×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

يا ليت قومي يعلمون / الصفحات: ٣٠١ - ٣٢٠

بذلك أن يزرع الوعي والمعرفة الحقّة عند الناس، وأن يكتسب الكثير من الأتباع إلى أن جاء حكم الخليفة المتوكّل وقتل سنة٢٤٧ﻫ وقد كان أشدّ أهله عداوةً لأهل البيت فقد هدّم قبر السبط الشهيد الحسين بن علي عليه السلام سنة٢٣٢ﻫ وهدم ما حوله من الدور وأمر أن يعمل مزارع، ومنع زيارة قبره الشريف(١)، وأمر بسجن كلّ من يزوره ثمّ أمر بمنع العطاءات وقطع الحقوق عن أهل البيت من دون الناس جميعاً لعلّهم يموتون جوعاً.

وضيّق الحصار على الإمام علي الهادي عليه السلام وأمر بجلبه سنة٢٤٣ﻫ من المدينة إلى سامراء وبقي فيها إلى شهادته سنة٢٥٤ﻫ(٢).

>وإنّما أشخصه المتوكّل من مدينة رسول الله صل الله عليه وسلم لأن المتوكّل كان يبغض علياً وذرّيته فبلغه مقام علي [الهادي] بالمدينة وميل الناس إليه، فخاف منه، فدعا يحيى بن هرثمة وقال: اذهب إلى المدينة وانظر حاله وأشخصه إلينا.

قال يحيى: فذهبت إلى المدينة فلمّا دخلتها ضجّ أهلها ضجيجاً عظيماً ما سمع الناس مثله، خوفاً على عليّ، وقامت الدنيا على ساق ؛ لأنّه كان محسناً إليهم، ملازماً للمسجد، ولم يكن عنده ميل إلى الدنيا.

فلمّا قدمت به بغداد بدأت بإسحاق بن إبراهيم الطاهري - وكان والياً على بغداد فقال لي: يا يحيى، إنّ هذا الرجل قد ولده رسول الله صلى الله عليه وسلم والمتوكّل من تعلم، فإن حرّضته عليه قتله، وكان رسول الله صلى الله

١- المصدر السابق: ٣٤٧.

٢- الإرشاد ٢: ٣٠٩ - ٣١٢.

٣٠١
يا ليت قومي يعلمون » السيد ياسين المعيوف البدراني » (ص ٣٠١ - ص ٣٣٠)عليه وسلم خصمك يوم القيامة، فقلت: والله ما وقعت منه إلّا على أمر جميل...

فلمّا دخلت على المتوكّل فسألني عنه، فأخبرته بحسن سيرته ؛ وسلامة طريقته ؛ وورعه وزهادته، وإنّي فتشت داره فلم أجد فيها غير المصاحف وكتب العلم وإنّ أهل المدينة خافوا عليه، فأكرمه المتوكّل... وأنزله مدينة سُرّ مَن رأى<(١).

وفي سامراء قام العبّاسيون بتشديد الرقابة والتضييق على الإمام واتباعه وكانوا يهاجمون داره متّى شاؤوا متهمينه بوجود أسلحة في داره لكن العناية الإلهية كانت ترعى الإمام رغم أنوف الظالمين ورأس الفساد والفاسدين(٢).

وقتل المتوكّل سنة٢٤٧ﻫ ابنه المنتصر الذي خفّف الحصار عن العلويين وسمح بزيارة قبر الحسين عليه السلام وأعاد أرض فدك(٣).

وبعد وفاته٢٤٨ﻫ استلم المستعين بالله الذي كثرت في عهده الخلافات والفتن الداخلية والتي كان من نتيجتها فتح السجن الرهيب في سامراء وخروج المظلومين منه(٤).

كانت وفاة الإمام علي الهادي عليه السلام سنة٢٥٤ﻫ في داره التي دفن فيها(٥)، وله مزار شامخ هناك يأمّه الأحباب والأتباع زائرين ذاكرين حتّى يومنا هذا.

١- تذكرة الخواص ٢: ٤٩٣ - ٤٩٥.

٢- تذكرة الخواص ٢: ٤٩٦ - ٤٩٧.

٣- تاريخ الخلفاء: ٣٥٦ - ٣٥٧.

٤- المصدر السابق: ٣٥٨.

٥- الإرشاد ٢: ٣١١.

٣٠٢
والدته جارية اسمها سمانة المغربية(١) كانت من القانتات الصالحات، وأولاده كانوا أربعة من الذكور وبنت واحدة(٢).

مما تقدّم نرى أنّ طبيعة الحكم العبّاسي في سلوكيته وأخلاقيته وصلت إلى حالة من الخلافات والتدهور والانحطاط إلى درجة لم تصل إليها الفترات السابقة فالابن يقتل أباه من أجل الخلافة، والأخ يؤتى له برأس أخيه من أجلها كذلك، وعمّت الفتن والجرائم والفوضى وكان التخلّف هو الحالة العامة المسيطرة على عموم الناس، ولذلك كانت مهمّة الإمام الهادي عليه السلام مهمّة كبيرة وصعبة تحتاج إلى الذكاء والفطنة السياسية الحكيمة والإقدام الشجاع للتوجيه وإعادة الناس إلى الخطّ الرسالي الصحيح مثل الإمام في ذلك مثل كلّ الأئمّة من قبله في الحكمة السياسية والدعوة إلى الهدى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

١- بحار الأنوار ٥٠: ١١٤.

٢- الإرشاد ٢: ٣١١ - ٣١٢.

٣٠٣

الإمام الحسن العسكري عليه السلام

عندما تمرّ بنا ذكرى شهادة أو وفاة أحد الأئمّة الأطهار عليهم السلام نستذكر ونتذكّر مدى اتساع الفجوة بين حياتنا والحياة التي عاشها الرسول الأعظم’ وتجلّت فيها سيرته المصحوبة بالوحي الإلهي، وهو الذي قرن مع سيرته الشريفة سيرة أهل بيته، وإنّها لمصيبة كبرى أنّ الكثير منّا لا يعرف إلّا النزر اليسير عن حياة أهل البيت^ ولا يتمكّن من خلال مثل هذه المعرفة البسيطة أن يتبيّن الطريق السليم والصحيح وأن يأخذ بنهجهم القويم وإنّه لحاجز مضلّل وحجاب مظلم أن لا نعرف وأن لا نتبيّن من هم أهل البيت ثمّ ما هي صفات وسلوكيات وافتراءات أعدائهم أعداء الحقّ والشريعة والإنسانية.

في هذه الأسطر القليلة من سيرة الإمام الجليل الحادي عشر وأبي خاتم الأئمّة الإمام الحسن العسكري عليه السلام والذي هو والد الإمام المهدي عجل الله تعالى، في هذه السيرة نعيش.

ولادته: ولد الإمام الحسن العسكري عليه السلام سنة٢٣٢ﻫ في المدينة المنورة(١) لأبيه الإمام علي الهادي عليه السلام ولأم اسمها حديث(٢)، وبقي مع والده

١- الإرشاد ٢: ٣١٣.

٢- المصدر السابق.

٣٠٤
في المدينة أحد عشر سنة ثمّ رحل معه إلى العراق إلى مدينة سامراء حيث سكن في منطقة العسكر ؛ ولذلك غلب عليه اسم الحسن العسكري(١)، وكانت له ألقاب شريفة أخرى منها الهادي والسراج(٢).

كان للإمام الحسن عليه السلام أخٌ أكبر منه يسمّى محمّداً وكان عظيم الشأن وجليل المنزلة تتجه إليه أنظار أبناء الطائفة وترمقه ظنّاً من الناس أنّه هو الإمام من بعد والده، لكن الإمامة ليست في الأكبر أو الأصغر وإنّما هي اختيارٌ وقع من قبل باختيار من الله ورسوله إلى أبناء الرسول وبإشارات ربّانية تبيّن من هو الإمام وما هي الخصائص الدالّة عليه(٣).

كان الإمام علي الهادي عليه السلام يشير إلى خواصّ أصحابه وشيعته أنّ صاحب العهد من بعده هو ابنه الأصغر الحسن العسكري(٤) وبسبب وجود أخيه الأكبر محمّد وكرم شمائله داخل الناس بعض الريب لكن حكمة الله فوق كلّ شيء إذ توفّي الأخ الأكبر(٥) بعد فترة وجيزة عندها تنفّس الناس الصعداء وعرفوا أنّ كلام والده هو الحقّ عندما قال لهم أن العهد لابني الأصغر وهو إمامكم من بعدي(٦)، ودفن الابن الأكبر محمّد ما بين بغداد وسامراء وعلى مرقده هناك مزار كبير يزوره الناس متبركين ويطلبون بالبركة

١- علل الشرائع ١: ٢٤١، باب١٧٦.

٢- تاج المواليد: ٥٧.

٣- الكافي ١: ٣٢٧، حديث١٠.

٤- المصدر السابق: ٣٢٥، حديث١.

٥- المصدر السابق: ٣٢٦، حديث٤.

٦- انظر المصدر السابق: ٣٢٥ - ٣٢٦، حديث٢.

٣٠٥
حاجاتهم إلى الله وتأكد الناس من إمامة الأخ الأصغر الذي قال له أبوه كلمة مشهورة: >يا بني أحدث لله شكراً فقد أحدث فيك أمراً<(١).

يعني بذلك أن الله سبحانه وتعالى لم يكذّبه عندما أوصى بالإمامة إليه قبل أخيه الأكبر، وكتب الإمام لأصحابه ما يؤكدّ لهم فيه أن ابنه هذا هو الإمام من بعده، وهو الخلف الذي ينتهي إليه عرش الإمامة وأحكامها فإن أردتم شيئاً تحتاجونه فاسألوه يجبكم، واستلم الإمام مهامه الإلهية بعد وفاة والده سنة٢٥٤ﻫ وعاصر من الخلفاء العباسيين المعتز بالله بن المتوكّل (٢٥٢ﻫ - ٢٥٥ﻫ) ومن بعده المهتدي بن المتوكّل (٢٥٥ﻫ - ٢٥٦ﻫ) ثمّ المعتمد بالله (٢٥٦ﻫ - ٢٧٩ﻫ). الذي حكم ثلاثاً وعشرين سنة. أما وفاة الإمام فكانت سنة٢٦٠ﻫ حيث كان عمره ثماني وعشرين سنة(٢)، وهو في ريعان الشباب ولم تطل مدة إمامته إلّا لستّ سنوات.

تميّز هذا الإمام بحسن طلعته وجلالته وهيبته، وكان في نشاطه الرسالي كالبحر الزاخر، وله قصّة عجيبة مع الخليفة العباسي الذي أودعه السجن وأوكل به حرّاساً أشداء غلاظ القلوب وأوصاهم بالتضييق عليه إلّا أن رئيس الحرّاس جاء إلى الخليفة ذات يوم وقال له: إنّ أمر هذا الرجل لعجيب أنني بقدر ما أوصي الحراس في معاملته بقسوة والتضييق عليه لا أجد عندهم إلّا محبّته والإيمان به ولقد أصبحوا بسببه من العبّاد الزاهدين فجمعهم الخليفة وسألهم: ويحكم كيف أوصيكم أن تضيقوا عليه لكنكم تصبحون له أصحاباً؟ قالوا: ماذا نعمل وماذا نقول في رجل يصوم نهاره ويقوم ليله كلّه ولا يتكلّم

١- المصدر السابق: ٣٢٦، حديث٤ و٥.

٢- الإرشاد ٢: ٣١١.

٣٠٦
ولا يتشاغل بغير العبادة فإذا نظر إلينا ارتعدت فرائصنا وداخلنا منه مالا نملكه من أنفسنا، فتركهم الخليفة وشأنهم(١).

ومرة أخرى أوكل الخليفة للإمام أكثر حراسه شراسة وظلماً وسوء خلق وكان اسمه نحرير وكان يمتلك سباعاً في قفص فأراد إلقاء الإمام في وسطهن، وقالت له زوجته: يا نحرير اتق الله في هذا الرجل ولا تظلمه فإنك لا تعلم مكانته عند الله. أجابها نحرير: والله لألقينه للسباع وأمر زبانيته فألقوا بالإمام وسطهن وغادروه ثمّ رجعوا بعد فترة فوجدوه آمناً بين السباع وهو قائم يصلي(٢)، وهكذا قضى الإمام عليه السلام مدة من حياته في السجون أو تحت التهديد والإرهاب والتضييق والمراقبة الشديدة من حوله، ولقد زاد الطين بلة أي زادت نقمة الحاكمين عليه عندما شاع بين الناس أن المهدي المنتظر من سيهدي هذه الأمة هو من صلب هذا الإمام فسلكوا نفس سلوك فرعون مع بني إسرائيل عندما قيل له أنّه سيولد فيهم صبيٌ يكون زوال ملك فرعون على يده فأمر فرعون بقتل جميع الأولاد وأمر بالتفتيش عن النساء الحوامل ومراقبتهن ولقد قام جهاز الخلافة العباسي بنفس ما قام به فرعون وفي ذلك قال المولوي: هجمت نحو حصن الغيب كي تسد الدرب عن رجال الغيب.

إنّه لتفكير ضعيف ضحل أن يعدل الخليفة العباسي إلى الوقوف في وجه الإرادة الإلهية لأن الله سبحانه وبحكمته وقدرته قام بحماية زوج الإمام العسكري والدة الإمام المنتظر وكانت ولادته سراً رغم العديد من النساء الجاسوسات اللواتي يترددن إلى بيت الإمام حتّى أن الشكوك راودتهم مرة

١- انظر الكافي ١: ٥١٢، حديث٢٣.

٢- انظر المصدر السابق: ٥١٣، حديث٢٦.

٣٠٧
في أحدى الجواري وأنها حامل فأوقفوها سنتين كانت فيها تحت المراقبة ثمّ أطلقوا سراحها بعد ذلك عندما تبيّن لهم بطلان الحمل(١).

كان القتل عن طريق دس السم من أشهر وسائل الاغتيال عند السلاطين في ذلك العهد وخشيتهم وخوفهم من القادة العظام والمصلحين الكبار من أمثال الإمام فقد كانوا يعمدون إلى تصفيتهم والخلاص منهم بهذه الطريقة الغادرة وقد عمد المعتمد إلى قتل الإمام الشاب في ريعان شبابه (٢٨سنة) بدس السمّ له(٢) وتظاهر بالبراءة من دمه وبتكريمه وخوفاً من ثورة شعبية ضده أمر أقطاب السلطة أن يصلوا عليه وأن يكفنوه بالشكل الذي يليق بمكانته ثمّ كشف وجهه للناس ليشاهدوه محاولاً بذلك أن يزيل عنه تهمة قتله بالسم وقال أعوان السلطة لقد مات الحسن بن علي حتف أنفه(٣).

رحل الإمام عليه السلام ولكن بعد أن خلّف وراءه سيرة وضّاءة تهتدي بنورها الأجيال، ودفن في مقامه الشريف بمدينة سامراء عند قبر والده(٤)، أمّا المسلمون المؤمنون فسيظلون يتوافدون على ضريحه لزيارته والتبرّك به وإحياء ذكراه على مرّ الأجيال. فسلام الله وسلام الأبرار على أهل البيت يوم ولدوا ويوم استشهدوا ويوم يبعثون أحياء.

١- بحار الأنوار ٥٠: ٣٢٩.

٢- انظر أعلام الورى ٢: ١٣١.

٣- الكافي ١: ٥٠٥، حديث١.

٤- إعلام الورى ٢: ١٣١.

٣٠٨

من كلامه وأقواله:

>خير إخوانك من نسي ذنبك وذكر إحسانك إليه<(١).

>أضعف الأعداء كيداً من أظهر عداوته<(٢).

>جُعلت الخبائث في بيت والكذب مفاتيحها<(٣).

>من ركب ظهر الباطل نزل به دار الندامة<(٤).

>قلب الأحمق في فمه وفم الحكيم في قلبه<(٥).

>لا تكرم الرجل بما يشق عليه<(٦).

صراع أبدي بين الخير وأهله والحقّ وأهله وما بين الشرّ وأهله والشيطان وذويه، فبعدما قدّمت من سطور حول حياة الإمام عليه السلام ما الذي استطيع أن أقول فيه وفي أهله الأئمّة الأبرار وهم الذين أبعد الله تعالى عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، لن أقول إلّا أنني آمنت بكم أهل البيت وبخطّكم الرسالي وبأحقيّتكم في قيادة أُمّة الإسلام، ومهما دجت الظلمات فإن ّالله سبحانه مظهر نوره ولو كره الكافرون.

١- و٣ و٤ و٥بحار الأنوار ٧٥: ٣٧٩.

٢- و٣ و٤ و٥بحار الأنوار ٧٥: ٣٧٩.

٣- و٣ و٤ و٥بحار الأنوار ٧٥: ٣٧٩.

٤- و٣ و٤ و٥بحار الأنوار ٧٥: ٣٧٩.

٥- و٣ و٤ و٥بحار الأنوار ٧٥: ٣٧٩.

٦- تحف العقول: ٤٨٩.

٣٠٩

الإمام المهدي المنتظر عليه السلام

ليس في قضية المهدي عليه السلام أي خلاف بين مفكّري وعلماء الإسلام، بل إنّهم اتفقوا وإن اختلفت مفاهيمهم على التسليم بظهور المهدي(١)، وأنّه من أهل بيت النبوة(٢)، ومن ولد فاطمة(٣)، يدلّ على هذا حديث الرسول الكريم: > لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتّى يخرج فيه ولدي المهدي، فينزل روح الله عيسى بن مريم فيصلّي خلفه، وتشرق الأرض بنور ربّها، ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب<(٤).

تؤكّد هذه الفكرة الحقيقة القرآنية التي تؤكّد على أنّ الأرض يرثها عباد الله الصالحون ذلك بقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ﴾ (٦).

١- مسند أحمد ٣: ٢١.

٢- المصدر السابق ١: ٨٤.

٣- سنن ابن ماجة ٢: ١٣٦٨، حديث٤٠٨٦.

٤- كمال الدين: ٢٨٠، حديث٢٧، وانظر سنن أبي داود ٢: ٣٠٩، حديث٤٢٨٢.

٥- الأنبياء ٢١: ١٠٥.

٦- النور ٢٤: ٥٥.

٣١٠
هذه الحقائق تنسجم مع واقع إلهي رسمه الخالق البارئ للخليقة عندما وضعهم تحت الاختبار والابتلاء والتمحيص وأعطاهم نور العقل والمعرفة وحرّية العمل والعبادة، وهو سبحانه يعلم أنّ هذه الظروف سوف تفرز صراعاً دائماً بين الخير والشرّ وتبقى المعركة سجالاً بين خطّين خطّ الهدى وخطّ الأنبياء وخطّ الجاهلين الطغاة، ولكي تكون حجّة الله بالغة على عباده يظهر فيها عدله أنّه لن يعذّب أحداً إلّا بحقّ، فقد بعث لهم الرسل والأنبياء مزوّدين بالمناهج والمعجزات، وكان آخرهم وخاتمهم الرسول الأعظم’ الذي اختتم الله سبحانه وتعالى برسالته المحمّدية رسالات السماء، وهي قانون إلهي كلّه معجزات ولا يأتيه الباطل والتحريف من بين يديه ولا من خلفه فإذا ما عملت البشرية به وأدركت مراميه ومعجزاته فستنال سعادة الدنيا وسعادة الآخرة.

ارتحل النبيّ الكريم إلى الرفيق الأعلى بعد أن بيّن كلّ شيء، وبقي القرآن الكريم مؤكّداً على كلّ ما قاله وعمله رسول الله وحافظاً لسنته التي لا يمكن أن تخالف القرآن ونستقرىء في سيرة حياته’ كما نفهم من ثنايا القرآن الكريم أنّ الصراع باق أبداً بين الخير وأهله والشرّ وأهله، لكن الشرّ مهما انتصر فلابدّ ولا مناص من أن يتحقّق وعد الله الحقّ المتمثّل بظهور المهدي المنتظر عليه السلام محطماً أوثان الجهل والجاهلية وعروش الظلم والظالمين، وليملأ هذه الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن مُلئت ظلماً وجوراً، وسيكون هذا المصلح المبعوث المنتظر من ولد فاطمة بنت محمّد’ ومن ذريتها المباركة بإجماع المفسرين لقوله تعالى: ﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ﴾ (١).

١- القصص ٢٨: ٥.

٣١١
إنّ وراثة الأرض لابدّ وأن تكون للصالحين المجاهدين الذين استضعفوا من قبل الجبابرة الطغاة، ولابدّ أن تكون الغلبة في النهاية لمن يدافع عن الحقّ وأهله مؤمناً بما جاء به القرآن الكريم وبما بلغ عنه رسول الهدى.

إنّ الجهاد في صفّ المستضعفين والانتصار لحقّ أهل الحقّ هو واجب على كلّ مسلم مؤمن بظهور المنقذ، منقذ البشرية من الظلم والفساد، وحتّى يتحقّق ذلك يجب أن يبقى المسلم المؤمن في جاهزية تامة متسلّحاً بإيمانه وبفضيلته ريثما يلتحق بإمامه القادم المنتظر، مثله في ذلك مثل من يعلم أنّ حاكماً كبيراً سوف يأتي لزيارته فهو سيكون بانتظاره بأفضل اللباس واللياقة المناسبة اللائقة بالزائر العظيم، يقول الرسول’: >أفضل أعمال أُمّتي انتظار الفرج من اللهU<(١).

إنّ المسلمين لا يختلفون حول موضوع ظهور المهدي فهو أمر مسلّم به ولكن الاختلاف يدور حول هل أنّه سوف يلد ولادة في بعض العصور ويظهر كما أمره الله سبحانه، أم أنّه ولد في زمن سابق كما تقول شيعة أهل البيت مستندين في ذلك إلى أقوال الرسول المؤكّدة أنّه ابن الحسن العسكري الإمام الحادي عشر عليه السلام وأن الله قد غيّبه مرتين، وأنّه عاش فترةً وغاب أخرى، وكان يدعو الناس ويعلمهم أمور دينهم عن طريق رجال خاصين كانوا رسلاً بينه وبين الناس، فأيّ الرأيين هو الحقيقة؟ وفيه ما يقبله العقل والشرع: هل أنّه موجود بيننا ومغيّب، أم أنّه سوف يولد مستقبلاً؟ فإن كان سوف يولد مستقبلاً فهذه قضية لا تحتاج إلى نقاش أمّا الثانية فتحتاج إلى براهين وأدلّة.

١- كمال الدين: ٦٤٤، حديث٣.

٣١٢
حقيقة الظهور: إنّ الذي خلق الكون اللامحدود بكلّ ما فيه من عجائب وآلاء ومعجزات، وخلق السماوات والأرض وجعل فيها ملائكة يسبحون لا يسأمون ثمّ خلق الجنّ ومنهم فريق الشياطين الذين نصيبهم إغواء الناس وفتنتهم وجعل في هذا الكون ملايين القضايا الغيبية، وجعلنا نؤمن أنّ دعوة المظلوم تخترق السماوات وتقطع مليارات الأميال في لحظة واحدة، إذ ليس بينها وبين الله حجاب ثمّ جعلنا نؤمن بالوحي الذي ينزل على الأنبياء أسرع من الحسّ والإدراك ومن الفكر والحركة فكيف نقول أن هذا الأمر غير مقبول لا عقلاً ولا شرعاً؟!

إنّه إذا كانت القضية تتعلّق بطول العمر حتّى ألف أو ألف وخمسمائة سنة فهذا أمر لا يرفضه العلم ولا العقل ولا الشرع، لأنّ العلم في عصرنا هذا قد توصّل إلى تنمية الخلايا على صعيد الإنسان والحيوان والنبات وأعطاها ما يجعلها تعيش أكثر من العادي والمألوف، ويؤكّد العلم أنّ حياة الإنسان وإن كانت مرتبطة ببعض الأسباب كالهرم مثلاً فإنّ العلم يستطيع أن يمدّ في حياة الخلايا الجسدية، وأن يجدّدها لتستمرّ في البقاء مدّة أطول، وذلك بالأسلوب العلمي وبالأدوية اللازمة وبتنظيم الحياة في الغذاء والنوم والرياضة والعمل، أمّا أن نقول إنّ الزمن أو الوقت محدود بالنسبة للإنسان فهذا يخالف العقل والشرع ؛ لأنّ الذي يهلك نفسه يموت قبل أوانه، ولنأخذ مثلاً على ذلك حوادث السيارات أو التأثيرات والنتائج السلبية للدخان والخمر والمخدّرات والتخمة، فهذه كلّها عوامل تقصر في حياة الإنسان قال الإمام الصادق عليه السلام : >أبى الله أن يجري الأشياء إلّا بالأسباب فجعل لكل شيء سبباً<(١).

١- بصائر الدرجات: ٢٦، حديث٢.

٣١٣
النتيجة: إنّ من لا يؤمن بحقيقة الإمام الثاني عشر المنتظر يخالف رسول الله’ ويخالف القرآن الكريم ؛ لأنّ جميع كتب الصحاح تمتلئ بالروايات المتواترة والأحاديث المتضافرة على حقيقة ظهور المهدي، وإنّ الذين ينكرون هذه الحقيقة لا يصدرون في ذلك عن عقل ولا عن سندٍ شرائعي ولكنّهم وجدوا على ذلك أبائهم الأولين فاتّبعوا عقائدهم وسننهم وخضعوا لبيئتهم خضوعاً أعمى، أو لم يقل الرسول الكريم’: >لا تذهب الدنيا ولا تنقضي حتّى يملك رجلٌ من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي<(١).

والروايات تقول إنّ الغيبة الكبرى للإمام المهدي الذي يجدّد دين الله وسنة جدّه رسول الله قد انقطع فيها اتصال عن الأُمّة بعد أن أعلم بذلك وأوصى بالرجوع إلى الفقهاء بقوله عليه السلام : >وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنّهم حجّتي عليكم، وأنا حجّة الله عليهم<(٢) حتّى تتهيأ له ظروف الظهور وممارسة مهمة الإصلاح الإسلامي وإقامة دولة العدل الإلهي الكبرى على وجه الأرض بقيادة هذا الإمام الذي اختاره الله لأصعب الأدوار في الحياة، إنّه الإمام المنتظر ابن رسول الله وأن الأحاديث المتعلقة بذلك والواردة عن الرسول الكريم تؤكد الامتداد الطبيعي لدور آبائه الكرام وربطهم بهذه السلسلة وأنهم اثنا عشر خليفة(٣) كمثل قوله’: >إنّي تارك فيكم ما إنْ تمسكتم به لن تضلوا بعدي، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرّقا حتّى يردا عليّ الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما<(٤).

١- كنز العمّال ١٤: ٢٦٣، حديث٣٨٦٥٥.

٢- كمال الدين: ٤٨٤.

٣- صحيح مسلم ٦: ٣.

٤- إحياء الميت بفضائل أهل البيت للسيوطي: ٨ ، حديث٦ وانظر الحديث٧ و ٨.

٣١٤
وقوله’: >مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى<(١).

محنة الأُمّة الإسلاميّة في هذا الزمان هو أنها إما أن تصدق أن الأئمّة هم اثنا عشر وآخرهم هو المهدي المنتظر وإما أن تكذب وجود أهل البيت الذين أقرهم القرآن الكريم وعندما يكون إنكارهم للأئمة وللمهدي وللنص القرآني الشريف ويكون إخفاء الناس للحقيقة هو من أجل الدنيا وحياءً من الناس ومجاملة إذ كيف يخالفون ما شاهدوا عليه آبائهم الأولين كما بينا منذ قليل.

قصة: يقول كميل بن زياد تلميذ الإمام علي عليه السلام : أخذ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بيدي فأخرجني إلى ظهر الكوفة فلمّا أصحر تنفّس ثمّ قال: >يا كميل إنّ هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها، أحفظ عنّي ما أقول لك: الناس ثلاثة عالم ربّاني، ومتعلّم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كلّ ناعق، يميلون مع كلّ ريح...

ها إنّ ههنا - وأشار بيده إلى صدره - لعلماً جمّاً لو أصبت له حملة...

اللّهم بلى لا تخلو الأرض من قائم بحجّة إمّا ظاهر مشهور أو خائف مغمور لئلا تبطل حجج الله وبيّناته<(٢).

إنّ مسألة المهدي المنتظر من أكبر القضايا الإسلاميّة من حيث الأهمية والمكانة لأنّها تشكّل منعطفاً خطيراً بين الإيمان بغيبته وظهوره أو عدم الإيمان به وبعد وفاة والده العسكري ونظراً لأهمية مرحلة الاتصال بين الإمام المهدي

١- المستدرك على الصحيحين للحاكم ٢: ٣٤٣ و٣: ١٥١.

٢- كمال الدين: ٢٩٠ - ٢٩١.

٣١٥
وبين رسائله وسفرائه والاتصال الحسي والسري المنظم بهم والذي اتصف بالدقة والضبط التنظيمي فإنه كان يتصل بأربعة من سفراءه ويوصل من خلالهم الأوامر والتوجهات إلى إتباعه الذين كانوا يعيشون مرحلة السرية والكتمان ويعملون في ظل الاضطهاد والإرهاب السلطوي العباسي فإن هذا العلم يهيء لنا صورة واضحة حتّى نهيّئ أنفسنا لاستقباله وإقامة دولة المهدي الكبرى.

اللّهم اجعلنا ممن تشملهم رحمتك وعنايتك في الدنيا والآخرة.

اللّهم إنّما نقسم عليك بذاتك المقدّسة وبحقيقة أوليائك الكرام أن تجعلنا من الذين يليق بهم هذا الأمل الكبير وأنت أصدق الصادقين وأنت سبحانك من إذا أراد شيئاً قال له كن فيكون.

٣١٦

٣١٧

خاتمة

﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا ﴾ (١).

صدق الله العلي العظيم

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، ولا نتمسّك إلّا بحبله المتين، وصلّى الله على سيدنا محمّد وعلى آله وأصحابه الغرّ الميامين، وعلى أبنائه المطهّرين، الأئمّة الأخيار الذين وجبت ولايتهم ونصرتهم شرعاً، ويجب معرفة الإمام لقوله’: >من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية<(٢).

ذلك لأنّ الولاية هي نظام المجتمع في قاعدته وفي قمته، ولابدّ لكلّ مجتمع من عملية تجمّع يكون على رأسها قائد ولي تجتمع فيه شروط الولاية التي عرفناها عن طريق القرآن الكريم وعن طريق سنّة نبيه العظيم وأحاديثه الشريفة، أمّا في غير هذه الحالة الصحيحة فيصبح التجمّع غير شرعي ولا محكومٍ بحكم الله بل بحكم شياطين الأهواء ومردة المصالح.

ومع مرور الزمن السيئ والصعب بلياليه الحالكة السوداء وظروفه الخانقة

١- الفرقان ٢٥: ٢٧ - ٢٩.

٢- اكمال الدين: ٤٠٩، حديث٩ وانظر مسند أحمد ٤: ٩٦.

٣١٨
صار الناس يرون رؤيةً مشوهة، فيحسبون الحقّ باطلاً، والباطل حقّاً، وعمّ الخلط والتشويه في سيرة شيعة الأئمّة الأطهار، وبمرور الزمن أيضاً سوف تنعدم النعمة الإلهية عن هؤلاء الناس المشوِهين المشوَهين حتّى يأتي يوم يصبح فيه المسلم مقولباً مصنوعاً في مصانع الافتراءات، وفريسةً سهلة للأخطاء والضلالات، وهو - المسكين المغرور - ما يزال يظنّ أنّه هو المؤمن الحقيقي وهو التقي النقي الطاهر، بينما في واقعه بعيد كلّ البعد عن الخطّ الرسالي وطهره ونقائه، وإنّ مثل هذا المسلم المخدوع والمغرّر به مع أمثاله من مشايخه الجهلة اللاهثين وراء متاع الدنيا.

>ومنهم قوم نصّاب لا يقدرون على القدح فينا، يتعلّمون بعض علومنا الصحيحة فيتوجّهون عند شيعتنا وينتقصون [بنا] عند نصابنا ثمّ يضيفون إليه أضعافه وأضعاف أضعافه من الأكاذيب علينا التي نحن براء منها فيستقبله المستسلمون من شيعتنا على أنّه من علومنا فضلّوا وأضلّوهم وهم أضرّ على ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد على الحسين بن علي^ وأصحابه<(١).

جاء في مستدرك الصحيحين. وغيره من الصحاح والمسانيد: أنّ رسول الله’ قال: >مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق<(٢) صدق رسول الله’.

وجاء في صحيح الترمذي ورواية عمران بن معين، ومسند أحمد، وفي

١- تفسير الإمام العسكري: ٣٠١.

٢- المستدرك على الصحيحين ٢: ٣٤٣ والمعجم الأوسط ٥: ٣٥٥ و٦: ٨٥ والدر المنثور ٣: ٣٣٤ وانظر مجمع الزوائد ٩: ١٦٨ ونظم در السمطين: ٢٣٥ والجامع الصغير للسيوطي ١: ٣٧٣، حديث٢٤٤٢ وكنز العمال ١٢: ٩٤، حديث٣٤١٤٤.

٣١٩
الفضائل الخمسة والمحب الطبري أن رسول الله’ قال: >إن علياً مني، وأنا منه، وهو ولي كلّ مؤمن من بعدي<(١) صدق رسول الله’.

لقد استطاع شارب الخمر وخدين الجواري، وجليس القردة والمجرمين، يزيد بن معاوية أن يعيد كلّ ما في الجاهلية من معان بغيضة، وأن يمارسها ممارسةً عملية في ساحة كربلاء فأمر بقطع الرؤوس وحملها على الرماح، وأمر بسبي نساء آل بيت النبيّ، وأسر أطفاله، وسلب ما على جسد الحسين الطاهر من ثياب، ورضّ جسده والتمثيل به، بلى لقد قام ابن معاوية، وقائده المجرم المارق ابن زياد بكلّ هذا وبأكثر منه، وكلّ ذلك - يا ويليهم - زعموا أنّهم إنّما عملوه تنفيذاً لأوامر الله والقرآن، متخذين من الشريعة سلاحاً يقتلون به الشريعة، وفي ظلّ مثل هذا الإرهاب الذي لا حدود له، سقطت الكثير من الضمائر في سوق النخاسة الأموية، وقيل للكثيرين أنّ كلّ شيء قد انتهى، وأنّهم أراحوا واستراحوا من أهل البيت، وأنّ الساحة قد خلت من كلّ معارضة أو مقاومة، متجاهلين أنّ هذه الممارسات الظالمة الرعناء والبربرية النكراء كانت تحمل في طياتها وأعماقها نواةً ثورية، نواةً حيّة يريد لها سبحانه وتعالى أن تندثر وأن تموت، وأخذت النواة تكبر وتتعاظم حتّى أصبح دم سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام يغلي ويفور في قلوب المؤمنين وأرواح الأحرار والصادقين وصارت كربلاء علماً في رأسه النار التي يستهدي بها كلّ ثائر على الظلم والطغيان.

وأخيراً سوف تنتصر بإذن ربّها كربلاء الدماء والدموع والقلق والخوف

١- مسند أحمد ٤: ٤٣٨ وسنن الترمذي ٥: ٢٩٦، حديث٣٧٩٦ وفضائل الصحابة: ١٥.

٣٢٠