×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

النظرية المهدوية في فلسفة التاريخ / الصفحات: ١٦١ - ١٨٠

ولا يهدف محجمه دم، فقال: كلاّ، والذي نفسي بيده لو استقامت لأحد عفواً لاستقامت لرسول الله ٩ حتّى أدميت رباعيته وشجّ في وجهه، كلاّ، والذي نفسي بيده حتّى نمسح نحن وأنتم العرق والعلق-١٦٤.

النقطة الثالثة من الأبعاد العقائدية الفكرية للانتظار: هي الوعي التفصيلي بالمستقبل: إنّ المستقبل هو المحرّك الحضاري للأمم والمجتمعات، وبقدر ما يكون المستقبل شامخاً في وعي الجماهير بقدر ما يكون زخم الحركة نحوه قوياً فعّالاً، فالذي لا يؤمن بالمستقبل مهدّد بالجمود التاريخي، وبقدر ما تكون تفصيلات المستقبل واضحة وأبعاده بيّنة، بقدر ما يكون المسار التاريخي رشيداً ثابتاً متصاعداً بلا انحراف ولا تردّد.

وفلسفة الانتظار تمنحنا هذا التصوّر التفصيلي للمستقبل الذي يحفزنا نحوه القرآن الكريم بقوله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص]، وقوله تعالى: ﴿ yوَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَ لِكَ فَأُولَ ئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور].

وتصدّت الروايات لتفصيل هذا الغد الموعود في رفاهه الاقتصادي وعدله الاجتماعي ورقيه المعنوي، وقد تعرّضنا لذلك في الفصل الرابع فراجع.

إنّ الانتظار الواعي يعني امتلاك هذا الاطلاع والفهم التفصيلي لأبعاد المستقبل الرغيد الذي يمثّل مدى المسيرة ومنتهاها.

وهذه الإحاطة بالمشروع الإلهي في خطوطه المستقبلية المشرقة يحفّز أكثر فأكثر همّة المؤمنين في تجاوز هذا الواقع العالمي المتردّي، وعلى الثورة عليه ثورة شاملة تقتلع شجرة الشَرّ مِن جذورها.

البعد النفسي والعاطفي للانتظار

يتجلّى الجانب الوجداني للانتظار في النقاط التالية:

١٦١
أوّلاً: الإحساس بالاستعداد الكامل لتطبيق الأطروحة الإسلامية التي ستكون أطروحة مجتمع الظهور، إنّ المنتظر الرسالي هو الذي يجد في نفسه هذا الإحساس والاندفاع لتعاليم الرسالة الإسلامية بما هي النموذج الأكمل للفكر والتشريع والصيغة الوحيدة القادرة على خلاص الإنسان.

ثانياً: الشعور بأنّ انطلاقة النهضة المهدية وشيكة، وأنّ احتمال ظهوره في أي وقت وارد بحيث لا يمكن أن نوقّته بوقت معيّن.

ولذلك وردت روايات تنهى عن التوقيت مرسخة هذا البعد النفسي مؤكّدة أنّ الأمر يأتي بغتة: -إنّ أمرنا بغتة فجأة-(١).

ثالثاً: الارتباط الوجداني بالمهدي عجل الله تعالى : إنّ الانتظار فضاء للارتباط الروحي والتفاعل المعنوي العميق مع الإمامf، حتّى يكون الإمام حاضراً دوماً في أحاسيسنا ومشاعرنا في حياتنا اليومية وآفاقنا وأحلامنا حتّى نعمّق اللهفة في نفوسنا لملاقاته والسير على دربه، جاء في الحديث: -واعلم أنّ قلوب أهل الطاعة والإخلاص تنُزّع إليك مثل الطير إذا أمّت أوكارها-(٢).

وعن الرضا عليه السلام : -كم من حرّى مؤمنة، وكم من مؤمن متأسّف حرّان حزين عن فقدان الماء المعين-(٣).

ولقد وجّه الأئمة عليهم السلام شيعتهم إلى تجذير هذا الارتباط الوجداني بالمهدي من خلال أدعية كثيرة تحوي مفاصل تثير في النفس كلّ معاني الحبّ والشوق والولاء والوَلَه، تعكس حقّاً حالة المنتظر الرسالي المتحرّق إلى لقاء القائد ولقاء الانتصار.

جاء في دعاء الندبة: -إلى متى أُحارُ فيك يا مولاي؟ وإلى متى وأي خطاب أصف فيك؟ وأي نجوى؟ عزيز عليّ أن أجاب دونك وأناغي،... عزيز علي أن أبكيك ويخذلك الورى، عزيز عليّ أن يجري عليك دونهم ما جرى، هل من معين فأطيل معه العويل

١- . الشيخ المفيد، المزار، ص٩.

٢- . المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢، ص٣٥.

٣- . عباس القمي، مفاتيح الجنان، ص١٤٠.

١٦٢
والبكاء؟ هل من جزوع فأساعد جزعه إذا خلا؟ هل قذيت عين فساعدتها عيني على القذى؟ هل إليك يا ابن أحمد سبيل فتلقى؟ هل يتصل يومنا منك بعدة فنحظى؟... متى نرد مناهلك الروية فنروى؟ متى ننتفع بعذب مائك؟ فقد طال الصدى؟ متى نغاديك ونراوحك فنقرّ عينا؟... متى ترانا ونراك؟.. وقد نشرت لواء النصر تُرى؟ أترانا نحفّ بك وأنت تَؤم الملأ؟ وقد ملأت الأرض عدلاً، وأذقت أعداءك هواناً وعقاباً-(١).

ومن خلال دعاء العهد الذي يستحبّ للمؤمنين أن يدعوا به كلّ يوم بعد صلاة الفجر يُجدَّدُ العهد للمهدي f: -اللّهم إنّي أجدّد له في هذا اليوم، وفي كلّ يوم عَهداً وعقداً وبيعة في رقبتي (إلى أن يقول) اللهمّ هذه بيعة له في عنقي إلى يوم القيامة-(٢).

وفي دعاء زمن الغيبة تضرّع لله أن يعجل الفرج والفتح والنصر: -اللّهم إنّا نشكو إليك فقد نبيّنا، وغيبة إمامنا، وشدّة الزمان عَلَينا، ووقوع الفتن بنا، وتظاهر الأعداء علينا، وكثرة عدونا، وقلّة عَددنا، اللهم فأفرج ذلك عنّا بفتح منك تعجّله، ونصر منك تعزّه، وإمام عدل تظهره، إله الحقّ آمين-(٣).

ولا يخفى ما لهذه التعبئة الروحية من ثمرات فهي تساعد المؤمن على الصمود في هذا الطريق ومواجهة كلّ الابتلاءات، ومن جهة ثانية تعمّق الإحساس بالأمل وتقوّي حالة التفاؤل والرجاء مما يمنح المؤمنين قوّة تجاه كلّ الضغوطات التي تحاول خنق عزائمهم وإذابة إرادتهم. كما أنّ هذا الارتباط والانشداد القلبي بالإمام يساعدنا على الرقابة والمحاسبة المستمرّة لذواتنا حيث يحسّسنا هذا التعلّق الوجداني أنّ حركتنا هي بعين الإمام وإشرافه، ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [التوبة].

البعد السلوكي والعملي للانتظار

إذا قدر المرء على الانفتاح الواعي على الأبعاد النفسية الشعورية والأبعاد الفكرية

١- . المصدر نفسه، ص٦١٢.

٢- . عباس القمي، مفاتيح الجنان، ص٦١٤.

٣- . المصدر نفسه، ص١٠٨-١٠٩.

١٦٣
العقائدية للانتظار يستطيع أن يمتلك حينئذ مسلكاً عملياً في الحياة عبر نهج خاص؛ لأنّ الذي عرف قيادته، وعرف الهدف المرحلي للحقبة التاريخية التي يعيشها، والقوانين التي تحكمها، وأحاط بالمستقبل في صورته التفصيلية، قادر على التخطيط لحياته وحركته في الواقع بشكل إيجابي متناغم مع قيم رسالته وأهداف قيادته، والانتظار بهذا المعنى يصبح منهجاً سلوكياً حركياً في اتجاه تحقيق اليوم الموعود، هذا المنهج يقوم على ركائز عديدة أهمّها:

أوّلاً: الالتزام الفعلي الكامل بتطبيق الأحكام الإلهية

الفرد الذي يطمح لحاكمية الرسالة التي يؤمن بها على مستوى العالم لابدّ أن يعيش هذا الطموح في مستوى ذاته كخطوة أولى، وإلاّ فلا معنى للتبشير بمجتمع عادل، ونحن لم نحقّق درجة من العدالة بمعناها الأخلاقي في نفوسنا، والروايات التي جاءت في مقام الثناء والإطراء على أبناء زمن غيبته f ومقام التنويه بمكانتهم إنّما وردت لتنبّه إلى ما يعيشه هؤلاء من الالتزام الفعلي والسلوكي بتعاليم الإسلام رغم كلّ الظروف والملابسات والتعقيدات التي تحيط بزمانهم، عن رسول الله ٩ أنّه قال: -سيأتي قوم من بعدكم الرجل الواحد منهم له أجر خمسين منكم، قالوا: يا رسول الله نحن كنّا معك ببدر وأحد وحنين ونزل فينا القرآن! فقال: إنّكم لَوْ تحملوا بما حملوا لم تصبروا صبرهم-(١).

وعن أبي عبد الله عليه السلام : -من سرَّه أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر، وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق، وهو منتظر، فإن مات وقام القائم بعده كان له من الأجر مثل أجر من أدركه؛ فجدوا وانتظروا هنيئاً لكم أيّها العصابة المرحومة-(٢).

ثانياً: الاقتداء بالمهدي

من مظاهر الارتباط السلوكي بالإمام ونحن ننتظرهُ الاقتداء به، فهو الأسوة والنموذج المحتذى في صبره وثباته وآماله ومشروعه ومقاطعته للطغاة والجبابرة، فالمؤمن يتعلّم منه الصبر؛ لأنّ الإمام هو الآخر يتحرّق شوقاً إلى قيام مجتمع العدل، وهو يتألّم لحال الناس تحت نير الظلم والاستبداد، ولكنّه مرابط ينتظر الإذن الإلهي بالظهور حينما تكتمل الشروط الموضوعية لذلك.

١- . محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢، ص١٣٠.

٢- . النعماني، الغيبة، ص١٣٤.

١٦٤
إنّ المؤمن وهو يرنو إلى المهدي من وراء حجب الغيبة يتحسّس طول غيابه وانحباسه عن شيعته وأنصاره يتعلّم أن يصبر ويصابر ويرابط، ويتعلم أنّه مهما طال الزمن واستطال ليل المظالم والجور؛ فإنّ الفجر وشيك، يقول تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا ﴾ [المعارج].

والمؤمنون يستلهمون من جهة ثانية ضرورة مقارعة الظالمين؛ لأنّهم يعتقدون أنّ الإمام غاب حتّى لا تكون في عنقه بيعة لظالم، وهذا يعطي للأنصار شرعية تامّة للمقاومة؛ بل يعلّمهم أنّ الطريق الصحيح نحو الحجّة هو مجاهدة ومحاربة قوى الظلم والشرّ؛ لأنّ درب الحجّة عجل الله تعالى درب القطيعة الكاملة والمقاومة الشاملة لأولئك الطغاة الجبابرة، فمن أراد أن يكون مع الحجّة عليه أن يوطن نفسه من الآن على هذا المنهج.

عن الإمام المهدي عجل الله تعالى : -إنّه لم يكن أحد من آبائي إلا وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه، وإنّي أخرج حين أخرج ولا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي-(١).

هذه بعض معاني الاقتداء بالمهدي والاستلهام منه رغم حجب الغياب؛ لأنّ الغيبة لا تمنع المؤمنين والناس ألبتة من الانتفاع والارتباط السلوكي به f.

عن جابر الجعفي عن جابر الأنصاري أنّه سأل النبي ٩: -هل ينتفع الشيعة بالقائم في غيبته ؟ فقال٩: إي والذي بعثني بالنبوة إنّهم ينتفعون به، ويستضيئون بنور ولايته كانتفاع الناس بالشمس وإنْ جلّلها السحاب-(٢)، فكما أنّ السحاب عارض لا يمنع الناس الاستفادة من دفء الشمس ونورها، ومهما تكثّفت السحب؛ فإنّ الشمس ظاهرة لا محالة كذلك الإمام فإنّ غيبته لا تمنع البتة الاقتداء به واستلهام معاني إيمانية جهادية توحي بالثبات والسير الحثيث على خطّ الله ورسوله وأوليائه حتّى تنكشف كلّ العوائق.

ثالثاً: الارتباط الفعلي بالقيادة الزمنية

نصَّب الإمام المهديf في غيابه قيادة نائبة ترجع لها الأُمّة -فأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن

١- . محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢، ص٩٢.

٢- . محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢، ص٩٢.

١٦٥
يقلّدوه-(١)، فولاية الفقيه تمثّل حلقة من حلقات خطّ الشهادة - كما يسمّيه الشهيد الصدررحمه الله - في التاريخ بعد الأنبياء والأئمة عليهم السلام . إنّها تمثّل القيادة الشرعية داخل المجتمع وتحمي مسيرته من الحيرة والضياع في غياب الإمام فـ -من أصبح من هذه الأُمّة لا إمام له من الله عزّ وجلّ أصبح تائهاً متحيّراً ضالاً- كما هو المروي عن الإمام الباقر عليه السلام (٢).

يقول الإمام الخميني قدس سره : -فالفقهاء اليوم هم الحجّة على الناس كما كان الرسول٩ حجّة الله عليهم، وكلّ ما كان يناط بالنبي صلى الله عليه و آله وسلم فقد أناطه الأئمة عليهم السلام بالفقهاء من بعدهم، فهم المرجع في جميع المشكلات والمعضلات، وإليهم قد فوّضت الحكومة وولاية الناس وسياساتهم والجباية والإنفاق، وكلّ من يتخلّف عن طاعتهم؛ فإنّ الله يؤاخذه ويحاسبه على ذلك-(٣).

فحركة الانتظار تنطلق وتمتدّ في ظلّ القيادة الشرعية، إذ لا معنى لانتظار المهديf إذا كنّا نتحرّك في دوائر خارج القيادة النائبة التي نصّ الإمام عليها بنفسه كخطّ عام، وأوكل للأُمّة مهمّة التشخيص: إمّا بالرجوع إليه والالتفاف حوله والتحرّك في إطار قيادة هذا الفقيه، أو من خلال المؤسّسات الدستورية للدولة الإسلامية، كما هو الحال في الجمهورية الإسلامية في إيران حيث يتصدّى مجلس الخبراء لانتخاب الولي الفقيه، وهذا المجلس بدوره يُنتخب أعضاؤه من طرف الجماهير.

والولي الفقيه يقود الجماهير نحو حاكمية الإسلام في مختلف المستويات، وإقامة دولته العادلة وتوطيد أركانها، -ينبغي للفقهاء أن يعملوا فرادى أو مجتمعين من أجل إقامة حكومة شرعية تعمل على إقامة الحدود، وحفظ الثغور، وإقرار النظام، وإن كانت الأهلية لذلك منحصرة في فرد كان ذلك عليه واجباً عينياً وإلا فالواجب كفائي-(٤).

فالنضال من أجل قيام الدولة الإسلامية وتوطيد أركانها بعد النجاح في قيامها وتقوية إشعاعها على جميع أنحاء العالم، أحد السبل العملية الأساسية في التوطيد لقيام

١- . المصدر نفسه، ص٨٨.

٢- . النعماني، الغيبة، ص٨١.

٣- . الحكومة الإسلامية، ص١٠٩.

٤- . المصدر نفسه، ص٥٢.

١٦٦
القائم عجل الله تعالى فرجه ، ولذلك اعتبر الإمام الخميني قدس سره في كثير من خطاباته وبياناته أنّ الجمهورية الإسلامية في إيران هي دولة المهدي عجل الله تعالى ، وليس ذلك إلا لأنّها ركيزة هامّة وخطوة عظمى نحو الظهور.

رابعاً: تعبئة الجماهير وراء قيادة المهدي عجل الله تعالى وأطروحته

البعد العملي الأخير للانتظار يتمثّل في حشد الجماهير عاطفياً وفكرياً وراء راية المهدي عجل الله تعالى عبر كلّ الوسائل والممكنات المتاحة.

فالإيمان بالمهدي ودولته ومشروعه العالمي أحد الشروط الأساسية لقيامه، وبقدر ما تكتسح هذه المسألة قطاعات واسعة من الناس وبقدر ما تكسب من أنصار جدّد، وعقول متفاعلة ونفوس متّقدة بقدر ما نكون قطعنا خطوات على طريق الإمام المهدي عجل الله تعالى ، لذلك كان هذا الأمر من المظاهر البارزة للتوطيد الفعلي للمهدي.

والنجاح في هذا الأمر رهين مدى رسوخ إيماننا بالقائد وعمق ارتباطنا النفسي والوجداني، لذلك كان اليقين سمة بارزة من سمات أنصار المهديf، عن الإمام زين العابدين عليه السلام : -إنّ أهل زمان غيبته والقائلين بإمامته المنتظرين لظهوره أفضل أهل كلّ زمان، إنّ الله تعالى ذكره أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة ما صارت الغيبة عندهم بمنـزلة المشاهدة، وجعلهم في ذلك الزمان بمنـزلة المجاهدين بين يدي رسول الله ٩ -(١).

وعن الرسول صلى الله عليه و آله و سلم: -يا علي أعجب الناس إيماناً وأعظمهم يقيناً قوم يكونون في آخر الزمان لم يلحقوا النبي وحجب عنهم الحجّةf فآمنوا بسواد على بياض-(٢).

المستوى الثاني للانتظار: انتظار الإمام

عندما نتحدّث عن الانتظار ينصرف الذهن عادة إلى انتظار الناس، ويغيب عنّا أنّ الإمام المهدي عجل الله تعالى أيضاً ينْتظِرُ فهو المُنْتَظرُ من جهة تعلّقنا به وانشدادنا إليه وتوقعنا ظهوره، ولكنّه من جهة أخرى هو يَنْتظِرُ فهو المُنْتَظِرُ أيضاً، إنّه يَنْتَظرُ اكتمال الشرائط الموضوعية لقيامه، باكتمال عدد أنصاره ووجود الطليعة المخلصة المجاهدة الجاهزة كمّاً وكيفاً،

١- . محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٣٦، ص٣٨٧.

٢- . المصدر نفسه، ج٧٤، ص٥٦.

١٦٧
وبتحوّل الأجواء السياسية إلى ظرف ملائم لقيام الدولة العالمية كأن يكون ذلك نتيجة -فراغ كبير يحدث نتيجة نكسة أو أزمة حضارية خانقة-(١).

ولقد كان غيابه وانتظاره الطويل ضرورة ماسة قصد الحفاظ على شرط أساسي من شروط تحقّق اليوم الموعود ألا وهو وجود القائد المعصوم نفسه، فالغيب تدخّل لحفظ هذه البقية الباقية من خطّ الأوصياء،﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [ هود] . عن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام : -إنّ للقائم غيبة قبل ظهوره، قلتُ لِمَ؟ قال: يخاف القتل-(٢).

وهذا الغياب - وإن طال في مداه - لكنّه ليس بدعة مهدوية؛ بل هي سنّة الأنبياء الأوائل كما مرّ بنا، عن أبي عبد الله عليه السلام -إنّ الله عزّ وجلّ أبى إلا أن يُجري فيه سنن الأنبياءعليهم السلام في غيباتهم، وأنّه لابدّ يا سَدير من استيفاء غيباتهم، قال عزّ وجلّ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ﴾ [الانشقاق]، أي سننا على سنن من كان قبلكم-(٣).

إنّ هذا المستوى من الانتظار - انتظار الإمام - يمتلك دلالات رسالية قوية تؤثّر في طبيعة العلاقة التي تشدّ الأُمّة، أو على الأقلّ الطليعة الرسالية بإمامها، وتعزّز أدوارها التاريخية.

الدلالة الأولى: الإحساس بأنّ الإمام ينتظر تشكّل سرايا أنصاره من أجل قيادتهم نحو الأهداف الربّانية الكبرى، وتغيير الأوضاع العالمية يعمّق مسؤوليات المؤمنين في تفعيل عبادة الانتظار والعمل على تحقيق هذا الشرط، وتلك الظروف في أقرب وقت، وما يستلزمه ذلك من أن تصبح الأُمّة تعيش حركة دائبة وتفاعلاً مستمرّاً مع رسالتها، ومحاولات متكرّرة للنهوض والانعتاق، واستدعاء حضور الإمام. هذه الدلالة الأولى من دلالات انتظار الإمام.

الدلالة الثانية: مقولة (تكامل ما بعد العصمة)(٤) فقد ذكرنا أنّ الإمام وإن كان يتمتّع

١- . محمّد باقر الصدر، بحث حول المهدي، ص١٠٢.

٢- . محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢، ص٩٨.

٣- . محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢، ص٢٩١.

٤- . راجع الفصل الخامس.

١٦٨
بدرجة عالية من الكمال إلا أنّ ذلك لا يمنع من تكامله إلى درجة أرقى، يقول الشهيد السيد محمّد الصدر رحمه الله : -ويمكن لقائد عالمي ممن يوجد عنده المستوى الأوّل من قابلية القيادة العالمية كالمهدي أن يتكامل بأسباب معيّنة-(١).

وهذا التكامل تستوجبه المهمّة الصعبة المعقّدة التي أنيطت بعهدة الإمام -فعملية التغيير الكبرى تتطلّب وضعاً نفسياً فريداً في القائد الممارس لها مشحوناً بالشعور بالتفوّق والإحساس بضآلة الكيانات الشامخة التي أعدّ للقضاء عليها وتحويلها حضارياً إلى عالم جديد-(٢).

إنّ امتداد عمر المهدي عجل الله تعالى وانتظاره الطويل مكّنه من مواكبة قيام حضارات ودول ثمّ انحدارها وزوالها، مما يجعله يواجه كلّ القوى التي قد تتحرّك ضده حين ظهوره، وهو يتخطى هيبة التاريخ وقوته، ولا يخاف كلّ هذه الكيانات والحضارات؛ لأنّه عاصرها منذ كانت بذرة تنمو وعرفها وهي تمتدّ ومنحته خبرته الطويلة عمق الإحساس أنّ زوالها لابدّ منه، على عكس من ينشأ داخل هذه الحضارات -وتفتّحت أفكاره ومشاعره في إطارها فإنّه لا يتخلّص غالباً من رواسب تلك الحضارة ومرتكزاتها وإن قاد حملة تغييرية ضدها-(٣).

إضافة إلى ذلك أنّ هذه المواكبة الطويلة تمنح الإمام f الخبرة القيادية الكاملة لليوم الموعود -لأنّها تضع الشخص المُدَّخر أمام ممارسات كثيرة للآخرين بكلّ ما فيها من نقاط الضعف والقوة ومن ألوان الخطأ والصواب وتعطي لهذا الشخص قدرة أكبر على تقييم الظواهر الاجتماعية بالوعي الكامل على أسبابها وكلّ ملابساتها التاريخية-(٤).

الدلالة الثالثة: الدلالة الثالثة لانتظار الإمام هي حتمية سقوط كلّ النظريات المخالفة، فانتظار الإمام هو إقامة للحجّة على كلّ المدارس الفكرية الأخرى والمشاريع الحضارية المخالفة التي استنفذت وستنفذ كلّ فرصها في الواقع الحياتي للناس زمن الغيبة.

١- . تاريخ الغيبة الكبرى، ص٥٠٥.

٢- . محمّد باقر الصدر، بحث حول المهدي، ص١٠٢.

٣- . المصدر نفسه، ص٧٢.

٤- . المصدر نفسه، ص٧٢.

١٦٩
إنّ الغيبة هي المساحة الزمنية التي ستكشف بجلاء إفلاس وزيف كلّ النظريات الوضعية التي لم تزد الإنسان سوى اغتراباً عن ذاته وهويته ولم تزد الأرض سوى المآسي والعذابات. جاء في الحديث -ما يكون هذا الأمر حتّى لا يبقى صنف من الناس إلا [ قد ] ولّوا على الناس حتّى لا يقول قائل: إنّا لو ولّينا لعدلنا، ثمّ يقوم القائم بالحقّ والعدل-(١).

إنّ هذا الإحساس بحتمية سقوط كلّ النظريات يجعل المؤمنين وهم على طريق الانتظار يحافظون على روحية عالية تجاه كلّ الانتصارات الموضعية التي قد يحقّقها الظلم والطغيان أو المنظومات الأخرى في بعض المواقع ولا يزيدهم ذلك إلا ثقة بضرورة انتصار الإسلام وسيادته على العالم في نهاية المطاف.

المستوى الثالث للانتظار: انتظار الكون

قد يبدو الحديث عن الانتظار الكوني غريباً، ولكن عندما نعمّق النظر في التصوّر الإسلامي للكون وعلاقة التكامل الكوني مع التكامل الاجتماعي للإنسان ينجلي الغموض.

قد عرفنا أنّ التصوّر الإسلامي لحركة الوجود (بما فيها حركة المجتمع) يقوم على أربعة عوامل أساسية:

أوّلاً: الإرادة الإلهية.

ثانياً: القوانين الطبيعية العامة.

ثالثاً: العلّة الغائية للكون.

رابعاً: الأفعال الاختيارية والواعية للمجتمع الإنساني.

وحركة الطبيعة أو الكون بالمعنى الأخصّ لا تنفصل عن حركة التاريخ والمجتمع من حيث إنّها مفردة من مفردات التخطيط الإلهي للوجود الذي يستهدف الوصول بالمجتمع الإنساني إلى أعلى درجات كماله، وكذلك بالكون والطبيعة إلى ذروة كمالها وعطائها.

١- . محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢، ص٢٤٤.

١٧٠
من هنا طرحت فلسفة التاريخ من منظور إسلامي جملة من السنن التاريخية تربط الرخاء الاقتصادي وعطاء الطبيعة بدرجة الكمال الاجتماعي والنظام الاجتماعي السائد ﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ﴾ [الجن].

فحركة الكون والطبيعة ـ وكما رأينا في الفصول السابقة ـ ليست حركة محايدة، وإنّما هي حركة منفعلة بطبيعة النظام الاجتماعي السائد. مما يجعل حركة التكامل الإنساني عبر التاريخ متصلة اتصالاً وثيقاً بالإطار الطبيعي لهذه الحركة، فالطبيعة هي الفضاء المكاني لحركة الإنسان وتاريخه، ولكنّه فضاء من نوع خاص، فهو فضاء متحرّك متطوّر مُنفعِل، يتفاعل مع طبيعة الأحداث التي تجري فوقه، ومن جهة أخرى إنّ الكون بما هو مفردة من مفردات الخلق محكوم بقانون الهداية العامة، أي التكامل، وسيبلغ منتهى كماله بحيث تتفتّق كلّ إمكاناته المدّخرة والمخزونة مع قيام المجتمع المعصوم.

وإنّ هذا التزامن بين وصول المجتمع الإنساني إلى أرقى درجات كماله بقيام دولة المهدي علي السلام وبلوغ تكامل الطبيعة أرقى درجات عطائها وخيراتها لهو صورة رائعة لعظمة التخطيط الإلهي كما ذكرنا في الفصل الرابع (الأصل الخامس).

والانتظار الكوني في ضوء هذا البيان هو حركته التي تستهدف بلوغ أوج تكامله، ولن يكون ذلك إلا مع المهدي عليه السلام ، فالطبيعة معنا تنتظر المهدي عجل الله تعالى لتبلغ مستقرّها ومداها في التكامل.

ومع بلوغ الكون تلك الدرجة العالية من الكمال من جهة، والمجتمع الإنساني تلك المرحلة المتقدّمة من العدل تكون الظروف مهيّأة لمرحلة ما بعد الدنيا، أي للقيامة من خلال الانقلاب الكوني الشامل الذي يحوّلنا إلى دار الآخرة.

على طريق الانتظار

هذه هي فلسفة الانتظار في مستوياتها الثلاثة

فالانتظار بأبعاده النفسية والفكرية والسلوكية بهذا العمق الوجداني والعقلي

١٧١
والعملي يمثّل رؤية للحياة ومنهجاً في التاريخ، هذا هو الانتظار الذي نوّهت به الروايات واعتبرت صاحبه كمن كان مع الرسول ومنحته الأجر الجزيل.

-من ثبت على موالاتنا في غيبة قائمنا أعطاه الله أجر ألف شهيد من شهداء بدر وأُحُد-(١).

وعن أبي عبد الله عليه السلام -من مات منكم على هذا الأمر منتظراً كان كمن كان هو في الفسطاط الذي للقائم-(٢).

وعن أمير المؤمنين عليه السلام -أفضل عبادة المؤمن انتظار فرج الله-(٣).

الانتظار في ضوء هذه الرؤية حركة بيّنة على هدى ونور مبين، واعتصام بحبل الله المتين، ولذلك لا يضلّ المنتظر، تقدّم أمر الظهور أو تأخّر؛ لأنّه في كلّ الحالات قد أدّى مسؤولياته كاملة. عن أبي عبد الله عليه السلام : -اعرف إمامك فإذا عرفته لم يضرّك تقدّم الأمر أم تأخّر؛ فإنّ الله عزّ وجلّ يقول: ﴿ يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ﴾ [الإسراء]، فمن عرف إمامه كان كمن هو في فسطاط القائم-(٤).

فعجّل اللّهم فَرَجَه، وسهّل مخرجه، وأَوسع منهجه، واسلك بنا محجّته، واجعلنا من جنده وأنصاره وأعوانه والذابّين عنه، والمستشهدين بين يديه، برحمتك يا أرحم الراحمين.

١- . محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢، ص١٢٥.

٢- . النعماني، الغيبة، ص١٣٣.

٣- . محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢، ص٢١٦.

٤- . النعماني، الغيبة، ص٢٣٠.

١٧٢

١٧٣

الفصل السابع فلسفة الدور وتعجيل الظهور

ثبت لدينا أنّ التاريخ البشري ليس تراكماً عشوائياً للأحداث والوقائع؛ بل هو صيرورة خاضعة للسنن والقوانين.

﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب].

﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ﴾ [الفتح].

فالتاريخ تحكمه غائية تشدّ المسيرة الإنسانية إلى نهاية محددة، وتنأى به عن العبثية والفوضى، ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون]، ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء]، بل إنّ قانون الغائية يحكم كلّ المفردات الكونية لا الإنسان وتاريخه فحسب، فكلّ ذات في الطبيعة تسير وفق قانون الهداية العامّة إلى بلوغ المرتبة الكمالية اللائقة بساحتها، ﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾ [الأعلى]، غير أنّ المسيرة الإنسانية تمتاز بأنّها لا تحمل قانونها الصارم داخلها تكوينياً كما تحمله سائر عناصر الطبيعة؛ بل هي تدرك غايتها عبر حركة تكاملية إرادية واعية، والإنسان تحمّل أمانة الاختيار حين أبت السموات والأرض ولم تكن أهلاً لذلك، ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب].

لقد حدّد القرآن الكريم هذا الأفق النهائي: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات]، ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَ لِكَ فَأُولَ ئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [النور]، إنّه مجتمع العبودية الخالصة؛ مجتمع الصالحين الذين يرثون الأرض ويسوسون العالم بالعدل والحقّ، ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴾ [الأنبياء].

١٧٤
وتنجلي مع قيامهم عهود الظلام والانحراف التي أغرقت الأرض طويلاً في ليل حالك بهيم.

وعرفنا أنّه لمّا كان الإنسان حرّاً مريداً، له أن يتمرّد ويرفض، كما له أن يطيع وينقاد؛ لم يكن بلوغ الأهداف النهائية للمسيرة بالأمر الهيّن دون عراقيل وتعقيدات بل احتاج تاريخاً طويلاً من الجهاد والنضال، رسم معالمه عدد كبير من الأنبياء والأوصياء والثوّار الربّانيين والصالحين؛ تحرّك هذا التاريخ في إطار تخطيط إلهي يستند إلى جملة من الأسس (الإرادة الإلهية؛ السنن التاريخية؛ القوانين الطبيعية؛ الإرادة الإنسانية؛ الأهداف العليا...) يستهدف الدولة العالمية العادلة دون جبر ولا إلجاء.

ومن الطبيعي أن يستوجب هذا المجتمع العادل العالمي قيادة عالمية، تمتلك أعلى درجات الاندكاك في الرسالة والذوبان في مبادئها ومقاصدها، وأعلى مراتب الإخلاص والتجرّد، فكان تدخّل التخطيط الإلهي لحفظ الوصي الثاني عشر من أوصياء رسول الله صلى الله عليه و آله ، وغُيِّبَ عن الساحة لفترة، انتظاراً لاستكمال الشرائط العامة قصد تحقيق النصر العظيم، فبظهور الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه يتحقّق الفرج، وتستوفي المسيرة الإنسانية أغراضها باستمرار مجتمع المهديين، واندحار جحافل الطاغوت إلى الأبد.

والبشرية اليوم وبسبب ما ترزح تحته من استبداد سياسي، وحيف اجتماعي، وقهر فكري وعقائدي، وما تنوء به من فقر وجوع و حروب ودمار، تعيش انشدادها الفطري إلى مخلّصها الموعود، وتلهج القلوب قبل العواطف: العجل أيّها الأمل العظيم، العجل العجل أيها الفجر السعيد، العجل العجل أيّها الزمن الرغيد.

ولكن هل يمكن تعجيل الظهور ؟ هل يمكننا فعلاً تقريب ساعة الخلاص ؟ وما هو المفهوم الصحيح للتعجيل ؟ وما هي عوامل تعجيل الفرج على مستوى الفرد والأمة ؟

سنحاول أن نجيب عن هذه الأسئلة في ضوء الأسس الفكرية للنظرية المهدوية التي بنيناها إلى حدّ الآن.

١٧٥

تعجيل الفرج هل هو ممكن ؟

منطقياً لابدَّ من إثبات إمكان تعجيل الفرج أوّلاً قبل الشروع في البحث حول التفاصيل؛ لأنّه إذا تبيّن أن التعجيل متعذّر عقلاً أو أنّه محظور شرعاً فلا معنى للحديث عن العوامل المؤثّرة؛ بل تكون القضية حينئذ سالبة بانتفاء الموضوع كما يقول المناطقة.

والذي يدعونا للتساؤل حول الإمكان والاستحالة العقلية والمرغوبية أو الكراهة الشرعية من جهة ثانية، ما يواجهنا من مفاهيم أخرى في إطار الثقافة المهدوية التي تبدو للوهلة الأولى منافية لمبدأ التعجيل الذي نريد تأصيله، وفي هذا الاتجاه تعترضنا ثلاثة مفاهيم أساسية:

-التخطيط الإلهي.

-الانتظار.

-النهي عن الاستعجال.

أ. التخطيط الإلهي

اتضح أنّنا نسلم بفكرة التخطيط الإلهي بمعنى أنّ الله يصون الغايات الكبرى للوجود البشري من خلال تخطيط تتحرّك وفقه المسيرة الإنسانية نحو المستقبل السعيد مع الحفاظ على الاختيار الإنساني؛ لأنّ الله لم يفوّض للناس أمورهم جميعاً، كما لم يجبرهم على مسار تام في الحياة -فلا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين- كما ثبت في العقائد.

والتدخّل الإلهي يتّخذ عدّة أشكال تنسجم مع الحركة الإنسانية التكاملية الإرادية، وهذا ما عالجناه في الفصل الثالث.

والسؤال الذي نطرحه بعد هذا التعريف الموجز للتخطيط الإلهي: كيف نوفّق بين مقولة التخطيط المسبق و مبدأ التعجيل ؟ وإذا كان ظهور المهدي عجل الله تعالى فرجه يمثّل مرحلة من هذا التخطيط تعقب مرحلتنا المعاصرة (الغيبة الكبرى) فلا موضوع للتعجيل ؟

والجواب: أنّ المستشكل فاته المعنى الدقيق للتخطيط، إذ تصوّر أنّ المقصود تخطيط جاهز من جميع الوجوه، ناجز من جميع الجهات، وليس البشر سوى أدوات للتنفيذ، ولكن الأمر ليس كذلك - وكما سبق الإشارة إليه - فالتخطيط يفسح مجالاً واسعاً لحرّية الإنسان وقدرته

١٧٦
على صنع الأحداث وتغيير مجرى التاريخ، فالوصول إلى مجتمع ما بعد ظهور المهدي، وإن نصّ عليه التخطيط، وهو مفردة مهمّة منه، متوقّف على الدور الإيجابي الذي يؤدّيه المؤمنون بامتلاكهم الوعي التاريخي الصحيح الكاشف عن الشرائط والموانع والمقتضيات، فيمكنهم عبر تصعيد وتيرة العمل والجهاد في هذا الاتجاه من تقديم ساعة الخلاص وتعجيل الفرج.

فالتعجيل خيار من الخيارات يستفيد منه العاملون على خطّ انتظار المهدي بتوظيف وتسخير كلّ إمكاناتهم وقدراتهم المعنوية والمادّية لتحقيق شرائط الظهور في أقرب فرصة، ويستدعون بذلك الإذن الإلهي بقيام المهدي وانتصاره.

ب. بين الانتظار والتعجيل

المفهوم الثاني الذي أكّدت عليه الروايات وصار ارتكازاً أساسياً في أذهان المؤمنين في علاقتهم بالمهدي: الانتظار.

عن أمير المؤمنين عليه السلام -انتظروا الفرج ولا تيأسوا من روح الله؛ فإنّ أحبّ الأعمال إلى الله انتظار الفرج-(١)، وعن رسول الله صلى الله عليه و آله -أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج-(٢)، وعن أبي عبد الله عليه السلام -ألا أخبركم بما لا يقبل الله عزّ وجلّ عملاً إلا به؟ فقلت: بلى. فقال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، والإقرار بما أمر الله، والولاية لنا، والبراءة من أعدائنا، (إلى أن يقول) والانتظار للقائم-(٣) وقد عالجنا أبعاد هذا المفهوم مفصّلاً في الفصل السابق.

فقد يقال: إنّ مفهوم الانتظار مناقض لمبدأ تعجيل الفرج لما في الأوّل من دلالات التسليم والترقّب ولما يقتضيه الثاني من فعل وتحرك، ولكن هذا القول ينطلق من فهم خاطئ للانتظار حيث يتصوّر الكثيرون أنّ الانتظار هو الانكفاء على الذات، والتوقّف عن أي دور والاكتفاء بمراقبة إفرازات الأحداث التي يصنعها الآخرون، والدخول بالتالي في سبات تاريخي طويل ترقّباً للحدث الكبير دون أية مساهمة.

١- . محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢، ص١٢٣.

٢- . المصدر نفسه، ج٥١، ص٣١٧.

٣- . النعماني، الغيبة، ص٢٠٠.

١٧٧
هذا الفهم السلبي للانتظار ناقشناه سابقاً في الفصل السادس، وأكّدنا هناك أنّ الانتظار في معناه الواقعي ـ وكما لقّنه الأئمة لأصحابهم ـ منهج حياتي وحركي متكامل يستند إلى خلفية عقائدية وفكرية يعمل صاحبها على تهيئة الساحة للقائد، فالانتظار ليس استقالة الفرد والأُمّة عن مهامهما، وإنّما هو تكريس لهذه الأدوار نتيجة غياب القائد، وتفعيل للفرد والأُمّة والرسالة قصد استقدام الإمام الغائب في أقرب الآجال، وهذا مفاد تعجيل الفرج، والروايات لا تخلو من الإشارة إلى ذلك:

عن أبي عبد الله عليه السلام -إنّ لنا دولة يجيء بها الله إذا شاء. ثمّ قال من سَرّه أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر، وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق، وهو منتظر، فإن مات والقائم بعده كان له من الأجر مثل أجر من أدركه، فجدّوا وانتظروا أيتها العصابة المرحومة-(١)، وحديث رسول الله صلى الله عليه و آله -بالصبر يتوقّع الفرج، ومن يدمن قرع الباب يلج-(٢)، فليس الانتظار إذن سوى حركة واعية على خطّ تعجيل الأمر وتحقيق شرائط الظهور.

ج. التعجيل والروايات الناهية عن الاستعجال

الإشكال الثالث الذي يرد على مفهوم التعجيل هو الزخم الروائي الناهي عن الاستعجال والداعي للصبر، ولقد عنون النعماني أحد أبواب كتابه الغيبة -باب ما أمر به الشيعة من الصبر والكفّ والانتظار للفرج وترك الاستعجال- وأورد روايات عديدة منها:

عن عبد الرحمن بن كثير قال: -كنت عند أبي عبد الله عليه السلام يوماً، وعنده مهزم الأسدي، فقال جعلني فداك متى هذا الأمر الذي تنتظروه؟ فقال: طال علينا، فقال: يا مهزم كذب المتمنّون، وهلك المستعجلون، ونجا المسلّمون، وإلينا يصيرون-(٣).

عن أبي عبد الله عليه السلام -هلكت المحاضير، قال الراوي: وما المحاضير؟ قال المستعجلون، ونجا المقرّبون-(٤)، وعن أبي عبد الله عليه السلام في تفسير قوله تعالى: ﴿ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ [النحل]، قال: -هو ما أمرنا الله عزّ وجلّ أن لا نستعجل به حتّى يؤيّده الله بثلاثة أجناد الملائكة والمؤمنين والرعب، وخروجه عليه السلام كخروج رسول الله صلى الله عليه و آله -١٩٩.

١- . النعماني، الغيبة، ص٢٠٠.

٢- . محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٦٨، ص٩٦.

٣- . النعماني، الغيبة، ص١٩٨.

٤- . م س، ص١٩٧.

١٧٨
ويقول الشيخ النعماني معلّقاً على هذه الروايات: -انظروا هذا التأديب من الأئمة عليهم السلام ورسمهم في الصبر والكفّ والانتظار للفرج، وذكرهم هلاك المحاضير والمستعجلين وكذب المتمنّين، ووصفهم نجاة المسلّمين، ومدحهم الصابرين الثابتين، وتشبيههم إيّاهم على الثبات بثبات الحصن على أوتادها، فتأدّبوا رحمكم الله بتأديبهم، وامتثلوا أمرهم، وسلّموا لقولهم، ولا تجاوزوا رسمهم، ولا تكونوا ممن أردته الهوى والعجلة، ومال به الحرص عن الهدى والمحجّة البيضاء-(١).

وورد كذلك في الدعاء: -وليّن قلبي لولي أمرك، وعافني مما امتحنت به خلقك، وثبتني على طاعة ولي أمرك الذي سترته عن خلقك، فبإذنك غاب عن بريتك، وأمرك ينتظر، وأنت العالم غير المعلّم بالوقت الذي فيه صلاح أمر وليك في الإذن له بإظهار أمره، وكشف ستره، فصبّرني على ذلك حتّى لا أحبّ تعجيل ما أخّرت ولا تأخير ما عجّلت،... ولا أقول لمَ؟ وكيف؟ وما بال ولي الأمر لا يظهر؟ وقد امتلأت الأرض من الجور، وأفوّض أموري كلّها إليك-(٢).

ولكن القراءة الموضوعية للأحاديث الذّامّة للاستعجال، وتجاوز النهج الحرفي في شرحها، يقوداننا إلى حقيقة الاستعجال الذي تدينه الروايات وتشجبه ألا وهو الحركة الانفعالية الساعية لتحقيق أهدافها دون الأخذ بأسباب النصر وتوفير الشروط اللازمة، وما يستتبع ذلك من إلقاء النفس في التهلكة، وجعل المؤمنين عرضة لفتك الأعداء، ومرمى لسهام الفتن العمياء،عن علي بن الحسين عليه السلام : -ستصبغ الأرض بدماء فراخ من فراخ آل محمّد، تنهض تلك الفراخ في غير وقت، وتطلب غير مدرك، ويرابط الذين آمنوا، ويصبرون، ويصابرون حتّى يحكم الله، وهو خير الحاكمين-(٣).

وعن الباقر عليه السلام قال: -مثل خروج القائم منّا أهل البيت كخروج رسول الله صلى الله عليه و آله ، ومثل من خرج منّا أهل البيت قبل قيام القائم مثل فرخ طار فوقع من وكره فتلاعبت به الصبيان-(٤).

١- . المصدر نفسه، ص٢٠١.

٢- . المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٣، ص١٨٧.

٣- . النعماني، الغيبة، ص١٩٩.

٤- . المصدر نفسه، ص٢٠٠.

١٧٩
فالاستعجال المذموم هو الخروج قبل الأوان طمعاً في النصر السريع دون توافر أسبابه، أما مبدأ التعجيل فقوامه الدور الإيجابي الذي يؤدّيه الناس، مستهدفين تحقيق أسباب النهضة المهدوية المباركة في أقرب وقت، لا محاولة مرتجلة لتحقيق النصر دون شروطه، ومما يؤيّد ما ذهبنا إليه إلحاح بعض أصحاب الأئمة واعترافهم بأنّهم يتعجّلون الأمر دون زجر من الأئمة لا لشيء إلا لأنّ هذا الشعور لم يصل إلى حدّ التورّط في حركات انفعالية يكون ضررها أكبر من نفعها؛ لأنّهم يعرفون مبدأ -لا الزمان زماني، ولا الرجال رجالي- الذي أسّسه الأئمة لمثل هذه الظروف،عن إبراهيم بن هلال قال: قلت لأبي الحسن عليه السلام : -جعلت فداك مات أبي على هذا الأمر، وقد بلغت من السنين ما قد ترى، ولا تخبرني بشيء، فقال: أنت تعجل، فقلت: أي والله أعجل، وما لي لا أعجل وقد كبر سنّي وبلغت أنا من السنين ما قد ترى، فقال: أما والله يا أبا إسحاق ما يكون ذلك حتّى تميّزوا و تمحّصوا وحتّى لا يبقى منكم إلا الأقلّ ثمّ صعّر كفّه-(١).

مبدأ التعجيل بين الفهم الإيجابي والفهم السلبي

بعد أن برهنّا أنّ التعجيل ممكن ولا يتنافى مع المفاهيم العقائدية الأصيلة للنظرية المهدوية، تواجهنا مسألة أخرى متمثّلة في الفهم الخاطئ للتعجيل حيث شاعت نظرية تدّعي أنّ الأسلوب الأمثل في تسريع قيام المهدي هو ملأ الأرض فساداً وظلماً؛ لأنّ الروايات قد علّقت مسألة الظهور بامتلاء الأرض جوراً وفساداً.

من الروايات نذكر: -لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لبعث الله لأمره منّا من يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً(٢)-.

-لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطوّل الله عزّ وجلّ ذلك اليوم حتّى يخرج قائمنا فيملأها قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً-(٣).

وعن علي بن الحسين عليه السلام -لتملأنّ الأرض ظلماً وجوراً حتّى لا يقول أحد الله

١- . النعماني، الغيبة، ص٣٠٨.

٢- . محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٣٣، ص٢٥٧.

٣- . المصدر نفسه، ج٣٦، ص٢٤٠.

١٨٠