×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

يا ليت قومي يعلمون / الصفحات: ٢٨١ - ٣٠٠

الإمام علي الرضا عليه السلام

إنّ أسمى ما نحرص عليه خلال رحلتنا الفكرية مع حياة أئمتنا الأطهار عليهم السلام هو أن نأخذ عنهم الفكر الإسلامي نقياً من منابعه الأصلية، وهم الأمناء على دين الله، وهم الذين قضوا حياتهم مجاهدين في سبيل الحفاظ على سلامة الفكر الإسلامي وخطه الرسالي من الانحراف والتشويش وتطهيره من الأدران التي يدسّها أعداء الدين.

إنّ حياة المعصومين الاثني عشر زاخرة بالحكمة والمعرفة والتبصّر وإن كان ما بلغنا عن بعضهم أكثر من البعض الآخر لا لفضل من أحدهم على غيره، وإنّما كان ذلك بسبب الفرص السانحة التي تسمح في أداء وبيان ما يقوم حقيقة الشريعة والعمل بها، وإنّ من أولئك الذين أتيحت لنا فرصة الاهتداء إلى المزيد من فضائلهم والاستعانة بسيرتهم الإمام علي الرضا بن الإمام موسى الكاظم‘، لقد كانت حياة هذا الإمام فتحاً جديداً في حياة الشيعة آنذاك حيث انطلقوا بأفكارهم وأعمالهم من مرحلة الكتمان إلى الظهور والإعلان، وسادوا جميع البلاد والأمصار ولم يبقى لهم معارض أبداً آنذاك.

نسبه: هو ابن الإمام موسى الكاظم بن جعفر بن محمّد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام .

والدته: هي أمّ ولد، واسمها تكتم، ويقال لها: خيزران المريسية وأمّ البنين

٢٨١
وسكن النوبية(١).

وقد اشترتها حميدة أمّ الإمام موسى الكاظم، وتربّت على يدها أفضل تربية، ثمّ أوصت ابنها موسى عليه السلام أن يأخذها زوجاً له وقالت: >يا بني إنّ تكتم جارية ما رأيت جارية قط أفضل منها، ولست أشكّ إنّ الله سيظهر نسلها إن كان لها نسل، وقد وهبتها لك فاستوص بها خيراً<(٢).

فتزوجها الإمام وولدت له الإمام الرضا عليه السلام ، وقد مدح الشاعر الإمام الرضا عليه السلام وذكر أنّ اسم أمّه تكتم:


لا إنّ خير الناس نفساً ووالداًورهطاً وأجداداً عليُّ المعظّمُ
أتتنا به للعلم والحلم ثامناًإماماً يؤدّي حجّة الله تكتم(٣)

وقد أشهد والده الإمام الكاظم عليه السلام جماعة على إمامة ابنه الإمام علي الرضا عليه السلام (٤) وذلك للاحتياط وحتّى لا يدعي الإمامة أحد ولو لزرع الفتنة والخلاف.

وكان مولده بالمدينة سنة ثمان وأربعين ومائة وقبض بطوس من أرض خراسان في صفر سنة ثلاث ومائتين، وله يومئذٍ خمس وخمسون سنة<(٥).

زوجاته: من زوجاته أم حبيب بنت الخليفة المأمون(٦)، وقد زوّجه إيّاها

١- روضة الواعظين: ٢٣٥.

٢- عيون أخبار الرضا ١: ٢٤، حديث٢.

٣- المصدر السابق: ٢٥.

٤- الكافي ١: ٣١٢، حديث٧.

٥- الإرشاد ٢: ٢٤٧.

٦- عيون أخبار الرضا ٢: ١٥٨ - ١٥٩، حديث١٩.

٢٨٢
يظهر عن طريق هذا الزواج أنّه مع أهل البيت.

كان الإمام الرضا عليه السلام بمثابة القرآن الناطق لأنّ القرآن معجزة الله لخلقه ييسره ربّنا لمن يستقيم عليه ويصبح غريباً عمن لا يطلع عليه. كان الإمام الرضا عليه السلام حجّة الله في الأرض يهتدي به من يتبعه ويضل عنه من يتركه ويركن إلى غيره.

لقد كان القرآن الكريم خلقاً لرسول الله’، وكان من ميزات الإمام الرضا أنّ له أذناً واعية وبصيرة مدركة لمعاني القرآن ذلك لأنّه جزء من أحد الثقلين، القرآن والعترة الطاهرة الذين كانوا مشكاة نور القرآن ومعدن الرسالة ومهبط الوحي، ولقد تمثّل النور بكلّ وجوده حتّى جاء في الحديث عن أبي ذكوان قال: >سمعت إبراهيم بن العباس يقول: إنّي ما رأيت الرضا عليه السلام سُئل عن شيء قط إلّا علمه، ولا رأيت أعلم منه بما كان من الزمان إلى وقته وعصره، وكان المأمون يمتحنه بالسؤال عن كلّ شيء فيجيب فيه، وكان كلامه كلّه وجوابه وتمثيله بآيات من القرآن<(١).

إمام أطاع الله حق طاعته طيلة حياته فأحبّه الله وأضاء قلبه بنور المعرفة والهداية وكان فرعاً طيباً نضيراً من الشجرة الطيبة التي أكرمها الله وبارك فيها لأمّة محمّد’ حيث يقول سبحانه وتعالى: ﴿ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ .

يقول اليسع بن حمزة: >كنت في مجلس أبي الحسن الرضا عليه السلام أحدثه وقد اجتمع إليه خلق كثير يسألونه عن الحلال والحرام إذ دخل عليه رجل

١- الأمالي للصدوق: ٧٥٨.

٢٨٣
طوال آدم فقال: السلام عليك يا ابن رسول الله رجل من محبيّك ومحبّي آبائك وأجدادك^ مصدري من الحج، وقد افتقدت نفقتي وما معي ما أبلغ مرحلة فإن رأيت أن تنهضني إلى بلدي ولله علي نعمة فإذا بلغت بلدي تصدّقت بالذي توليني عنك فلست موضع صدقة.

فقال له: أجلس رحمك الله وأقبل على الناس يحدّثهم حتّى تفرّقوا وبقي هو وسليمان الجعفري وخيثمة وأنا فقال: أتأذنون لي في الدخول؟ فقال له سليمان: قدّم الله أمرك، فقام فدخل الحجرة وبقي ساعة ثم خرج ورد الباب وأخرج يده من أعلى الباب وقال: أين الخراساني؟ فقال: ها أنا ذا، فقال: خذ هذه المائتي دينار واستعن بها في مؤونتك ونفقتك وتبرّك بها ولا تصدّق بها عنّي واخرج فلا أراك ولا تراني، ثم خرج.

فقال له سليمان: جعلت فداك لقد أجزلت ورحمت فلماذا سترت وجهك عنه؟ فقال: مخافة أن أرى ذلّ السؤال في وجهه لقضائي حاجته أما سمعت حديث رسول الله’: >المستتر بالحسنة يعدل سبعين حجّة، والمذيع بالسيئة مخذول، والمستتر بها مغفور له<.

كان علي بن يقطين أحد أتباع وتلامذة الإمام الكاظم عليه السلام وقد استطاع بكفاءته أن يصل إلى منصب الوزير الأوّل في حكومة العبّاسيين فراح يعمل جاهداً على مساعدة الكثير من أتباع أهل البيت بقضاء حاجاتهم وتيسير أمورهم أو بالزاد والنفقة من ماله الخاص.

لقد ساء حال الحكم العباسي في خلافة المأمون حيث واجهه أخطار كبيرة بسبب الثورات العلوية، وقد اضطرّ المأمون أن يفكّر في تدابير وإجراءات تساعده على الاحتفاظ بمكانته وعلى سلطانه الذي هو أعزّ ما

٢٨٤
بالوجود عنده وبما أنّه يخشى أن يخوض نزاعاً مسلحاً مع الثوار العلويين فقد عمد إلى أسلوب الدبلوماسية سواء مع الإمام أو مع الثورة الشعبية فأعلن البراءة من معاوية بن أبي سفيان وممن يذكره بخير(١)، معترفا بذلك أنّ الخلافة من بعد الرسول الكريم هي لعلي بن أبي طالب والأئمة من بعده وراح يخدع الناس ويمالئهم برغم مرارة هذا الدواء الذي هو مكره على شربه.

إنّه لم يهادن ولم يعترف بأحقية الإمام علي عليه السلام والأئمة من بعده عن قناعة وعن رضا ولكن كان ذلك لأنّه أحسّ بلسع لهيب نار الثورة الشعبية وهي تقترب من عرشه يوماً بعد يوم فعمد إلى إعطاء ولاية العهد للإمام الرضا عليه السلام وأمر الناس بالبيعة له من بعده مع أنّ الإمام عليه السلام ليس من أهله وذوي قرباه بل من أسرة رسول الله’ وهي الأعظم شأناً والأقوى خطراً عليه معترفاً للإمام بالإمارة على بني هاشم طرّاً عباسييهم وطالبييهم وكتب له الوثيقة التي أعلنها للناس وفيما يلي بعض من نصّ هذه الوثيقة: >وأمّا ما كنت أردته من البيعة لعلي بن موسى عليه السلام بعد استحقاق منه لها في نفسه، واختيار منّي له، فما كان ذلك منّي إلّا أن أكون الحاقن لدمائكم، والذائد عنكم باستدامة المودّة بيننا وبينهم، وهي الطريق أسلكها في إكرام آل أبي طالب ومواساتهم في الفيء يسير ما يصيبهم منه<(٢).

>حتّى قضى الله بالأمر إلينا فأخفناهم، وضيّقنا عليهم وقتلناهم أكثر من قتل بني أُميّة إيّاهم، ويحكم إنّ بني أميّة إنّما قتلوا منهم من سلّ سيفاً وإنّا معشر بني العباس قتلناهم جملاً فلتسألنّ أعظم الهاشمية بأيّ ذنب قتلت،

١- تاريخ الطبري ٧: ١٨٧.

٢- بحار الأنوار ٤٩: ٢١٣، حديث٣.

٢٨٥
ولتسألنّ نفوس ألقيت في دجلة والفرات، نفوس دفنت ببغداد والكوفة أحياء. وهيهات إنّه ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ (١).

سبب نقل مركز الخلافة إلى خراسان ذلك لأنّ يد المأمون كانت فارغة من بني أبيه ومن قوة البرامكة ومن العرب فلم يبقى له معين وأراد بنقلها إلى خراسان أن يوحي للناس أنّه يحبّ أهل البيت ومن يحبّونه، ويكره أعداء أهل البيت، ثم قدّم الدليل على إدعائه وتظاهره هذا أن أعطى ولاية العهد للإمام الرضا عليه السلام بعد أن استحضره من المدينة وأرغمه على القبول والرضوخ لهذا الأمر(٢)، محاولاً تهدئة الأوضاع منتظراً مجيء الوقت المناسب لكي يكيد له ويغدر به بعد أن استنفذ شتى الأساليب والحيل عمد إلى دسّ السمّ له عن طريق زبانيته اللئام(٣).

قال ابن السماك في الفقيد الكبير هذين البيتين بعد أن ألحدوه قبره:


مات الإمام المرتضى مسموماًوطوى الزمان فضائلاً وعلوماً
قد مات في الزوراء مظلوماًكما أضحى أبوه بكربلاء مظلوماً(٤)
وقال ابو فراس الحمداني شاعر زمانه:


يا جاهداً في مساويهم يكتِّمُهاغَدْرُ الرشيد بحيي كيف ينكتمُ
ليس الرشيد كموسى في القياس ولامأمونُكم كالرضا إن أنصف الحكمُ

١- الزلزلة ٩٩: ٧ - ٨.

٢- عيون أخبار الرضا× ٢: ١٥٠، حديث٢.

٣- الإرشاد ٢: ٢٧٠.

٤- حياة الإمام الرضا ٢: ٢٧٨ - ٢٧٩.

٢٨٦
ذاق الزبير ي غِبَّ الحنثِ وانكشفتعن ابن فاطمة الأقوال والتهمُ باؤوا بقتل الرضا من بعد بيعتهوابصروا بعض يوم رشدهم وعموا يا عُصْبةً شقيت من بعدما سعدتومعشراً هلكوا من بعد ما سلموا لبئسما لقيت منهم وإن بليتبجانب الطفّ تلك الأعظم الرممُ

٢٨٧

الإمام الجواد عليه السلام

الحمد لله الذي شرح صدورنا بمعارف القرآن ونوّر قلوبنا بضياء الفرقان وأرشدنا إلى معالم الإسلام وهدانا إلى متابعة السنن والأحكام وبعث الأنبياء ليبين عدله ونصّ الأوصياء ليظهر فضله ونشكره على جزيل نعمائه ونحمده على مزيد آلائه.

أما بعد فنحن معشر الفقراء إليه تعالى نقول: بعد أن مضى المصطفى صلى الله عليه وسلم وآله إلى جوار ربّه خلّف للمسلمين القرآن والعترة قائلاً: ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً وأمر الناس باتباعهما وقال: إنّهما لا يفترقان حتّى يردا عليَّ الحوض، وما زال يوصي بهما حتّى وافته المنية(١).

لقد خصّ الله سبحانه وتعالى بالفضائل أهل البيت ونزهّهم عن النقائص وأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ﴾ (٢).

١- انظر مسند أحمد ٣: ١٤ و١٧ و٢٦ و٥٩ وسنن الدارمي ٢: ٤٣٢ وفضائل الصحابة: ١٥ و٢٢ والمستدرك على الصحيحين ٣: ١٠٩ و١٤٨.

٢- الأحزاب ٣٣: ٣٣. نزلت في رسول الله’ وعلي وفاطمة والحسن والحسين^، وقد تواترت النصوص عليه من الفريقين: مسند أحمد ١: ٣٣١ و٣: ٢٥٩ و٢٨٥ و٤: ١٠٧ و٦: ٢٩٢ وصحيح مسلم ٧: ١٣٠ وسنن الترمذي ٥: ٣٠، حديث٣٢٥٨ وكمال الدين: ٢٧٤ - ٢٧٨، حديث٢٥ وفيه أنّ رسول الله’ قال لأم سلمة: >أنت على خيرٍ، إنّما أنزلت فيّ وفي أخي (علي) وفي ابني الحسن والحسين وفي تسعة من ولد ابني الحسين خاصّة ليس معنا أحد غيرنا<.

٢٨٨
وتدلّ هذه الآية الشريفة على أنّ أهل البيت مطهّرون من جميع الأرجاس، وهم صفوة عباده وخيرتهم الذين فرض مودّتهم على المسلمين بقوله تعالى: ﴿ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إلّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ﴾ (١).

فهم الشجرة الطيبة والغمامة الصبيبة، والعلم الزاخر، والبحر الذي ليس يدرك له آخر. إذا عدت الفضائل فهم بنوا نجدتها وإن ذكرت المعالي فهم بنوا بجدتها أو دارت الحرب فهم الأقطاب أو تحاورت المقاول فهم فصل الخطاب، ومن هذه العترة الطاهرة والشجرة الطيبة المباركة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء الإمام الطاهر >الجواد< عليه السلام ، وإنّنا نسوق الكلام هنا لإيضاح المركز الهام الذي رسمه الله سبحانه بتنصيب الإمام للمسلمين بعد الرسول الأعظم’.

ولنبيّن الأمر الثابت والحقيقي من خلال غربلة الأحداث التاريخية ودراستها دراسة موضوعية واعية لنستطيع السير بوعي كامل على نهج القرآن والعمل بالسنّة المطهرة، ولنكون أُمّة واحدة كالجسد الواحد تترسم خطى نبيها العظيم’ وتتبع الدستور القرآني النيّر ؛ لأنّ الظلم الذي حلّ بتاريخ الإسلام المشرق ونزل بساحة سنّة النبي العظيم، والأئمة المعصومين كان أفدح ظلم وأقبح عمل مرّ بتاريخ البشرية لأنّ الظالمين حالوا دون ظهور حقائق الإسلام، وعملوا على أن لا يتركوا موضع قدم للإمامة في حقّ الخلافة الإسلامية المنصوص عنها من قبل الله ورسوله كما قال سبحانه: ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ

١- الشورى ٤٢: ٢٣. نزلت في علي وفاطمة وأبنائهما، المعجم الكبير للطبراني ٣: ٤٧، حديث٢٦٤١.

٢- النساء ٤: ٥٤.

٢٨٩
وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ ﴾ (١).

حياة الإمام الجواد عليه السلام : ولد الإمام في شهر رمضان عام١٩٥ﻫ في المدينة المنورة وتوفي سنة٢٢٠ﻫ في بغداد(٢) بعد أن دسّ له الخليفة العباسي المعتصم السم في طعامه وقتله(٣).

والدته السيدة سبيكة النوبية(٤) ويقال إن الرضا عليه السلام سماها خيزران(٥).

في عقيدتنا الإمام الذي يختاره الله لكي يكون قدوة صالحة يقتضي أن يكون كاملاً من جميع الوجوه بعيداً عن النقص والعيب في الفكر أو الجسم، ويذكر أن الإمام الرضا عليه السلام كان قد بلغ السابعة والأربعين ولم يرزق بولد فشدّ ذلك انتباه الناس وحرّك الألسن بالقول إنّه عقيم لن يكون له ولد معتبرين إن هذا نقص في عدد الأئمة الاثنى عشر وراحت الحيرة بالناس حتّى >كتب ابن ياما إلى أبي الحسن عليه السلام كتاباً يقول فيه: كيف تكون إماماً وليس لك ولد؟! فأجابه أبو الحسن الرضا عليه السلام - شبه المغضب -: وما علمك أنّه لا يكون لي ولد؟! والله لا تمضي الأيّام والليالي حتّى يرزقني الله ولداً ذكراً يفرق به بين الحق والباطل<(٦).

أمّا أتباع الإمام المخلصون فكانوا يعيشون حالة انتظار وارتقاب؟

١- الأنعام ٦: ٨٩.

٢- الإرشاد ٢: ٢٧٣.

٣- تفسير العياشي ١: ٣١٩ - ٣٢٠، حديث١٠٩.

٤- الإرشاد ٢: ٢٧٣.

٥- تاج المواليد: ٥٢.

٦- الكافي ١: ٣٢٠، حديث٤.

٢٩٠
منتظرين مقدم المولود، وجاءت الليلة المباركة التي ولد فيها الإمام الجواد عليه السلام وقد قال والده فيه: >هذا المولود الذي لم يولد أعظم على شيعتنا بركة منه<(١) عندها ذهبت ادعاءات الواقفية أدراج الرياح وذابت ذوبان الملح في الموجة الهادرة.

>الواقفية: وهم كل من وقف في الإمامة على موسى بن جعفر عليه السلام وينكر موته ويدّعي أنّه قائم الأئمة عليهم السلام <(٢).

عاش الإمام الجواد عليه السلام طفلاً تحت رعاية والده الإمام الرضا عليه السلام كما يعيش الورد على كنف الينبوع فنهل من والده العلوم كلّها، وخصّته البركة الإلهية بالإيحاء القلبي النوراني الذي أعطاه الله لأئمة الهدى ليغدوا سيّداً وإماماً:


سبق الدهر كله في حيائهومشى الدهر خادماً من ورائه

عندما بلغ الإمام الجواد عليه السلام الخامس من عمره استدعى الخليفة العباسي المأمون الإمام الرضا إلى خراسان وأعلن للناس أنّه وليٌ لعهد الخلافة من بعده ذلك لأن المأمون أراد بذلك مآرب متعدّدة منها إخماد ثورات الذين يحبّون أهل البيت. ترك الإمام الرضا المدينة مرغماً مستجيباً لأمر الخليفة وتوجّه إلى خراسان تاركاً طفله الإمام الجواد الذي ارتقبته القلوب كثيراً، تركه وعمره خمس سنوات ولكن بعد أن غرس فيه كلّ ما يمكن غرسه، وكان هذا الولد من ضياء الله العجيبة علماً ومعرفة فهو مذ كان بهذا العمر والناس تحيط به وتسأله وتقرّ بإمامته بعد أبيه وراح والده يغذيه من خراسان عن طريق الرسائل

١- الإرشاد ٢: ٢٧٩.

٢- رياض المسائل ٩: ٣٢٥.

٢٩١
التي يقرأها الطفل بتبصّر وإمعان فيزداد بها علماً ومعرفةً في كلّ وجه من وجوه الدين والحياة، وكان من وصاياه في رسائله لابنه:

>يا أبا جعفر... فإذا ركبت فليكن معك ذهب وفضة ثم لا يسألك أحد شيئاً إلّا أعطيته... إنّي أريد بذلك أن يرفعك الله، فأنفق ولا تخش من ذي العرش اقتاراً<(١).

وكان والده يعدّه ويربيه وهو بعيد عنه في المدينة ثلاث سنوات حتّى قصد ذات الطفل المبارك الناس من كلّ حدب وصوب، يسألونه عن غوامض الأمور وأعقدها فيجيب بأسرع الإجابات وأحكمها، وكان العلماء يقفون حيارى أمام إجاباته فيتعلّمون منه ويبدون له كلّ تجلة واحترام.

زوّج المأمون بنته أم حبيب لوالد الجواد عليه السلام (٢) ليعلن للناس حبّه ومودّته لأصحاب أهل البيت، لكنّه عندما رأى شدّة افتتان الناس بالرضا ومحبّتهم له دسّ له السم في الطعام فقتله(٣). ثم انتقل إلى بغداد سنة٢٠٤ﻫ(٤)، والمأمون كان يتخوف من الإمام الجواد عليه السلام ومن حب الناس له كما تخوف من قبل من أبيه الرضا فاستدعاه من المدينة المنورة إلى بغداد حيث نظم له الخليفة هناك استقبالاً عظيماً محاولاً أن يستميل قلبه إليه وطلب إليه أن يزوجه ابنته الأخرى أم الفضل كما زوج أباه من إختها واعترض كثير من المنافقين من بني العباس قائلين: >إنّه صبيّ لا معرفة له ولا فقه، فأمهله ليتأدب ويتفقّه في

١- الكافي ٤: ٤٣، حديث٥.

٢- تاريخ الطبري ٧: ١٤٩.

٣- الإرشاد ٢: ٢٧٠.

٤- تاريخ الخلفاء: ٣٠٧.

٢٩٢
الدين ثمّ اصنع ما تراه بعد ذلك فقال لهم: ويحكم إنّني أعرف بهذا الفتى منكم، وإنّ هذا من أهل بيت علمهم من الله ومواده وإلهامه، لم يزل آباؤه أغنياء في علم الدين والأدب عن الرعايات الناقصة عن حدّ الكمال، فإن شئتم فامتحنوا أبا جعفر<(١).

فامتحنوه وعرفوا قدره ومكانته وتمّ زواجه بأمّ الفضل ابنة المأمون، لكنّه لم يطق البقاء في قصور بغداد حيث الترف واللهو والبذخ فعزم على الرحيل إلى المدينة المنوّرة.

دخل حسين المكاري عليه ببغداد فلمّا رأى طيب حاله قال في نفسه لا يرجع أبداً إلى موطنه، فقال: >خبز شعير وملح جريش وحرم الرسول أحبّ إلي مّما ترى<(٢).

وذهب إلى المدينة ليواصل فيها أداء مسؤولياته الخطيرة حيث أنشأ مدرسة فكرية فأتت جامعة لكل العلوم حتّى وفاة المأمون الذي استلم الخلافة من بعده المعتصم العبّاسي الذي أشخص الإمام من المدينة في مطلع عام٢٢٠ﻫ إلى بغداد(٣).

وكان المعتصم عارفاً بمحبّة الناس للإمام وأنّه خطر على ولايته فخبث ظنه وبدأ يفكّر في كيفية يقتل بها الإمام الجواد وأخيراً دسّ له السمّ في الطعام وقتله(٤). مطفئاً بذلك المشعل الوهّاج بظلم، تاركاً أمة الإسلام تندب وتبكي

١- الإرشاد ٢: ٢٨١ - ٢٨٤.

٢- الصراط المستقيم ٢: ٢٠٠، حديث٧.

٣- الإرشاد ٢: ٢٨٩.

٤- تفسير العياشي ١: ٣١٩ - ٣٣٢، حديث١٠٩.

٢٩٣
إمامها المقتول مثلما الأرض تبكي مغيب الشمس.

إمامته: مفهوم الإمامة في عقيدة الشيعة يختلف عنه عند الآخرين فهو يعني الخلافة المطلقة لشخص الرسول’ وعلومه ومعارفه ومؤهّلاته وصلاحياته ومسؤولياته (صورة كاملة للنبوة) بفارق واحد أن الإمام لا يوحى إليه بينما النبي يوحى إليه، فلا نبوة بدون وحي، ومع أنّ الإمام لا يوحى له إلّا أنّه صورةٌ كاملةٌ ولكن مصغّرة عن النبي، وكما تصحّ النبوة للصبي كذلك الإمام تصحّ للصبي فالعمر ليس مقياساً عند الله كما هو عند الناس، وليس الطاعن في السنّ هو العظيم دائماً، فربَّ شيخ بغيض عند ربّه، ورُبَّ طفل أو شاب محبوب عند بارئه، النية الصالحة والعمل الصالح هما المقياس الأول في منطق القرآن.

وقد بيّن سبحانه وتعالى للبشرية ما أدهشها عندما بعث الله يحيى نبياً وهو صبي، ليدرك الناس معنى النبوة، وأنّها ليست موهبةً عادية تتبع الشروط البيئية والتربوية وإنّما هي خرق للمألوف، خرق لسنّة الكون، ونداءٌ جديد ليس يشابهه نداء ﴿ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ﴾ (١).

عن صفوان بن يحيى أنّه قال: >قلت للرضا عليه السلام قد كنّا نسألك قبل أن يهب الله لك أبا جعفر فكنت تقول: >يهب الله لي غلاماً< فقد وهبه الله لك وقرّ عيوننا به، فلا أرانا الله يومك، فإن كان كون فإلى من؟ فأشار بيده إلى أبي جعفر - وهو قائم بين يديه - فقلت له: جعلت فداك، وهذا ابن ثلاث سنين قال: وما يضرّ من ذلك، قد قام عيسى بالحجّة وهو ابن أقل من ثلاث سنين<(٢).

١- مريم ١٩: ١٢.

٢- الإرشاد ٢: ٢٧٦.

٢٩٤
آية: ﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ﴾ (١).

بعض من أحاديثه:

>إيّاك ومصاحبة الشرير فإنّه كالسيف المسلول يحسن منظره ويقبح أثره<(٢).

>كفى بالمرء خيانة أن يكون أميناً للخونة<(٣).

>العلماء غرباء لكثرة الجهّال بينهم<(٤).

كيف يضيّع من الله كافله؟! وكيف ينجو من الله طالبه؟! ومن انقطع إلى غير الله وكّله الله إليه، ومن عمل على غير علم كان ما يفسد أكثر ممّا يصلح، القصد إلى الله تعالى بالقلوب أبلغ من إتعاب الجوارح بالأعمال، من أطاع هواه أعطى عدوه مناه، من هجر المداراة قاربه المكروه، ومن لم يعرف الموارد أعيته المصادر، ومن انقاد إلى الطمأنينة قبل الخبرة فقد عرض نفسه للتهلكة وللعاقبة المتعبة، ومن عتب من غير ارتياب أعتب من غير استعتاب، راكب الشهوات لا تستقال له عثرة<(٥).

>لا يضرّك سخط من رضاه الجور<(٦).

>العامل بالظلم والمعين له والراضي به شركاء<(٧).

١- القصص ٢٨: ٥.

٢- بحار الأنوار ٧١: ١٩٨، حديث٣٤.

٣- المصدر السابق ٧٢: ٣٨٠، حديث٤٢.

٤- كشف الغمة للأربلي ٣: ١٤١.

٥- بحار الأنوار ٧٥: ٣٦٣ - ٣٦٤، حديث٤.

٦- المصدر السابق: ٣٦٥، حديث٥.

٧- الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ٢: ١٠٥٥.

٢٩٥
>يوم العدل على الظالم أشدّ من يوم الجور على المظلوم<(١).

ومن وصايا الإمام عليه السلام يبدو بكلّ وضوح أنّه كان يعد أصحابه وأتباعه للعمل الرسالي في آنٍ معاً لكنه كان يحذّرهم من الإنسياق وراء الانفعال أو مجابهة التيار العنيف بالاستعداد الضعيف لئلا يخسر الموقف ويعطي فرصة الانتصار للخصم وكان دائماً يحث أصحابه على عدم الثرثرة ويوصيهم: >مقتل الرجل بين فكيه<(٢).

لقد أدى الإمام الجواد عليه السلام مهمّته الرسالية والسياسية في الحدود التي سمحت بها ظروف العسف والجور والطعام المسموم والسيف المسلّط، أداها بلا أيّ تخاذل أو جبن أو خوف أو ضعف أو خور.

١- المصدر السابق.

٢- المصدر السابق.

٢٩٦

الإمام الهادي عليه السلام

قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ﴾ (١).

لفظة ﴿ إِنَّمَا ﴾ هي من أقوى أدوات الحصر والتوكيد، وقد أكّدت إرادة الله سبحانه وتعالى في إذهاب الرجس من أهل البيت^ الذين هم أهل الكساء لا أهل القرابة والنساء. إنّ الله سبحانه وتعالى يعلم أنّ إرادة هؤلاء المطهّرين لا تجري إلّا وفق ما شرّعه لهم من أحكام وهم على ما هم فيه من الإمكانيات الذاتية والمواهب المكتسبة نتيجة لتربيتهم وفق تعاليم الشريعة وقد استوعبوا أحكامها علماً وخبرة، وهم الذين أفاض الباري عليهم من لطفه وتخصيصه فما يريدون لأنفسهم شيئاً من دنس الدنيا وشوائبها ومتاعها الغرور، وبهذا يتضح معنى اصطفاء الخالق جلّ وعلا لهم واختيارهم للقيام بحمل الرسالة المقدّسة. يقول سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ ﴾ (٢).

قال أبو نؤاس:


مطهرون نقياتٌ ثيابهمُتجري الصلاة عليهم أينما ذكروا

١- الأحزاب ٣٣: ٣٣.

٢- آل عمران ٣: ٣٣ - ٣٤.

٢٩٧
من لم يكن علوياً حين تنسبهفما له من قديم الدهر مفتخرُ فالله لما برى خلقاً فأتقنهصفّاكمُ واصطفاكم أيّها البشرُ وانتم الملأ الأعلى وعندكمُعلم الكتاب وما جاءت به السورُ(١)

إذا كانت العظمة هي قوة الإرادة وشرفها وردع النفس عن الهوى امتثالاً لأوامر الله فإنّ في هذه الآية الكريمة إشارة واضحة إلى العصمة التي نزلت بحقّ أهل البيت من اصطفاهم ربّهم لقيادة الدين والدنيا فهم أهل الكساء الذين دعا لهم رسول الله بعد أن جللّهم بكساء وقال: >اللّهم إنّ هؤلاء أهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً<.

ثمّ جاءت زوجه أم سلمة فرفعت الكساء محاولة أن تدخل معهم إلا أن الرسول الكريم’ جذبها قائلاً: إنّك إلى خير<(٢).

ونحن اليوم نستضيء باليسير من سيرة الإمام العاشر من أئمّة أهل البيت علي الهادي عليه السلام ابن الإمام محمّد الجواد عليه السلام .

ورث الإمام هذه القيادة الرشيدة من والده الجواد عليه السلام الذي انتهى إليه ميراث رسول الله’ بقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ ﴾ (٣).

وكذلك كان كلّ من استلم منصب الولاية الإلهية ميزاناً للحق وفرقاناً

١- عيون أخبار الرضا ٢: ١٥٥.

٢- مسند أحمد ٦: ٢٩٢ و٣٠٤. وانظر: سنن الترمذي ٥: ٢٩ - ٣٠، حديث٣٢٥٨ والمستدرك للحاكم ٢: ٤١٦ وكتاب سليم: ٢٠٠ وكمال الدين وتمام النعمة: ٢٧٤ - ٢٧٨، حديث٢٥.

٣- فاطر ٣٥: ٣٢.

٢٩٨
ونوراً يضيء للناس دروبهم إذا تشابهت عليهم المذاهب واختلفت عندهم السبل والآراء. تميّز الإمام الهادي عليه السلام بالقدرة على قيادة الخطّ الرسالي على جميع الأصعدة وذلك بالرغم من الإرهاب العباسي الذي كان قد توسّع في إيذائه لأهل البيت وخاصّةً في فترة الصراع الذي دار بين الأخوين الأمين والمأمون، وعندما أراد المأمون تزويج ابنته أم الفضل إلى الإمام الجواد والد الإمام الهادي ثارت ثائرة بني العباس وقالوا كيف تزوج صبيّاً في التاسعة من عمره وهؤلاء أعداؤنا ننشدك الله يا أمير المؤمنين أن تقيم على هذا الأمر الذي عزمت عليه فإنّا نخاف أن تخرج به عنا أمراً قد ملكنا إياه الله وتنزع منّا عزّاً قد لبسناه، وقد عرفت ما بيننا وبين هؤلاء القوم قديماً وحديثاً(١).

وراحوا يحاولون بكل الأساليب ويصبون حقدهم وحنقهم على أهل البيت وعلى الإمام الذي برز بعد أبيه، وكان الإمام الرضا عليه السلام ضحية لهذا الخلاف بين الأخوين من جهة وبين حقد المنافقين للسلطان من جهةٍ أخرى خوفاً على كراسيهم ومكانتهم، لا يمكن أن نعمد إلى تشخيص كلّ إمام على انفراد، وكذلك خطّ الإمامة وامتدادها في العمل ليس أمراً عفوياً ولا قضية يضعها يقنّنها الأتباع كما يصنع أفراد القبيلة في أعراف الزعامة المتوارثة، بل إنّه كان امتداداً وتتابعاً مرتبطاً باللطف الإلهي وبقضية الشريعة والأُمّة الإسلاميّة فكان كلّ إمام من خلال الظروف التي تحيط به يحاول بكلّ جهده أن يقوم بدوره وأن يكون محور الصراع ومركز الصدارة وموقع المرجعية والإمامة العلمية بحيث لم يكن ليجهلها أو ينكر عليهم ذلك أحد لا من الحكّام ولا من العلماء ولا حتّى من عامة الناس.

١- الاختصاص: ٩٨.

٢٩٩
فعلي بن أبي طالب والحسن والحسين عليهم السلام تحمّلوا دور الكفاح المسلّح والصراع السياسي المباشر من موقع الخلافة أمّا زين العابدين السجاد والباقر والصادق عليهم السلام فقد كانت مواقفهم ومهامّهم مختلفةً في بعض جوانبها عن آبائهم إذ اتجهوا نحو العلم والمعرفة فنشروا معارف الإسلام وبيّنوا للناس واجب الجهاد وفضيلته.

أمّا الإمام الكاظم والرضا والجواد عليهم السلام فقد كان دورهم السياسي أكثر وضوحاً ومثّلوا المرحلة الثانية من حياة أهل البيت^.

عودة إلى الإمام الهادي عليه السلام فقد بدأت إمامته وحياته السياسية في أواخر عهد المعتصم العباسي الذي تولّى الخلافة سنة٢١٨ﻫ وتوفى سنة٢٢٧ﻫ ونقل مركز خلافته إلى مدينة بناها على بعد١٢٠كم إلى الشمال من بغداد سمّاها سُرّ مَنْ رأى(١).

بعد المعتصم عاش الإمام الهادي عليه السلام في عهد ابنه الواثق بالله تولّى الخلافة في عام٢٢٧ﻫ وتوفي في نهاية عام٢٣٢ﻫ(٢).

هذه الفترة أو الفرصة سمحت للإمام أن يتفرّغ للعلم والتدريس وهو في سنّ الشباب رافعاً مشعل رسالته قائداً للناس في درب الحقّ والفضيلة بينما تتلاعب بالدولة الحاشية والقادة من الأتراك، وتمتلئ القصور بالجواري والمغنيّن وأجواء الفساد.

لقد اغتنم الإمام هذه الفرصة وركزّ كلّ جهوده على دور العلم واستطاع

١- تاريخ الخلفاء: ٣٣٤ - ٣٣٥.

٢- المصدر السابق: ٣٤٤.

٣٠٠