×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

يا ليت قومي يعلمون / الصفحات: ٦١ - ٨٠

٦١
يا ليت قومي يعلمون » السيد ياسين المعيوف البدراني » (ص ٦١ - ص ٩٠)

هجر القرآن

٦٢

٦٣

هجر القرآن

قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا ﴾ (١).

وقال سبحانه: ﴿ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾ (٢).

يتأثر الإنسان ويهتزّ ويشعر بالقشعريرة والإعجاب المعجز عند قراءته لهذه الآيات الكريمة، ثمّ يعتريه العجب وتصيبه الحيرة والذهول والأسى عندما يرى القسم الكبير من المسلمين على بعد شاسع من هذا الكتاب العظيم، مع أنّهم يقرؤونه آناء الليل وأطراف النهار ولا يقدّرونه حقّ قدره.

قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴾ (٣).

لقد أودع الله في كتابه الكريم من المنافع والخيرات والعظات والعبر ما لا يحيط به الواصفون، ولا يبلغ بعضه العادّون الذين يحاولون إدراك أسراره ومعجزاته.

ففيه شفاء للصدور، وبيان يزيل عمى الجهل، وحيرة الشكّ، لا تحصى عجائبه، ولا تبلى غرائبه، وإنّ من جعله إماماً وخُلقاً له قاده إلى الجنّة، ومن

١- النساء ٠٤: ١٧٤.

٢- هود ١١: ١.

٣- الإسراء ١٧: ٨٢.

٦٤
رمى به خلف ظهره ساقه إلى النار.

قال سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ (١).

في هذا الكتاب الكريم من الأدلّة الواضحة ما يلزم البشرية بالمتابعة لينقذهم من الجهل، والعقائد الفاسدة، والتقاليد الذميمة، وليهديهم إلى ينبوع الحقّ ﴿ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا ﴾ (٢).

إنّ هذا القرآن الكريم هو حبل الله المتين، والذكر الحكيم، والصراط المستقيم، الذي يدفع الأهواء والشبهات عن العلماء الذين يدركون محاسن أنواره التي لا يفقهها إلّا ذووا البصائر الجليّة، ولا تقطف لطيف ثماره إلّا الأيدي الزكية، ومنافع شفائه تنالها إن شاء الله الأنفس التقية.

قالت فاطمة الزهراء÷ بنت رسول الله في مسجد أبيها رسول الله’: >أنتم عباد الله نُصب أمره ونهيه، وحملة دينه ووحيه، وأمناء الله على أنفسكم، وبلغائه إلى الأمم، زعيم حقّ له فيكم، وعهد قدمه إليكم، وبقيةٌ استخلفها عليكم: كتاب الله الناطق، والقرآن الصادق، والنور الساطع، والضياء اللامع بيّنة بصائره، منكشفة سرائره منجلية ظواهره مغتبطة به أشياعه قائداً إلى الرضوان إتباعه مؤدٍ إلى النجاة استماعه...< (٣).

أخي الكريم - رعاك الله وهداك - إنّ هذا لنداءٌ من القرآن الكريم إلى

١- الحديد ٥٧: ٩.

٢- الإسراء ١٧: ٨٩.

٣- الاحتجاج ١: ١٣٣.

٦٥
العالم أجمع - على اختلاف المشارب والمذاهب - يلزمهم به ولاسيّما في عصر العلم والتحرر، والحذار الحذار من أن يتعلّق بك الشيطان فتتمسّك بدين الآباء وتشقى شقاءً أبديّاً، ثمّ تكون من الخالدين في النار.

إذاً القرآن الكريم هو القانون الإلهي الذي يعالج كلّ أبعاد القضايا في الحياة، والذي يخلّص البشرية من ألغام الدنيا. ومن ظلماتها، وإنّ من قرأه وتدبّره وعمل بمضمونه ينال شرف الدنيا والآخرة، لأنّه الرسالة التي لا يأتيها الباطل، ولا يعتريها التحريف والزيف، وهي رابطة الإنسان بربّه، وهي آخر وأعظم إطروحةٍ سماوية ومنهج ربّاني.

إنّ كلّ من لم يدرس القرآن الكريم دراسة صحيحة على يد علماءٍ عارفين بحقائقه ومضامينه فإنّه سيقع في الكثير من الشبهات التي تغيّر المفاهيم الحقيقية، لتحلّ محلّها مفاهيم مغلوطة تنمو في عقول البسطاء الذين ينعقون عن جهلٍ خلف كلّ ناعق، ويميلون مع كلّ ريح، منحرفين عن القرآن، ومبدعين بدعاً محرّمةً.

يقول تعالى: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ (١).

ويشكو الرسول الكريم’ من بعض قومه فيعيّر الحقّ سبحانه وتعالى من هذه الشكوى بقوله: ﴿ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ﴾ (٢).

أو ليست هذه الشكوى من الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم من الذين يقرؤون

١- محمّد ٤٧: ٢٤.

٢- الفرقان ٢٥: ٣٠.

٦٦
القرآن بهذرمةٍ خاوية ويتخذونه للمكاسب المادية بعد أن هجروا معاني القرآن الحقيقية وأهدافه الرسالية، ووجدوه ثقيلاً عليهم، فكان مثلهم مثل من يبرّ والديه بالجلوس إليهم فقط ثمّ لا يحترمهما ولا يعاملهما بإحسان ومعروف فهل هكذا يكون البرّ للوالدين؟!

مثل هؤلاء الناس إذا كانوا يريدون أن يجعلوا الإسلام مرحلةً تاريخية أو تحفةً أثرية يتواءمون معه بما يحقّق مصالحهم فنحن نرفض ذلك، لأنّنا نريد أن يكون القرآن الكريم هو بداية حياتنا بالأمس، وقضية جهادنا اليوم، ونظام وهدف مسيرتنا غداً نريده شعلةً من النور، تضيء الطريق لكلّ الشعوب المؤمنة.

وإذا كان هدف العلماء القشريين هو تمزيق المسلمين فرقاً وأحزاباً بدافع من قصر نظرهم وعدم فهمهم لمعاني القرآن الكريم، فنحن سنبقى مصرّين على الاعتصام بحبل الله المتين، ولن نعمد أبداً إلى سماعهم، والرجوع إلى جاهليتنا لنكون رهباناً في المساجد، بعيدين عن الفكر الحركي البنّاء، لن نقرأ القرآن بظاهره، مطربين على أنغامه الصوتية، راقصين عليها، متّخذين منها لهواً ولعباً مع الله سبحانه وتعالى، لأنّنا نرى أنّ الإسلام الحقّ هو غير ذلك هو الفهم الشمولي للقرآن الكريم، والعمل به، كما نرى أنّ الإسلام هو وعي بنّاء نحتمي بأسواره وحصونه المنيعة من الغزوات الثقافية الكافرة، ومن بعض جوانب الحضارة العصرية المدمّرة لكلّ القيم والأخلاق.

إنّنا نريد أن تهاجر نفوسنا إلى الله لنعبده عن إيمان، ولنخشاه عن بيّنة، نريد أن نكون كما يريد الله تعالى لنا أن نكون.

يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ

٦٧
يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ (١).

يجب أن نكون واعين لإسلامنا العظيم حقّ الوعي، وأن نرتبط بالقرآن الكريم ارتباطاً روحياً، فنعمل بأوامره، ولا نكتفي بالتعبّد الطقسي القشري الخاوي من الروح، ونمشي في الشوارع مطأطئي الرؤوس، مرتدين خرق التذلل لأنّ الإسلام الحنيف والقرآن الكريم يرفضان هذا ولا يقبلان به.

نأمل أن نكون من المؤمنين الذين يجهدون في حمل الصفاء والنقاء، وأن نعبّئ عقولنا ونفوسنا بالروح الثوريّة والفكر الحركي، لنكون دائماً جنوداً تحت الطلب، متأهبين متى ما دعتنا الحاجة للدفاع عن بيضة الإسلام، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ﴾ (٢)

من قوة الإيمان والعقيدة والفكر والاقتصاد وكلّ ما من شأنه أن يساهم في بناء الوحدة الإسلاميّة.

كيف نطمئن إلى أعمالنا:

كلّ إنسان لا يستطيع الانتفاع مع شيء إلّا بعد الإحاطة به ومعرفته، ولا يمكن معرفة وفهم الحياة إلّا بمعرفة الموت وفهمه، إذ أنّ هذه المعرفة تحدّد للإنسان موقفه المناسب من الحياة، إنّ الذي يعرف لذّة الماء يشعر بألم

١- التوبة ٩: ١١١ - ١١٢.

٢- الأنفال ٨: ٦٠.

٦٨
العطش، كذلك الذي لا يفهم أنّ الحياة فانية لن يفهم ولن يعرف الموت، وهل يطيب الطعام والشراب إلّا بعد الشعور بالجوع والعطش.

إنّ الكثير من الناس يتمنّون لو تسلّقوا سلّم المجد ليصبحوا من العظماء، يخلّدهم التاريخ، والكثير منهم خابت آمالهم، والكثير أيضاً حاول التغيير في واقعه السيئ من الحكاية، إلّا أنّهم فشلوا، فما الذي يا ترى منع أولئك الراغبين من الارتقاء والوصول إلى علوّ الهمّة وراحة الضمير؟ بلا شكّ أنّ هناك عوامل للنجاح، وأسباباً للفشل، وإنّ الإرادة عند الإنسان هي المسؤول الأوّل عن تغيير واقعه. ﴿ إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ (١).

وكلّ إنسان ينساق مع أهواء نفسه ويكون أمامها ضعيفاً تنغلق في وجهه أبواب الخير وطرق الفلاح.

تتلبس نفس الإنسان بثلاث حالات ذكرها القرآن الكريم، والله سبحانه وتعالى قد جعل الإنسان قادراً على محاسبة نفسه ليتبيّن طريقه إلى الخير أو الشر، مثله في ذلك مثل طبيب يفحص مريضاً ليشخّص الداء، وليصف له الدواء، وتتمّ المحاسبة داخلياً بين العبد وبين نفسه، والله سبحانه هو الشهيد العليم.

١) الأمارة بالسوء: وهي النفس التي غرق صاحبها في أضاليل الهوى، وفي أباطيل طاعة الشيطان، وظلام القلب، هي النفس التي لا يفرّق صاحبها بين الظلمة والنور، وبين الخير والشرّ، وبين الحقّ والباطل، مداوماً على سلوك الضلال والضياع.

١- الرعد ١٣: ١١.

٦٩
٢) النفس اللّوامة: وهي حالة وسط يتهادى صاحبها ما بين العبادة من جهة وما بين رضي غرائزه من جهة أخرى، وهو إنسان ضعيف الإرادة متخاذل ومتسوف ولا يملك إلّا أن يقول غداً سوف أعمل كذا وبعد غد سوف أقوم بكذا، وهي - أي اللوامة - محكمةً داخلية جعلها الله مانعاً للإنسان من إتيان القبيح، فهي تلومه وتؤلمه وتدقّ على باب قلبه وضميره لتبيّن له أخطاءه وآثامه، ولكن الإنسان يستجيب إلى داعي الهوى لهلاك نفسه في الوقت الذي تؤنبه النفس اللوامة وترتقي به إلى الشعور بعظمة العفّة والخير والصلاح، وهذه النفس في ذات الإنسان تتعامل مع الضمير الوجداني الذي فطر الله الإنسان عليه، مذكّرة إيّاه بمحكمة يوم الدينونة، أو ليس الذي خلق هذه النفس اللوامة في الإنسان هو الذي سينصب له محكمة يوم القيامة؟!

يقول تعالى: ﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﴾ (١).

٣- النفس المطمئنّة: وهي التي تسير على صراط العبوديّة، وتسكن إلى ربّها وترضى بما رضي به، والآنّ النفس المطمئنّة غارقة في الأعمال الجليلة والوصل الروحي غير فرحةٍ بما أتاها وغير آسفة على ما فاتها فهي لا تخشى سوء الخاتمة ولا تخاف الموت، تلك هي النفس المطمئنّة.

خرج بعض المؤمنين من بيته حزيناً لشدّة الجوع في سنةٍ من سنّي القحط والناس يتضوّرون مثله والحزن قد أضرّ بهم فلقي في طريقه غلاماً يعبث ويلعب ويضحك سروراً فسأله: ما يسّرك يا غلام وغيرك في وضع مؤلم والناس جياع؟ قال الصبي: إنّ خزينة مولاي ملأى بالطحين فأنا لستُ حزيناً قال الرجل: فخجلت

١- القيامة ٧٥: ١ - ٢.

٧٠
من نفسي أنّ غلاماً مطمئنّاً إلى خزائن مولى من البشر وأنا لم أطمئنّ إلى مولاي الذي بيده خزائن السماوات والأرض وهي ملأى بنعم لا تحصى.

والنفس المطمئنّة تملؤها السكينة والإيمان وروح المحبّة والشوق للقاء الله سبحانه وتعالى. وهي التي يأتيها نداء الرحمن ساعة الاحتضار عندما يكشف الله عن بصيرة صاحبها فيرى موقعه من الجنّة ورفقائه المخلصين وهم فيها منعّمون.

والقرآن الكريم حين ينادي النفس المطمئنة قائلاً: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ ﴾ (١)، فهو يعني مقرّ الراحة عند الربّ ذي الجلال والإكرام ﴿ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ﴾ (٢)، أي أدخلي إلى لقاء من تحبّين ومعه تؤنسين فكلّهم أنس وراحة وطمأنينة وغبطةٌ أبديّة، وكلّهم أقمار متلألئة قد أحاطها الباري بنوره.

الله سبحانه وتعالى يُهيّئ للمؤمن من يستقبله بما يليق به، ويجمعه مع من يرتاح إليه ولنضرب مثلاً على ذلك في زيارة رئيس أو ملك إلى إحدى المدن فيستقبلونه بالترحاب والاحترام.

إنّ الموت بالنسبة للمؤمن هو شميم الورد، وهو الماء القراح البارد، لأنّ ملك الموت يحمل إليه خطاباً مؤنساً من عند ربّه إذ يقول له: ﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ *ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً ﴾ (٣)، وتتراءى له رحاب الجنّة الخضراء، وحورها العين، وقصورها التي لا يدركها الوصف، مع أهل البيت^.

١- الفجر ٨٩: ٢٨.

٢- الفجر ٨٩: ٢٩.

٣- الفجر ٨٩: ٢٧ - ٢٨.

٧١
إنّ الأرواح العالية لا يتصل بها إلا صاحب النفس المطمئنّة، وفي هذه الدنيا جمال الشمس ونور القمر، وفي الآخرة لا شمس ولا قمر إلّا نور الإيمان ومحمّد وآل محمّد، فعليك أن تأخذ من نور دنياك لآخرتك.

﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ ﴾ (١).

إذن كيف يمكن للإنسان أن يصل إلى السكينة والطمأنينة وأن يتذوّق حلاوة المعرفة والإيمان وهو لم يعرف أيّ طريق يسلك في الإسلام الذي قد تعدّدت فيه السبل، ولم يعرف أيّ إمام يتّبع وعلى أيّ جهة يتعبّد؟!

إنّ الاطمئنان لا يتأتّى ولا يكون إلّا مع التقيّد بأوامر القرآن والسير على الصراط المستقيم في القرآن، بعيداً عن سيطرة الهوى أو التعصّب أو قانون العاطفة، لكي لا تتقاسمه وتتنازعه وتضلّه الأهواء المبهمة، والأقوال المصطنعة المزّيفة.

القرآن الكريم واضح كلّ الوضوح ومفهوم كلامه، وقد بيّن الله سبحانه وتعالى فيه سبل الهداية والقدوة الصالحة من النبيّين والخيرة المختارة من الصالحين، فهل يجوز وهل يصح أو يعقل أن نتّبع غير الذين اختارهم الله ورسوله وأيّدهم في قرآنه الكريم؟! وكيف نطمئنّ على أنفسنا من سوء الخاتمة ومن عذاب يوم شديد إذا خالفنا القرآن واتبعنا الهوى؟

١- الحديد ٥٧: ١٢ - ١٣.

٧٢

٧٣

ابحث عن الحق تجد اهله

٧٤

٧٥

ابحث عن الحقّ تجد أهله

لقد انبثق علينا الإسلام الحنيف من عمق الحياة بخطوط القدرة الخالقة من لدن حكيم عليم، وهو المدرسة الجامعة التي نتمسّك بها نجاةً وعلاجاً لكلّ جوانب الحياة ولكلّ حاجيات الإنسان الدنيوية والأخروية، الجسمية منها والروحية، الإسلام يرسم لنا بكلّ وضوح الأصول العقائدية الخمسة التي هي أساس مذهب أهل البيت^ وهي: العدل والتوحيد والنبوّة والإمامة والمعاد.

الإسلام لا يرى التقليد والتعبّد كافياً في ممارسة الأصول العقائدية التي ذكرناها، بل إنّه يوجب على كلّ فرد البحث عن صحّة هذه العقائد وبصورة مستقلّة بعيدةٍ عن العاطفة والتقليد الأعمى، ذلك لأنّ الإسلام لا يحصر العبادة بالعبادة البدنيّة كالصلاة والصوم أو العبادة الماليّة كالخمس والزكاة لأنّ هناك ما هو أعظم من هذا وهي العبادة الفكريّة التي تحثّ الإنسان وتطلب إليه التأمّل والتفكّر في آلاء الله سبحانه وتعالى، كما تحثّنا على وجوب الاستنتاج الفكري بحثاً عن الحقيقة ووصولاً إليها، ذلك لأنّ الأصول كلّها محورها التعقّل كالعدل والتوحيد والمعاد وبالتبعية النبوّة والإمامة، إن كتاب الله يحثّنا على أن نفكّر مخلصين في آلاء الله سبحانه كي نعرف العدل والتوحيد و...

قال تعالى: ﴿ فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ (١).

١- الأعراف ٧: ٦٩.

٧٦
لكن الراسخ في المجتمع وفي ترسبات الأجيال الحفاظ والدفاع عن العقائد المتوارثة، ذلك لأنّ العادة والتلقائيّة تؤثّر حتّى على ذوي الشهادات العالية وتجعلهم لا يسيرون إلّا على طريق الإتباع والتقليد المتوارث الأعمى، برغم أنّ القرآن الكريم نبّهنا وحذّرنا أن لا نقبل معتقدات ومفاهيم قديمة قبل عرضها على العقل وعلى قواعد القرآن الكريم، وقبل أن نتأمّل فيها بعمق وبفكر منفتح.

قال تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ ﴾ (١).

يقول كتاب الله العظيم إن التقليد الأعمى يوجب الشقاء الأبدي وبشكل خاص لأهل العلم.

وقال: ﴿ وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا ﴾ (٢).

إنّه من واجب الإنسان الواعي أن يجعل الفكر والتبصّر والتأمّل رائداً له في سلوك الطريق التي توصل إلى الحقّ سبحانه وتعالى، آخذاً بالعقائد الصحيحة، وتاركاً النزعات القبلية والعنصرية والقومية التي لا تولّد عنده إلّا القلق الدائم والخوف المستمر وعدم الاستقرار النفسي.

العلم والإيمان يكّمل أحدهما الآخر بحيث لا يمكن الفصل بينهما، ولو فصلنا لتسبّبنا في أضرار جسمية توقعنا بالخرافات والجمود الفكري والدوران في المكان حول النفس.

١- البقرة ٢: ١٧٠.

٢- الأحزاب ٣٣: ٦٧.

٧٧
يا إخوتي في مثل هذه الحال العقيمة المرّة التي نعيشها وسط مذاهب متعدّدة وطرق إسلاميّة شتّى لم لا نحاول البحث عن المذهب الحقيقي كي نتمسّك به؟

يقول الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام : >من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ<(١).

وعلى هذا فمن واجب المسلم أن يدرس وأن يتأمّل المذاهب المطروحة في الساحة الإسلاميّة ، وأن يعتمد على عقله وتفكيره، وعلى عوامل الاستدلال والاطمئنان المتوافرة لديه، وعند الاختلاف فإنّ الحقّ بيّن واضح لا يتعدّد ولا يأخذ مظهراً وصوراً واشكالاً شتّى، خلافاً لما يرى ويقول المصوّبة المغرضون.

يبدو أنّ هناك إشكالاً عميقاً يكمن في مناهج الدراسة في الجامعات والمعاهد الدينية، حيث تقتصر كلّ مؤسسة على تدريس اتجاه معيّن ونمطٍ واحد من العقائد والفقه والعلوم الدينية، متجاهلةً سائر الاتجاهات والمذاهب الأخرى، وإنّ الأنكى والأخطر من ذلك هو تعبئة الطلاب فكرياً ونفسياً ضدّ كلّ ما يخالف مذهب تلك المؤسسة ومنهجها، فيتخرّج طلاب هذه العلوم بفكر منغلق وعقلية ضيّقةٍ محدودة جاهلين الرأي الآخر ومنحازين بتعصّب أعمى ضدّ كلّ ما لا يوافق فكرهم.

إنّ احترام العالم يقاس بمدى احترامه للحقيقة، لأنّها ضالته أينما وجدت، وفي كتب الشيعة الإمامية اجتهادات قد لا يعرفها حتّى الخواص من علماء السنّة، ولو أنّهم اطلعوا عليها لقويت ثقتهم بالشيعة الإمامية، ولاحترموا علماء

١- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٨: ٤٠٤.

٧٨
المسلمين ومذاهبهم، ولقويت البواعث على تمهيد السبيل ووحدة الفكر والعقيدة بين الإخوة المؤمنين من حيث يريدون أو لا يريدون.

الحوار يولّد التقارب:

إنّ الله سبحانه وتعالى- وهو الخالق السيّد العظيم - لا يأنف أن يدخل مع عباده الضعفاء في حوار، وأن يجيب على تساؤلاتهم، وأن يشاركهم ويهديهم إلى حلّ إشكالاتهم، فهل يحقّ لأحد بعد ذلك أن يترفّع عن النقاش والحوار مع إخوانه في العقيدة؟

عندما يقول الكفّار والمشركون ويتقوّلون في نبوّة الرسول’ ويتهمونه بالكهانة والجنون مدعين أنّ القرآن لون من ألوان الشعر الذي نسجه محمّد، ثمّ نسبه إلى الله يردّ عليهم القرآن الكريم مستعرضاً ومناقشاً، ويدخل معهم في حواراً مثيراً للوجدان الفطري لتكون محكمة الإنسان الوجدانية الداخلية هي الحكم، وليبرز الضمير ليميّز بين الصحيح والكذب حيث يقول سبحانه: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ * أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ﴾ (١).

وقال تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ (٢).

الله سبحانه وتعالى جعل الاختلاف سبباً إلى التمحيص والاختبار لمن

١- الطور ٥٢: ٣٣ - ٣٥.

٢- هود ١١: ١١٨ - ١١٩.

٧٩
يريد أن يتمسّك بالحقيقة، وإنّ الصورة المثالية التي تتمنّاها لوحدة المسلمين يستحيل تحقيقها إلّا بوجود قيادة معصومة تخضع لها الأُمّة وتنفّذ أوامرها، لإنّها تمثّل قيادة الرسول الأعظم’ وما جاء به، ولكن أين هي هذه القيادة، إن القرآن الكريم لم يترك أمراً أو قضية تتعلّق بحياة الأُمّة إلّا ورسمها وأوضحها لنا، وقد بيّن الله سبحانه وتعالى القيادة المعصومة التي هي عدل القرآن، تلك التي خصّها ربّها بفضائل عديدة لم يخصّ بها غيرهم من العباد.

وسنبيّن للأخ القارئ عصمة هذه القيادة مفصّلاً في المواضيع التالية إن شاء الله تعالى.

٨٠