×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

القيم الاجتماعية / الصفحات: ٢١ - ٤٠

من النظام الاجتماعي القائم كالقيم والمعايير الاجتماعية. وتتيح دراسة الأفراد كوحدة أساسية في التحليل في المنهج التاريخي في فهم الأوضاع التي على أساسها يمكن أن نقوّم العلاقات الاجتماعية، وتسمح لنا بتقديم تفسير تاريخي للوقائع والأحداث، حيث قام الباحث بتطبيقه في بعض جوانب البحث(١).سابعاً: أدوات الدراسة:

استخدم الباحث تحليل المضمون كأداة لجمع البيانات ؛ وذلك لصعوبة دراسة موضوع البحث بطريقة مباشرة، وقد عرّف لازويل تحليل المضمون بأنّه: الوصف الدقيق والموضوعي لما يقال عن موضوع معين في وقت معين(٢). ويرى محمّد الجوهري ان تحليل المضمون هو طريقة تمكن عالم الاجتماع من ملاحظة سلوك الأفراد بطريقة غير مباشرة من خلال تحليله للأشياء(٣).

وترجع أهمّيّة تحليل المضمون بأنّه من خلال مادة الاتصال يمكن الكشف عن القيم والآراء والاتجاهات الثقافية التي تسود في المجتمع في الماضي والحاضر على السواء، ويمكن استخدامه في تصوير الأوضاع الاجتماعية والسياسية(٤).

ويرى بيرلسون أنّ هناك وحدات أساسية للتحليل:

١- ميشيل هيشتر، نظريه الاختيار العقلاني وعلم الاجتماع التاريخي، المجلة الدولية للعلوم الاجتماعية، اليونيسكو، القاهرة ١٩٨٢عدد١٣٣ ص٥٤ ـ ٥٦.

٢- سمير نعيم، المنهج العلمي في البحوث الاجتماعية، كلية الآداب – جامعة عين شمس، القاهرة، د.ت ص١٥٩.

٣- نادية سالم، إشكاليات تحليل المضمون، مجلة العلوم الاجتماعية، الكويت، ١٩٨٣، ص٤٥.

٤- فاروق أحمد مصطفى، محمّد عباس، (مرجع سبق ذكره) ص١٩٠

٢١
الكلمة: وهى تعتبر أصغر وحدة، وقد تشير إلى معنى رمزي له دلالة فكرية أو ثقافية.

الموضوع:وهو جملة أو أكثر تؤكد مفهوماً معيناً سياسياً أو اجتماعياً أو اقتصادياً.

الشخصية: يقصد بها الحصر الكمي لخصائص وسمات معينة ترسم شخصية معينه.

المفردة: وهى التي يستخدمها المصدر في نقل المعاني والأفكار(١).

وقد اعتمد الباحث في دراسته للتعرف على القيم من خلال تحليل المضمون الكيفي للجمل والكلمات والتي استخدمها الباحث كوحدات أساسية في التحليل حيث قام الباحث بتطبيق بعض الإجراءات منها:

١- تحديد العبارات والكلمات التي قد تكشف عن بعض القيم والميول.

٢- رصد وتحليل الأقوال والنصوص المكتوبة، والتي تظهر في شكل خطب أو رسائل لدى كلّ من السلطة الأموية، ولدى الإمام الحسين عليه السلام .

٣- الأفعال والمواقف الاجتماعية التي تعبّر عن وجهة نظر محدّدة إزاء قضايا مجتمعية معيّنة لدى الطرفين (السلطة الأموية، والإمام الحسين عليه السلام )، وذلك من أجل الكشف عن القيم والمعاني الكامنة ورائها، أو المتضمّنة فيها ؛ حيث يفترض الباحث أنّ خلف النصوص والأفعال والأقوال والمواقف قيم ومعاني معّينة.

ثامناً: مجتمع الدراسة والعينة:

يمثّل مجتمع الدراسة في هذا البحث بعض الخطب والرسائل، والأقوال، والأفعال التي تعكس بعض المواقف الاجتماعية لدى السلطة الأموية، والإمام

١- العساف صالح محمّد، المدخل إلى البحث في العلوم السلوكيّة، مكتبّة العبيكان، الرياض: ١٩٨٩ ص٢٣٥.

٢٢
الحسين عليه السلام ، والتي تضمنّت في الكتب التاريخية التي وصفت الواقعة وقد راعى الباحث في اختياره لمجتمع الدراسة الحياد وعدم الانحياز ؛ حيث اعتمد على المصادر التاريخية الموثوق منها لدى أهل السنّة والجماعة، واعتمد أيضاً على بعض الكتابات التاريخية ذات المصادر الشيعية بقدر قليل للغاية، والمتوافقة مع المصادر التاريخية للسنّة، وليس ذلك لعدم مصداقية أو وثوقية هذه المصادر، وإنّما أراد الباحث إلّا يُتّهم بانحيازه في اختيار مجتمع البحث والعينة، ولذا استعان بمصادر أهل الشيعة لتأكيد ووصف الأحداث المتضمّنة في كتب الاتجاه السنّي.

وقد اختار الباحث عينة غير عشوائية بالطريقة العمدية ؛ لأنّها الأفضل في تمثيل مجتمع البحث ؛ ولأنّ الباحث وجد من الصعوبة حصر وتحليل كافّة الخطب والرسائل حيث هناك العديد من الخطب والرسائل غير معروفة أو مجهولة، أو أنّها مشكوك فيها، ولذا اختار الباحث منهجياً العينة القصدية ؛ لأنّها تخدم هدف البحث وتجيب على تساؤلاته.وقد مثّلت العينة في:

١- بعض الرسائل المتبادلة بين أفراد السلطة الأموية فيما بينهم، والتي تحدّد الموقف من الإمام الحسين عليه السلام .

٢- بعض الرسائل المتبادلة بين السلطة الأموية وبين الإمام الحسين عليه السلام ذات الصلة بالموقف.

٣- بعض الخطب والأقوال التي قيلت لتدعيم وتبرير مواقف معيّنة سواء لدى السلطة الأموية أو عند الإمام الحسين عليه السلام ، والتي تعكس بعض القيم لدى كلّ منهما.

٤- بعض الأفعال والممارسات العملية التي قام بها كلّ من السلطة الأموية (الجيش مثلا)، والإمام الحسين عليه السلام خلال ثورة كربلاء.

٢٣

تاسعاً: مفاهيم الدراسة:

يعتبر المفهوم هو الوسيلة الرمزية التي يستعين بها الباحث للتعبير عن المعاني والأفكار المختلفة التي يرغب في توصيلها إلى الآخرين(١).

ويختلف العديد من الباحثين في تحديد مفاهيم البحث، وقد يرجع ذلك إلى اختلاف النظريات أو الأيديولوجيات التي يتبنّاها الباحثون، أو للخصوصية التاريخية للمجتمعات التي يعيش فيها الباحثون. وفي هذه الدراسة تتحدّد مفاهيم الدراسة في: القيم ـ الثورة ـ السلطة ؛ حيث نتناول في الفقرات التالية أهمّ التعريفات المختلفة التي تصدّى لها علماء الاجتماع لهذه المفاهيم، ثمّ يقوم الباحث بوضع التعريفات الإجرائية للمفاهيم المختلفة.

١) القيم:

يعتبر مفهوم القيم من المفاهيم التي يصعب أن نجد لها تعريفاً جامعاً مانعاً ؛ حيث تعدّدت التعريفات من قبل علماء الاجتماع لهذا المفهوم، وقد يرجع ذلك إلى العديد من الأسباب، يمكن إيجازها في: اختلاف الأيديولوجيات التي ينطلق منها الباحثون، خصوصية المجتمع التي يتواجد فيه الباحثون، دراسة القيم ليست قاصرة على علم معيّن كعلم الاجتماع مثلاً، وإنّما يشترك في دراستها العديد من العلوم الأخرى كالفلسفة، والتاريخ، والاقتصاد، وعلم النفس، والأنثربولوجيا.وذلك يحتم دراسة القيم دراسة تكاملية، ونعرض لما يلي التعريفات المختلفة لمفهوم القيم.

تعرّف موسوعة ويكيبديا القيم على أنّها: خاصية أو نوعية إيجابية كانت أو

١- فاروق أحمد مصطفى، محمّد عبّاس إبراهيم (مرجع سبق ذكره): ص٢٤.

٢٤
سلبية تتمثّل في الأشياء المرغوبة أو غير المرغوبة.

أفكار مجرّدة بشأن اعتقادات الناس في المجتمع حول ما هو حق أو مرغوب فيه أو ما يمثّل الصواب.

قبول بعض الأفراد والجماعات لبعض الأفكار التي يمكن أن توصف بأنّها مثالية أو كلاسيكية أو محافظة.

مبادئ وقواعد معيارية جديرة بالاهتمام، ومرغوب فيها من قبل الفرد الذي يحملها أو يتصف بها.

والقيم في قاموس علم الاجتماع هي:تصور أو إدراك صريحاً كان أو ضمنياً يحدّد ما هو مرغوب فيه، بحيث يسمح للأفراد بالاختيار بين الأساليب المتغيّرة للسلوك، والوسائل، والأهداف الخاصّة بالفعل(١).

ويرى دوركايم أنّ القيم هي: محدّدات أخلاقية لأنماط السلوك الصادرة من المجتمع وتصوّراته والتي يلتزم بها الفرد في مختلف أنماط سلوكه(٢).

والقيم عند جون زود روزنى عبارة عن:موقف أو مبدأ أو غرض معيّن، يعتبره الفرد أو الجماعة مرغوباً فيه وصواباً(٣).

ويرى فلوريان زنانيكي أنّ القيم هي: موضوعات الفعل الاجتماعي ذات

١- محمّد عاطف غيث، قاموس علم الاجتماع، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية: ١٩٧٩ ص٥٠٦.

٢- زيدان عبد الباقي، علم الاجتماع الديني، دار غريب للطباعة والنشر، القاهرة ١٩٨١ ص١٣٠

٣- عبد الباسط عبد المعطي، صراع القيم وآثاره في بناء الأسرة ووظائفها ـ بالتطبيق على عينتين من الريف والحضر، رسالة ماجستير، إشراف مصطفى الخشّاب، جامعة القاهرة: ١٩٦٩ ص٦٧

٢٥
المعنى، وذات الطابع الحسّي والروحي، والتي لها دلالاتها المعيارية الموجبة والسالبة(١).

ويرى ماكس شيللر أنّ القيم: مجموعة من الأفعال أو المعاني المقصودة التي توجد في عقول الأفراد والتي يمكن إدراكها من خلال عملية الوعي والتجربة(٢).

التعريف الإجرائي للقيم:

القيم: هي عبارة عن المبادئ والأفكار,والأفعال المقصودة التي يقوم بها الفرد أو الجماعة في المواقف الاجتماعية المختلفة، والتي تمثّل معنى بالنسبة لهم، وتصبح معياراً للحكم على الأشياء.

٢) السلطة:

تعدّدت التعريفات لمفهوم السلطة: حيث تشير الموسوعة الفلسفية إلى السلطة باعتبارها النفوذ المعترف به كلّياً لفرد معيّن أو لتنظيم أو لنسق مستمدّ من خصائص معيّنة، أو من خدمات معيّنة مؤدّاة، والسلطة قد تكون أخلاقية، أو سياسية، أو اقتصادية، أو دينية(٣).

ويعرّفها كامل زهيري في الموسوعة الاشتراكية على أنّها: القدرة على فرض إرادات ما على إرادة أخرى حيث تمثّل الدولة السلطة القهرية التي تعلو سلطة أي فرد أو جماعة أخرى في المجتمع، وفرض الإرادة يتمّ إمّا بوسائل القهر

١- صلاح قنصوة، نظرية القيمة في الفكر المعاصر، دار الثقافة للنشر والتوزيع القاهرة: ١٩٨٧ ص٩٠.

٢- سمير نعيم، النظرية في علم الاجتماع، د.ن، شبين الكوم، ١٩٨١، ص٢٣٣.

٣- م.روزنتال، ب.بودين، الموسوعة الفلسفية، دار الطليعة بيروت، ترجمة سمير كرم، ١٩٨٧ص٢٤٨ ـ ٢٤٩.

٢٦
والظلم وإمّا بوسائل الإقناع(١).

والسلطة في الفكر الماركسي هي: سيطرة الطبقة الحاكمة (الأقلية) على الطبقات والجماعات الأخرى (الأغلبية) في المجتمع، وإخضاعها لها بهدف تحقيق مصالحها الطبقية التي حصلت عليها جرّاء استغلالها للطبقات الأخرى، وذلك من خلال امتلاكها لأدوات القسر المادّي كالجيش والشرطة، والمؤسّسات الأخرى، والتي تمكّنها من إحكام قبضتها على البناء العلوي في المجتمع(٢).

والسلطة عند ماكس فيبر:هي قدرة الفرد أو مجموعة من الأفراد على تحقيق إراداتهم حتّى ولو كان ذلك على حساب إرادة الآخرين وضدّ رغباتهم.

ويرى أنتوني جيدنز أنّ السلطة: هي قدرة الأفراد على إحداث تغييرات في حالة قائمة بالفعل أو إحداث تغييرات في مجريات الأحداث.

ويشير مان إلى السلطة باعتبار أنّها: القدرة على متابعة الأهداف وتنفيذها(٣).

ويشير ميشيل فوكو إلى السلطة على اعتبار أنّها: فعل وعلاقة تمارس بين طرفين، وتتجسّد هذه العلاقة في إستراتيجية تحدّد نطاق كلّ فعل، وتحثّ الأفراد على القيام أو الامتناع بممارسات معيّنة، والسلطة لا تكون سلطة ما لم تواجه

١- كامل زهيرى وآخرون، الموسوعة الاشتراكية، دار الهلال، القاهرة: د.ت، ص٢٨٢.

٢- كمال صلاح محمّد، السلطة في الفكريين الإسلامي والماركسي ـ دراسة مقارنة، دار النهضة العربية، القاهرة: ١٩٨٧، ص٧٦

٣- باري هندس، خطابات السلطة من هوبز إلى فوكو، ترجمه ميرفت ياقوت، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة: ١٩٨٧، ص٣٩ ـ ٤٥).

٢٧
ردّ فعل سلطة أخرى مضادّة له(١).

والسلطة تمثّل البيئة الكلّية للأفعال، والتي تؤثّر على أفعال الأفراد الأحرار، وهي تتضمّن الأدوات، والإجراءات، والأساليب التي يمكن أن تؤثّر على أفعال الآخرين.

التعريف الإجرائي للسلطة:

يقصد الباحث بمفهوم السلطة، أيّ: قوى اجتماعية معيّنة عملت على تحقيق أهدافها ومصالحها الخاصّة، والتي تعارضت مع أهداف الأغلبية في المجتمع، وتمتلك من وسائل الإكراه والقسر أو الإقناع ما يجعلها تحقّق أهدافها بصرف النظر عن أهداف ومصالح الأغلبية، وتتمثّل هذه القوى في الحكّام، والجيش، والشرطة، ورؤساء القبائل والعشائر، ورجال الدين.

٣) الثورة:

أشار قاموس ليتسريه (Littre) إلى مفهوم الثورة على أساس أنّها :التغيير المباغت والعنيف لسياسة الدولة، وطريقة حكمها.

وعرّفت موسوعة ويكبيديا الثورة: بأنّها مصطلح سياسي، هدفه التخلّص من الوضع القائم سواء إلى وضع أفضل أو أسوأ منه، وقد تكون الثورة شعبية، أو انقلاباً، أو حركة مقاومة(٢).

١- أشرف منصور، إستراتيجية السلطة وتكتيك الأقلية، مجلة تحدّيات ثقافية، دار تحدّيات ثقافية للنشر والتوزيع، الإسكندرية، العدد السابع: ٢٠٠٢، ص٣٥.

٢- بول فينيا، أزمة المعرفة التاريخية ـ فوكو ثورة في المنهج ـ ترجمة إبراهيم فتحي، دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، القاهرة ١٩٩٣، ص١٤٥.

٢٨
وعرّفت موسوعة المعرفة الثورة: على أنّها مصطلح يستخدم في سياقات ومعانٍ عديدة فقد تكون إشارة إلى تحوّلات جذرية وأساسية في البنى الاجتماعية والسياسية، أو إلى إشارة إلى تغيرات تحدث عن طريق العنف والانقلابات أو إلى تغييرات أساسية في حقول العلم والمعرفة كالثورة الصناعية أو الثقافية(١).

ويرى البعض: أنّ الثورة تعني قلب المبادئ، أو التغير الفجائي للطبقة الحاكمة، أو الانقلابات في البناء السياسي والتكنيك أو الانتقال الجمعي للثروات، أو تغيرات في السلوك والعادات(٢).

١- شبكه الإنترنت، متاح على موقع: www.alsabaah.com/paper .

٢- جاستون بول، تاريخ علم الاجتماع ـ ترجمة عاطف غيث، وعبّاس الشربيني، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة: ١٩٦٣، ص١٤٤.

٢٩

الفصل الثاني الاتّجاهات النظرية المفسّرة للقيم

٣٠

٣١
القيم الاجتماعي » محمد احمد محمود ابراهيم » (ص ٣١ - ص ٦٠)

الاتّجاهات النظرية المفسّرة للقيم

مفهوم النظرية:

يختلف العديد من علماء الاجتماع في تعريف <النظرية> وتحديدها:

يقدّم لنا ج. جيب تعريفاً للنظرية على أساس أنّها <مجموعة من الأحكام المترابطة ترابطاً منهجياً في شكل تأكيدات تجريبية عن خصائص وفئات غير محدّدة من الأحداث أو الأشياء>.

ويرى هيج أنّ النظرية هي <مجموعة من القضايا أو الأحكام النظرية>.

أمّا رينولدز يعرّف النظرية بأنّها: <عبارة عن أحكام مجرّدة تعتبر جزءاً من المعرفة العلمية سواء أكانت مجموعة من القوانين أو البديهيات أو صيغ عمليات عليّة>.

ويقدّم لنا ستنشكومب تعريفاً آخرَ ويقول أنّ النظرية هي <القدرة على إبداع التفسيرات> (١).

ويرى عبد الباسط حسن أنّ النظرية: عبارة عن إطار فكري يفسّر مجموعة من الحقائق العلمية , ومجموعة من القضايا تتوافر فيها شروط متعدّدة من أهمّها : أن تكون القضايا مستندة إلى أفكار محدّدة، وأن تكون القضايا متسقة الواحدة مع الأخرى, وأن تكون القضايا المكوّنة للنظريات ذات فائدة

١- جراهام كينولوتش ـ تمهيد في النظرية الاجتماعيةـ ترجمه محمّد سعيد فرح ـ دار المعرفة الجامعية – الإسكندرية: ٢٠٠١، ص٢١.

٣٢
بحيث يمكن أن تقود الباحثين إلى مزيد من الملاحظات والتعميمات لتوسيع نطاق المعرفة(١)(٢).

وهي عند سمير نعيم: <نسق من المعرفة المعمّمة تفسّر الجوانب المختلفة للواقع>(٣).

وترجع أهمّيّة النظريات عموماً أنّها تقوم بتوجيه الباحثين وإرشادهم عند جمعهم لوقائع جديدة، حيث تضمّ النظرية الوقائع التي تم اكتشافها وتربط بينها، وتضفي عليها معنى، وتخرج منها بمجموعة من التعميمات العامة المترابطة، مما يسهم في إثراء النظرية وتطويرها، وتقوم النظرية بتفسير الظواهر الاجتماعية كتفسير البني الاجتماعية، تفسير خصائص الفعل الإنساني(٤).

ويرى الباحث أنّه من خلال استقرائه للعديد من الدراسات التي تناولت موضوع القيم سواء بشكل مباشر أو غير مباشر أن هناك العديد من الاتّجاهات النظرية الكلاسيكية والمعاصرة، التي عالجت موضوع القيم، وإن اختلفت المنطلقات الفكرية والأيديولوجية لكلّ اتّجاه نظري، حيث أن هناك إسهامات نظرية عديدة حاولت تفسير وتحليل ظاهرة القيم الاجتماعية كالاتّجاه العضوي والبنائية الوظيفية، والاتّجاه الماركسي والاتّجاه الصراعي، والاتّجاه الفيمونولوجي. وبالتالي سوف يقوم الباحث بعرض هذه الاتّجاهات:

١- عبد الباسط حسن , أصول البحث الاجتماعي , القاهرة , مكتبة وهبة, ط١٢, ١٩٩٨ م , ص ٤٩.

٢- سمير نعيم، النظرية في علم الاجتماع ـ جامعة عين شمس – القاهرة: ١٩٧٧ص٤٧.

٣- سمير نعيم، (المرجع السابق): ص٢٩.

٤- ايان كريب، النظرية الاجتماعية من بارسونز إلى هابرماس، عالم المعرفة، عدد٢٤٤، الكويت، ص٤٦.

٣٣

النظريات الهامّة التي حاولت تفسير القيم

أوّلا: الاتّجاه العضوي ـ البنائية الوظيفية:

تعود جذور الاتجاه العضوي ـ إلى فلسفة عصر التنوير، ويقوم هذا لاتّجاه على مسلّمة المماثلة العضوية، حيث يشبه المجتمع الكائن الحيّ بما له من الأجزاء والأعضاء، والتي لها وظائف معيّنة تتكامل وتتناسق مع وظائف الأجزاء الأخرى، بهدف تحقيق استقرار المجتمع واستمراريته(١).ومن هنا كان هدف أنصار هذا الاتّجاه هو الحفاظ على النظام الاجتماعي السائد، ومن أهمّ المنظّرين الاجتماعين لهذا الاتّجاه: أوجست كونت، هربرت سبنسر، امييل دوركايم ويمثّل اتّجاه البنائية الوظيفية رؤية معاصرة للمدخل العضوي، واستمدّت النظرية البنائية الوظيفية أصولها من الاتّجاه الوظيفي في علم النفس، وخاصّة النظرية الجشطلتية، ومن الوظيفية الإنثروبولوجية كما تبدو في أعمال <مالينوفسكي وراد كليف براون، ومن التيّارات الوظيفية القديمة والحديثة في علم الاجتماع , وهي التيّارات التي تبلورت بشكل واضح في ميدان دراسة الأنساق الاجتماعية عند <تالكوت بارسونز(٢).

وقد اعتمدت البنائية الوظيفية أيضاً على مسلمة المماثلة العضوية التي تقوم

١- شادية قناوي، المشكلات الاجتماعية وإشكالية اغتراب علم الاجتماع رؤية من العالم الثالث، جامعة عين شمس، القاهرة: د.ت ص٤٦.

٢- سناء الخولي، الأسرة والحياة العائلية، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية: ٢٠٠٣، ص١٤٢.

٣٤
على فكرة النسق حيث ينظر إلى المجتمع (الأفراد ـ التنظيمات الاجتماعية ـ العالم) على أساس أنّه نسق يتكوّن من عدد من الأجزاء المترابطة، فالفرد مثلا يتكوّن من مختلف الأعضاء والأجهزة كالجهاز الدوري والجهاز الهضمي، كذلك المجتمع يتكوّن من عدد من الأنساق كالنسق السياسي والنسق الاقتصادي والنسق الديني... ولكلّ نسق احتياجاته الضرورية التي يجب إشباعها وإلّا فإنّ النسق سوف يفنى أو يتغيّر تغيّراً جوهرياً، ولابدّ أن يكون النسق دائماً في حالة توازن من خلال إشباع النسق لاحتياجاته. وكلّ جزء من أجزاء النسق قد يكون وظيفياً، أي: يسهم في تحقيق توازن النسق واستقراره وتكيّفه أو يكون معوقاً وظيفياً أي: يعمل على عدم توازن واستقرار النسق(١).

ينظر الاتّجاه العضوي ـ البنائية الوظيفية إلى القيم الاجتماعية على أنّها أحد جوانب النسق الاجتماعي التي تتفاعل وتتساند مع باقي عناصر النسق بما يساعد توازن المجتمع واستقراره، وبالتالي يتحقّق التوازن الاجتماعي للجماعة ككلّ(٢). وأي اختلالات أو تغييرات في نسق القيم يتبعه تغييرات في عناصر النسق الأخرى, وبالتالي يتعيّن على الأفراد المحافظة على نسق القيم السائد في المجتمع، وهو ما جعل أمييل دوركايم يؤكّد على أنّ القيم تماثل كلّ الظواهر الإنسانية، فهي من صنع المجتمع, وهي تصدر عن اتفاق اجتماعي(٣).

وكونها من صنع المجتمع، لذا فهي تتميّز بالعمومية والجبرية، ولها قوة الإلزام

١- سمير نعيم، (مرجع سبق ذكره): ص ١٨٨، ١٨٩.

٢- محمّد عباس إبراهيم، التنمية والعشوائيات الحضرية، اتّجاهات نظرية وبحوث تطبيقية، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، ٢٠٠٣، ص٢٨٤.

٣- جان بول رزفبر, فلسفة القيم , ترجمه عادل العوا, بيروت, عويدات للنشر والطباعة: ٢٠٠١, ص ٢٦.

٣٥
حيث يقوم المجتمع على إجبار الأفراد وقهرهم على تبنّي قيم معيّنة، ولا يمكن للأفراد التحرّر من القيم المفروضة عليهم من المجتمع برفضها أو التمرد عليها(١) ؛ لأن ذلك سوف يؤدّي إلى اختلال النسق الاجتماعي الباعث على حدوث المشكلات الاجتماعية.

ويرتكز أي نسق على قيم ومعايير، تشكّل مع الفاعلين الآخرين جزءاً من بيئة الفاعلين، وهدف كلّ فاعل هو الحصول على أقصى درجة من الإشباع (بارسونز) وإذا ما دخل الفاعل في تفاعل مع الآخرين وحصل من خلاله على الإشباع فإنّ هذا الفعل سوف يتكرّر حتّى يتوقع الفاعلون استجابات معيّنة من بعضهم البعض، وبمرور الوقت سوف يتشكّل بينهم قواعد ومعايير اجتماعية مع قيم متفق عليها، وتكون هذه القيم ضماناً لاستمرار تلك الاستجابات(٢).

فالقيم والمعايير والأطر الثقافية بوجه عام هي الأكثر أهمّية، لما لها من القدرة على إحداث عملية الضبط الاجتماعي من ناحية، وتضمن للبناء الاجتماعي استقراره وتوازنه واستمراره وتكيّفه ؛ حيث يكون المجتمع - كما يرى بارسونز- هو أحد أنساق الفعل(٣).

ويؤكّد الاتّجاه العضوي ـ البنائية الوظيفية على اعتبار المجتمع هو الموجّه الأساسي لسلوك الأفراد وتفاعلاتهم وقيمهم ؛ إذ يمثّل المجتمع المتغيّر المستقلّ،

١- فاطمة القليني، قيم التنشئة الاجتماعية كما تعكسها قصص وحكايات الأطفال، رسالة دكتوراه، جامعة القاهرة، ص٥٥.

٢- ايان كريب (مرجع سبق ذكره): ص٧١.

٣- أحمد زايد، التحولات الاجتماعية وقيم العمل في المجتمع القطري، مركز الوثائق والدراسات الإنسانية قطر: ١٩٩٤، ص٩٤.

٣٦
بينما يمثّل الفرد المتغيّر التابع الذي يستلزم عليه أن يتبع إرادة المجتمع أو الجماعات أو اتّباع نسق القيم والمعايير الاجتماعية التي سبق وإن اتّفق عليها أعضاء المجتمع، فالفرد في هذا الاتّجاه عنصر سلبي غير قادر على تغيير حياته أو تغيير الواقع أو تبنّي قيم اجتماعية جديدة تعمل على تطوير الواقع وتغيره إن كان سلبياً(١).

ولذا يؤكّد الاتّجاه العضوي ـ البنائية الوظيفية على ضرورة الإجماع القيمي الذي يشمل البناء الاجتماعي والثقافي بأسره ؛ حيث تتوافر مجموعة من الأهداف والمبادئ العامة التي يوافق عليها معظم أفراد المجتمع ـ وهذا الإجماع القيمي هو أهمّ وأعمق مصدر للتكامل الاجتماعي، والأكثر ثباتاً في الأنساق الاجتماعية والثقافية(٢).

ثانياً: الاتّجاه الماركسي:

يؤكّد الاتّجاه الماركسي على أنّ القيم والأخلاق السائدة في المجتمع تعتبر إنعكاساً لقيم وأخلاقيات الطبقة الاجتماعية المسيطرة في المجتمع، وتحدّد العلاقة بين الطبقات الاجتماعية المختلفة، وتعكس الطبقية في المجتمع،.إذن فإنّ طابع العلاقات الاجتماعية يحدّد مضمون القيم والأخلاق، ويشير كارل ماركس إلى أنّ المجتمع يتكوّن من بناء فوقي (القيم والعقائد وأنماط الفكر المختلفة) وبناء تحتّي (الأساس الاقتصادي).

وتعتبر القيم إنعكاساً للبناء التحتّي، فكلّ طبقة اجتماعية وخاصّة الطبقة

١- شادية قناوي (مرجع سبق ذكره): ص٤٥.

٢- محمود جاد، الاتّجاهات النظرية لعلم الاجتماع في البلاد النامية، عرض نقدي ورؤية نظرية، دار العالم الثالث، القاهرة: ص٤٩.

٣٧
المسيطرة (السائدة) تبلور وتقرّر القيم والمعايير والتعميمات الأخلاقية التي تنشأ وتتطوّر على أساس نمط حياتها، ووضعها الاقتصادي والموضوعي، وأسلوب كسب وسائل العيش، والمصالح المشتركة، فالمصالح المشتركة تكون باعثاً عليّ للأفراد الذين يشكلّون طبقة ما على أن تقرّر سلفاً القيم والمعايير والمواقف الاجتماعية المشتركة.

ولقد أكّد لينين على أنّ <لكلّ طبقة اجتماعية طرائقها للحياة، وعاداتها وميولها>(١).

وبالطبع لها قيمها ومعاييرها الخاصّة، والتي تعزّز طرائق الحياة الخاصة لطبقة ما، والتي تكون موجّهة وضابطة لسلوك أعضائها، والقيم والأخلاقيات السائدة في المجتمع الطبقي هي قيم وأخلاقيات الطبقة المسيطرة على الطبقات الأخرى (الأغلبية) حيث تعمل الطبقة السائدة (الأقلّية) على إبراز قيمها وأخلاقياتها بوصفها النموذج الفريد والوحيد للقيم والأخلاقيات الصحيحة، والتي يجب أن تسود المجتمع كلّه - وذلك بدافع الحفاظ على مصالحها ومكتسباتها ومكانتها الطبقية - فتعمل على فرض قيمها وأخلاقياتها على الأغلبية من طبقات المجتمع المغلوبة على أمرها جبراً وقسراً، مستغلّة في ذلك الغرض أدوات التأثير الأيديولوجي التي تمتلكها لترسّخ في ذهن أفراد المجتمع (الأغلبية) ضرورة تبنّي هذه القيم والأخلاقيات ؛ لأنّها من مصلحة المجتمع ككلّ.

ويؤكّد الاتّجاه الماركسي على أنّ القيم والقوانين والأخلاقيات السائدة في المجتمع الطبقي، تعتبر قيم زائفة لا أساس لها ؛ لأنّها تعبّر عن مصالح طبقة معيّنة

١- بكشتانوفسكي وآخرون، علم الأخلاق، دار التقدم، موسكو، ١٩٩٠، ص٥٢ ــ ٥٦.

٣٨
تقوم بإبرازها إلى الوجود لتستغلّ بها الطبقات الاجتماعية الأخرى، من خلال تقنين القيم والأخلاقيات في شكل قوانين ومؤسّسات، وقد هاجم كارل ماركس قيم وأخلاقيات الطبقة السائدة في المجتمع الطبقي على أساس أنّها قيم وأخلاقيات مفروضة جبراً وقسراً على الأغلبية في المجتمع, وعلى أساس أيضاً أنّها قيم وأخلاقيات تميل إلى جمود المجتمع وسكونه، لشرعنة الأوضاع الاجتماعية السائدة والظالمة، وحماية مكتسبات الطبقة المسيطرة(١).

وربط ماركس وانجلز القيم بنمط الإنتاج السائد في المجتمع، حيث ظهرت أنماط ونماذج متنوّعة من القيم التي ارتبطت بنمط الإنتاج السائد في العملية التاريخية، حيث فرز ماركس في التاريخ العالمي أربعة أنماط كبيرة من العلاقات الاجتماعية تناسبها أربعة أنماط كبيرة من القيم:

١ـ في المجتمع البدائي سادت القيم القبلية، واللاطبقية، وأخلاقيات الإنسان المشاعي البدائي.

٢ـ في المجتمع العبودي سادت قيم التبعية الشخصية، والسيادة المباشرة والخضوع المباشر حيث ملكية الأفراد لآخرين.

٣ـ في المجتمع الإقطاعي سادت قيم التبعية الشخصية، وقيم اللا مساواة الاجتماعية.

٤ـ في المجتمع الرأسمالي سادت قيم التبعية الشيئية التي تسود على الأفراد، وقيم الأنانية، وقيم الكسب الغير مشروع، وبدون إنتاج أو جهد، وقيم الاستهلاك، وسادت قيم البرجوازية.

١- الربيع ميمون، نظريه القيم في الفكر المعاصر، الجزائر، الدار الوطنية للنشر والتوزيع ـ ١٩٨٠ـ ص ٢٠١ ـ ٢٠٤.

٣٩

ثالثاً: الاتّجاه الصراعي:

استمدّت هذه النظرية أصولها من الماركسية، التي تعتبر أنّ التناقض بين علاقات الإنتاج وقوى الإنتاج هي المولّد الأوّل والأساسي للصراعات في المجتمع. ويبلغ الصراع ذروته في المجتمع الرأسمالي الذي يسود فيه نمط الإنتاج الرأسمالي، بين من يملكون الثروة ومن لا يملكون ؛ حيث تسخر الطبقة المالكة للثروة كلّ مقدّرات المجتمع القانونية والثقافية والتعليمية... لخدمة مصالحها، وتدعيم سيطرتها وإعادة إنتاج هذه السيطرة(١). وأهمّ المنظّرين الاجتماعيين لهذا الاتّجاه داهرندورف، كولمان، لويس كوزر، ميردال.وقد رفض اتّجاه الصراع مقولة الإجماع القيمى التي نادى به الاتّجاه الوظيفي البنائي، وأكّدت على أنّ التباين بين أفراد المجتمع والظلم الواقع على من لا يملكون من جانب من يملكون السلطة والقوة في المجتمع قد يؤدّى إلى ظهور الصراع بين الطبقات الاجتماعية المختلفة ؛ لأنّ المجتمع يتكوّن من جماعات مختلفة ذات قيم ومصالح مختلفة متباينة، فإنّ كلّ جماعة تدافع عن مصالحها وقيمها الخاصّة، ومن ثمّ فإنّ نجاح جماعة ما يعنى إقصاء الجماعات الأخرى.

وقد أكّد على ذلك المعنى <كولمان> حيث أشار إلى احتواء المجتمع لجماعات عديدة ذات اتّجاهات وقيم ومعايير مختلفة من شأنّه أن يؤدّى إلى التصادم بين تلك الجماعات، ويكون هذا التصادم نتيجة حتمية لصراع القيم،

١- أحمد زايد وآخرون، العنف في الحياة اليومية في المجتمع المصري، (مرجع سبق ذكره): ص ٥٧.

٤٠