×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

يا ليت قومي يعلمون / الصفحات: ١ - ٢٠

 يا ليت قومي يعلمون » السيد ياسين المعيوف البدراني » (ص ١ - ص ٣٠)



١

٢

٣

٤

٥

مقدّمة المركز

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين

محمّد وآله الميامين

من الثوابت المسلّمة في عملية البناء الحضاري القويم، استناد الأُمّة إلى قيمها السليمة ومبادئها الأصيلة، والأمر الذي يمنحها الإرادة الصلبة والعزم الأكيد في التصدّي لمختلف التحدّيات والتهديدات التي تروم نخر كيانها وزلزلة وجودها عبر سلسلة من الأفكار المنحرفة والآثار الضالة باستخدام أرقى وسائل التقنية الحديثة.

وإن أنصفنا المقام حقّه بعد مزيد من الدقّة والتأمّل، نلحظ أنّ المرجعيّة الدينية المباركة كانت ولا زالت هي المنبع الأصيل والملاذ المطمئن لقاصدي الحقيقة ومراتبها الرفيعة، كيف؟! وهي التي تعكس تعاليم الدين الحنيف وقيمه المقدّسة المستقاة من مدرسة آل العصمة والطهارة عليهم السلام بأبهى صورها وأجلى مصاديقها.

هذا، وكانت مرجعية سماحة آية الله العظمى السيّد علي الحسيني السيستاني - مدّ ظلّه - هي السبّاقة دوماً في مضمار الذبّ عن حمى العقيدة ومفاهيمها الرصينة، فخطت بذلك خطوات مؤثّرة والتزمت برامج ومشاريع قطفت أينع الثمار بحول الله تعالى.

ومركز الأبحاث العقائدية هو واحد من المشاريع المباركة الذي أُسس لأجل نصرة مذهب أهل البيت عليهم السلام وتعاليمه الرفيعة.

٦
ولهذا المركز قسم خاص يهتم بمعتنقي مذهب أهل البيت عليهم السلام على مختلف الجهات، التي منها ترجمة ما تجود به أقلامهم وأفكارهم من إنتاجات وآثار - حيث تحكي بوضوح عظمة نعمة الولاء التي منّ الله سبحانه وتعالى بها عليهم ـ إلى مطبوعات توزّع في شتّى أرجاء العالم.

وهذا المؤلّف - ((ياليت قومي يعلمون)) - الذي يصدر ضمن ((سلسلة الرحلة إلى الثقلين)) مصداق حيّ وأثر عملي بارز يؤكد صحّة هذا المدّعى.

على أنّ الجهود مستمرة في تقديم يد العون والدعم قدر المكنة لكلّ معتنقي المذهب الحقّ بشتى الطرق والأساليب، مضافاً إلى استقراء واستقصاء سيرة الماضين منهم والمعاصرين وتدوينها في ((موسوعة من حياة المستبصرين)) التي طبع منها عدّة مجلّدات لحدّ الآن، والباقي تحت الطبع وقيد المراجعة والتأليف، سائلين المولى تبارك وتعالى أنّ يتقبّل هذا القليل بوافر لطفه وعنايته.

ختاماً نتقدّم بجزيل الشكر والتقدير إلى كلّ من ساهم في إخراج هذا الكتاب، ونخصّ بالذكر فضيلة السيّد علي الرضوي الذي قام بمراجعة هذا الكتاب وإعداده للطبع، والحمد لله ربّ العالمين.

محمّد الحسّون

مركز الأبحاث العقائدية

٨جمادى الأولى/ ١٤٣٣هـ

الصفحة على الإنترنت: www.aqaed.com / Muhammad

البريد الإلكتروني: [email protected] com

٧
المقدمة

الحمد لله ربّ العالمين

وأفضل الصلاة وأتمّ التسليم على سيّد الأنبياء والمرسلين أبي القاسم محمّد’.

لقد عشت سنين من عمري في مدينتي العزيزة دير الزور على شاطئ نهر الفرات، ولمّا بلغت العشرين من العمر بدأت استنشق هواءها الروحي، وتجاوبت بكلّ مشاعري وكياني مع علمائها الأفاضل أستقي منهم السلوك الصحيح، والخلق الحسن، وبعد مرحلة طويلة من هذه الرفقة المباركة - إضافة إلى تجوالي في معظم أنحاء القطر العربي السوري طلباً للمعرفة واستزادةً منها - التقيت بعيّنات من أهل القرى والمدن ممّا جعل بيني وبينهم بعض المناقشات والمحاورات التي ولّدت عندي حافزاً جديداً لأن أعيد النظر في قراءاتي السابقة، وأن أقارن بينها وبين كتب أخرى وما تحمل في طيّاتها من قضايا التاريخ ومجرياته.

ولقد وجدت عند الكثير ممّن كنت أحاورهم وآخذ منهم تقاعساً عن اقتحام الحقيقة وصمتاً أمام الدليل الواضح متمشين في ذلك مع ما يطلب الواقع ومع ما هو موروث عن الآباء والأجداد، لكنّني عزمت على العمل الدؤوب والاستمرار في تقصّي الحقيقة ومعرفتها، تلك الحقيقة التي عتّم عليها

٨
تاريخ المثبطين الجبناء وتقاعسهم، إلّا أنّني قلت: فليكن القرآن الكريم فيصلاً بيني وبينهم.

فلنتعلّم من القرآن الكريم، ولنرشد الغافلين، وننذر المعاندين المنحرفين عن موكب النور الإلهي.

ونحن حين نستعرض الأحداث والمبرّرات والمقدّمات والنتائج التي يكشف القرآن الكريم عنها الستار، فما ذلك إلّا واجبٌ شرعي ملقى على عاتق كلّ مسلم يؤمن بالله وبرسوله وبقرآنه الكريم.

لقد أجهدنا أنفسنا لأكثر من عشرين عاماً كي نتلاحم مع أبناء بلدنا في حوار دؤوب، إلّا أنّنا وجدنا الأعذار والإجابات التي كانت بالأمس هي نفسها أعذار اليوم لا تختلف في جوهرها ولا في مضامينها الخاوية من الحقيقة، ويتعلّل ويحتجّ البعض بطول الطريق، لكنّ الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ وَلَـكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ (١).

يا إخوتي، الحقّ والحقّ أقول: إنّ الطريق شائك وطويل واجتيازه مجهد، عبر مجتمع لم يعرف البحث عن الحقيقة، الأمر الذي لا يتيح للداعية أن يوضّح ما يريد، أو أن يمدّ بصره حتّى نهاية الطريق، ذلك لأنّ الأُمّة انحدرت وانحرفت اتّجاه مظلم خطّه لها المستعمرون والطامعون الغاشمون الذين يقفون لأُمّتنا الإسلاميّة بالمرصاد، ويضعون في سبل الداعية من الحواجز والعراقيل ما يصعب عليه تجاوزها والتغلّب عليها.

١- التوبة ٩: ٤٢.

٩
إنّ المسلّم للحق لا يستهدف من وراء دعوته مكسباً مادياً أو هدفاً دنيوياً إلّا الثواب وأداء الواجب، وإنّ الهدف من هذا العمل الشاق هو بناء الأُمّة من جديد وإعادتها إلى مركزها القرآني الذي انحرفت عنه متجاهلة طريق النجاة.

عودةٌ إلى صدر الإسلام حين اختفى الرسول الأعظم’ في غار ثور والعيون الكثيرة منتشرة في الصحراء تبحث عنه بغية القضاء عليه، ولكنّ الله سيتمّ نوره، وصدق من قال: إنّ هذا الطريد سوف يصل في طريقه إلى عواصم الأكاسرة والقياصرة، ولسوف يغزو العالم المتحضّر كلّه محدثاً أعظم انقلاب في التاريخ.

أمّا المثبطون فإنّهم يقولون: إنّ هذا المتنبئ لمجنون، ولكن ما هو بمجنون، والله، إن هو إلّا ذكر للعالمين، ولتعلمنّ نبأه بعد حين.

السيّد ياسين المعيوف البدراني

١٠

١١

شرعية الامامة

١٢

١٣
شرعيّة الإمامة

شاءت حكمة الله سبحانه وتعالى أن ينظّم هذا الكون تنظيماً ربّانياً يسير بدقّة متناهية بلا خلل ولا نقص، ومن حكمته جلّ وعلا أن جعل البشرية تسير بنظم سماوية وتشريع ربّاني لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ثمّ جعل لهذه الأُمّة ولهذا التشريع قادةً وقيادةً من صفوة الخلق، طهرّهم الله من حبّ الدنيا وأرجاسها، ومنحهم العلم والمعرفة، فمنهم الأنبياء، ومنهم الأئمّة^، هؤلاء هم الذين يستحقّون أن يكونوا خلفاء على الخلق، وأمناء على الشرع، ومنهم نبيّ الله إبراهيم عليه السلام الذي خصّه الله بالنبوّة والإمامة يقول تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ﴾ (١).

لقد جعل الله سبحانه وتعالى إبراهيم عليه السلام نبيّاً، ثمّ خليلاً، ثمّ أعطاه مرتبة ثالثة، تشريفاً له وهي الإمامة لتكون في ذرّيته من بعده، فكانت في الرسول الكريم محمّد’ وفي آله، بدليل قولنا: اللّهم صلّى وسلم وبارك على محمّد، وآل محمّد، كما صلّيت، وباركت على إبراهيم ، وعلى آل إبراهيم، في العالمين، إنّك حميد مجيد.

لقد ربط الله الآل بالآل، آل إبراهيم بآل محمّد، والحكم دائماً يبدأ بالأهمّ، فالخليفة أهمّ من الخليقة ؛ لأنّ كلّ مجتمع وكلّ أُمّة تحتاج إلى

١- البقرة ٢: ١٢٤.

١٤
مرشد، فلابدّ وأن يكون ذلك المرشد أكمل وأشرف الخلائق في الطهارة والصفاء ورجحان العقل وقوّة الإيمان، ولن يتسنّى ذلك إلّا للمعصوم من عند الله، ويبطل اختيار من أدنى منه مرتبةً في الناس. قال تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ﴾ (١).

وهذا دليل واضح على أنّ الله سبحانه هو الذي يختار النبيّ والخليفة والإمام ؛ لأنّه أعلم بالناس من أنفسهم، ولمّا كانت الأُمّة بعد رسول الله في حاجةٍ ماسةٍ إلى إمام وقائد، فهل نضع هذه الإمامة والقيادة في غير الذين اختارهم الله ورسوله؟ هل ننتزع هذا الحقّ منهم وندع للناس اختيارهم؟

إنّ ذلك لعبثٌ وجهل، والناس لن يستطيعوا اختيار المعصوم وليس من حقّهم تبديله ؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى هو الذي اختاره.

قال الله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ﴾ (٢)، ويقول تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾ (٣).

ما أردت الكتابة عن حياة الإمام علي وسيرته وحقّه في الإمامة أو عن زهده وشجاعته وعلمه ؛ لأنّ مثل ذلك قد يعجز عنه الكلام، ويقصر دونه التدوين، لكنّني سألجأ إلى أسلوب علمي محاولاً الإفصاح عن معنى الإمام والخلافة.

الإمامة:

إذا لم تكن الإمامة من الدين فإنّه ليس لأحد الحقّ أن يدخل في الدين

١- ص ٣٨: ٢٦.

٢- القصص ٨: ٦٨.

٣- السجدة ٣٢: ٢٤.

١٥
ما ليس فيه، أمّا إذا كانت من الدين ونسكت عنها ونحاول إخفاءها بدوافعنا الدنيوية فإنّنا نكون بذلك قد خالفنا ما أمر به الله، وهو الذي أمر رسوله في بدء الرسالة أن يدعو عشيرته الأقربين من بني هاشم ليوسّع مدار الدعوة قائلاً سبحانه: ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ (١).

استجاب الرسول الكريم لأمر ربّه ودعا عشيرته الأقربين وهيّأ لهم الطعام، فحضر أربعون شخصاً من بني هاشم بادرهم الرسول الكريم بقوله: >يا بني عبد المطلب، إنّي والله ما أعلم شابّاً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا قد جئتكم به، إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أدعوكم إليه، فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم، قال: فأحجم القوم عنها جميعاً وقلت: وإنّي لأحدثهم سنّاً، وأرمصهم عيناً، وأعظمهم بطناً، وأحمشهم ساقاً، أنا يا نبيّ الله أكون وزيرك عليه، فأخذ برقبتي ثمّ قال: إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا<، أخرجه الطبري في تاريخه(٢)، ونحوه عن أحمد بن حنبل في مسنده(٣)، والنسائي في خصائصه(٤)، والثعلبي والطبري في تفسيريهما(٥)، وابن إسحاق في السيرة الحلبيّة(٦)، وابن الأثير في تاريخه(٧) و...

١- الشعراء ٢٦: ٢١٤ - ٢١٦.

٢- تاريخ الطبري ٢: ٦٣.

٣- مسند أحمد ١: ١٥٩.

٤- خصائص أمير المؤمنين: ٨٦ .

٥- الكشف والبيان ٧: ١٨٢، جامع البيان عن تأويل القرآن ١٩: ١٤٨ - ١٤٩ حديث٢٠٣٧٤.

٦- السيرة الحلبيّة ١: ٤٦٠ - ٤٦١.

٧- الكامل في التاريخ ٢: ٦٣.

١٦
ويعيد الرسول الكريم مكرّراً الدعوة إلى قومه فلا يجيبه منهم أحد إلّا صوت علي عليه السلام الذي لبّى الدعوة، وتعهّد بالمؤازرة والمناصرة، فيلتفت إليه’ قائلاً: >اجلس فأنت أخي ووصيي ووزيري ووارثي وخليفتي من بعدي<(١).

لقد كان عليٌ عليه السلام سند الدعوة وجدارها القوي الشامخ منذ تباشير فجرها، وبقيت عناية الله تحفّ بهذا الإمام والآيات تنزل بحقّه حتّى جاء الأمر الإلهي بدعوة الرسول إلى الحجّ (حجّة الوداع) يوم دعا الرسول الناس إلى الحجّ.

حتّى وصل عددهم إلى مائة وعشرين ألف صحابي، وبعد الحجّ وفي الرجوع إلى الأوطان أوقف الرسول الناس ليبلّغهم ما أنزل عليه من ربّه استجابة لنداء الله: ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴾ (٢).

فقال في معرض كلامه من خطبة حجّة الوداع: >ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟

قالوا: بلى يا رسول الله.

فأخذ بيد علي فقال: > من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللّهم والي من والاه، وعاد من عاداه، وأحبّ من أحبّه، وابغض من يبغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله<(٣).

فتقدّم أكثر الصحابة نحو علي بن أبي طالب عليه السلام ، وفيهم عمر بن

١- السيرة الحلبيّة ١: ٤٦١.

٢- المائدة ٥: ٦٧.

٣- مجمع الزوائد ٩: ١٠٥.

١٧
الخطاب، وخاطب أبا الحسن بقوله: بخٍ بخٍ لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كلّ مسلم(١).

ممّا تقدم نجد أن أبرز مقصود الولاية هي الخلافة، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ (٢).

نزلت هذه الآية الكريمة بحقّ الإمام علي عليه السلام مؤكّدة ولايته على المؤمنين بعد الله ورسوله أمّا آية: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ... ﴾ (٣)، فلم تنزل بعدها إلّا آية واحدة، وهي التي يقول فيها سبحانه وتعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ﴾ (٤).

فكان كمال الدين والتشريع في النبيّ الأُمّيّ محمّد صلى الله عليه و سلم وكان إتمام النعمة بوليّه وخليفته الإمام علي عليه السلام .

وقال الذين في قلوبهم مرض ؛ إنّما نزلت هذه الآية بمعنى إكمال الدين، وأمّا الإمامة بعد الرسول فهي لا تصحّ إلّا بالمشورة بين المسلمين مفسرين ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ﴾ (٥)، ثمّ ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ﴾ (٦)، بما ليست فيهما من معنى وهدف، مخالفين بذلك ما يريده وما دعا إليه الرسول’ دعوة

١- البداية والنهاية ٧: ٣٨٦.

٢- المائدة ٥: ٥٥.

٣- المائدة ٥: ٦٧.

٤- المائدة ٥: ٣.

٥- آل عمران ٣: ١٥٩.

٦- الشورى ٢٢: ٣٨.

١٨
واضحة في خطبة حجّة الوداع، بلى لقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ ﴾ ولكنّه أكملها بقوله: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ ﴾ .

لأنّ الله سبحانه وتعالى يعرف أنّ الرسول صلى الله عليه و سلم كامل بالوحي، ولا ينطق عن الهوى، وهو المؤيّد والمسدّد من الله، وإنّ خلافةً ينصّ عليها كتابُ الله، ويوضّحها رسوله صلى الله عليه و سلم لا تحتاج إلى بيعة الناس، والناس اختلفوا على قولين مشهورين: فريق قال: علي منصّب بنصّ إلهي، والرسول لا ينطق عن الهوى، والفريق الآخر قال: إنّ الخليفة هو أبو بكر باختيار أهل الشورى، فالفريقان يقرّان أنّه لا يجوز بقاء الأُمّة بدون خليفة أو إمام، فهل يمكن للناس أن يكونوا أحسن اختياراً من ربّ الناس ومن رسوله؟! قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ﴾ (١).

والله سبحانه هو الذي يحسن اختيار الأكثر تقىً وزهداً وعلماً والأكثر جهاداً والأسبق إلى الإسلام، وقد اتّفقت الأُمّة الإسلاميّة بمجموعها على أنّ علي عليه السلام دون غيره يمتلك كلّ هذه الصفات، وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه: > أعلم أمّتي من بعدي علي بن أبي طالب<(٢)، > أقضاهم علي<(٣)، >قد زوّجتك أقدمهم إسلاماً، وأعظمهم حلماً، وأحسنهم خلقاً< (٤).

فالإمامة أجلّ قدراً، وأعظم شأناً، وأعلى مكاناً، وأوسع جانباً من أن ينالها الناس بعقولهم وبالتالي أن يكون لهم الحقّ في تبديل اختيار الإمام بعد أن

١- القصص٢٨: ٦٨.

٢- المناقب للخوارزمي: ٨٢.

٣- سنن ابن ماجة ١: ٥٥.

٤- نظم درر السمطين: ١٨٧.

١٩
اختاره الله ورسوله. والإمامة عميقة عمق تاريخ الخليقة بدءاً من قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ (١).

وبعدها خصّ الله سبحانه نبيّه إبراهيم الخليل بعد الرسالة والنبوّة بالإمامة إذ قال تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ﴾ (٢).

لقد طلب إبراهيم عليه السلام من ربّه أن يجعلها في ذريته بقوله بلسان حال القرآن ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ ﴾ (٣).

فاستجاب له الرحمن: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ﴾ (٤).

وقد سنّ تعالى على أُمّة محمّد صلى الله عليه و سلم أن يقولوا في كلّ صلاة: >اللّهم صلِ على محمّد وعلى آل محمّد، كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد، اللّهم بارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد<(٥).

نجد في هذا الربط بين الآل والآل إشارة واضحة إلى الإمامة الحقيقية التي استمرت من ذريّة إبراهيم إلى ذريّة محمّد’ الذي قضى عمره وهو يوصي قائلاً: >مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من قومه من ركبها نجا ومن

١- البقرة ٢: ٣٠.

٢- البقرة ٢: ١٢٤.

٣- إبراهيم ١٤: ٣٥.

٤- الأنبياء ٢١: ٧٢ - ٧٣.

٥- صحيح البخاري ٤: ١١٩.

٢٠