النرفانا هي الاندماج في الإله والفناء فيه ـ في المرحلة التي كان يقول فيها بوذا بوجود إله ـ.

وقيل: إنّها إنقاذ الإنسان نفسه من الكارما، وتكرار المولد بالقضاء على الرغبات، والتوقّف عن عمل الخير والشرّ.

لقد واجه بوذا صعوبات في نشر تعاليمه؛ لأنّ تجربة الإشراق تجربة ذاتية داخلية يصعب تفسيرها للآخرين لمعرفة النفس ومعرفة طريق الخلاص.

ولمّا ترك بوذا منطقة الآلهة فارغة وأعرض عن الحديث عن الآلهة، وبحكم الميل الفطري للناس إلى الإله ونزوع الهنود خصوصاً إلى تعدّد الآلهة، فقد اتجه البعض إلى القول بأنّ بوذا هو تجلّي إلهي، وقال بعضهم: إنّه تجسّد لفشنو إله البراهمة ـ كما ذكرنا ـ، وفي مرحلة لاحقة لتطوّر البوذية ظهرت المهايانا (النهج الكبير) التي استطاعت أن تحتلّ عمقاً شعبياً بعد أن تجاوزت ضرورة حياة الأديرة، وفسّرت النصوص الدينية بأقلّ صرامة وتشدّد.

وفي إطار المهايانا ظهر مفهوم البوذستفا: وهو يطلق على كلّ شخص يكون على أعتاب النرفانا ثمّ يؤجّل عامداً الدخول في حالة الغبطة النهائية -النرفانا- شفقة منه على جماهير الناس العاديين، وبدلاً من أن يتحوّل إلى بوذا كامل فإنّه يظلّ مقيماً في العالم الزماني مكرّساً نفسه لخلاص الآخرين(١)، ويعود الفضل إلى فكرة المخلّص البوذستفا BODHI-ATTVA في انتشار البوذية في الصين، على الرغم من ازدراء الكونفوشية لكن -غالبية جماهير الشعب الصيني كانت على استعداد للترحيب بالتعاليم الجديدة

١- . المصدر نفسه، ص٢٣٨.

٤٣
لاسيّما رسالتها عن البدهشتا السماوية، التي يمكن أن يلجأ إليها المرء للمساعدة لالتماس الخلاص من شرور هذه الدنيا وأحزانها-(١).

وهكذا تؤكّد المهايانا ما يذهب إليه التراث البوذي من أنّ بوذا ظهر من وقت لآخر طوال التاريخ البشري، وسوف يواصل الظهور على هذا النحو... ويحصل هذا حسب مصطلحاتهم التقليدية كل/٥٠٠٠/ سنة(٢).

ويَعتَبِر صاحب قصّة الحضارة التبشير بالمخلّص إحدى ميزات المهايانا فيذكرها في معرض تعداده لها -.. واعترافها ببوذيين منتظرين يخلّصون البشر بخلود الروح الإنسانية-(٣).

الزرادشتيه

-زرادشت- أو -زوراستر- اختلف في تاريخ ولادته فمن قائل أنّه ولد /٦٢٨/ق.م أو/٦٠٠٠/ق.م إلى قائل آخر يدّعي معاصرته لبوذا وكونفوشيوس وجينتية، مارس نشاطه شمال شرق إيران، حُفظت تعاليمه في سبع عشر ترنيمة تعرف بجاثا GATHA- وهي تمثّل القسم الأكبر من الأبستا ABE-TA الكتاب المقدّس عند الزرادشتين.

المبدأ الأساسي عند زرادشت أنّ الشرّ لا يأتي من الخالق، لأنّ الشرّ جوهر مثل الخير، وكلّ منهما يرجع إلى سبب أوّل، فكان إله الخير -أهورامزدا- وكان إله الشرّ -أهرمان- المسؤول عن شرور العالم وعن الأمراض والموت والغضب... فالتاريخ هو تاريخ صراع بين الخير والشرّ، بين أهورامزدا وأهرمان، ودور الإنسان يتحدّد بالقيام بدور فاعل في هذا التغيير من خلال المساهمة في التغلّب على الشرّ الأهرميني، جاء في

١- . المصدر نفسه، ص٢٤٢.

٢- . المصدر نفسه، ص٢١٦.

٣- . ول ديورانت، قصة الحضارة، ج٥، ص١٤.

٤٤
كتابهم المقدّس -أتستطيع أن تكون من أولئك الذين يجدّدون هذا العالم-(١).

وينقسم التاريخ باعتقادهم إلى أربع حقب، تمتدّ كلّ حقبة ثلاثة آلاف سنة، وقع التشابك في الفترة الثالثة بين أهورامزدا وأهرمان بعدما كان كلّ منهما يجهّز قوته وسوف ينهزم الشيطان في النهاية.

سيظهر المنقذ -ساونشيان- الذي سيولد من عذراء ستظهر في بحيرة كاسنويا وإنّ التجديد النهائي سيحصل على الأثر من تضحية ساونشيان الذي سيأتي لتجديد الحياة في نهاية الحياة، وستمحى في زمانه جميع الشرور التي أثارها أهرمان، وسيتمّ خلق العالم من جديد، وستتحد الأرواح بالأجساد(٢)، ويرى بعض المؤرِّخين أنّ زرادشت اعتقد أنّ الأرض ستصلح من بعده مباشرة، ولكن عندما لم يحدث ذلك وبقيت الأرض على ما هي عليه اعتقد أتباعه أنّه سيتبع بثلاثة منقذين يظهر كلّ عام...

وبموجب أسطورة متأخّرة فإنّ الزمن يتضمّن ١٢ ألف سنة مقسّمة إلى أربعة أقسام، كلّ قسم٣٠٠٠ سنة، والحقبة الأخيرة حظيت بتعاليم زرادشت، وتنتهي بمجيء ساوشيانت أو المنقذ٣٦، ونلمح هذا النزوع إلى المخلّص في كتابهم المقدّس -دُلّني يا مزدا على قائد مخلّص حكيم متلطّف يقودني إليك-(٣)، -اجعلنا من الذين يجدّدون هذا الوجود(٤)-، -اعمل كي تكون من زمرة الأشخاص الذين يساهمون في سبيل رقي وكمال هذا العالم-(٥).

هناك أديان قريبة من الزرادشتية تلتقي معها حول الثنوية والإيمان بإله الخير وإله الشرّ، واتفقت معها أيضاً حول فكرة المخلّص، من هذه الأديان:

١- . إسماعيل فوزي، الديانة الزرادشتية، ص٥.

٢- . كورتل آرثر، قاموس أساطير العالم، ص٤٥.

٣- . إسماعيل فوزي، الديانة الزرادشتية، ص٦٠.

٤- . المصدر نفسه، ص٧٠.

٥- . المصدر نفسه، ص٨١.

٤٥
أ. المانديون: يؤمنون بملك النور وسيد العظمة هو -مانا- العظيم، الذي يقابل مملكة الظلام، ويعتقدون أنّه قد تم خلقه من طريق فيوض صدرت عن مملكة النور، ومن أهمّ الموجودات التي صدرت عنه المخلّص -مانداهاي- أو معرفة الحياة، ومنها اشتق اسم هذه الديانة، ويؤمنون أن ّالروح سجينة البدن، ونهاية العالم عندما يحصل التخلّص من الأرض والكواكب، فإنّ أرواح الأتقياء الأبرار سوف تتحرّر -ويمكن أن يتمّ التحرّر هنا نتيجة لعمل هيبل زيوا HIBILZIWA وهو مخلّص اقتحم العالم وهزم أرواح الشرّ-(١).

ب. المانوية: ولد -مان- سنة/٢١٦/م، وأعلن أنّه جاء ليتمّ عمل زرادشت وبوذا والمسيح عليه السلام ، وهو يؤمن بثنائية إله النور وإله الظلام، وقد وحّد إلَهه مع إله المستمعين له، فإذا وجّه خطابه إلى المسيحيين فهو المخلّص يسوع، وعندما يخاطب الزرادشتيين فهو الإنسان الأوّل أهورامزدا.

اليهودية

تاريخ اليهودية - وبسبب ما عرف به اليهود من مكر وخديعة وتآمر على الشعوب الأخرى وتكتّل وعنصرية ضدّهم - مليء بالصراع، وكانوا دوماً عرضة للذلّ والهوان مما جعلهم منشدِّين دوماً إلى مخلّص يخلّصهم من واقعهم الرديء، ومما عزّز هذا الشعور ما حوته كتبهم من إشارات إلى المنقذ، وأهمّها الحديث عن -يهوه- الإله المخلّص، وثانيهما المسيح الموعود الذي يوحّد اليهود وينجِّيهم من ذلّتهم.

جاء في سفر أشعيا: -بها العذراء تحبل وتلد ابنا اسمه عمانويل؛ لأنّه يولد لنا ولد، ونعطى ابنا وتكون الرياسة على كتفه، ويدعى اسمه عجباً، ويكون إلهاً قديراً أباه رئيس السلام، ويحمل عليه روح الربّ روح الحكمة والفهم، روح المشورة والعزّة روح المعرفة ومخالفة الربّ يقضي بالعدل للمسالمين، ويحكم بالإنصاف لبائسي

١- . انظر: المعتقدات الدينية لدى الشعوب.

٤٦
الأرض، ويضرب الأرض بقضيب فمه، ويميت المنافق بنفخة شفتيه، ويكون البر منطقة ثنية، والأمانة منطقة حقوية، ويسكن الذئب مع الخروف، ويربض النمر مع الجدي والعجل والشبل والمسمن وصبي صغير يسوقها... فيطبعون سيوفهم سككاً، ورماحهم مناجل، ولا ترفع أُمّة على أُمّة سيفاً، ولا يتعلّمون الحرب فيما بعد-(١).

وتهيُئ اليهود لهذا المخلّص وتوقّعهم يزداد كلّما ألمّت بهم البلايا والمحن، وظهر المسيح عليه السلام وأعلن أنّه المسيح الذي ينتظره اليهود، ولكن أكثرهم رفض هذا الادعاء، وقاوموا دعوة المسيح عليه السلام وألقوا عليه القبض وحكموا عليه بالصلب، وفي المزمور الثاني والسبعين من مزامير داود عليه السلام من العهد القديم نقرأ بشارة بالمخلّص جاء فيها:

-اللهم أعطِ شريعتك للملك، وعدلك لابن الملك؛

ليحكم بين شعبك بالعدل، ولعبادك المساكين بالحقّ.

فلتحمل الجبال والآكام السلام للشعب في ظلّ العدل؛

ليحكم لمساكين الشعب بالحقّ، ويخلّص البائسين ويسحق الظالم.

يخشونك ما دامت الشمس وما أنار القمر على مرّ الأجيال والعصور.

سيكون كالمطر يهطل على الشعب، وكالغيث الوارف الذي يروي الأرض العطشى.

يشرق في أيّامه الأبرار، ويعمّ السلام إلى يوم يختفي القمر من الوجود.

ويملك من البحر إلى البحر، ومن النهر إلى أقاصي الأرض.

أمامه يجثو أهل الصحراء، ويلحس أعداءه التراب.

ملوك توسيس والجزائر يدفعون الجزية، وملوك سبأ يقدّمون الهدايا.

يسجد له كلّ الملوك، وتخدمه كلّ الأمم؛

١- . ول ديورانت، قصة الحضارة، ج٢، ص٣٥٤.

٤٧
لأنّه ينجي الفقير المستغيث به، والمسكين إذ لامعين له.

يشفق على الضعفاء والبائسين، ويخلّص أنفس الفقراء.

ويحرّرهم من الظلم والجور، وتكرم دماؤهم في عينيه.

فليعش طويلاً، وليعط له ذهب سبأ، وليصلّ عليه، ويبارك كلّ يوم.

فليكثر القمح والبر في البلاد حتّى أعالي البلاد، ولتتمايل سنابل القمح...

كأشجار جبل لبنان، ويشرق الرجال في المدينة كحشائش الحقول.

ويبقى اسمه أبد الدهر، وينشر ذكره واسمه أبداً ما بقيت شمس مضيئة.

وليتبارك الجميع وجميع الأمم تنادي باسمه-(١).

لقد ذهب مفسّرو العهد القديم إلى أنّ المقصود بالملك: داود عليه السلام ، وابن الملك: سليمان عليه السلام ، ولكن القرائن الداخلية تصرف البشارة عن ذلك.

وذهب بعضهم إلى أنّ المقصود بالملك: عيسى عليه السلام ، ولكنّهم تحيّروا في عبارة -ابن الملك-، ولكن صاحب -بشائر الأسفار- يرى: أنّ القرائن الداخلية والصفات التي جاء ذكرها في المزمور تجعل المقصود من الملك النبي صلى الله عليه و آله ، وابن الملك هو الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه ابنه وحفيده(٢).

وبقي اليهود إلى عهود قريبة ينتظرون المسيح المخلّص؛ بل إنّهم ينتظرونه إلى يومنا هذا، ولقد ظهر أكثر من شخص يدّعي ذلك في القرون الأخيرة.

المسيحية

لا نجد عناءً شديداً في التدليل على أنّ المسيحية حالها حال الديانات السابقة بشّرت بالمخلّص، بل يبدو المفهوم واضحاً وراسخاً إلى حدّ كبير، حتّى أنّ الإنجيل في أصل تسميته يرادف لفظ الحلوان GO-PEL باليونانية: وهو ما تعطيه لمن أتاك بالبشرى،

١- . مير مصطفى تامر، بشائر الأسفار بمحمّد وآله الأطهار، ص٧٢.

٢- . بشائر الأسفار بمحمّد وآله الأطهار، ص١٣٣ و١٤٠.

٤٨
ثمّ أريد منه البشرى عينها، أمّا السيد المسيح عليه السلام فقد استعملها بمعنى بشرى الخلاص التي حملها واستعملها الرسل من بعده بالمعنى نفسه(١).

لقد وردت كلمة المسيح في التوراة ولا يزال اليهود ينتظرونه ويرونه ملكاً عظيماً سيأتي ليجعل لهم السلطان على الأرض، ولكنّه لمّا أتاهم تآمروا ضدّه وكفروا به وأنكروا أنّه الموعود... واعتقدوا أنّهم قتلوه.

ويقول المسيحيون: إنّ أنواراً قد ملأت الأجواء في بيت لحم عقيب مولد المسيح عليه السلام وإنّ نجماً لاح في السماء يبشّر بمولد المخلّص، وأن هيرودوس ملك اليهود لمّا علم بذلك خاف على ملكه من المولود الجديد، وكان يعرف أنّ زوال ملكه على يد مولود من بيت لحم، فقرّر قتل كلّ مواليد هذه المدينة(٢).

وفي الواقع إنّ المسيح عليه السلام لم يدّعِ أنّه المسيح الذي ينتظره اليهود، ولكن أتباعه الذين هم من اليهود أصلاً أعطوه هذا اللقب، وساهم -بولس- الذي تعود إليه تعاليم المسيحية كما هي معهودة إلى يومنا هذا في تأكيد فكرة المخلّص ليستقطب أكبر عدد ممكن من اليهود، فأذاع أنّ المسيح منقذ ومخلّص.

وباستقراء العهد الجديد نجد العديد من النصوص الدينية التي تُبرز فكرة المخلّص وتُبشر بخلاص الإنسان، فقد جاء في إنجيل متى على لسان يسوع: -طوبى للمساكين بالروح؛ لأنّ لهم ملكوت السموات، طوبى للحزانى؛ لأنّهم يتعزون، طوبى للودعاء؛ لأنّهم يرثون الأرض، طوبى للجياع والعطاشى إلى البر؛ لأنّهم يشبعون-(٣).

وفي نفس الإنجيل: -انظروا لا ترتاعوا لأنّه لابدّ أن تكون هذه كلّها، ولكن

١- . أحمد شلبي، المسيحية، ص١٧٢.

٢- . المصدر نفسه، ص٨٩.

٣- . إنجيل متى، الإصحاح: ٥/١- ٦.

٤٩
ليس المنتهى بعد؛ لأنّه تقوم أُمّة، على أمة ومملكة، على مملكة وتكون مجاعات وأوبئة وزلازل في المساكن، ولكن هذه كلّها مبتدأ الأوجاع، وحينئذٍ يسلمونكم إلى ضيق ويقتلونكم وتكونون مبغضين من جميع الأمم لأجل اسمي... ولكن الذي يصبر إلى المنتهى فهذا يخلّص ويكرز بشارة الملكوت- [متى: الإصحاح ٤].

وورد في الإصحاح ٢٥/٣١-٣٤ من إنجيل متى: -متى جاء ابن الإنسان في مجده وجميع الملائكة المقدّسين معه فحينئذٍ يجلس على كرسي مجده، ويجتمع أمامه جميع الشعوب، فيميّز بعضهم من بعض، كما يميّز الراعي الخراف من الجداء، فيقيم الخراف عن يمينه، والجداء عن اليسار ثمّ يقول الملك للذين عن يمينه: تعالوا يا مباركي أبي رِثوا الملكوت المعدّ لكم منذ تأسيس العالم ليدين العالم بل ليخلّص به العالم-.

وفي الإصحاح الرابع من نفس الإنجيل: -وقالوا للمرأة إنّنا لسنا بعد بسبب كلامك نؤمن؛ لأنّنا نحن قد سمعنا ونعلم هذا هو الحقيقة المسيح مخلّص العالم-.

وورد في إنجيل يوحنا اسم المعزي كعنوان للمخلّص، ففي الإصحاح ١٥/٢٦-٢٧: -ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الأب روح الحقّ الذي عند الأب ينبثق فهو يشهد لي وتشهدون أنتم أيضاً لأنّكم معنا في الابتداء-.

وفي الإصحاح ١٦من نفس الإنجيل: -ولكنّي أقول لكم الحقّ إنّه خير لكم أن انطلق لأنّه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي، ولكن إن ذهبت سأرسله إليكم، ومتى جاء ذلك العالم على خطيئة وعلى بر وعلى دينونة...- إلى أن يقول: -إنّ لي أموراً كثيرة ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن، وأمّا متى ما جاء ذاك روح الحقّ فهو يرشدكم إلى جميع الحقّ؛ لأنّه لا يتكلّم من نفسه بل كلّ ما يسمع يتكلّم به، ويخبركم بأمور آتية- [الإصحاح: ١٦/١٢-١٣].

والمعزي الوارد في هذه البشارة هو النبي محمّد صلى الله عليه و آله حسب تعريف بعض الباحثين، ولقد استدلّ على ذلك بالتحريف الحاصل في أصل العبارة بعد ترجمتها إلى

٥٠
اليونانية من العبرية، وذلك بنقل الكلمة من عبارة PE-ICLYTO- بريكليطوس التي تعني محمّد بالعربية إلى عبارة باركليطوس PA-CLYTO- التي تعني المعزي.

وقد حاول بعض الباحثين أن يفسّر هذه البشارة وغيرها بأنّها تتعلّق بالإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه، ولكنّ صاحب -بشائر الأسفار- يناقش هذه المحاولة، ويؤكّد أنّ البشارات منصرفة إلى الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله ، وما يدعم ما ذهب إليه صاحب -بشائر الأسفار- من كون المعزي هو الرسول محمّد أنّ إنجيل برنابا الذي لا تعترف به الكنيسة قد نصّ على اسم النبي محمّد صلى الله عليه و آله صراحة: -أجاب يسوع إنّ اسم مسيا عجيب؛ لأنّ الله نفسه سمّاه لما خلق نفسه ووضعها في بهاء سماوي قال الله أصبر يا محمّد لأنّي لأجلك أريد أن أخلق العالم، وجمعاً غفيراً من الخلائق التي أهبها لك حتّى إنّ من يباركك يكون مبارك، ومن يلعنك يكون ملعوناً، ومتى أرسلك إلى العالم أجعلك رسولي للخلاص، وتكون كلمتك صادقة حتّى إنّ السماء والأرض تهنان، ولكن إيمانك لا يهن أبداً، وإنّ اسمه المبارك محمّد حينئذٍ رفع الجمهور أصواتهم قائلين يا الله أرسل لنا رسولك يا محمّد تعال سريعاً لخلاص العالم-(١).

ثانياً: المخلّص في الفكر الفلسفي

نظر بعض الفلاسفة للحياة نظرة سوداوية قاتمة فوصموها بالشقاء والعنت، بل اعتبرها بعضهم عبثاً زائداً ورحلة جبرنا عليها دون إرادة مسبقة ولا غاية واضحة، وبلغ الأمر عند بعضهم أن دعوا للانتحار واعتبروه سبيلاً للخلاص من هذه المتاهة التي وقعنا فيها دون جدوى، هذا الشذوذ الفكري لم يمنع من ظهور فلاسفة متفائلين عبر التاريخ آمنوا بإمكان قيام مجتمع سعيد يسوده العدل وتحكمه نظم تقود الإنسان إلى فردوس أرضي وأنّ الشرور والمآسي التي تئن تحت وطأتها الأرض يمكن تجاوزها بتأسيس نظام مؤنسن يسود ويضع حداً للفقر والجوع ويحقّق طموح الناس إلى العدل والحرية والسعادة.

١- . إنجيل برنابا، الفصل ٩٨/ ١٤- ١٨، ترجمة: خليل سعادة.

٥١
ولم يَخْلُ عصر من العصور التاريخية من فيلسوف ينادي بتعدّي الحلول الوسطى والاكتفاء بالمعالجة الجزئية السطحية، ويطالب بتأسيس المجتمع والحياة المثالية للناس كما يحلم بها الحكماء، وهي ما يطلق عليه -اليوتوبيا- وينسب إلى توماس مور (١٤٧٨-١٥٣٥) نحت كلمة يوتوبيا، وقد اشتقّها من اللفظين اليونانيين OW بمعنى لا و TOPO-: مكان يعني -لا مكان- أو -ليس في مكان-، ووضع الكلمة عنواناً لكتاب له، وهو أشهر يوتوبيا في العصر الحديث، ومن ذلك الحين استعملت العبارة في اللغات الأوروبية، وكذلك في العربية، ويقصد بها: -نموذجاً لمجتمع خيالي مثالي يتحقّق فيه الكمال أو يقترب منه ،ويتحرّر من كلّ الشرور التي تعاني منها البشرية، ولا يوجد مجتمع كهذا في بقعة محدّدة من بقاع الأرض؛ بل في أماكن وجزر متخيلة في ذهن الكاتب نفسه، وخياله قبل كلّ شيء، وأصبح للكلمة فيما بعد معانٍ كثيرة غير التي استخدمها مور، فصارت تطلق على أصل سياسي أو أي تصوّرات خيالية مستقبلية أو احتمالات علمية فيه ... تنشد انسجام الإنسان مع نفسه ومع الآخرين ومع مجتمعه-(١)، وهكذا تصبح اليوتوبيا حلم الجنس البشري بالسعادة واشتياقه الخفي للعصر الذهبي أو لجنّته المفقودة كما تصوّر البعض(٢).

واليوتوبيات التي جادت بها قريحة الفلاسفة وتأمّلاتهم عديدة جدّاً، بشّروا فيها بالمخلّص والخلاص على طريقتهم الخاصّة، ولكن أشهرها على الإطلاق -جمهورية أفلاطون-، و-المدينة الفاضلة- للفارابي، و-مدينة الله- للقديس أوغسطين، و-المدينة الخيالية- لتوماس مور، و-مدينة الشمس- لدومنيك كامبانيلا الإيطالي، و-أطلنطا الجديدة- لفرنسيس بيكون، حيث يمارس العلماء سلطتهم حتّى على الملك ...

١- . لويزا ماريا، المدينة الفاضلة عبر التاريخ، ص٩.

٢- . المصدر نفسه، ص١٨.

٥٢
ويمتدّ هذا التفكير الفلسفي ليتصل بطوبائيات اشتراكية وأخرى علمية وثالثة تستند إلى الحرية الفردية أكثر، وتترك مجالاً للصراع والخلافات كما هو حال ولز (١٨٤٤-١٩٤٤) في يوتوبيا حديثة وبَشَرْ كالآلهة(١).

ولكن تبقى الجمهورية لأفلاطون، ومدينة الفارابي الفاضلة أفضل نموذجين نتوقّف عندهما:

جمهورية أفلاطون

ولد أفلاطون سنة/٤٢٧/ق.م وعاش ثمانين سنة، كان مولده في جزيرة قرب أثينا،آمن بأنّ صلاح الدولة في اقتران الفلسفة بالسياسة، واتصاف الحاكم بالحكمة، وقد يكون للأحوال السياسية المتعكّرة دَوْرٌ في نضج كثير من آرائه الاجتماعية والسياسية، وينقل عنه: -لن يخلص الجنس البشري من متاعبه إلا بأن يستولي المشتغلون اشتغالاً حقيقياً بالفلسفة على السلطان السياسي، أو بأنّ أصحاب السلطان في المدن فلاسفة حقيقيون-(٢).

يرى أفلاطون أنّ الفرد للدولة، وأنّ الغاية هي الفضيلة والعدالة وتحقيق العلم والفلسفة، ومن أجل ذلك لابدّ أن يسلم الفرد منذ ولادته إلى الدولة، وهي التي تتكفّل تربيتهم وإعدادهم ومن ثمّ توزيعهم حسب مؤهّلاتهم على عدّة اختصاصات، فمن يصلح للجيش يربى تربية عسكرية، ومن يصلح للإدارة يربى تربية فلسفية... وغالى في ضرورة اختيار النسل، حتّى أنّه نادى بوجوب منع من كان فاسداً من الآباء من التناسل والقضاء على كلّ الأطفال غير الصالحين.

ويبدأ تعليم الفلسفة عنده من سنّ الثلاثين، ويستمرّ إلى حوالي الخمسين، ويحقّ للمرء عندئذٍ أن يكون حاكماً، ولابدّ أن تطهّر المدينة من كلّ نزعة أو فكرة مخالفة للفضيلة.

١- . انظر المصدر نفسه.

٢- . أحمد شنواني، كتب غيرت الفكر الإنساني، ج١، ص٤٥.

٥٣
ولابدّ أن نشير إلى أنّ أفلاطون كان يعتقد بإمكان تحقّق هذه الدولة، لكن رحلاته إلى صقلية جعلته يرجع فاتر الأمل -ومن هنا عدل من شروطه في السياسة حتّى يجعل الدين هو الأساس في كلّ مؤسّسات الدولة-(١)، وعلى الرغم من ذلك تبقى محاولة الجمهورية مصدراً فلسفياً هاماً.

مدينة الفارابي

هو أبو النصر محمّد بن محمّد طرخان المعروف بالفارابي، نسبة إلى فاراب من بلاد الترك، ولد سنة/٢٥٧هـ/٨٧٠م وتوفّي سنة/٣٢٩هـ/٩٥٠م، اشتهر بالمعلّم الثاني؛ لأنّه أوّل من شرح منطق أرسطو في العالم الإسلامي، والمدينة الفاضلة تسمية أطلقها الفارابي على المثل الأعلى للحكم، ويريد بها المدينة التي تحقّق السعادة القصوى في الدارين لأبنائها، ويعتقد أنّ -المدينة الفاضلة تشبه البدن التام الصحيح الذي يتعاون أعضاؤه كلّها على تتميم حياة الحيوان وعلى حفظها عليه-، وهذه السعادة القصوى التي تمثّل هذه المدينة لا تتحقّق إلا بالعلم والعمل، ويقول عن صفات رئيس المدينة الفاضلة: -إنّ رئيس المدينة الفاضلة ليس يمكن أن يكون أي إنسان اتفق؛ لأنّ الرئاسة إنّما تكون بشيئين: أحدهما أن يكون بالفطرة والطبع معداً لها والثاني بالهيئة والمَلَكة الإرادية-.

ولرئيس المدينة خصال -أن يكون تام الأعضاء، جيّد الفهم والتصوّر، جيّد الحفظ والفطنة، حسن العبارة، محبّاً للقيم، غير شره في المأكول والمشروب، متجنّباً للّعب، مبغضاً للذات، محبّاً للصدق وأهله، مبغضاً للكذب وأهله، كبير النفس، محبّاً للكرامة، محبّاً للعدل، مبغضاً للجور والظلم وأهلهما، سلس القيادة إذا دُعي إلى العدل، قوي القريحة، صبوراً لا يخاف-.

ويعدّد الفارابي مدناً أخرى تضادّ المدينة الفاضلة، وهي المدينة الجاهلة، والمدينة الفاسقة المتبدّلة، والمدينة الضّالة.

١- . عبد الرحمن بدوي، موسوعة الفلسفة ج٢، ص ١١٣ ـ ١١٤.

٥٤
ولم تغبْ فكرة المخلّص عن الفلاسفة المحدثين، حيث صرّح العديد من فلاسفة العصر بأنّ العالم بانتظار المصلح، من بينهم الفيلسوف الإنجليزي برتراند رسل الذي نسب إليه القول: -إنّ العالم في انتظار مصلح يوحّد العالم تحت علم واحد وشعار واحد-، وكذلك العالم الكبير أنشتاين صاحب نظرية النسبية الذي نسب إليه القول: -إنّ اليوم الذي يسود العالم كلّه الصلح والصفاء ويكون الناس متحابّين متآخين ليس ببعيد-.

ولوّح برناردشو بمجيء المصلح العالمي في كتابه -الإنسان والسوبرمان-، وهذه الفكرة فكرة السوبرمان عمّقها فيلسوف القوة فريدريك نيتشه في أواخر القرن التاسع، واعتبر أنّ -الغاية من الإنسانية هي خلق هذا الإنسان الأعلى -سوبرمان--، وذلك لأنّ الإنسان عامة لا قيمة له في ذاته، وإنّما قيمته وسيلة إلى خلق هذا النوع الممتاز، ومن أجل تحقيق هذه الغايات ينادي نيتشه بضرورة تحطيم الأصنام التي استعبدت الإنسانية، أصنام الأخلاق، وأصنام السياسة، وأصنام الفلسفة، فالخير كلّ الخير في الإنسان الأعلى، والخلاص كلّ الخلاص في القوة -لأنّ الخير كلّ ما يعلو في الإنسان بشعور القوة وإرادة القوة والقوة نفسها، والشرّ كلّ ما يصدر عن الضعف، والسعادة هي الشعور بأنّ القوة تنمو وتزيد وبأنّ مقاومة ما قد قضي عليها-.

ثالثاً: المخلّص في التاريخ السياسي الإسلامي

مع بزوغ فجر الإسلام الذي ظهر على الدين كلّه اتضحت أكثر معالم فكرة المخلّص، وصدّق الرّسول مابين يديه من بشارات، وأعطاها مداها الواقعي وتفاصيلها التي تفتقر إليها الأديان السابقة.

لقد بشّر الرسول صلى الله عليه و آله بالمهدي عجل الله تعالى فرجه واتفق جميع المسلمين على مختلف طوائفهم إلا ما شذّ منهم ممن لا يعتدّ بهم على صحّة هذه الأحاديث في الجملة وتواترها الإجمالي، ومن هنا تعمّقت هذه الفكرة في وجدان المسلمين، وكان لها صداها العميق في وعيهم وتاريخهم، وتمّ لأجل ذلك توظيف الفكرة في سبيل تعبئة الجماهير

٥٥
ضدّ الظلم والطغاة مستغلّين المخزون العاطفي العميق لهذا المفهوم وللقائد المنتظر المهدي عجل الله تعالى فرجه، فظهر في التاريخ الإسلامي مهديون كثيرون، بل قامت على أساس الدعوة إليه دول ودويلات هنا وهناك.

وهذه الظاهرة جديرة بالدراسة المعمّقة والمتأنّية وهو مالا تتحمّله هذه القراءة السريعة في هذا الفصل.

إنّ أكثر الادعاءات في بعدها الإيجابي تدلّل على عمق تلهّف المسلمين إلى قائدهم المخلّص،خاصّة حينما كانت تعصف بهم ظروف اجتماعية وسياسية قاهرة.

وقد وظَّف العبّاسيون سياسياً مفهوم المخلّص - المهدي - -فلمّا جاء دور المنصور بعد السفّاح اِستغلّ شيوع كلمة المهدي عند الناس واعتقادهم فيها فلقّب ابنه بالمهدي على أساس هذه الفكرة، ودعا على أنّه هو المهدي المنتظر ليحيط الخلافة بالسلطان الدنيوي والتقديس الديني وجعله ولي عهده، وكان تأسيسه للدولة العباسية على أساس ديني بتلقيبه ابنه هذا بالمهدي، وتسمية أُمّ المهدي بأُمّ الخلفاء تشبهاً بأُمّ المؤمنين-(١).

ويقول عبد الرحمن بدوي: -فالعبّاسيون قد لجؤوا أيضاً إلى فكرة المهدي في الدعوة إلى أحقّيتهم بالخلافة، ذكر المسعودي أنّ الخليفة العباسي الأوّل الملقّب بالسفّاح كان يلقّب بالمهدي، وكذلك ثالث الخلفاء العبّاسيين سمّي المهدي، وهو الذي خلّف أبا جعفر المنصور-(٢).

في المغرب الإسلامي استفاد المعارضون للعبّاسيين من مشاعر السخط والنقمة التي تختلج صدور البرابرة ضدّ السلطة العبّاسية، وبثّ فيهم أبو عبد الله الشيعي الدعوة للمهدي المنتظر، وانقلبوا على العبّاسيين، وظهر عبيد الله المهدي بعد أن وطّن

١- . أحمد أمين، المهدي والمهدوية، ص١٢.

٢- . مذاهب الإسلاميين، ص٧٩.

٥٦
له الأمور أبو عبد الله الشيعي، وأسّس عبيد الله المهدي مدينة المهدية، وشاد أركان الدولة الفاطمية، ومن نسل عبيد الله كان المعزّ لدين الله الفاطمي الذي فتح مصر على يد جوهر الصقلي وسمّاها المعزّية، وأسّسوا هناك حضارة عظيمة -وقد أقام الفاطميون حضارة عظيمة ونشروا فيها التشيّع وظلّوا قروناً حتّى أزال ملكهم صلاح الدين الأيوبي-(١).

ومن الدول التي قامت في المغرب كذلك باسم المهدي دولة الموحّدين، تحت إمرة محمّد بن تومرت، والتي انطلقت من الجبال البربرية جنوب المغرب الأقصى حوالي سنة ١١٣٠م، فبعد أن احتلّ الموحّدون المغرب الأقصى ومقاطعة تلمسان بين ١١٣٠-١١٤٧م، ثمّ المغرب الأوسط، غزوا أفريقية واحتلّوا المهدية سنة١١٦٠م -وكان نتيجة ذلك دولة الموحّدين المشهورين في التاريخ... فكانت هذه مملكة عظيمة من بركات المهدي المنتظر تشمل المغرب كلّه إلى حدود مصر والأندلس، وكانت أيضاً دولة شيعية عظيمة تستند على فكرة المهدي-(٢)، وفي عهد هذه الدولة ظهر الفيلسوفان المشهوران -ابن الطفيل- و-ابن رشد-، وقد سمح للفلسفة بعد أن كانت محظورة في الأندلس.

وفي المشرق قامت ثورات عديدة رافعة لواء المهدي، ولعلّ ذلك يعود إلى أنّه في العصور الأولى لم يكن لشعارات العدالة الاجتماعية ومقاومة الظلم صدى في النفوس إلا بمقدار ارتباطها بشعار ديني، وهذا ما أكّده ابن خلدون حين ذهب إلى أنّ العرب أُمّة لا تنقاد إلا لرسالة دينية ونحوها.

لقد استفادت هذه الثورات من المفهوم العقائدي المتجذّر لدى الأُمّة -المهدي - عجل الله تعالى فرجه لتصعيد العمل الثوري ضدّ السلطات القائمة انطلاقاً من التردّي الاجتماعي

١- . المصدر نفسه، ص١٥.

٢- . المصدر نفسه، ص٣٧.

٥٧
والنفسي للجماهير، ونحن لا يمكننا في هذا المقام تقويم هذه الحركات وحقيقة ما ينسب إليها من أعمال مشينة فظيعة، واعتقادات فاسدة باطلة بقدر ما يهمّنا إلى أي مدى تعكس هذه الجماعات الارتباط التاريخي بالمخلّص كثورة الزنج، وثورة القرامطة،وثورة الحشاشين.

ولم تنتفِ ظاهرة مدّعي المهدية في التاريخ الحديث أيضاً، وبزغ أكثر من مصلح باسم المهدي، ومع أنّهم لا يدينون بمذهب أهل البيت عليهم السلام أشهر هؤلاء:

مهدي السنوسية: هو محمّد المهدي السنوسي، ظهر في المغرب في القرن الثالث عشر للهجرة، ولد سنة ١٢٧٠هـ/١٨٤٤م، وتوفي سنة ١٣٢٠هـ/١٩٠٢م، خلف أباه بعد موته وقويت طريقته في أيامه، أقام زوايا كثيرة منتشرة في أماكن متعددة يبلغ عددها نحو /٣٠٠/ زاوية من المغرب الأقصى إلى الهند، ومن ودّاي إلى الأستانة وأكثرها في الصحراء الكبرى وشمال أفريقية، -وكان في كلّ زاوية خليفة يدير شؤونها ويعلم أولاد الناس ويقتني الماشية ويشتغل بالزراعة، يساعده المريدون، وينفق على الزاوية،وما يفيض عنه يرسله إلى الشيخ السنوسي، فأصبح صاحب الترجمة أشبه بملك يجبى إليه الخراج-(١)، قبل وفاته لمّح إلى أن المهدي المنتظر سيظهر قريباً وأن ظهوره سيكون في ختام القرن الثالث عشر الهجري، وينقل أحمد أمين في كتابه المهدي والمهدية أنه رأى كتاباً عنوانه -الدرة الفردية في بيان الطريقة السنوسية- تدور مقدمته على إثبات أن السيد السنوسي هذا هو المهدي المبشّر به(٢).

المهدي السوداني: هو محمّد أحمد بن عبد الله، ولد في جزيرة تابعة لدنقلة سنة ١٢٥٩هـ/١٨٤٣م، تلقّب بالمهدي المنتظر عام ١٨٨١م، وكتب إلى فقهاء السودان يدعوهم لنصرته، وانتشر أتباعه - ويعرفون بالدراويش - بين القبائل يحضّون على الجهاد.

١- . خير الدين الزركلي، الأعلام، ج٧، ص٧٦.

٢- . أحمد أمين، المهدي والمهدوية، ص٧٩.

٥٨
خاض معارك مع حاكم السودان رؤوف باشا المصري وهزمه، فأرسلت الحكومة المصرية جيشاً آخر على دفعتين ويهزم في كلّ مرّة، وانقادت السودان كلّها للمهدي، واستقرّ بأم درمان، وطفق يجمع الجموع لينقض على مصر، ولكنّه أصيب بحُمّى التيفوس فمات بعد أن أوصى بالخلافة من بعده لعبد الله التعايشي سنة ١٨٨٥م وتذكر كتب التاريخ والأعلام آخرين ادّعوا المهدية، منهم مهدي تهامة باليمن، ومهدي السنغال، ومهدي السوس، ومهدي الصومال.

رابعاً: المخلّص في النظريات الوضعية

يأخذ الحديث عن فكرة المخلّص في النظريات الوضعية منحى آخر يتجه فيه البحث نحو الصيغة التي تحقّق السعادة للإنسان، وتدفع مسيرة المجتمع البشري إلى نمط من العيش يكفل العدالة على الأرض، ويضمن المستقبل السعيد.

فهل يمكن حقّاً للإنسانية أن تتجاوز معاييرها الأنانية الضيّقة، ونزعاتها الحيوانية من أجل المال، والسلطة، والنفوذ، والشهوات، لتسلّم زمام أمرها إلى مخلّص يسمو بها إلى آفاق موعودة مأمولة؟

يمكن أن نصوغ الإجابة عن هذا السؤال على لسان أهمّ النظريات الوضعية، لنرى إلى أي مدى أدركت هذه النظريات حقيقة الخلاص، وطبيعة المخلّص؟

النظرية الأولى: القانون هو المخلـّص

حسب هذه النظرية فإنّ التاريخ الطويل للبشرية الحافل بالتجارب والمشاكل سيقودها إلى فكر قانوني متطوّر، وذلك بفضل الإحاطة التفصيلية الدقيقة بالقضايا، والإشكالات التي تواجه الحياة الاجتماعية، والتي توفّرها طبيعة الحياة من جهة، والجهود التي تبذلها مراكز القرار والتشريع والقانونيين في إيجاد الصيغ الملائمة للتنظيم من جهة أخرى.

وباستقراء تاريخ القانون نلاحظ الثراء العلمي والتكامل المطرد في نتاجه، -وقد

٥٩
وصل القانون في العصر الحاضر إلى مراق عليا حتّى أصبح من أدقّ العلوم الإنسانية، وإذا كنّا قد نجد فيه بعض النواقص والاختلافات بين المفكّرين في جملة من حقوله، فإنّ التكامل التدريجي للقانون خلال التجارب الطويلة كفيل بأن يزيل هذه النواقص، ويزيد في إدراك الفكر القانوني لذينيك المرحلتين الأساسيتين، مما يفتح أمام القانون فرصة الوصول التدريجي إلى إدراك العدل الحقيقي والتذليل الكامل للبشرية-(١)، ومع بلوغ القانون العدل الحقيقي، والفهم الكامل للعدل يمكن حينئذٍ تنظيم المجتمع وفق هذه الصيغة القانونية الراقية، ويتحقّق بذلك المجتمع السعيد.

ويرد على هذه الأطروحة جملة من المناقشات:

أوّلاً: إنّ الإنسان من الصعب أن يدرك المصالح الواقعية، ويحيط بالعدل الكامل؛ لأنّه بحكم تركيبته التكوينية تتجاذبه ميول ذاتية تدفعه نحو المصلحة الشخصية، أو نحو الانحياز إلى العرق واللون والطائفة والطبقة...، فمن المتعذّر أن يتجرّد الإنسان من كلّ هذه الانتماءات ليشرّع قانوناً عادلاً من جميع الجهات، وهذا يفسّر لنا تنصيص الإسلام على أنّ التشريع بيد الله و عجل، وجعل التوحيد التشريعي من مظاهر التوحيد الأفعالي.

ثانياً: لو فرضنا أنّ الإنسان بلغ هذه الدرجة التي تخوّله سنّ قوانين موضوعية تشخّص العدل الأكمل فتوصل إلى المصالح الواقعية للفرد والمجتمع، فمن الصعوبة بمكان أن يتوافر مجتمع يتحرّر بدوره من كلّ العوائق لتطبيق هذه الأطروحة.

ثالثاً: إنّ سلطة القانون مهما أوتيت من نفوذ فلن تستطيع أن تراقب الإنسان في كلّ جزئيات حياته، ولن يقدر أن يمنح الإنسان الشعور بالمسؤولية التي تجعله يراقب نفسه في كلّ موقف وعند كلّ منعرج ضماناً لتطبيق العدالة.

رابعاً: إنّ القول بأنّ الفكر القانوني يتجه نحو التوحّد زعم باطل، والدليل

١- . محمّد صادق الصدر، اليوم الموعود، ص٢٩.

٦٠