×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

النظرية المهدوية في فلسفة التاريخ / الصفحات: ١٤١ - ١٦٠

أوّلاً: إنّ هذا التصوير مبني أساساً لمن لا يريد جواباً غيبياً عندما يسأل عن فائدة هذه الغيبة الطويلة، بل يطالب بتفسير اجتماعي للظاهر، وهذا ما صرّح به الشهيد الصدر رحمه الله في بحثه(١).

ثانياً: إنّ الجدل العقائدي حول علم الإمام لم يصل إلى نتيجة حاسمة يتفق حولها الجميع تلزم الكل بأنّ الإمام يعلم كلّ شيء، وأنّه بلغ في علمه درجة الكمال المطلق، بل المتفق حوله أنّ الإمام أعلم الخلق بما يتوقّف عليه هداية الناس، وإقامة الدين وأنّ طرق علم الإمام الخاصّة به من إلهام وكشف لا تنافي مشاركة الآخرين في الطرق التحصيلية خاصّة إذا كان هذا التحصيل بتسديد من الله كما هو الحال في الغيبة حيث ترعاه العناية الإلهية لمعاصرة كلّ هذه التجارب وهذه الدورات الحضارية المتعاقبة.

ثالثاً: إنّ درجات التكامل المتصوّرة للعقل لا نهائية، وكلّما وصل الفرد إلى مرتبة منها استحقّ أن يرقى إلى درجة بعدها، وهذه الدرجات تبدأ بأوّل مرتبة من مراتب الإيمان وتنتهي بالوجود اللانهائي الجامع لكلّ صفات الكمال، وهو الله عزّ وجلّ، وحصول الإنسان على الكمال اللانهائي غير ممكن إلا أن تصاعده من الكمال إلى الأكمل في غاية الإمكان والوضوح، وكلّ درجة يصل إليها الفرد فهي محدودة بما في ذلك المعصوم، فعلى الرغم مما ما يبلغه من الكمال يمكن له أن يتقدّم خطوة أخرى نحو الأمام، وهذا معنى تكامل ما بعد العصمة، وهذا ما تساعد على فهمه بعض النصوص من أنّ علم الأئمة عليهم السلام في ازدياد.

والعوامل التي تساعد المهدي على هذا التكامل إضافة إلى ما ذكر سابقاً، الإلهام، فالروايات وردت أنّ الإمام عليه السلام -إذا أراد أن يعلم الشيء أعلمنا تعالى ذلك-(٢).

والعامل الثاني: ما يمرُّ به القائد من مصائب ومحن توجب تصاعد كماله الروحي.

والعامل الثالث: ما يقوم به القائد من أعمال وتضحيات في سبيل الرسالة، ترسّخ عمقها في نفسه.

١- . محمّد باقر الصدر، بحث حول المهدي، ص٤١.

٢- . الكليني، أصول الكافي، ج١، ص٢٥٧.

١٤١

٢. البعد الحضاري للغيبة

في هذا البعد نحاول اكتشاف موقع الغيبة من حركة الدين عبر التاريخ ودورها في تحقيق الغرض النهائي للمسيرة البشرية وقيام حضارة الخلاص وظهور المجتمع الرشيد، ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَ لِكَ فَأُولَ ئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [النور].

﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص].

ولهذا البعد مدلولان أحدهما إيجابي والآخر سلبي:

المدلول الإيجابي

ويتوقّف على التذكير بالأصول الفكرية التي حقّقناها سابقاً في النظرية الإسلامية للكون والتاريخ، وهنا نؤكّد على النقاط التالية في إطار المفهوم الإسلامي:

أوّلاً: العوامل المؤثّرة في التاريخ وكما عالجناها في الفصل الثاني هي:

أ. الإرادة الإلهية.

ب. الطبيعة سواء من حيث قوانينها أم من خلال العلّة الغائية لها.

ج. الإرادة الإنسانية والأفعال الاختيارية له.

د. النظم الاجتماعية والسياسية.

هـ. سنن التاريخ.

ثانياً: إنّ العلّة الغائية للكون هي بلوغ أقصى درجات النمو والتكامل والعلّة الغائية من التاريخ ومن المسيرة الإنسانية هي الوصول بالإنسان وبالمجتمع الإنساني إلى المستوى العالي من الهداية والمتمثّلة بالمجتمع الرشيد.

وهذه العلّة الغائية للتاريخ ضرورة التحقّق، فهي حاكمة على العوامل الأخرى بما هي ناشئة من إرادة الله، كلّ ما في الأمر أنّها متوقّفة على إرادة الإنسان واختياره؛ لأنّ الله أراد أن يبلّغ البشر هذا المستوى العالي من الكمال بمحض إرادتهم دون جبر أو إلجاء.

١٤٢
ثالثاً: للوصول بالمجتمع لهذا المستوى العالي وفي ضوء ما تبنّيناه من رؤية في الفصل الرابع كان التخطيط الإلهي للتاريخ الذي رسم لهذا المجتمع الإنساني مراحل متعاقبة - مع لحاظ تمرّد الناس وقدرتهم على الرفض وتحويل مجرى التاريخ - تبدأ من حضانة آدم في الجنّة، فمرحلة الفطرة والتي كان الناس فيها أُمّة واحدة يعيشون على الفطرة والتوحيد ثمّ مرحلة التشتّت التي شهد فيها المجتمع الانقسامات والنزوع نحو التسلّط نتيجة التفاوت في الإمكانات والقابليات، وانصبّت جهود الأنبياء في مرحلة التشتّت على تصحيح مسار الإنسانية والرقي بوعيها وحسّها الديني لبلوغ درجة تؤهّلها تقبّل الأطروحة الكاملة لقيام المجتمع العالمي المنشود، ألا وهي أطروحة الإسلام.

وكان الإسلام تتويجاً لجهود كلّ الأنبياء السابقين وإيذاناً بدخول مرحلة النبوة الخاتمة حيث بلغت معه المفاهيم العقائدية أعلى درجات العمق والدقّة خاصّة التوحيد الذي عرف في الإسلام أسمى معاني التنزيه والتجريد، وكذلك الأحكام التشريعية التي اكتملت لتشكل منظومة حياتية متكاملة، تخطّط للحياة في جميع الأصعدة. وحرص التخطيط الإلهي على تطبيق هذه الأطروحة المتمثّلة في رسالة الإسلام وتفعيلها عبر فترة وصاية بعد النبي صلى الله عليه و آله وبقيادة الأئمة عليهم السلام ، ولكن الانحراف الذي حصل في التاريخ وأقصى القادة الربّانيين عن مناصبهم وحرم الأُمّة من فيوض الإمامة والولاية، كان له أثره في التاريخ والتخطيط الإلهي.

فاضطرّ الإمام الثاني عشر عليه السلام المنوط بعهدته التطبيق الكامل للأطروحة العالمية بعد قرنين ونصف من الوصاية الإلهية إلى الغيبة، فكانت حقبة الغيبة الكبرى التي تمهّد وتهيّء الساحة والظروف لذلك الدور وتلك المرحلة التي تأجّلت بسوء اختيار الناس والتي لا تزال الرقاب تشرئبّ إليها منتظرة، متلهّفة.

فغاب الإمام حتّى تستكمل الشروط لتوافر الأرضية الملائمة لقيام المجتمع العالمي الرشيد وهما:

أ. الطليعة المقاتلة والمعاهدة من الأنصار.

ب. الظروف السياسية والحضارية عموماً لقيام دولة عالمية.

١٤٣
فالغيبة الكبرى في ضوء هذا التحليل تغدو ضرورة حضارية لابدّ منها بما هي مقدّمة أساسية لتحقّق أعظم أهداف الحركة التاريخية.

المدلول السلبي

يتمثّل المدلول السلبي للبعد الحضاري للغيبة في قصور كلّ النظم الاجتماعية الأخرى وكلّ الأطروحات الحضارية المناوئة، والتي لا ترتكز على قاعدة التوحيد. فالغيبة الكبرى تثبت وبالدليل التاريخي الملموس أنّ النظم الوضعية لم تزد الإنسان إلا تعاسةً وبرماً، ولم تفعل سوى أن ملأت الأرض فساداً وانحرافاً، ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [الروم].

وإنّ يأس الناس من كلّ الأنظمة الأخرى وانحصار أملهم في الإسلام كبديل وحلّ لتحقيق التوازن والسعادة مقدّمة ضرورية للظهور، ونحن اليوم نعيش إرهاصاته، حيث سقطت الشيوعية كمنظومة حكمت الشرق، وأفلست في تحقيق أحلام الإنسان في الحرّيّة والعدالة والرفاه، وفي نفس الوقت تشير الكثير من الدراسات الإستراتيجية إلى الأزمة المستفحلة في المنظومة الرأسمالية وحالة التفكّك التي تعيشها المجتمعات الغربية خاصّة المجتمع الأمريكي الذي ينبئ باخترام وحدته وسقوط المشروع الرأسمالي وتداعي هيمنته على العالم.

كلّ هذا يعزّز إيمان الناس بحتمية البديل الإسلامي خاصّة في ضوء تصاعد دور الجمهورية الإسلامية المباركة كقاعدة للدولة الأمل ونموذج للطرح الإسلامي المتكامل الصامد في وجه كلّ المؤامرات والتحدّيات، مما يشدّ إليها أنظار المفكّرين والسياسيين وعموم المستضعفين؛ لأنّها نموذج فريد يتميّز عن كلّ الأنظمة السياسية الأخرى السائدة في العالم، وهذا من أهمّ العوامل المساعدة لنشر فكرة -دولة المهدي-.

ورد في الحديث -ما يكون هذا الأمر حتّى لا يبقى صنف من الناس إلا وقد ولّوا حتّى لا يقول قائل إنّا لو ولّينا لعدلنا، ثمّ يقوم القائم بالحقّ والعدل-(١).

١- . محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢،ص٢٤٤.

١٤٤

٣. البعد التاريخي للغيبة

تارة نتحدّث عن هذا البعد بلحاظ تاريخ الأنبياء العام، ومرّة أخرى نتحدّث عنه بلحاظ تاريخ الإمام الخاص.

اللحاظ الأوّل: مارس خطّ الشهادة المتمثّل في الأنبياء والأوصياء في تاريخه الطويل مارس أساليب متنوّعة في حركته الرسالية، من هذه الطرق التي اعتمدها الشهداء الربّانيون: -الغيبة-، حين كانوا يلجؤون إلى الاستتار في ظروف خاصّة واستثنائية. فالغيبة سنّة من سنن الأنبياء والأوصياء لم يشذّ عنها المهدي عجل الله تعالى فرجه، عن أبي عبد الله عليه السلام : -إنّ للقائم منّا غيبة يطول أمدها، فقيل له: لم ذاك يا ابن رسول الله ؟ قال: إنّ الله أبى إلا أن يجري فيه سنن الأنبياء في غيباتهم وأن لابدّ له يا سدير من استيفاء مدّة غيباتهم، قال الله عزّ وجلّ: ﴿ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ﴾ [الانشقاق]، أي سنناً على سنن من كان قبلكم-(١).

وعن علي بن الحسين عليه السلام قال: -في القائم منَّا سنن من سنن الأنبياء عليهم السلام : سُنَّة من آدم، وسُنّة من نوح، وسُنّة من إبراهيم، وسُنّة من موسى، وسُنّة من عيسى، وسُنّة من أيّوب، وسُنّة من محمّد صلى الله عليه و آله ، وأما من آدم عليه السلام فطول العمر، وأما من إبراهيم عليه السلام فخفاء الولادة واعتزال الناس، وأما من موسى عليه السلام فالخوف والغيبة، وأما من عيسى عليه السلام فاختلاف الناس فيه، وأمّا من أيّوب عليه السلام فالفرج بعد البلوى، وأمّا من محمّد صلى الله عليه و آله فالخروج بالسيف-(٢).

فالمهدي عجل الله تعالى فرجه يلتقي مع الأنبياء السابقين في العديد من السنن، ولكن السنّة الرئيسية التي أكّدت عليها الأحاديث هي الغيبة، ففي كتاب -كمال الدين وتمام النعمة- استقصى الشيخ الصدوق رحمه الله حياة كلّ الأنبياء، وتحدّث مفصّلاً عن غيبة إدريس عليه السلام ، وغيبة صالح ويوسف وموسى وعيسى ويوشع بن نون عليهم السلام ... فليراجع(٣).

ولكن أغلب الروايات تركّز على المقارنة بين المهدي عجل الله تعالى فرجه والنبي موسى عليه السلام في

١- . محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥١، ص٢١٨.

٢- . المصدر نفسه، ص٢١٧.

٣- . أنظر: كمال الدين وتمام النعمة، الشيخ الصدوق، ص١٢٧-١٤٧.

١٤٥
الغيبة،عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: -في القائم سُنّة من موسى بن عمران عليه السلام ، فقلت: وما سُنّة موسى بن عمران؟ قال: خفاء مولده وغيبته عن قومه-(١)، ولعلّ هذا التأكيد على غيبة موسى عليه السلام بالذات، إشارة منهم عليهم السلام لما حدث وجرى على بني إسرائيل في غيبة نبيّهم من حيرة وضلال، كذلك الناس زمن المهدي عجل الله تعالى فرجه، عن الصادق عليه السلام : قال رسول الله صلى الله عليه و آله : المهدي من ولدي، اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، أشبه الناس بي خَلقاً وخُلقاً، تكون له غيبة وحيرة حتّى تضلّ الخلق عن أديانهم، فعند ذلك يُقبل كالشهاب الثاقب فيملأها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً-(٢).

اللحاظ الثاني: بهذا اللحاظ تتراءى لنا الغيبة قراراً إلهياً واستدعاءً بشرياً! كيف ذلك؟ إنّ الأئمة عليهم السلام في روايات الفريقين من السنّة والشيعة عددهم اثنا عشر، وقد وردت مئات الأحاديث بهذا المعنى ، ذكر بعضها في صحاح السنّة. ولا يمكن أن نفسّر هذا العدد المعيّن إلا من خلال معتقدنا الإمامي بولاية أهل البيت وقيادة الأئمة الاثني عشر، وكلّ المحاولات الأخرى التي سعت لانتزاع مصاديق تاريخية لهذا العدد من الخلافة الأولى والدولتين الأموية والعبّاسية سقطت في التلفيق والتهافت.

أراد الله للإسلام أن يمتدّ بعد الرسول صلى الله عليه و آله في أوصيائه الأطهار، ولكن إقصاء الأئمة عن أداء دورهم القيادي حال دون تصدّيهم لدورهم الطبيعي في المجتمع والتاريخ، ولكن ذلك لم يمنعهم من أداء مسؤولياتهم بالمقدار المتاح لهم؛ لأنّ -الإمام إمام قام أو قعد-. فكان من مسؤولياتهم التخطيط لغيبة الإمام الثاني عشر وتهيئة الناس والظروف، وذلك قصد ادخاره للوقت الملائم الذي سيتوّج فيه المهدي جهود النبوة والوصاية بتحقيق المجتمع المنشود.

ولكي نفهم بعمق أكثر كيف كانت -الغيبة- استدعاء بشرياً أيضاً علينا أن نفترض أن يكون التخطيط الإلهي في القيادة أخذ مجراه الطبيعي وأنّ الأُمّة الإسلامية مكّنت أئمة أهل البيت عليهم السلام من مركزهم، فإنّه من الراجح جدّاً حينئذ أن تكون المدّة الزمنية التي يمتدّ فيها

١- . محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥١، ص٢١١.

٢- . الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، ص٢٨٧.

١٤٦
خطّ الوصاية طيلة قرنين ونصف من الزمان تقريباً، وفي ظلّ هذه القيادة المعصومة كفيلة بأن يصل المجتمع الإسلامي مع الإمام الثاني عشر إلى المستوى الذي يخوّل له تأسيس المجتمع الرشيد المعصوم، ولربّما انتهت فترة الإمامة والوصاية ليقود المجتمع الرشيد نفسه بنفسه كما تحدّثنا الروايات عن مجتمع ما بعد الإمام المهدي، ولكن لما أريد للمسيرة التاريخية أن تكون خاضعة للإرادة والاختيار الإنساني لم يتحقّق هذا الأمر لسوء اختيار الناس، وتعطّل المشروع ولكنّه لمْ يُلْغَ؛ لأنّه من المستحيل أن تصادر الإرادة الإلهية فهي الحاكمة في النهاية، فالمجتمع البشري يملك أن يتمرّد وأن يرفض القيادة الإلهية ويعطّل بالتالي مسيرة التكامل، ولكن يستحيل عليه أن يمنع المسيرة في النهاية من الوصول إلى غاياتها البعيدة، قد يتأخّر الوصول ولكن القافلة لابدّ أن تبلغ مقصدها في النهاية.

في هذا السياق يتنزّل التدخّل الإلهي صوناً لأغراضه من الخلْق والتاريخ، وحفاظاً على الهدف الكبير وذلك بحفظ الإمام الثاني عشر طوال هذه القرون وفق قانون المعجزة الذي يسري في كلّ ظرف مشابه لا يمكن خلاله أن يحفظ الحجّة بالأسباب الطبيعية فيتدخّل الغيب ليضمن ذلك بأسلوبه الخاص -فالغرض الالهي إذا تعلق بهدف من الأهداف فإنه لابدّ من وجود ذلك الهدف ولو استلزم بوجوده أو بوجود بعض مقدّماته خرق قوانين الطبيعة وإيجاد المعجزات-(١).

٤. البعد التربوي للغيبة

أ. التمحيص والابتلاء

تستهدف مرحلة الغيبة عبر قانون الابتلاء والمحنة فرز الطليعة المجاهدة التي تشكّل قاعدة الأنصار للمهدي عجل الله تعالى فرجه فمهمّته عليه السلام تحتاج إلى موالين يمتازون بمستوى رفيع من الإيمان والجهاد والفناء في سبيل الله، وهذه الفئة لا يمكن أن تولد في أجواء الاسترخاء والدَّعَةِ؛ بل لابدّ أن تُمحّص بأقصى حالات الصراع والابتلاء، حتّى يشتدّ عودها ويصلب قوامها، ولا تتزعزع في الجبهات التي تقتضيها المواجهة في ظلّ قيادة المهدي عجل الله تعالى فرجه.

١- . محمّد صادق الصدر، تاريخ الغيبة الكبرى، ص٢٣٦.

١٤٧
لذلك فإنّ التمسّك بالدين - زمن الغيبة -، والاعتصام بولاية المهدي، يمثّلان مغرماً لا يقدر عليه أحد، إلاّ من امتحن الله قلبه للإيمان، ومن توافر فيه الالتحام النفسي بالقائد بدرجة لا تهزّه الفتن، عن أبي عبد الله عليه السلام : -إنّ لصاحب هذا الأمر غيبة المتمسّك فيها بدينه كالخارط للقتاد، ثمّ قال هكذا بيده إنّ لصاحب الأمر غيبة فليتقِ الله عبد وليمسكْ بدينه-(١).

ويختلف الامتحان والابتلاء الذي يواجهه المؤمنون زمن الغيبة عن امتحان المؤمنين في أي زمن آخر؛ لأنّه يواجه التحدّيات على مستوى النفس وضغوطاتها وعلى مستوى الواقع الاجتماعي بكلّ ما يفرضه من انحراف خلقي وظلم سياسي وتشكيك عقائدي، عن أبي جعفر عليه السلام : -لا تزالون تنتظرون حتّى تكونوا كالمعز المهزولة التي لا يبالي الجازر أين يضع يده منها، ليس لكم شرف تشرفونه، ولا سند تسندون إليه أموركم-(٢).

إنّ حركة هذا الامتحان تستهدف الغربلة والتصفية لتمييز المؤمنين حقّاً، عن جابر الجعفي قلت لأبي عبد الله عليه السلام : -متى يكون فرجكم؟ فقال: هيهات هيهات لا يكون فرجنا حتّى تغربلوا ثمّ تغربلوا ثمّ تغربلوا يقولها ثلاثاً حتّى يذهب الكدر ويبقى الصفو-(٣).

وعن أبي عبد الله عليه السلام : -والله ما يكون ما تمدّون أعينكم إليه حتّى تمحّصوا وتميّزوا حتّى لا يبقى منكم إلا الأندر فالأندر-(٤).

وعن الرضا عليه السلام : -لابدّ للناس أن يمحّصوا ويميّزوا ويغربلوا ويخرج من الغربال خلق كثر-(٥).

ب. ضمان أعلى درجات الكمال في الأنصار

يصنع التكامل الفردي الأرضية المناسبة للمجتمع الرشيد، وهذا التكامل قوامه عنصران: الوعي، والشعور الداخلي بالمسؤولية.

فالوعي يعني امتلاك رؤية تفصيلية عن أطروحة العدل التي ستطبّق في دولة المهدي

١- . محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢، ص١١١.

٢- . المصدر نفسه، ص١١٠.

٣- . المصدر نفسه، ص١١٣.

٤- . المصدر نفسه، ص١١٤.

٥- . المصدر نفسه، ص١١٤.

١٤٨
وأسسها، وأبعادها، وقد تكفّلت رسالة النبي محمّد صلى الله عليه و آله ببيان تفاصيل هذه الأطروحة ولكن المجتمع الإنساني يحتاج إلى فترة زمنية طويلة (فترة الغيبة الكبرى) لتعميق هذه الأطروحة والاقتناع بشموليتها والحاجة الأكيدة إليها.

أمّا العنصر الثاني: وهو الإحساس الموضوعي بالمسؤولية؛ فإنّ هذا الشعور يتغذّى من عمق العلاقة بالله سبحانه وتعالى والإيمان بالجزاء الاُخروي، كما أنّه يتقوّى بتجذير الارتباط بالمهدي عجل الله تعالى فرجه، فالارتباط العاطفي والروحي بالقائد ينمّي في الإنسان شعوره بالمسؤولية تجاه الرسالة وتجاه تحدّيات المرحلة التاريخية التي يعيشها، ويضمن معها السلامة من الانحراف والسقوط في منتصف الطريق.

وغيبة الإمام تعمّق هذا الانشداد الروحي، وتؤجّج نار الشوق للإمام، والتألّم لهذا الواقع الذي اضطرّ معه للاحتجاب، -بنفسي أنت أمنية شائق يتمنّى، من مؤمن ومؤمنة ذَكَرَا فحيا، فأغثْ يا غيّاث المستغيثين عبدك المبتلى، وأرِه سيّده يا شديد القوى، وأزِلْ عنه به الأسى والجوى، وبرّد غليله، يا من على العرش استوى-(١).

وفي دعاء زمن الغيبة: -اللهم ولا تسلبنا اليقين لطول الأمد في غيبته، وانقطاع خبره عنّا، ولا تنسينا ذِكره وانتظاره والإيمان به، وقوّة اليقين في ظهوره، والدعاء له، والصّلاة عليه -(٢).

هذا المحتوى النفسي القوي يمنح الأنصار القدرة على تجاوز كلّ الفتن بما فيها تلك الفتن التي تنخر كيان المؤمنين أنفسهم، عن أمير المؤمنين عليه السلام : -يا مالك بن ضمره كيف أنت إذا اختلفت الشيعة هكذا وشبّك أصابعه وأدخل بعضها في بعض؟ فقلت يا أمير المؤمنين: ما عند ذلك من خير. قال: الخير كلّه عند ذلك، يا مالك-(٣)، وعن الحسن بن علي عليه السلام : -لا يكون الأمر الذي تنتظروه حتّى يبرأ بعضكم من بعض، ويتفل بعضكم في وجوه بعض، وحتّى يلعن بعضكم بعضاً، وحتّى يسمّى بعضكم بعضا كذّابين-(٤).

١- . عباس القمي، مفاتيح الجنان، دعاء الندبة، ص٦٣٩.

٢- . المصدر نفسه، ص١٠٧.

٣- . محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢، ص١١٥.

٤- . المصدر نفسه، ص١١٥.

١٤٩
إنّ المستوى العالي من الكمال الذي يتحقّق للأنصار يعتبر خير ضمان خشية السقوط في خطرٍ لم تنج منه أكثر الثورات في العالم، وهو تحوّل القائمين على الثورة بعد الانتصار، والتمكين إلى فئة نفعية تخدم مصالحها وتتنكّر لدماء الشهداء وتضحيات الموالين. إنّ طول فترة التمحيص والتخطيط على المدى البعيد للتكامل الروحي يؤمّن للثورة المهدوية أنصاراً لن تتحرّك فيهم حسيكة النفاق فينقلبوا على أعقابهم بعد ما تشيد الثورة أركان نصرها وتبسط نفوذها على العالم، خاصّة وأنّ دولة المهدي عجل الله تعالى فرجه عظيمة الثراء، مليئة الرخاء، يحثو فيها الإمام المال حثواً، ولا يعدّه عدّاً، ولا تترك السماء قطراً إلا أنزلته، والأرض نبتاً إلا أنبتته، فالإغراءات قويّة جدّاً، ومن هنا تتعاظم الحاجة إلى أنصار بلغوا من العفّة والوعي والكمال ما لا يزعزعهم عن حبّهم وولائهم أي شيء.

٥. البعد المعنوي للغيبة

لم نرجئ الحديث عن هذا البعد لضرورة منهجية، وإنّما آثرت الحديث عنه في آخر المطاف؛ لأنّ المسألة تتّسم بنوع من الغموض اكتنفها نتيجة عدم تبحّرنا في قضية علاقة الغيب بعالم الشهادة، وهذا البعد المعنوي للغيبة يؤكّد على حقيقة قد لا يقبلها البعض ولا يستطيع البعض الآخر استيعابها، وهي: أنّ منصب الولاية يشكّل الصلة الموضوعية بين عالم الغيب وعالم الشهادة.

فغيبة الإمام وبقائه حياً يضمنان تحقّق هذه الصلة؛ لأنّ الإمام بوصفه حافظاً للشريعة لا يمكن أن تخلو الأرض منه، فذلك يعني انقضاء الدين ونفاذ مهمّته، وقد عبّر بوضوح عن هذا الأمر المستشرق الفرنسي هنري كوربان، والذي حاوره السيد الطباطبائي صاحب الميزان رحمه الله حيث اعترف كوربان أنّ مذهب التشيع هو المذهب الوحيد الذي استطاع أن يحفظ علاقة الهداية الإلهية بين الحقّ والخلق دائماً وأحيا مفهوم الولاية بصورة مستمرّة، وقال السيد الطباطبائي عن كوربان: -كان رجلاً سليم النفس، يتّسم بالموضوعية والإنصاف، وهو يعتقد بانتهاء مهمّة جميع أديان العالم ومذاهبها السماوية، وتوقّفها عن التكامل باستثناء التشيّع الذي بقي متجدّداً حيّاً يقظاً بفعل رابطة الولاية والمهدي- .

١٥٠
والسيد الطباطبائي رحمه الله في حواره مع كوربان أوضح هذه الفكرة تفصيلاً، ومفادها: أنّ الدين في مفاهيمه العقائدية وأحكامه العملية هو المقوّم الأساسي للنظم الاجتماعية الاعتبارية، التي يمكن أن تقود الإنسان إلى السعادة الحقّة.

وأنّ النظام الاعتباري الذي يخضع له الإنسان في حياته الاجتماعية من خلال رعايته للأحكام الدينية يستبطن وجود نظام حقيقي طبيعي يتمثّل بالحياة المعنوية التي تنبثق منها النعم الآخروية والحياة الأبدية، وهذه الحقيقة الواقعية هي التي يطلق عليها اسم الولاية، فهذه الحقيقة -هي الصراط أو الطريق، هي الواسطة ما بين الله والخلق، تقود الإنسانية وتقرّبها إلى الله عزّ اسمه، ولا تسقط هذه الحقيقة النورية المعنوية أبداً؛ بل لابدّ لها من شخص يحملها من بني الإنسان يضطلع على أساسها بقيادة الناس وهدايتهم، وهذا الشخص الذي يحمل هذه الحقيقة هو الذي يطلق عليه بعرف القرآن، والحديث اسم الإمام-(١).

وقد روى عن أبي جعفر عليه السلام : -ولا تبقى الأرض بغير إمام حجّة الله على عباده-(٢)، فالحياة المعنوية من أنوار الهداية وفيوضات القيّم تتمركز في حقيقة ثابتة ومقام مخصوص (الإمام): -فالإمام هو الشخص الذي تمّ اختياره من جانب الحقّ سبحانه ليتقدّم صراط الولاية ويمسك بزمام الهداية المعنوية، وما أنوار الولاية التي تنبض بها قلوب عباد الحقّ سبحانه سوى خطوط نورية تشعّ من مركز النور المكنون في وجوده، وليست المواهب المعنوية المبثوثة هنا وهناك سوى روافد متصلة ببحره الزخار الممتد-(٣).

فالإمام في غيبته يحفظ للمجتمع المسلم باطنه المعنوي الذي وإن كان ظاهره لا يتطابق مع هذا الباطن، لكن سيأتي اليوم الذي تشعّ فيه أنوار الهداية على الأرض بكاملها.

هذه هي الغيبة في فلسفتها؛ وأبعادها وهي كما تتراءى لنا ليست مفردة عقائدية

١- . محمّد حسين الطباطبائي، الشيعة، نص الحوار مع كوربان، ص١١٩.

٢- . محمّد يعقوب الكليني، أصول الكافي، ج١،ص١١٣.

٣- . محمّد حسين الطباطبائي، الشيعة، ص٢١٣.

١٥١
النظرية المهدوية في فلفسة التاريخ » الاسعد بن علي قيدارة » (ص ١٥١ - ص ١٨٠)فحسب، إنّها تعكس عنوان حقبة تاريخية هامّة في مسيرة الإنسانية، ويتوقّف عليها مستقبلها، فمعرفة الغيبة ضرورة لمعرفة الزمن، ومعرفة الزمن لابدّ منها لأداء المهمّات الرسالية في الحياة، -فمن عرف زمانه لم تهجم عليه الهواجس-، وما أسخف ما يرمي به البعض الشيعة بأنّهم جمدوا التاريخ بفكرة -غيبة الإمام- وأنّهم أدخلوا الحضارة فترة سبات ؟!

كلا إنّ الإيمان بالغيبة يُصعّد دور الفرد والأُمّة، ويحمّلاهما مسؤوليات جسام قصد بلوغ منزلة (الانتظار) بكلّ ما يختزنه من دلالات الجهاد والتضحية للتمهيد للإمام، هذا الانتظار كما يعيشه المؤمنون العاملون في مشارق الأرض ومغاربها، هذا الانتظار الذي يوحّد قلوب وعقول المجاهدين الأحرار في كلّ مكانٍ هو فيض من فيوضات -معرفة الغيبة- ونفحة من نفحات -الغيب- .

-اللّهم إنّا نسألك أن تأذن لوليك في إظهار عدلك في عبادك، وقتل أعدائك في بلادك، حتّى لا تدع للجور يا ربّ دعامة إلا قصمتها، ولا بقيّة إلا أفنيتها، ولا قوّة إلا أوهنتها، ولا ركناً إلا هدمته، ولا حدّاً إلا فللته، ولا سلاحاً إلا أكللته، ولا راية إلا نكّستها، ولا شجاعاً إلا قتلته، ولا جيشاً إلا خذلته،...، وعذّب أعداءك وأعداء وليّك وأعداء رسولك صلواتُك عليه وآله، بيد وليك وأيدي عبادك المؤمنين-(١).

١- . عباس القمي، مفاتيح الجنان، دعاء زمن الغيبة، ص١٠٥.

١٥٢

١٥٣

الفصل السادس فلسفة الانتظار

على امتداد الزمن كانت البشرية ترنو إلى قائد منقذ يخلّص الأرض والإنسان من مظاهر الظلم والجور والحيف، ويقتلع جذورها من النفوس، ويغيّر مجرى التاريخ وما ألمّ به من انحرافات ومآسٍ ضجّ لها المستضعفون، حتّى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، لذلك فالأعناق تشرئبّ دوماً إلى الآفاق، مُنشدّة اليوم الموعود، الذي يسود فيه العدل والحقّ، وتتبدّد فيه كلّ غيوم الظلم والاستبداد .

هذا الانشداد تترجمه اليوم حالة الترقّب الشاخصة هنا وهناك، في الشمال المتقدّم تقنياً وتكنولوجياً، وفي الجنوب المحكوم عليه أن يعيش التخلّف والتبعية، ففي الغرب تجوب بعض عواصمه جماعات الخلاص يردّدون ترانيمهم التي تدعو (المخلِّص) أن ينقذهم من الضياع والفراغ والعبثية، وفي أفريقيا بعض القبائل تتوجّه إلى قوى طبيعية كالبحر منادية: أيّها المنقذ خلِّصنا !

باختصار إنّ حالة الانتظار باتت ظاهرة تتعمّق يوماً بعد آخر، وتمتدّ أكثر فأكثر في النفوس والآفاق، تغذّيها وتجذّرها اتجاهات الواقع العالمي الراهن نحو مخاطر جسيمة تنبئ بنشوب حرب عالمية وتهديدات نووية تصادر الحياة والإنسان وإرادته الحرّة في حياة كريمة عادلة.

وبقدر ما تتعمّق الهيمنة الاستكبارية على مقدّرات الشعوب تحت شعارات شتّى: كالعولمة أو النظام العالمي الجديد.... بقدر ما يفرض الانتظار والأمل في الخلاص نفسه كقانون إنساني عام.

المفاهيم السلبية للانتظار

سلك التخطيط الإلهي للتاريخ مسلكية التدرّج في غياب الإمام الثاني عشر من خلال تهيئة النفسية الإسلامية لغيبة القائد حتّى لا تصدم الأُمّة بانسحاب إمامها انسحاباً

١٥٤
مؤقتاً أملته ظروف موضوعية وضرورات مستقبلية؛ صوناً للغرض الإلهي من المسيرة البشرية كما حللنا في الفصل الخامس، وحتّى لا نسيء فهم غيبة الإمام فنعطّل دورها، على الرغم من ذلك نشأت تصوّرات خاطئة عن الانتظار جعلت أصحابها يتملّصون من كلّ مسؤولية في العمل الرسالي مبرّرين لأنفسهم حالة الخنوع والخضوع بتلك المفاهيم الخاطئة عن الانتظار.

ويمكن أن نطرح نماذج لهذه التصوّرات:

النموذج الأوّل: يعتبر أنّ سبيل الانتظار هو الاستغراق في الدعاء والرياضات الروحية الأخرى قصد الفوز بلقاء الحجّة والتشرّف برؤيته، وإن فاتنا ذاك الشرف العظيم نكون على الأقل قد أدّينا مهمّتنا كاملة بالتزامنا بأدعية الفرج والتعجيل بظهوره.

النموذج الثاني: الانتظار يعني اعتزال الساحة وممارسة -التقية- وعدم تعريض النفس للمخاطر، ويلزم منه التخلّي عن الأدوار الرسالية في المجتمع والتاريخ بهدف المحافظة على الذات عساها تكون جندياً في جيش المهدي حين ظهوره.

النموذج الثالث: ما يطلق عليه الشهيد مطهري رحمه الله عنوان: -الانتظار المخرّب-: يقوم هذا التصوّر على أنّ ظهور الإمام رهين بامتلاء الأرض ظلماً وجوراً كما جاء في الروايات. فامتلاء الأرض بالمفاسد والانحطاط هو الشرط الموضوعي للظهور، ومن هنا فعلينا ألاّ نقف في وجه هذه الانحرافات حتّى لا نعطل ظهور الحجّة عجل الله تعالى !

ونتيجة لذلك فإنّ -هذا التصوّر يدين كلّ إصلاح؛ لأنّ الإصلاح يشكّل نقطة مضيئة على ساحة المجتمع العالمي ويؤخّر الإمداد الغيبي-(١).

ولا يخفى على القارئ تهافت هذه التصوّرات جميعاً، وابتعادها عن التصوّر الرسالي الأصيل للانتظار، وإن شخّصت في بعض نماذجها أحد أبعاده: ألا وهو الدعاء، لكنّه ليس البعد الوحيد للانتظار، وهذه النماذج - خاصّة الأوّل والثاني - تفرّغ الانتظار من دلالاته وتحوّله إلى مسألة شخصية ذوقية وتستغرق في علاقة فردية بالإمام، وكأنّ الإمام إمام فَرْد لا إمام أُمّة.

١- . مرتضى مطهري، نهضة المهدي في ضوء فلسفة التاريخ، ص٤٨.

١٥٥
وتعطّل هذه التصوّرات التكاليف الإسلامية في عصر الغيبة، وتختزل رسالة المؤمن في بوتقة ضيّقة جدّاً (الدعاء، التقيّة، صون اللسان، حفظ النفس)، وتلغي من حساباته مفاهيم عقائدية وسلوكية هامّة كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد، ومحاربة الفساد والدعوة إلى الله وإقامة الدولة الإسلامية....

ولكن ما هو منشأ هذه التصوّرات الخاطئة ؟

منشأ التصوّرات السلبية للانتظار

يمكن أن نرجع المنشأ إلى عوامل ثلاثة:

العامل الأوّل: التفسير الحرفي لبعض النصوص: حيث نجد أحاديث كثيرة تحدّثنا عن التقية زمن الغيبة: -فمن ترك التقية قبل خروج قائمنا فليس منّا-(١)، وعن حفظ اللسان والمحافظة على النفس: -عن جابر سألت أبا عبد الله عليه السلام : يا ابن رسول الله فما أفضل ما يستعمله المؤمن في ذلك الزمان؟ قال حفظ اللسان ولزوم البيت-(٢).

إنّ التفسير الحرفي لهذه النصوص وغيرها هو الذي جعل بعضهم يحتجّ بها لإهمال العمل الاجتماعي والتكاليف الرسالية، ولكن تلك الحجّة باطلة؛ لأنّ -الأخبار وإن كانت ذات مدلول واسع إلا أنّها مقيّدة لا محالة بقيد موارد وجوب العمل؛ إذ مع وجوبه تكون التقية والعزلة وكفّ اللسان عصياناً وانحرافاً-(٣).

العامل الثاني: النزعة الفردية في فهم النصوص: باستقرائنا للنماذج السابقة يتبيّن لنا أنّها تعالج الموقف من زاوية الفرد المؤمن، وتهمل كلياً موقع الأُمّة ومسؤوليتها وما تحتّمه علاقتها بإمامها.

وهذه النزعة لم يَخْلُ منها عامّة الفقه الإسلامي ككل، الذي طغى عليه هذا الطابع فصار فقها عملياً للفرد لا للمجتمع، وصار يقدّم الحلول للقضايا الشخصية الفردية حتّى في باب المعاملات، فضلاً عن العبادات والأحوال الشخصية، وغاب البعد الاجتماعي عن

١- . محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٧٢، ص٤١١.

٢- . م س، ج٥٢، ص١٤٥.

٣- . محمّد صادق الصدر، تاريخ الغيبة الكبرى، ص٤١٣.

١٥٦
دائرة الفقه، على الأقل كما تحتّمه طبيعة الإسلام كدين جماعي إنساني، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء].

العامل الثالث: التاريخ الشيعي وما حفل به من اضطهاد للشيعة وتشريد وتقتيل، وما أفرزه هذا الواقع من أجواء نفسية ضاغطة على المؤمنين، ساعد على الاستغراق في الذات الذي عزّزه مصادرة السلطات الحاكمة كلّ المحاولات الشيعية في بعث كيانهم الخاص، وسعيها إلى قطع علاقة القواعد بأئمتهم وعلمائهم ممّا ساهم في إيجاد الأجواء المساعدة على التعامل مع قضية الغيبة والتكاليف زمانها بخلفية؛ فردية؛ لأنّ الاتجاه الفردي لا يمثّل خطراً كبيراً على المؤمن.

وهكذا وفي ضوء هذه التصوّرات تقلّصت دائرة مسؤولية المؤمنين، واتسعت بذلك مسؤولية القائد المنتظر التي جَعَلَتْه المسؤول الأوّل والأخير عن تخليص الإنسانية ونشر الحقّ والعدل دون أن يكون للأتباع أي دور في ذلك على الأقلّ في فترة غيبته.

المفهوم الرسالي للانتظار

تحاكي التصوّرات السلبية للانتظار إلى حدّ كبير موقف بني إسرائيل من القتال مع نبيّهم حينما قالوا له: ﴿ فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ﴾ [المائدة]، إنّها تكرّس السلبية الكاملة تجاه الأهداف الإلهية وتفرغ الانتظار من كلّ معانيه الإيجابية وأبعاده الرسالية، وتصطدم مع النصوص التي جعلت من الانتظار عنواناً لتاريخ مرحلة بأسرها، وعبادة شاملة يتحرّك عبرها المؤمنون إلى مرضاة الله، وعملاً دؤوباً من أجل القرب الإلهي؛ بل أفضل الأعمال:

-أفضل أعمال أمتي انتظار فرج الله عزّ وجلّ-(١).

-أفضل العبادة انتظار الفرج-(٢).

فالمفهوم الرسالي للانتظار: هو التوقّع الدائم والاستعداد الحثيث، وعلى كلّ

١- . محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢، ص٢٠١.

٢- . المصدر نفسه، ص٣١١.

١٥٧
المستويات النفسية والفكرية والسلوكية لتحقيق الهدف الإلهي من الخلق، وحصول اليوم الموعود بقيام المجتمع المعصوم الذي تعيش البشرية في ظلّه العدل الكامل بقيادة الإمام المهدي عجل الله تعالى .

بهذا المعنى يرقى الانتظار ليكون رسالةً وعبادةً بالمعنى الأعمّ، الذي يصدق على كلّ حركة وفعل ينطلق فيه المرء بهدف التقرّب إلى الله والوصول إلى مرضاته: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات]، فالانتظار عبادة العصر، عصر الغيبة الكبرى﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ [العصر].

والانتظار من جهة أخرى، مفهوم تاريخي أي يمتلك شرعية تاريخية، وليس مفهوماً طارئاً، فالأنبياء السابقون تحدّثوا عن الانتظار؛ لأنّ حركتهم لم تكن لتنفصل عن حركة الإمام المهدي عجل الله تعالى ؛ بل لا نجد لها معنى إلا في ظلال عقيدة المهدي عجل الله تعالى وظهوره، فثمرة جهودهم الجبّارة تتجسّد في قيام القائم وتأسيسه دولة العدل العالمية، من هنا بشّر الأنبياء بالحجّة ودلُّوا أقوامهم على الانتظار بمعنى الترقّب والتوقّع حتّى يستوعبوا الموقع الطبيعي لرسالاتهم من مسار التاريخ و يجذّروا في نفوس أتباعهم هدفية الرسالة وحتمية انتصارها النهائي على مستوى العالم كلّه، والانتظار في مرحلتنا يستهدف بلوغ المسيرة الإنسانية أوج كمالها بتوافر الشرائط الضرورية لذلك.

الأبعاد الرسالية للانتظار

للانتظار مستويات ثلاثة:

-انتظار الأُمّة.

-انتظار الإمام.

-انتظار الكون.

والحديث عن الأبعاد الرسالية يتوزّع في هذه المستويات الثلاثة.

١٥٨

الأبعاد الرسالية لانتظار الأُمّة

الانتظار هو انتظار الأُمّة كلّها، لا انتظار المؤمن الفرد حتّى لا نغفل عن الجوانب الاجتماعية الهامّة لهذه العبادة والرسالة، ولا نلغي من حسابنا أنّ الغرض الإلهي يتعلّق أساساً بكمال المجتمع الإنساني، والغيبة تستهدف استعداد الأُمّة كاملة أو على الأقلّ طليعة مجاهدة داخلها، وليس استعداد الفرد فحسب.

والمؤمن لا يكون على مستوى الانتظار المطلوب إلا بتوافر عناصر ثلاثة مقترنة، عقائدية ونفسية وسلوكية، دونها لا يبقى للانتظار أي معنى إيماني صحيح(١). فالانتظار عبادة تمتزج فيها هذه العناصر الثلاثة: البعد العقائدي الفكري، والبعد النفسي الوجداني، والبعد السلوكي العملي.

البعد العقائدي الفكري للانتظار

الانتظار في بعده العقائدي يشكّل أساس وعي رسالي متميّز، ينبثق عن رؤية تاريخية متكاملة تحدّد بوضوح الأهداف والقائد والمسيرة، وتشخّص المهام المطروحة في هذه المرحلة التاريخية.

بشكل آخر يمكن القول: أنّ البعد العقائدي للانتظار يتمثّل أساساً في النقاط الثلاثة التالية:

النقطة الأولى: الانتظار عنوان مرحلتنا التاريخية، فقد اتضح من الفصول السابقة المسار التفصيلي للتاريخ البشري، وأنّ عصر الغيبة الكبرى هو حقبة من حقبات مرحلة النبوة الخاتمة تمهّد لمرحلة خامسة وأخيرة: مرحلة الظهور. واتضح لنا أنّ هذا الظهور والولوج في المرحلة الخامسة يتوقّف على شروط ينتظر استكمال بعضها أهمّها:

أ. وجود الطليعة.

ب. الظروف العالمية الملائمة.

فالانتظار هو عنوان المرحلة قصد إفراز هذه الطليعة التي تتمتّع بدرجة عالية من الإخلاص والفناء في الرسالة والقائد تجعلها مستعدّة للتضحية بكلّ وجودها في سبيل عقيدتها وإمامها. وقصد توافر الظروف الدولية الملائمة.

١- . محمّد صادق الصدر، تاريخ الغيبة الكبرى، ص٣٤٢.

١٥٩
النقطة الثانية: باتضاح النقطة الأولى ينكشف لنا قانون هذه الفترة التاريخية - أي عصر الغيبة الكبرى- وهو التمحيص والابتلاء، فإفراز الطليعة المجاهدة التي تمثّل جنود المهدي عجل الله تعالى ولن يتحقّق إلا من خلال المحن التي تختبر عزائم المؤمنين وهِمَم العاملين فتميّز الصفوة المخلصة الصادقة وتبرزهم إلى الوجود، عن جابر الجعفي قال: -قلت لأبي عبد الله عليه السلام متى يكون فرجكم؟ فقال: هيهات هيهات، لا يكون فرجنا حتّى تغربلوا ثمّ تغربلوا ثمّ تغربلوا (يقولها ثلاثاً) حتّى يذهب الكدر ويبقى الصفو-(١).

عن أبي عبد الله عليه السلام : -إنّ لصاحب هذا الأمر غيبة المتمسّك فيها بدينه كالخارط شوك القتاد بيده-(٢).

عن أبي جعفر محمّد بن علي عليه السلام : -واللهِ لتميّزنّ، واللهِ لتمحّصنّ، واللهِ لتغربلنّ كما يغربل الزوان من القمح-(٣).

وعن أمير المؤمنين عليه السلام : -كذلك أنتم تميزون حتّى لا يبقى منكم إلا عصابة لا يضرّها الفتنة شيئاً-(٤).

إنّ الانتظار يقضي تعمّق هذا الاعتقاد -بحتمية البلاء- ليرقى إلى مستوى قانون عام يحكم العصر ووسيلة إلهية تمكّن من توفير الشرط الثالث الضروري لقيام مجتمع الظهور المتمثّل في تشكيل جيش الحجّة عجل الله تعالى وأنصاره.

من هنا أكّد الأئمة عليهم السلام أنّ المهدي لن يكون طريقه وطريق أنصاره سهلاً بل يكون الدرب مليئاً بالتحدّيات والعقبات:

قيل لأبي عبد اللهA: -إنّي لأرجو أن يكون أمره - يعني القائل المهدي- في سهولة، فقال الإمامA: لا يكون حتّى تمسحوا العرق والعلق-(٥).

وقيل لأبي جعفر إنّهم يقولون: إنّ المهديA لو قام لاستقامت له الأمور عفواً -

١- . محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢، ص٣٠٤.

٢- . المصدر نفسه، ص٣١٧.

٣- . النعماني، الغيبة، ص١٣٧.

٤- . المصدر نفسه، ص١٤٦.

٥- . النعماني، الغيبة، ص١٣٦.

١٦٠