×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

النظرية المهدوية في فلسفة التاريخ / الصفحات: ٦١ - ٨٠

على ذلك تشعّب المدارس القانونية، واختلافاتها العديدة في تشخيص المصالح والمفاسد وضبط البنود، -وإذا لم توجد الوحدة في الفكر القانوني كان من المتعذّر وجود المجتمع العالمي العادل تحت ظلّ القانون البشري بأي حال من الأحوال-(١).

النظرية الثانية: التقدّم العلمي هو المخلـّص

تقوم هذه النظرية على اعتبار التقدّم العلمي هو السبيل لتحقيق مجتمع السعادة، فبواسطة التقنيات المعاصرة نستطيع أن نضاعف الإنتاج الزراعي والغذائي ونكفل بالتالي حاجات المجتمع، وتقضي على الفقر والمجاعة والخصاصة، وبفضل التقدّم الطبّي قد يصل الإنسان في المستقبل القريب إلى علاج لأكثر الأوبئة استعصاء، هذه التقنيات وغيرها مكّنت الإنسان من حياة مرفهة مريحة بعيدة عن المنغّصات والمتاعب، والتطوّر الإعلامي من جهته جعل الأرض قرية كونية يتابع المرء فيها عبر الشبكات الاتصالية كلّ ما يحدث في أي بقعة من بقاع الأرض، بل أصبح النتاج الثقافي والعلمي والأدبي متاحاً للجميع في أوقات قياسية، ولم تتخلّف الأنشطة الاقتصادية والتجارية التي استفادت من هذه الثورة المعلوماتية، فاندفعت أشواطاً كبيرة إلى الأمام.

والعلم حسب ما تتنبّأ به الدراسات المستقبلية ما زال يخطّط لمستقبل باهر قد لا نصدّق بعض ملامحه، حيث تتحكّم الهندسة البيولوجية في أولادنا، وفي إنتاجنا الحيواني والنباتي، ويفجّر الذكاء الصناعي زوبعة لا غاية لصداها، وتقوم حضارة إنسان الفضاء، ويحقّق الطبّ حلم الإنسان في التعمير عقوداً طويلة ...، وفي ضوء هذه التوقّعات يمكن القول بأنّ العلم يكفل للبشرية المستقبل السعيد، وأنّه مخلّص المجتمع الإنساني مما يعيشه من تخبّط وفوضى وفاقة وحروب....

ولكنّنا نناقش هذه الأطروحة من عدّة وجوه:

١- . المصدر نفسه، ص٢٣.

٦١
النظرية المهدوية في فلفسة التاريخ » الاسعد بن علي قيدارة » (ص ٦١ - ص ٩٠)أوّلاً: إنّنا لا ننكر أهمّيّة التقدّم العلمي والإنجازات العلمية التي غيّرت معالم حياة الناس وجلبت لهم الراحة والحياة المرفهة، ولكن ذلك لا يعني البتة أنّ العلم وحده كفيل بتحقيق السعادة المرجوة، فإنّ العلم يؤمِّن حاجات الإنسان في جانبها التقني والفنّي، ويساعد على حسن تدبير حاجاته من مأكل وملبس ومشرب ووسائل نقل و...، غير أنّ العلم لا يؤمِّن الجانب القيمي والتنظيمي من حياة الإنسان، فهو لا يمنحه رؤية في الحياة ولا يطرح لنا مشروعاً اجتماعياً، ولا صيغة تنظيمية، ولا تشريعاً ينظّم علاقة الإنسان، ومن باب أولى أنّه يهمل علاقة الإنسان بالله و عجل والغيب؛ لأنّ ميدان العلم هو التجربة والمحسوسات دون الماورائيات.

ثانياً: إنّ العلم كما قدّم اختراعات وابتكارات خدمت البشر،كذلك يقدّم كلّ يوم وسائل تهدّد البشرية بالفناء والدمار، فالمخزون الهائل من أسلحة الدمار الشامل الذي يهدّد حياة البشرية هو نتاج التقدّم العلمي والتقنيات العالية في تصنيع السموم والأسلحة الكيماوية... وصنع أدوات التعذيب، والتفنّن في وسائل الإغراء وإشاعة الفساد،كلّها من -بركات- العلم.

إنّ العلم يبقى أداة فعّالة بيد الإنسان يمكن أن يساهم في إرساء السعادة والعدل، كما يمكن أن يفسد في الأرض ويهلك الحرث والنسل، من هنا فإنّ هذه الأطروحة المادّية لا تمثّل المخلّص حقّاً، ولا يمكن إلا أن تبوء بالفشل.

النظرية الثالثة: الماركسية واليوم الموعود

تتميّز الرؤية الماركسية بصفات نظرية بوّأتها مكانة بارزة في تاريخ المذاهب الفكرية، ومن عناصر القوّة في هذه المدرسة؛ الشمولية في تفسيرها الطبيعة والتاريخ على أساس المادّية الجدلية في المستوى الأوّل، والمادية التاريخية في المستوى الثاني، والعنصر الثاني من عناصر القوّة؛ التبشير بمستقبل رغيد للبشرية عموماً والطبقة الكادحة خصوصاً.

٦٢
لقد نظرت هذه المدرسة إلى التاريخ نظرة متفائلة، إذ رأته يتحرّك متصاعداً في اتجاه تكاملي ليبلغ مداه مع مرحلة نهائية تزول فيها كلّ عوامل الاستغلال وأشكاله، وهذا الانتقال يتمّ عبر خمس مراحل أساسية:

-مرحلة المشاعية البدائية.

-مرحلة الرق.

-مرحلة الإقطاع.

-مرحلة الرأسمالية.

-مرحلة دكتاتورية البروليتارية التي تمهّد لعهد الشيوعية.

هذا الانتقال تحكمه حتمية تاريخية كانعكاس للتطوّر الحاصل في علاقات الإنتاج المنبثق عن التطوّر في وسائل الإنتاج.

وفي الطور الأعلى الذي تبشّر به الماركسية والذي تسير إليه البشرية قهراً حسب تحليلها،يتساوى الناس جميعاً في المستوى الاقتصادي وتزول الطبقية؛ بل تزول الملكية الخاصّة وتزول الدولة؛ لأنّها مظهر من مظاهر التسلّط والقهر الطبقي في المجتمع.

ولن نقف طويلاً لمناقشة هذه النظرية؛ لأنّ الحديث حول ذلك يطول ويبعدنا عن غرضنا الأصلي من هذا البحث المحدود؛ ولأنّ هذه النظرية قد فُنّدت بشكل تفصيلي في جميع أركانها بإبطال الأساس المادّي في تفسير الطبيعة وتطبيقاتها على المجتمع والتاريخ، ومن أراد فليراجع المصادر المتخصّصة.

ومن جهة أخرى لقد كشف الفشل الذريع على مستوى الواقع العملي للماركسية زيف ادعائها وأباطيلها خاصّة بعد التحوّلات التي شهدها المعسكر الشرقي في العقدين الأخيرين.

٦٣
لقد كشف سقوط المعسكر الشرقي وانحلاله، وتفكّك الاتحاد السوفيتي أنّ جحيماً كانت تحترق فيه جموع الجماهير وراء ستار حديدي أحمر وأنّ لا جنّة على الأرض كما يدّعون، وأنّ الاشتراكية ومن ورائها الشيوعية أكذوبة كبرى لا تحمل للناس الأمل في الخلاص.

النظرية الرابعة: فوكوياما ونهاية التاريخ

من عجائب هذا العصر أن يطلع علينا في نهاية القرن العشرين، وبعد حرب الخليج الثانية، وانفراد الولايات المتحدة بالهيمنة على العالم، فرنسيس فوكوياما مبشّراً بل مدعياً نهاية التاريخ، وأنّ الليبرالية الرأسمالية أرقى مراحل التاريخ البشري.

نعم هذه الليبرالية الرأسمالية التي طالما استعبدت الشعوب وامتصّت دماءها ومقدّراتها وحطّمت آمالها في الرقي والتقدّم، هاهي تبعث نبيها، بل مسيلمها الكذّاب يبشّر بالخلاص على يد الليبرالية الرأسمالية!

يلبس فوكوياما مسوح الرهبان ويطلع علينا مشفقاً: ... أنّي ارتضيت لكم الديمقراطية الليبرالية سبيلاً؛ لأنّها قدركم الذي لا مفرّ منه، لأنّها الأيدلوجية التي استمرّت إلى نهاية القرن العشرين، ولا وجود لأي أيدلوجية قادرة على منافستها... يقول فوكوياما: -ليست المحاولة الليبرالية هي التي تبدو منتصرة بقدر ما هي الفكرة الليبرالية أي أنّه بالنسبة لقسم كبير جدّاً من العالم ليست هناك أيدلوجية تدّعي الشمولية حالياً تكون في موقع يمكنها من منافسة الديمقراطية الليبرالية-(١).

ويسوغ فوكوياما تلويحه بنهاية التاريخ بأنّه ما دمنا اكتشفنا أنّ التاريخ لا يختزن داخله قابليات للتطوّر الخطي والتقدّم إلى الأمام، فإنّ الأيدلوجية السائدة حينئذٍ هي التي تصنع الإنسان الأخير، -فالتاريخ لم يكن تلاحقاً أعمى للأحداث؛ بل كان ذا

١- . فرنسيس فوكوياما، نهاية التاريخ والإنسان الأخير، ص٢٣.

٦٤
دلالة تتطوّر فيه الأفكار الإنسانية المتعلّقة بطبيعة النظام السياسي والاجتماعي وتزدهر، وإذا بلغنا الآن نقطة لا نستطيع منها أن نتصوّر عالماً مختلفاً جوهرياً عن عالمنا حيث لا وجود لأي مؤشّر يدلّنا على إمكانية التحسّن الإنساني لنظامنا فإنّه يتوجّب علينا إذ ذاك أن نأخذ بالاعتبار أن يصبح التاريخ ذاته عند نهايته-(١).

وفي معرض نقده للإسلام يقرّ فوكوياما بأنّ هذا الأخير يمتلك أيدلوجية متماسكة، وأنّه استطاع أن يهزم الليبرالية في أجزاء متعدّدة من العالم الإسلامي، -إلا أنّ هذا الدين - حسب زعمه - لا يملك، وإنّه عارٍ من أي جاذبية خارج الأصقاع التي كانت إسلامية ثقافياً منذ بدايتها فقد ولّى زمن الغزو الثقافي الإسلامي كما يبدو-(٢).

ولكن بأدنى تأمّل تُدفع هذه الأباطيل المزيفة، فمتى كانت الديمقراطية الليبرالية مطيّة خلاص وسفينة نجاة للبشرية؟! ها هو تاريخها يشهد عليها، لا يزال الاستعمار الغربي بمآسيه شاخصاً في ذاكرة الشعوب، ولا يزال عصرنا شاهداً على عنجهية الليبرالية وعنصريتها، إنّ بشارة فوكوياما قد تنطلي على الرجل الأبيض الذي كان ولا يزال يعيش عقدة النرجسية والمركزية، عقدة حجبت عنه رؤية الآخرين وحضاراتهم، وأحلامهم، وهمومهم، وفوكوياما - على الرغم من جذوره الصفراء - يسقط في حبائل هذه العقدة فيجزم بنهاية التاريخ والإنسان الأخير، وهذا ما جعله قاصراً أن يتصوّر نظاماً أفضل، ويتوقّع صورة أحسن للعالم وللعلاقات والنظم، لقد حالَ استغراقه الكهنوتي في تمجيد صنمه الخالد (الديمقراطية الغربية) أن يمتدّ ببصره إلى الآفاق الرحبة للمستقبل الإنساني الذي لن يتجمّد ألبتة في متاهات الليبرالية.

ومن جهة ثانية إنّ فوكوياما كثيراً ما يخلط بين واقع المسلمين القاصر عن تقديم الإسلام للعالم بالشكل الملائم، وبين قدرات الإسلام وما يختزنه من مقومات فكرية

١- . م س، ص٧٧.

٢- . المصدر نفسه، ص٧١.

٦٥
وحضارية، فيحكم على الثاني بالعجز، ولكن العجز في المسلمين وأساليبهم، لا في الإسلام، فهو قادر على مقارعة الليبرالية في أي زاوية فكرياً وحضارياً بما يمتلكه من عناصر فعاّلة وأساسية لقيادة الإنسان والمجتمع الإنساني نحو الخلاص الواقعي والسعادة الواقعية، لكن المشكلة تكمن في قصور العاملين والمبلّغين والمؤسّسات الإسلامية التي تعاني من عقم فادح في إيصال صوت الإسلام وصورته النقية إلى كلّ البشر؛ لأنّها لا تزال حبيسة آليات ووسائل بعيدة عن مقتضيات العصر ومتطلّباته، ولم تستفد كما ينبغي من التطوّر الرهيب لوسائل الاتصال في هذا الاتجاه إضافة إلى ما ابتلي به الإسلام من جماعات تكفيرية وعصابات إجرامية تمارس حماقات بعيدة عن جوهر الدين ساهمت في تنفير الرأي العام الغربي.

خامساً: النظرية الإسلامية والمخلّص الواقعي

في فقرة المخلّص في الأديان لم نتحدّث عن المخلّص في الإسلام كما هو الحال في سائر الأديان الأخرى؛ لأنّنا نعتقد أنّ عقيدة الإسلام في المهدي عجل الله تعالى فرجه ليست فرضية في مقابل الفرضيات الأخرى؛ بل الرؤية الإسلامية الإمامية هي الرؤية الواقعية، خاصّة بعد ما تبيّن كذب مدّعي المهدوية في كلّ الاتجاهات الأخرى.

إنّ الإسلام صدّق ما بين يديه من البشارات عن المخلّص؛ لأنّ أصل الفكرة كما أشرنا هو الوحي الإلهي، ولا توجد فرضية أخرى تفسّر لنا هذا الاطراد لهذه الفكرة وهذا التواطؤ والاتفاق العام بين عموم الديانات والفلسفات والمذاهب على فكرة المخلّص.

لكن الخصوصيات الزائدة على أصل الفكرة جاءت مضطربة ومتناقضة أحياناً هي نتيجة شوائب وعناصر غريبة أقحمت إقحاماً بحكم قصور الوعي البشري وعدم بلوغه الدرجة التي تؤهّله لمعرفة كلّ التفاصيل.

فالرسالة الإسلامية أكّدت المبدأ واستمراريته في تاريخ الأديان:

٦٦

﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴾ [الأنبياء].

﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ﴾ [القصص].

﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى ﴾ [الأعراف].

﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴾ [الصف]، [التوبة/ الآية٣٣].

ومن جهة أخرى أعطت هذه الرسالة للفكرة كلّ التفاصيل الضرورية، وهذا ما تتضمّنه الروايات عن النبي صلى الله عليه و آله وأهل البيت عليهم السلام ، هذه التفاصيل هي التي تخوّل للبشرية معرفة قائدها وتميّزه عن كلّ مدّعٍ كذّاب؛ بل تعطي للمسلمين وعياً تاريخياً عن شرائط الظهور وتمنحهم الأسس النظرية الضرورية لتحديد أدوارهم ومسؤولياتهم زمن الغيبة في انتظار الإمام المخلّص المهدي عجل الله تعالى فرجه.

وهناك ميزة أخرى للرؤية الإسلامية تنفرد بها: وهي أنّها تفسّر تكامل الفكرة في التاريخ وتنفرد بذلك، فحسب التفسير الإسلامي للتاريخ لم تنبت فكرة المخلّص دفعة واحدة بجميع أبعادها، وإنّما هي حقيقة عقائدية راعت تطوّر الذهن البشري، وأعطته في كلّ مرحلة ما يناسبه من مفاهيم عن الخلاص والمخلّص وفق تخطيط إلهي دقيق يأخذ بعين الاعتبار سنن التاريخ والإرادة الإنسانية، ويمكن أن نرصد أهمّ مراحل هذا التطوّر في تكامل فكرة المخلّص في التاريخ.

المرحلة الأولى: في هذه المرحلة من فجر الإنسان ركّزت النبوّات على ضرورة الإصلاح النفسي؛ ولأنّه الخطوة الأولى في إصلاح المجتمع وإصلاح العالم بقيام المخلّص وتأسيس الدولة العالمية، ومن أهمّ الأنبياء الذين أكّدوا ذلك نوح عليه السلام ،

٦٧
يقول تعالى على لسان نوح: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [نوح]،كما ركّزت النبوّات في هذه المرحلة على ضرورة الإصلاح الاجتماعي والعلاقة القائمة بين العدل في التشريع وبين الرفاه الاجتماعي والاقتصادي تحفيزاً للذهن البشري وإعداده لمعرفة عصر المخلّص، وما يمنحه من عطاءات حضارية ورفاه لا متناه نتيجة قيام العدل، من ذلك قوله تعالى على لسان نوح أيضاً: ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ﴾ [نوح]، وقوله تعالى: ﴿ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَ هٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ * وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ [هود].

المرحلة الثانية: وتتميّز بالإشارة، وإن كان بغموض، إلى المخلّص ودولته المهدية، يقول تعالى على لسان شعيب عليه السلام : ﴿ بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ﴾ [هود]، والمراد من بقية الله المهدي على ما جاء في الروايات، وروي أنّه إذا قام الإمام عجل الله تعالى فرجه حيّاه المؤمنون بقولهم: السلام عليك يا بقية الله في أرضه، والمراد بالبقية كونه المتبقّي في الأرض من خطّ الأنبياء والأوصياء، وهذا يؤكّد أنّ عمله هو النتيجة النهائية لجهود كلّ الأنبياء والأولياء.

ويستكشف صاحب موسوعة الإمام المهدي من ذلك -إنّ جميع ما قالته الأديان عن وجود قيادات إصلاحية عالمية متأخّرة عن هذا العصر يعني متأخّرة عن العصر الموسوي بعض الشيء وأيضاً سواء ذلك في نبوات الشرق الأوسط أو نبوات الشرق الأدنى... كما أنّ جميع ما أعقب ذلك من انحرافات وتشويهات عن المهدية

٦٨
تأخّرة عن ذلك العصر-(١).

المرحلة الثالثة: التصريح بوضوح بوجود مخلّص يظهر في آخر الزمان، من ذلك قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴾ [الأنبياء].

ورأينا في الفصول السابقة كيف ينقل العهد الجديد البشارة بالمهدي عجل الله تعالى فرجه في مزامير داود عليه السلام ، ومن ذلك بشارة عيسى عليه السلام بالنبي محمّد صلى الله عليه و آله بوصفه الرسول الذي ستقوم دولة المهدي على أساس رسالته ودعوته: ﴿ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَ ذَا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ [الصف].

المرحلة الرابعة: مع الإسلام بلغت فكرة المخلّص أوجهاً، ومنحت كلّ الأبعاد وكلّ التفاصيل الدقيقة، خاصّة في ظلال مدرسة أهل البيت عليهم السلام ، وأصبح المهدي مشخّصاً معروفاً في ذاته وصفاته وآفاق حركته وانتصاراته، إنّه الإمام الثاني عشر: محمّد بن الحسن العسكري عجل الله تعالى فرجه - ولسنا في معرض الاستدلال بالروايات على ذلك فمن أراد فليراجع الكتب العديدة التي كتبت لذلك -.

هذا هو المخلّص الذي جاهد خطّ الأنبياء عبر التاريخ في إيصال البشرية إلى المستوى الذهني والروحي لتكون قادرة على تحمّل فكرته بجميع دقائقها.

١- . محمّد صادق الصدر، اليوم الموعود، ص٥٢٤.

٦٩

الفصل الثالث فلسفة التاريخ في المنظور الإسلامي العام

لا توجد مدرسة فريدة في تفسير التاريخ ولا نظرية وحيدة في استنطاق الأحداث وتحقيب مراحل الحضارات، فمنذ وقت مبكّر حاول الإنسان فهم الماضي والكشف عن ألغازه وغوامضه، واستشراف المستقبل ومعرفة تفاصيله. فطفت إلى الساحة نظريات عديدة، يستند بعضها إلى تفسير لاهوتي يمنح الآلهة الدور المطلق في صناعة التاريخ، وبعضها الآخر ينحو منحى بشرياً فيعطي للبطل المسؤولية الأكبر في التأثير، وآمن البعض الآخر بمرحلة تسود فيها الجماهير وتقوم بالأدوار الأولى في نحت معالم المصير الإنساني.

واختلفت النظريات الوضعية فيما بينها فركّز بعضها على العامل الجغرافي، واستغرق بعضها الآخر على جنبة القيادة والزعامة، واعتبر آخر الكبت الجنسي صانع الحضارات، واتجاه رابع استند إلى العامل الاقتصادي وتطوّر وسائل الإنتاج في التحوّلات التاريخية.

والنظرية الإسلامية في هذا المجال وإن تجلّت في صيغ واجتهادات مختلفة إلا أنّها تلتقي حول جملة من الخصائص العامة التي تميّزها عن غيرها.

فهي تستند إلى رؤية كونية توحيدية، ومعطيات قرآنية وَحْيَانِيّة عن تاريخ الحضارة الإنسانية وبدايات المسيرة الإنسانية ومستقبل الإنسان، ما يمنح هذه النظرية حيوية وتألّقاً تفتقده العديد من النظريات الوضعية وأهمّ هذه الخصائص العامة:

الشمولية

تمتاز النظرية الإسلامية بالشمولية وتغطية التاريخ البشري كلّه، فالقرآن الكريم في حديثه عن الإنسان ورسالته في الحياة يبدأ من قصّة خلق آدم عليه السلام التي يولّيها أهمّيّة خاصّة، فهي تمثّل منطلق التاريخ الإنساني ومؤشّر بدء حركته في الزمان والمكان.

ولم يركّز المفسّرون على البعد الفلسفي التاريخي لقصّة آدم عليه السلام في القرآن الكريم وحرمنا بالتالي من إيحاءات عديدة لقصّة خلق آدم وسكناه الجنّة وصراعه مع إبليس...

٧٠
(أي الإيحاءات للرؤية التاريخية ومسار حركة الإنسان ومستقبله).

لم تكن مصادفة أن تتكرّر قصّة آدم في سياقات مختلفة في عدّة سور من القرآن الكريم، وإعلان السماء أنّ آدم هو خليفة الله في الأرض، وذلك الحوار المميّز بين الله والملائكة حول دور هذا المخلوق الفريد، وتمرّد إبليس على القرار الإلهي، وانطلاق الصراع بين إبليس وآدم، ﴿ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَ ذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ﴾ [يس].

هذا من جهة البدايات، أمّا من زاوية النهايات فالقرآن يحدّثنا عن إرث الصالحين للأرض وقيام مجتمع العبودية الكاملة.

﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴾ [الأنبياء].

y﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَ لِكَ فَأُولَ ئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [النور].

فالنظرية القرآنية تمسح كلّ هذا التاريخ البشري من آدم إلى قيام مجتمع الصالحين، وتعطيه عنواناً عامّاً ينطبق على كلّ المراحل -الكدح نحو الله-، ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ ﴾ [الانشقاق].

والتفسير الإسلامي لا ينحصر في إقليم دون آخر ولا يتقوقع في حقبة بعينها؛ بل هو قراءة مفتوحة على كامل التاريخ الإنساني من مبتداه إلى منتهاه؛ بل تمتدّ النظرية القرآنية في حديثها عن الإنسان إلى ما بعد قيام الساعة، مما له دلالات مهمّة على تفسير حركة الإنسان في التاريخ، وإن كان الفكر الإسلامي إلى اليوم يفتقد بحوثاً مهمّة تكشف عن أسرار الاهتمام الكبير بتفصيلات المعاد والآخرة في القرآن وآثار ذلك على الرؤية القرآنية للتاريخ البشري.

٧١
لقد ركّز القرآن على هذا المستقبل البعيد (النشأة الآخروية وعوالم القيامة) وخصّص مئات الآيات القرآنية، كما تحدّث عن المستقبل القريب ونهاية مطاف المسيرة في الدنيا: قيام مجتمع الصالحين، ولكنّنا نراه يركّز أكثر على المستقبل البعيد.

ومن مظاهر الشمولية في النظرية القرآنية إقرارها بكلّ الأطراف الفاعلة في الساحة التاريخية وعدم إقصاء أي طرف أو عنصر فاعل، خاصّة الغيب ودوره في صنع الحدث التاريخي وتوجيه الإنسان نحو الغايات السامية التي خلق لأجلها.

لقد التفت الفكر الإنساني إلى الخطأ الفادح الذي وقعت فيه التفسيرات الوضعية للتاريخ بإلغائها عنصر الغيب وإنكارها لعامل السماء في مسيرة الأرض، وتغييبها لله تعالى بحجّة -الموضوعية -و-العلموية-، بدعوى رفض الأسطورة والتفاسير الأسطورية ونبذ التفاسير اللاهوتية، إلا أنّها باسم المنهج العلمي تكون قد جانبت الواقعية، ولم تقدّم سوى فرضيات لا تتعدّى أذهان أصحابها، فالواقعية تقتضي الاعتراف بحضور الله تعالى في التاريخ وهيمنة الغيب وإحاطته بالطبيعة والإنسان والمسار والمصير.

الواقعية

حينما تتحدّث الرؤية القرآنية عن التاريخ، سُننه، مراحله، غاياته، بداياته، نهاياته...، هي لا تنسج خيوط فرضيات عاشها صاحبها كخيال علمي أو تصوّرات يبتدعها للمسيرة وأبعادها؛ بل هي صورة عن واقع الحركة، أي أنّ النظرية القرآنية تتحدّث عن الواقع كما هو، لا كما يتراءى لنا، فالواقعية هي السمة البارزة لهذه المدرسة الإسلامية.

وهي نقطة قوّة تمتاز بها عن غيرها من النظريات التي تستند إلى جهود بشرية قاصرة عن الإحاطة بكلّ معطيات التاريخ وأبعاده.

فاستناد هذه الرؤية إلى الوحي وإلى مَعين علم لا يتسلّل إليه الخطأ، بمعنى آخر إلى مصدر متعال يحيط بالزمان والمكان والإنسان، يعطي لهذه الرؤية مصداقية وواقعية أكثر من التفسيرات الأخرى التي ينطلق أصحابها من داخل التاريخ من مكان ما في زمان ما ليحاول أن يفسّر الحركة والتاريخ ككلّ.

٧٢
وكيف لمن يعيش داخل التاريخ أن يحيط بما وراءه؟ وما بعده؟ إنّه عائق تكويني حقيقي يحول دون الوصول إلى وقائع الأمور.

التعالي

الوحي المتعالي هو المصدر الأساسي للنظرية الإسلامية في تفسير التاريخ، وهو المرتكز المعرفي لهذه النظرية.

وتلك ميزة ينفرد بها التفسير الديني؛ لأنّه لا يمكن صياغة رؤية عقلانية عن التاريخ إلا باتخاذ موقع من التاريخ والنظر إليه ككلّ، هذه النظرة إلى التاريخ من أعلى هي التي تمكّن فيلسوف التاريخ من النظر إلى الحوادث في ترابطها وتمكّنه من إسقاط العلاقات السببية بين الحوادث في المستقبل، ثمّ يستمرّ فيلسوف التاريخ في هذه العملية فيتجاوز حدود توقّع المستقبل وينتهي إلى طرح مشكلة غاية التاريخ أو نهاية التاريخ، مقابل الفكر الوضعي المستغرق في الزمان بما يمثّله من حاجز معرفي يحبس الباحث في حدود الآن ويعوق التحديق العميق في المستقبل بتحوّلاته وانقلاباته ويحول دون امتلاك رؤية شمولية تغطّي الحاضر والماضي والمستقبل.

يمكّن الاستناد إلى الوحي المتعالي من اقتناص هذه الرؤية الشمولية الواقعية.

فالتعالي هو ضمان الواقعية، ودونه يتضخّم في وعينا زمننا الحاضر ومكاننا القائم لتحتجب عنّا الرؤية الكاملة وتطغى علينا الرؤية الموضعية الناقصة الجزئية.

الموضوعية

إشكالية الموضوعية، مسألة منهجية تطّرد في كلّ البحوث خاصّة في مجال العلوم الإنسانية التي يكون فيها الإنسان جزءاً من موضوع العلم.

والموضوعية في التاريخ عموماً، وفلسفة التاريخ خصوصاً مقصد مهمّ يصطدم بإشكالية وحدة الذات والموضوع، حيث يكون الباحث هو الإنسان، والبحث هو مسيرة

٧٣
الإنسان نفسه من حيثيات معيّنة.

كما يصطدم هذا المقصد بالإطار المعرفي الذي ينطلق منه الباحث والذي يحدّد وجهة نظره في الوجود والإنسان ونهاية المسيرة الإنسانية.

ففلسفة التاريخ لا تنفكّ عن الرؤية الكونية والأيديولوجيا، ومن هنا فالأفكار المسبقة والأيديولوجيا خصوصاً تقف عائقاً أمام الموضوعية في فهم التاريخ وفلسفته.

ومن الصعوبة أن يتخلّص المؤرّخ أو فيلسوف التاريخ من نزعاته الذاتية وأفكاره المسبقة في قراءته للتاريخ.

وهنا أيضاً يمنحنا التعالي حلاً لإشكالية الموضوعية حيث يكون الالتزام الواعي والتقيّد بالإطار المرجعي للنصوص الدينية، بمنأى عن التحريف والتزييف، هو السبيل إلى تحقيق الموضوعية واجتناب السقوط في كلّ أشكال التحيّز للذات أو للمذهب أو للعرق أو للأهواء والمصالح....

الإنسانية

أشرنا سابقاً إلى اختلاف النظريات والمدارس في تحديد العوامل المؤثّرة في حركة التاريخ، فبعض المدارس تولي أهمّيّة خاصّة للعامل البيئي الجغرافي في تأثيره في حياة الناس وحضارتهم، وبعض الاتجاهات الأخرى تعتقد أنّ العامل الاقتصادي وتطوّر وسائل الإنتاج هو محور حركة التاريخ، ويذهب ثالث إلى أنّ الدولة والمؤسّسة السياسية هي الأداة الفاعلة في صنع التاريخ....

ومقابل هذه النظريات تنحاز المدرسة الإسلامية للإنسان وتؤمن بأصالة الإنسان وأصالة القيم والحاجات الإنسانية.

فالإنسان هو محور حركة التاريخ، وحاجاته الروحية المعنوية هي مركز الثقل في هذه الحركة، يقول الشهيد المطهري رحمه الله : -مسيرة التاريخ انطلاقاً من هذه النظرة تحوّل التاريخ وتكامله لا يقتصر على الجانب الفنّي والآلي أي لا يقتصر على الجانب المادّي؛ بل إنّه يعمّ ويشمل جميع الشؤون المعنوية والثقافية للإنسان ويتجه نحو تحرير الإنسان من

٧٤
القيود البيئية والاجتماعية-(١).

ليس الجغرافيا وحدها، ولا الكبت الجنسي، ولا وسائل الإنتاج، هي التي تصنع التاريخ وتشيّد الثورة؛ بل الإنسان يحقّق كلّ ذلك بمحتواه الداخلي.

الحركية والرسالية

يتميّز الدين عن الفلسفة بروح التقديس، هذه النزعة تدفع المؤمن إلى النضال والاستماتة في سبيل تجسيد أفكاره في الواقع.

لأجل ذلك يترك كلّ الأنبياء آثاراً واقعية في حياة الناس والمجتمع، ولا يكتفون برفع الشعارات وتقديم النظريات، وقلّة من الفلاسفة هم كذلك يندفعون للتضحية بذواتهم من أجل أفكارهم ورؤاهم.

وفلسفة التاريخ من منظور قرآني إسلامي ليست نظرية تجريدية تفتقت بها عبقرية مفكّر،ولا رؤية طوباوية تحلم بها الجماهير الجائعة المظلومة لتخفّف عن نفسها وطأة التاريخ وظلم المؤسّسات السياسية، وتعوّض عن أيّامها العصيبة المؤلمة بحلم وردي جميل.

وليست ترفاً فكرياً يتلألأ في صالونات الأنتلجنيسا -الإسلامية الجديدة- أو -النخب الفكرية الإسلامية الحديثة-.

فلسفة التاريخ ليست ذلك كلّه، ولكنّها ثقافة أساسية يتعرّف من خلالها الفرد والمجتمع على موقعه ودوره ورسالته في الزمن انطلاقاً من قراءة واقعية صائبة للوجود والإنسان والمستقبل.

الأسس العامة

بعد عرض وشرح الخصائص العامة لفلسفة التاريخ من منظور إسلامي،نعلّل الأسس العامة لهذه النظرية،وهي خمسة:

-غاية التاريخ.

-العوامل المؤثّرة في حركة التاريخ.

-

١- . نهضة المهدي في ضوء فلسفة التاريخ، ص٣٦.

٧٥
سنن التاريخ وقوانينه.

-مراحل التاريخ.

-المستقبل البشري ونهاية التاريخ.

أوّلاً: غاية التاريخ

من الأسئلة المحورية المهمّة المبحوثة في فلسفة التاريخ والتي اختلف حولها المفكّرون: هل يتحرّك التاريخ نحو غاية محدّدة أم أنّه تراكم عشوائي للأحداث لا نستطيع معرفة مآله ومنتهاه؟

لقد أكّدت الكثير من القراءات الدينية منها بالخصوص على وجود غاية وحكمة للخالق - وهو ما ينسجم مع مباني العدلية في المنظومة الكلامية الإسلامية - وراء الوجود، وهذا الإنسان ومسيرته في الحياة والتاريخ.

ولكن قلّة هي المدارس التي تعطي تفاصيل وتوضيحات كافية عن الغايات وسبل الوصول إليها والمعوقات التي تحول دون بلوغها.

نعم، تلتقي العديد من المدارس حول عنوان عام للغاية -السعادة البشرية- أو -المجتمع الصالح- أو -المجتمع العادل- يتحرّك نحوها التاريخ الإنساني، لكن دون أن تقدّم التفاصيل الكافية.

في المنظور القرآني نجد عنوانين أساسين لغاية المسيرة البشرية:

الأوّل: مفهوم العبادة.

الثاني: مفهوم الخلافة.

فما هي دلالات وأبعاد كلّ واحد منهما؟ وما علاقة الأوّل بالثاني ؟

في مستوى المفهوم الأوّل يركّز القرآن على أنّ الغاية من خلق الناس هي العبادة،﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات].

ورسالات الأنبياء في شعاراتها الأساسية كانت تذكّر بهذه الغاية وتنادي بها،﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَ هَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء].

٧٦
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ النحل].

﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَ هٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴾ [المؤمنون].

وفي مقام التفصيل يتحدّث القرآن الكريم عن هذا الشعار كخطاب رفعه بعض الأنبياء عليهم السلام كهود وصالح وشعيب ونوح....

﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَ هٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴾ [الأعراف].

﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَ هٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَ ذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأعراف].

﴿ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَ هٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَ لِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف].

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَ هٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴾ [المؤمنون].

﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَ لِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [العنكبوت].

والمفسّرون يذهبون إلى أنّ العبادة المقصودة في هذه الآيات والتي تمثّل غاية الخلق وعلّة وجود الناس هي العبادة بالمعنى الأعمّ، أي معرفة الله والسير الحثيث نحوه لتحقيق انسجام [المسار التشريعي مع السير التكويني]، مقابل المعنى الخاص للعبادة: الشعائر الخاصّة، أي الأعمال المشروطة بنية القربى.

وهذا المفهوم العام للعبادة له بعدان:

بعد نظري: يتمثّل في تلمّس مظاهر الجمال الإلهي واستكشاف صفاته، يقول تعالى : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق].

فالآيات تصرّح أنّ الغاية من خلق السموات والأرض معرفة صفات الله من علم

٧٧
وقدرة خصوصاً، وآيات أخرى تتحدّث عن جعل آخر مقابل الجعل التكويني (الخلق) وهو الجعل التشريعي، وأنّ غايته أيضاً معرفة صفات الله، ﴿ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَ لِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [المائدة].

فمعرفة الله وتلمّس صفاته هدف ذلك الجعل التكويني وهذا الجعل التشريعي.

ولا تخلو الأحاديث والروايات من الإشارة إلى هذا البعد النظري للعبادة: معرفة الله، من هذه الروايات: - كنت كنزاً مخفياً فأردت أن أعرف فخلقت الخلق -.

أما البعد العملي فيراد به السير العقلي والحثيث نحو الله، وهو ما عبّرت عنه آيات قرآنية كثيرة منها: ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ ﴾ [الانشقاق].

ومن اللافت أنّ الآية جاءت مطلقة لم تقيّد الإنسان بقيد الإيمان، فهذه الحقيقة الموضوعية - الكدح نحو الله - تشمل المؤمن والكافر، وخصوصية المؤمن أنّه يستشعر هذا السير نحو الله ويعمّق في نفسه هذا التوجّه، فيكون كدحه عبادة واعية وتسبيحاً مقصوداً ينسجم مع حركة ذرّات الكون وتسبيحها العام، ﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَ كِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾ [الإسراء].

وأمّا الإنسان الكافر فلن يكون كدحه -عبادة-؛ ولكن حركة نحو جزائه الذي لا يفوته ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [النور].

هذه العبادة بمعناها الشامل هي برنامج الاستخلاف والاستئمان الإلهي: رسالة الخلافة، وهكذا يتكامل مفهوم العبادة كغاية للخلق مع مفهوم الخلافة.

فالخليفة عن المستخْلِف الأصيل لابدّ له من منهج يتحرّك عبره ليطبّق إرادة وبرنامج المستخلِف، والعبادة بمعناها العام في البعده النظري والعملي ترجمة لصفات الله وأسمائه، -تشبّهوا بأخلاق الله- وهي عنوان هذا البرنامج.

﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ

٧٨
وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة].

﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ [الأنعام].

﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس].

وبتتبّع الآيات يمكن أن نميّز في الاصطلاح القرآني بين نوعين من الخلافة: الخلافة العامة: وهي تشمل كلّ أفراد الإنسانية، بمعنى أنّ الله جعل بني البشر خلفاء الأرض واستعمرهم فيها: ﴿ آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ [الحديد].

والخلافة الخاصّة: وهي خلافة المؤمنين الصالحين من بني البشر الذين يكرسون العبودية لله ويحفظون حدوده ويحرصون على تطبيق القيم الإلهية من حقّ وعدل وقسط وحرية، وهو كما نلاحظ مدلول قريب من معنى التمكين في الأرض: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَ لِكَ فَأُولَ ئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [النور].

في هذه الآية وعد إلهي بتمكين الصالحين واستخلافهم في الأرض وتحقيق مجتمع العبودية الكاملة،وهنا تتّحد الخلافة العامّة مع العبادة والعبودية الكاملة لله وتتحقّق الغاية النهائية للمسيرة البشرية.

فمجتمع العبودية الكاملة هو المجتمع الصالح الذي ترنو البشرية نحوه، وهذا ما يذهب إليه السيد الطباطبائي رحمه الله -والمتحصّل أنّ الله سبحانه يعدّ الذين آمنوا منهم وعملوا الصالحات أن سيجعل لهم مجتمعاً صالحاً خالصاً من وصمة الكفر والنفاق والفسق، يرث الأرض، ولا يحكم في عقائد أفراده عامةً ولا أعمالهم إلا الدين الحقّ، يعيشون آمنين من غير خوف من عدو داخل أو خارج، أحرار من كيد الكافرين وظلم الظالمين وتحكّم المتحكّمين، وهذا المجتمع الطيّب الطاهر على ما له من صفات الفضيلة والقداسة لم يتحقّق

٧٩
ولم ينعقد منذ بعث النبي صلى الله عليه و آله إلى يومنا هذا، وإذا انطبق فينطبق على زمن ظهور المهدي عجل الله تعالى فرجه على ما ورد من صفته في الأخبار المتواترة عن النبي صلى الله عليه و آله وأئمة أهل البيت عليهم السلام لكن على أن يكون الخطاب لهم لا له عليه السلام وحده-(١).

هذا المجتمع الصالح هو الذي يرث فيه الصالحون الأرض، ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء].

ويكون المستضعفون الأئمة والقادة، ﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ﴾ [القصص].

﴿ وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ﴾ [الأعراف].

ثانياً:العوامل المؤثرّة في حركة التاريخ

السؤال الثاني المهم والمحوري في فلسفة التاريخ: ما هي القوى المؤثّرة والموجّهة لحركة التاريخ ؟

والبحث عن محرّكات التاريخ ينسجم مع المبدأ العام والقانون الكلي الحاكم على أحداث الكون، -فأحداث التاريخ بصفتها جزء من أحداث الكون تخضع للقوانين العامّة التي تسيطر على العالم، ومن تلك القوانين مبدأ العلّيّة القائل: إنّ كلّ حدث سواء كان تاريخياً أم طبيعياً أم أي شيء آخر لا يمكن أن يوجد صدفة وارتجالاً وإنّما هو منبثق عن سبب، فكلّ نتيجة مرتبطة بسببها، وكلّ حادث متصل بمقدّماته، ودون تطبيق هذا المبدأ - مبدأ العلّيّة - على المجال التاريخي يكون البحث التاريخ غير ذي معنى-(٢).

فهنا مبدآن أساسيان لتفسير التاريخ: الإيمان بالحقيقة الموضوعية لأحداث التاريخ والاعتقاد بأنّها تسير وفق مبدأ السببية.

ولكن الخلاف في الاتجاهات المختلفة في تحديد هذه العلل الزمنية والقوى الأساسية

١- . محمّد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، مج١٥، ص١٥٦.

٢- . محمّد باقر الصدر، اقتصادنا، ص٤٨.

٨٠