×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

القيم الاجتماعية / الصفحات: ٦١ - ٨٠

تثبت عليه العقول، وإن الآفاق قد أغامت، والمحجّة قد تنكرت>(١).

وأمام إصرار الجماهير وتهافتهم على موافقة الإمام علي تولّي أمورهم نزل الإمام علي عليه السلام عن رأيه ووضع شروطاً لتولّي المهمّة: <واعلموا أنّي أن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب، وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، وأنا لكم وزيراً خيراً لكم منّي أميراً>(٢).

وقد شهد الواقع الاجتماعي السياسي في تلك الفترة نشوء أحزاب سياسية عديدة أثّرت في سير الأحداث السياسية والاجتماعية للمجتمع، منها حزب الناكثين، وحزب الفئة الباغية، و حزب الاعتزال السياسي، وحزب الخوارج:

أوّلاً : حزب الناكثين والحرب الأهلية الأولى:

بعد أن تولّى الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام أمور المسلمين بدأ بتطبيق مجموعة من الإصلاحات السياسية والاجتماعية كان من أهمّها:

١) إلغاء مبدأ التمايز في العطاء والسياسات الاجتماعية الغير رشيدة التي تمّ تطبيقها، وإرساء مبدأ المساواة في العطاء

٢) تفعيل مبدأ العدالة في الحقوق والواجبات وإعلان أنّ الناس سواسية، فلا فرق بين عربي وأعجمي، ولا أبيض وأسود، وأنّه لا فضل لأحد على أحد.

٣) عزل ولاة الخليفة السابق، وتولّية بدل منهم من هم أهل للدين والعفّة

١- الشريف الرضي، نهج البلاغة، شرح محمّد عبده، الهيئة العامة لقصور الثقافة، سلسلة الذخائر، العدد: ١٢٨، ١٢٩، القاهرة: ٢٠٠٤، ص١٨١.

٢- الشريف الرضي، نهج البلاغة، (مرجع سبق ذكره): ص١٨٢.

٦١
القيم الاجتماعي » محمد احمد محمود ابراهيم » (ص ٦١ - ص ٩٠) فولاهم الأمصار، وكانوا جميعاً ليسوا من قريش، فكانت ضربة قاصمة لقريش في نفوذها وكبريائها(١).

٤) مصادرة جميع الإقطاعيات التي أقطعها الخليفة السابق، والأموال التي منحها إلى الأرستقراطية القرشية.

فكانت هذه الإصلاحات الثورية مصدر لمخاوف الأرستقراطية القرشية على مكتسباتها حيث باتت تطلّعاتها وأحلامها في الثراء مهدّدة، بل تكاد أن تكون مستحيلة أمام هذه الإصلاحات الثورية في المجتمع، فأعلنوا التمرّد ضدّ الإمام علي عليه السلام ، فلم تكن رموز الأرستقراطية القرشية أمثال سعيد بن العاص، والوليد بن عقبة بن أبي معيط، ومروان بن الحكم وغيرهم، يوافقون على ان يتساوى أيّ منهم في العطاء مع أفقر رجل أو مستضعف من المسلمين ؛ حيث كانوا ينظرون إلى أنفسهم على أنهم من الصفوة التي يجب أن تعامل معاملة السادة وليس كمعاملة العامة، فلجأت الأرستقراطية القرشية إلى مساومة الإمام علي عليه السلام بقبولهم طاعته ومبايعته في مقابل أن يترك لهم الإقطاعيات والثروات التي حصلوا عليها في خلافة عثمان بن عفّان، وإلّا التحقوا بمعاوية في الشام الذي رفع أيضاً راية التمرد ضدّ الإمام عليه السلام ، ورفض قرار عزله، وكان ردّ الإمام علي عليه السلام حازماً وقاطعاً، فقد رفض العرض الذي تقدّمت به الأرستقراطية القرشية حيث رأى في ذلك ضياع لحقوق الناس، ومخالفة صريحة لروح الإسلام الذي أكّد على المساواة والعدالة، فلما أيقنت الأرستقراطية القرشية أنّها فشلت

١- محمّد مهدي شمس الدين ثورة الحسين ظروفها الاجتماعية وآثارها الإنسانية، دار التعارف للمطبوعات، بيروت: ١٩٨١ص٥٥.

٦٢
في تحقيق أهدافها في الحفاظ على ثرواتها ومكتسباتها بالمساومة والتهديد لجأت إلى السعي لنقض البيعة، ودعوة الناس لرفض بيعة الإمام علي عليه السلام وتأليب الناس عليه.

وبدأت الأرستقراطية في الترويج للدعايات المغرضة ضدّ الإمام علي عليه السلام بأنّه شريك في مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفّان، وطالبوا بالثأر من قتلة الخليفة المقتول، ومن هنا نشأ تمرّد واسع النطاق في البلاد(١).

وقاد حركة التمرّد عائشة بنت أبي بكر، ومعها طلحة والزبير، ويؤازرها العديد من رموز الأرستقراطية القرشية وبني أميّة مثل مروان بن الحكم، ابن عامر، الوليد بن عقبة، سعيد بن العاص .....وغيرهم.فعائشة كانت أوّل المعارضين لخلافة الإمام علي عليه السلام فعندما علمت بمقتل الخليفة الثالث ومبايعة الناس للإمام علي عليه السلام من أحد أخوالها (عبيد بن أبي سلمة) صاحت : <ليت هذه انطبقت على هذه إن تمّ الأمر لصاحبك (تعنى ليت السماء انطبقت على الأرض)... قتل والله عثمان مظلوماً... والله لأطلبنّ بدمه .فردّ عليها عبيد الله بن أبي سلمة: والله إنّ أوّل من أمال حرفه لأنت، وقد كنت تقولين <أقتلوا نعثلاً فقد كفر>(٢).

وكان طلحة والزبير بن العوام ممن بايعوا الإمام علي عليه السلام ولكنّهما نكثا

١- محمّد مهدي، ثورة الحسين، (مرجع سبق ذكره): ص ٦٠ ـ ٦١

٢- محمّد رضا، الإمام علي بن أبي طالب رابع الخلفاء الراشدين، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة والرياض: ٢٠٠٥ط١ص٥٨ وانظر أيضاً: سيف بن عمر الضبي، الفتنة وواقعة الجمل، جمع وتصنيف أحمد راتب عرموش، دار النفائس، بيروت: ١٩٨٦ص١١٥.

٦٣
بيعتهما، وأظهرا الخلاف لأسباب سياسية، واتبّعهم قطاع عريض من الناس، وتحالف حزب الناكثين مع البيت الأموي الذي أمدّهم بالأموال والرجال لمحاربة الإمام علي عليه السلام والقضاء على الإصلاحات الثورية التي بدأت تطبّق في المجتمع، فراحوا يعدّون العدة لحرب أهلية شاملة لإقالة الإمام علي عليه السلام من منصب الخلافة.وقد كانت هناك أسباب معلنة برّر بها حزب الناكثين حربهم للإمام علي، ونكثهم البيعة ألا وهو الثأر لمقتل الخليفة الثالث، وتحميل الإمام علي عليه السلام المسؤولية كاملة عن مقتل عثمان بن عفّان، واتّهامه صراحة وضمناً بأنّه شريك في مقتل الخليفة عثمان تارة، وأنّه يأوي قاتليه تارة أخرى(١).

ولم تكن هذه الأسباب هي الباعث على التمرّد الذي أظهره حزب الناكثين وأعوانهم، إنّما كان هناك أسباب أخرى سياسية واجتماعية كامنة منها: أنّ طلحة والزبير كانا يريدان مشاركة الإمام علي عليه السلام في السلطة ؛ حيث طلب الزبير بن العوام ولاية العراق، وطلب طلحة ولاية اليمن، فرفض الإمام علي عليه السلام طلبهما على أساس أنّ ذلك سوف يكون باعثاً لتضعيف مراكز القوى؛ حيث ظهر منهما حرصاً على الولاية يعكس رغبتهما في الاستفادة منها، فتمرّدا عليه أملاً في إقصائه والوثوب إلى السلطة، بالإضافة إلى أنّهما كانا ينقمان على سياسات الإمام علي عليه السلام الاجتماعية، وخاصّة تطبيق مبدأ المساواة في العطاء الذي كان يمثّل تهديداً مباشراً لثرواتهم ؛ حيث كان الزبير بن العوام يمتلك من ٣٥ ـ ٥٢ مليون درهم، وكان له أملاك ودور وإقطاعات في المدينة والبصرة، والكوفة والفسطاط والإسكندرية.

١- ابن قتيبية، الإمامة والسياسة (مرجع سبق ذكره): ص٨٨ .

٦٤
وكان طلحة بن عبد الله يمتلك (١٢٠ ألف) دينار، و(٢مليون ومائتي ألف) درهم وبضائع بقيمة (٣٠ مليون) درهم(١).

وكانت حركة التمرّد تهدف في الأساس إلى الاستيلاء على السلطة وإقصاء الإمام علي من الخلافة حتّى تعود الخلافة تيمية كما كانت من قبل، عندما اغتصبوها فقد كان لعائشة بنت أبي بكر رغبة في ان يتولّى الخلافة طلحة أو الزبير، فكانت حركة التمرّد فرصة لكي تعود الخلافة إلى غاصبها الأوّل، وطبقاً للأسباب المعلنة والكامنة، قاد حزب الناكثين بقيادة عائشة بنت أبي بكر حركة التمرّد الأولى في البصرة يسانده الأرستقراطية القرشية والبيت الأموي، مثل مروان بن الحكم، سعيد بن العاص، والوليد بن عقبة لإسقاط خلافة الإمام علي عليه السلام الشرعية تحت ستار الثأر من قتله عثمان بن عفّان، فتحرّك جيش الناكثين إلى البصرة وأغار على منزل والي البصرة (عثمان بن حنيف) من قبل الإمام علي عليه السلام بواسطة جماعة كان منهم مروان بن الحكم، فقتل ٤٠ رجلا من الحرس، وقاموا بنتف لحية الوالي.

وبالرغم من أنّ ذلك يمثّل اعتداء على هيبة الدولة والخلافة إلّا أنّ الإمام علي عليه السلام حاول إقناع حزب الناكثين بالسلام، والرجوع من حيث جاءوا، وأرسل رسائل السلام إلى طلحة والزبير، يطلب منهما عدم النكث ببيعته، وفنّد المزاعم والدعايات التي أطلقوها، فهو لم يغتصب الخلافة كما يشيعون، وهو لم يشارك في قتل عثمان، ولم يأوي قاتليه، وعرض عليهم الدخول في الطاعة هم وبني أمية، ثمّ يخاصموا إليه قتلة عثمان، وعندئذٍ يتمّ القصاص من القتلة.

١- أ.أشتور، التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للشرق الأوسط في العصور الوسطى، ترجمه عبد الهادي عبلة، دار قتيبية، دمشق: ١٩٨٥ ص٣٤.

٦٥
وأرسل خطاباً إلى عائشة بنت أبي بكر يذكّرها بأنّ هذا الأمر إنّما للرجال، وليس للنساء، وإنّ الموقف الذي تقفه أعظم ذنباً من قتلة عثمان بن عفّان، فماذا كان جواب حزب الناكثين على رسائل السلام؟

لقد رفض حزب الناكثين وأعوانهم من البيت الأموي والأرستقراطية القرشية نداء السلام، وكلّ المساعي السلمية التي أرادت لمّ الشمل وعدم الاقتتال، فقد أجاب طلحة والزبير بأنّهما لن يدخلا في طاعة الإمام أبداً <فاقض ما أنت قاض>، وكتبت عائشة أنّه: <قد جلّ الأمر عن العقاب، والسلام>(١).

وأمام إصرار جيش الناكثين على محاربة الإمام علي عليه السلام وفشل المساعي السلمية، وازدياد حدة الغارات التي كان يشنّها حزب الناكثين على الموالين للإمام على في البصرة لم يجد الإمام علي عليه السلام مفرّاً من ضرورة دخول جيشه البصرة، ولم يكن دخوله بنية الحرب، وإنّما كان وفقاً لسياسة حدّدها الإمام منها:

الاستمرار في دعوة السلام لحزب الناكثين، ولمّ شمل المسلمين، وتفنيد الدعايات الباطلة، وعدم التعرّض لجيش الناكثين المتمركز في البصرة في حالة رفضهم السلام طالما أنّهم لم يبدءوا الحرب.

إنّ الحرب ليس خياراً استراتيجياً وإنّما هي من أجل الدفاع عن النفس، والدفاع عن الإصلاحات الاجتماعية التي تمّ تطبيقها، فإذا ما بدأ جيش الناكثين الحرب فلا مفرّ إذن من الحرب دفاعاً عن السلام(٢).

ولمّا تأكد للإمام ان جيش الناكثين قد أصرّ على الحرب قرّر الاستعداد

١- ابن قتيبية، الإمامة والسياسة، (مرجع سبق ذكره): ص١١٣.

٢- سيف بن عمر الضبي السدي، الفتنه وواقعه الجمل (مرجع سبق ذكره)ص ١٣٦

٦٦
للحرب، ولديه من الأسباب والمبرّرات ما يؤكّد صواب القرار ومنها:

١) قيام طلحة والزبير بنقض البيعة وقيامهما بتحريض العامة على نكث بيعتهم للإمام علي عليه السلام ، وعدم انصياعهم لطلب الإمام بالدخول فيما خرجا منه.

٢) إنّه لم يكن حريصاً على الخلافة، بالرغم من أحقيّته بها، فهي خلافة شرعية، ولم تكن فلتة(١). فقد بايعه العامة والخاصّة، ولذا فهي بيعة ملزمة للذين بايعوه، وخاصّة طلحة والزبير اللذان نقضا بيعتهما، ولذا فإنّ الناكثين يعتبرون خارجين عن الشرعية.

٣) رفض حزب الناكثين نداء السلام والوسطاء الذين أرسلهم الإمام لهم لمطالبتهم بضرورة حقن الدماء، والرجوع عن مخطّطاتهم الحربية التي كانت تهدف لإسقاط الخلافة، خاصّة بعد دخول جيشهم إلى البصرة، والإغارة على منزل والي البصرة، وقتل أربعين رجلاً من الحرس(٢).

٤) رفض حزب الناكثين والأرستقراطية القرشية طلب الإمام علي عليه السلام بالدخول في الطاعة، ثمّ يتمّ القصاص من قاتلي عثمان، وأصرّوا على موقفهم وإطلاق الدعايات المغرضة التي تزعم بتورّط الإمام علي عليه السلام في مقتل الخليفة الثالث، وذلك يمثّل إعلان حرب على الخليفة الشرعي.

وطبقاً لهذه الأسباب والمبرّرات لم يجد الإمام علي عليه السلام مفرّاً من الحرب، خاصّة وإنّ حزب الناكثين هو الذي بدأ بالقتال والاعتداء على جيش الإمام فالتحم الجيشان في معركة كبيرة سمّيت بمعركة الجمل سنة ٣٦ هـ (٦٥٦م) حيث

١- الشريف الرضي,نهج البلاغة، ج٢(مرجع سبق ذكره)ص١٩

٢- ابن قتيبية، الإمامة والسياسة (مرجع سبق ذكره ): ص١١١.

٦٧
كانت عائشة تقود الحرب, وهي راكبة على جمل وانتهت المعركة بهزيمة جيش الناكثين، حيث قتل منهم حوالي ٥٠٠٠ رجلاً، ومثلهم من جيش الإمام علي عليه السلام وفي هذه المعركة قتل طلحة والزبير، وتمّ أسر عائشة بعد عقر الجمل، ومروان بن الحكم(١).

ثانياً: حزب الفئة الباغية والحرب الأهلية الثانية:

كانت الإستراتيجية التي بدأ الإمام علي عليه السلام في تطبيقها بعد أن بايعته جماهير المسلمين، والتي تمثّلت في عزل ولاة الخليفة السابق، وردّ القطائع التي منحها عثمان بن عفّان لأقاربه، وتطبيق المساواة في العطاء ؛ سبباً رئيسياً في تمرّد وسخط الأرستقراطية القرشية، وتمرّد والي الشام معاوية بن أبي سفيان، حيث رفض الوالي المتمرّد الاعتراف بشرعية خلافة الإمام علي عليه السلام ، ورفض قرار عزله من ولاية الشام، بذريعة القصاص من قتلة الخليفة عثمان، وهي نفس الذريعة التي تمسّك بها حزب الناكثين، واستطاع بدهائه واستعانته بعمرو ابن العاص أن يؤلّب أهل الشام ويكتلهم جمعياً ضدّ الإمام علي عليه السلام (٢).

فلم يكن معاوية بالحريص على الأخذ بثأر الخليفة المقتول، وإنّما كان هدفه الأساسي هو حماية منصبه السياسي ومصالحة التي باتت تتهدّدها الإصلاحات الجديدة التي يقوم بها الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ، تمهيداً للوثوب على منصب الخلافة ذاته، ولم يكن الإمام علي عليه السلام بالذي يتساهل في

١- محمّد رضا، الإمام علي رابع الخلفاء الراشدين (مرجع سبق ذكره ): ص٨٨ .

٢- محمّد أمين صالح، العرب والإسلام ـ من البعثة النبوية حتى نهاية الدولة الأموية، مكتبة نهضة الشرق، القاهرة: ١٩٨٢، ص٢٤٤.

٦٨
تطبيق إستراتيجيته ومبادئه، والتي رأى أنّ في ذلك عودة لروح الإسلام التي غابت عن المسلمين، فلم يداهن أو يصانع أحداً على حساب روح الإسلام ولو أراد أن يستقيم له الأمر سريعاً وأن يحيا حياة الملوك لداهن معاوية وأبقاه والياً على الشام، استجابة لاقتراح المغيرة بن شعبة، أو أنّه قام بتطبيق سياسة اجتماعية منحازة إلى الأرستقراطيين وكبار القوم.ولكنّه رفع شعاره الثوري <لا أدهن في ديني، ولا أعطي الدنية في أمري>(١).

وذلك أدّى إلى تحالف الأرستقراطية القرشية والولاة المعزلين، لتشجيع وتدعيم موقف معاوية بن أبي سفيان في الشام، المناهض لخلافة الإمام علي عليه السلام ، وكانوا قبل ذلك قد قاموا بتمويل حركة عائشة وطلحة والزبير، فلمّا فشلت هذه الحركة عملوا على تقوية وتدعيم موقف معاوية، كان التحالف بينهما على بثّ الدعايات المغرضة ضدّ الإمام، للنيل من شرعية حكم الإمام علي عليه السلام ، فقام معاوية بإبرام تحالف مع عمرو بن العاص الذي كان يحلم بملك مصر، والعودة إليها مرّة أخرى بعد أن عزله الخليفة الثالث عثمان بن عفّان، فكان من أهم بنود هذا الاتفاق هو أن يقوم معاوية بمنح عمرو بن العاص ولاية مصر، مقابل انحيازه إلى معسكر معاوية والطعن في خلافة الإمام علي عليه السلام ، فقاما ببثّ أبواق الدعاية الكاذبة ضدّ الإمام علي عليه السلام والتي استندت إلى أنّه :

- حرّض على قتل الخليفة الثالث عثمان بن عفّان.

- أنّة يأوي قتله الخليفة الثالث.

- قتل عثمان بن عفّان.

-

١- محمّد أمين صالح (المرجع السابق): ص٢٤٥.

٦٩
فرّق الجماعة ونشر الفتنة.

- لا يؤدّي الصلاة هو وأصحابه(١).

خلافة الإمام علي عليه السلام غير شرعية، ويتحتّم إقالته، وجعلها شورى بين المسلمين على ما جعلها عمر بن الخطّاب.

وبالرغم من تناقض الدعايات المغرضة، وقيام الإمام علي عليه السلام بالرد على هذه الدعايات المغرضة وتأكيده بأنّه لم يقتل عثمان، أو حرّض على قتله، وأنّه أبرأ الناس من دم عثمان(٢)، وأنّ معاوية يرفع قميص عثمان كذباً وخدعة، وإلّا فليثبت عكس ذلك، ويقوم بالدخول في الجماعة، وطاعة إمام زمانه، ثمّ يحاكم القوم، وبالرغم من تفنيد هذه الدعايات المسمومة إلّا أنّها نجحت في تحريض أهل الشام ضدّ الإمام علي عليه السلام وسياسته.

وقد كان الهدف الأساسي لهذه الدعايات المغرضة هو النيل من شرعية خلافة الإمام علي عليه السلام ، وتثبيت إمارة معاوية، تمهيدا للاستيلاء على الخلافة، وسرقتها من مستحقّيها بعد ذلك، وبالرغم من وعي الإمام علي عليه السلام بهدف معاوية الخفي الذي دفعه للتمرّد عليه، حاول أن يتجنّب حرباً أهلية ثانية يكون طرفها معاوية وجيش الشام، فعمل على إرسال الوسطاء والوفود إلى معاوية لحثّه على السلام، والدخول في الطاعة، وارتكزت إستراتيجيته لتحقيق السلام على مبادئ معيّنة من أهمّها:

١- ضرورة أن يوافق معاوية على قرار عزله.

١- محمّد رضا المظفر، الإمام علي رابع الخلفاء الراشدين (مرجع سبق ذكره): ص١٤١

٢- الشريف الرضي، نهج البلاغة (مرجع سبق ذكره): ج٣ ص٧

٧٠

٢- اعتراف معاوية بشرعية الخلافة، لأنّها لم تكن فلتة، فقد بايع المهاجرون والأنصار، وعامة الجماهير، بمحض إرادتهم، ولذلك فهي لازمة للشاهد والغائب، وينطبق ذلك على معاوية، فهذه البيعة تلزمه وهو في الشام.

٣- ضرورة تخلّي معاوية عن أطماع الخلافة لأنّه ؛ من الطلقاء الذين لا تحلّ لهم الخلافة ولا تعقد لهم الإمامة.

٤- يتم محاكمة المتّهمين بقتل الخليفة الثالث، والذي يتّهمهم معاوية محاكمة عادلة بعد أن يدخل معاوية في الطاعة.

وردّ معاوية سريعاً على هذه الطلبات ؛ حيث عرض على الإمام علي عليه السلام أن يوليّه الشام ومصرفي مقابل الاعتراف بشرعية الخلافة، واشترط عليه قائلاً: إلّا يجعل لأحد من بعده في عنقي بيعة (في حالة وفاة الإمام).

ولنا أن نتسائل هل العرض الذي تقدّم به معاوية يمثّل رغبة حقيقية في الصلح، وتجنب الحرب؟ أم أنّه يمثّل مناورة سياسية مكشوفة؟ فهذا العرض ينسف أساساً كلّ شروط الصلح الذي وضعها الإمام علي عليه السلام بل يضع معاوية في موقف سياسي أفضل من وضعة الحالي في حالة موافقة الإمام علي عليه السلام ؛ إذ سيضم معاوية مصر بجانب الشام، وهنا تكمن خطورة الموقف حيث يمكن أن يستغل معاوية الشام ومصر لتكونا نقطة ارتكاز وانطلاق للاستيلاء على بقية الولايات الأخرى، وبذلك يتحقّق حلمه التوسّعي في الاستيلاء على الخلافة من أصحابها المستحقين، بل إنّ تشدّده وإصراره على حقّه في إلّا يبايع لأحد بعد وفاة الإمام علي عليه السلام يكشف استعداده وتخطيطاته الكامنة في الوثوب على الخلافة في أيّ وقت تسمح فيه الظروف، والتمرّد مجدداً على أيّ خليفة يأتي فيما بعد، كما تكشف عن نزعة ديكتاتورية تسلطية.

٧١
فطبقاً لهذا الشرط في حالة تحقّقه سوف يتيح لمعاوية إلغاء إرادة الأمّة في اختيار خليفتها حسب منطق الشورى المزعومة، لتحقيق هدفه المنشود وهو الاستيلاء على الخلافة بأيّ ثمن أو وسيلة، وكان الإمام علي عليه السلام عالماً بهدفه، لذا رفض العرض الأموي مؤكّداً أنّها خدعة، وأنّه لن يتخذ المضلّين عضداً(١). قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾(٢).

وأصبح الموقف نذير حرب أهلية ثانية في ظلّ إصرار والي الشام على تمرّده، وثبات الإمام علي عليه السلام على موقفة، ففي صيف عام ٣٦هـ (٦٥٧م) وبعد أن استكمل جيش الخلافة عدّته توجّه إلى جيش الشام لردع الوالي المتمرد، وكان جيش الشام بقيادة معاوية بن أبي سفيان متمركزاً على حدود الشام في (صفين)، وإثناء عبور جيش الخلافة الفرات عند الرمة، كان في انتظاره طلائع جيش الشام، الذي انسحب في الحال، ولم تحدث أي مناوشات بينهما، ولكن حدث أنّ بعض وحدات جيش الشام حالت بين جيش الإمام ومياه الفرات، حيث استبد بهم العطش، ورفض معاوية وجنوده السماح لجنود الإمام علي عليه السلام بالشرب من مياه الفرات أسوة بما حدث مع الخليفة الثالث الذي قتل عطشاناً(٣).

ولم يستمع معاوية لنصائح مستشاره العسكري (عمرو بن العاص) الذي أكّد له أنّ مثل هذا الفعل غير مأمون العواقب حيث يمكن لجيش الخلافة أن يجلوه عن مكان الماء بالقوة ويمنعهم منه.كما أنّ هذا الفعل سوف يعمل على

١- ابن قتيبية، الإمامة والسياسة (مرجع سبق ذكره): ص١٥٦

٢- الكهف: ٥١.

٣- يوليوس فلهاوزن (مرجع سبق ذكره): ص٧٣ نقلاً عن تاريخ الطبري: ج١، ص٢٥٩ ـ ٢٧١.

٧٢
تأجيج نار العداوة في نفوس الجند الذين حرموا من الماء فيحاربون بشراسة ضدّ معاوية، ولم يكن لجيش الخلافة أن يقف مكتوف الأيدي والعطش يقتلهم، فأرسل بعض وحداته التي قاتلت بشراسة واستطاعت في النهاية إجلاء جنود معاوية عن موضع الماء، ولم تستطع بعد ذلك استخدام سلاح العطش في حربها ضدّ جيش الإمام.ولكن سماحة الإمام جعلته إلّا يعامل جنود الشام بالمثل، فسمح لهم بالشرب من مياه الفرات، وهو موقف يكشف مدى سماحة الإمام عليه السلام واحترامه لحقوق الإنسان مع مخالفيه.

وباستثناء هذه الحملة التي هدفت إلى منع جنود الشام من التحكّم في الماء ظلّ الوضع العسكري بين جنود الإمام وجنود الوالي المتمرّد متجمّداً طيلة أربعين يوماً اللهم إلّا بعض المناوشات هنا وهناك.

وبدأ القتال على نطاق أوسع يوم الأربعاء٨ صفر عام ٣٧ﻫ (٢٦يوليو٦٥٧م) واستمرّ بضراوة حتّى صباح الخميس، وكاد جيش الشام أن يحرز نصراً على جيش الإمام علي عليه السلام ، حيث ظهر أكثر تنظيماً، وبدأ جيش الخلافة ينهزم، وينسحب تاركاً ميدان المعركة لجيش الشام لدرجة أنّه لم يثبت مع الإمام إلّا قبائل أهل مكّة وربيعة، ومع ارتداد أهل العراق باتت نبال جيش الشام قريبة جداً من الإمام علي عليه السلام ، وتقدّم أحدهم للنيل من الإمام علي عليه السلام فكان سيف الإمام الحسين عليه السلام وأخيه محمّد بن الحنفية له بالمرصاد(١).

وسرعان ما استعاد جيش الخلافة توازنه وبدأت الجنود المنسحبة تتجمّع من جديد، وقاد الأشتر ميمنة الجيش، وأخذ يكرّ على جيش الشام المرّة تلو

١- ابن كثير البداية والنهاية (مرجع سبق ذكره): ص٣١٦ ـ ٣١٧.

٧٣
المرة حتّى كشفهم، وانتهى بهم إلى معسكرهم، ولاح النصر لجيش الإمام وأصبحت جنوده قاب قوسين أو أدنى من الوالي المتمرّد، فتشاور معاوية مع عمرو بن العاص لتقييم الموقف العسكري في ميدان المعركة، وأدركا أنّهما قادمين على هزيمة مروعة، لا مفرّ منها، فقال عمرو لمعاوية:<إنّني قد رأيت أمراً لا يزيدنا هذه الساعة إلّا اجتماعاً، ولا يزيدهم إلّا فرقة ما أرى إلّا أن نرفع المصاحف وندعوهم إليها، فإن أجابوا كلّهم بذلك إلى ردّ القتال، وإن اختلفوا فيما بينهم فمن قائل نجيبهم، وقائل لا نجيبهم، فشلوا وذهب ريحهم>.(١)

وقد حدث بالفعل ما خطّط له عمرو فبعد أن رفعت جنود معاوية المصاحف مطالبة بالتحكيم خدعة لكسب الوقت والإفلات من الهزيمة، انقسم جيش الإمام علي عليه السلام على نفسه، فريق انخدع بعملية رفع المصاحف طلبوا عدم استمرار القتال واللجوء إلى التحكيم، وكان أغلبهم من القرّاء، وكان حجّة هؤلاء أنّهم حاربوا لله ويوقفونه لله أيضاً، وإن لم يجب الإمام علي عليه السلام معاوية إلى طلبة في التحكيم فإنّه سوف يكون مخالفاً لشريعة الله وسنة نبيه.

وفريق آخر رفض خدعة رفع المصاحف والتحكيم، وطلب الاستمرار في القتال، وحجّتهم أنّ الحقّ معهم، وجيش الشام من البغاة الذين يجب ردعهم لإظهار الحقّ، ولم يكن الإمام علي عليه السلام بالذي ينخدع برفع المصاحف والمطالبة بالتحكيم، فقد رفض هذه الخدعة، وأكّد للراغبين في الاستسلام والركون إلى عملية التحكيم أنّ: <هذا أمر ظاهره إيمان، وباطنه عدوان، وأوّله رحمة وأخره ندامة، فأقيموا على شأنكم، وألزموا طريقتكم، وعضّوا على الجهاد بنواجذكم،

١- ابن كثير، البداية والنهاية (المرجع السابق ): ص٣٢٦.

٧٤
ولا تلتفوا إلى ناعق نعق>(١).

ونصح جنوده: <عباد الله امضوا إلى حقّكم وصدقكم، وقتال عدوكم، فإنّ معاوية وعمرو بن العاص، وابن أبي معيط، وحبيب بن مسلمة، وابن أبي سرح، والضحّاك بن قيس ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، أنا أعرف بهم منكم، صحبتهم أطفالاً، وصحبتهم رجالاً، فكانوا شرّ أطفال، وشرّ رجال، ويحكم أنّهم ما رفعوها إلّا خديعة ودهاء ومكيدة، إنّهم يقرأونها ولا يعملون بما فيها>(٢).

وبالرغم من استجلاء الإمام علي عليه السلام للموقف إلّا أنّ طائفة كبيرة من أنصاره وعلى رأسهم طائفة القرّاء رفضوا طلبه باستمرار القتال، وطلبوا منه وقف القتال، واللجوء إلى عملية التحكيم، وهدّدوه بأن يرسل للأشتر يطلب منه العودة من ميدان المعركة واللجوء إلى التحكيم، وإلّا اعتزلوه وأسلموه لمعاوية، فى الوقت الذي أشاعوا فيه أنّ الإمام علي عليه السلام قد قبل التحكيم، وأخذ الأشعث ابن قيس يردّد هذه الإشاعة بين الناس حتّى بدأ الأمر بأنّ الإمام علي عليه السلام قد قبل فعلاً وقف القتال وقبول عملية التحكيم، وأمام إصرار جبهة التحكيم على ضرورة وقف القتال في ميدان المعركة أرسل الإمام علي عليه السلام رسولاً إلى الأشتر يعلنه فيه بضرورة العودة ووقف القتال، مما أدّى إلى استغراب الأشتر من هذا الأمر ومن توقيته، فقد كان جنود الإمام تتقدّم وتتفوّق في ميدان المعركة على جند الشام، وإنّ النصر كان قاب قوسين أو أدنى فما هي إلّا ساعات قليلة، ويرغم المتمرّدين على التسليم، فأكّد له الرسول أنّ الفتنة وقعت، وأنّ أمير

١- الشريف الرضي، نهج البلاغة (مرجع سبق ذكره): ص٢٣٦

٢- ابن كثير البداية والنهاية (مرجع سبق ذكره ): ص٣٢٧

٧٥
المؤمنين بات رهينة حتّى يعود معه، وخيّره بين الاستمرار في القتال، أو بين أن يقتل أمير المؤمنين، ووقتئذٍ لا فائدة من الانتصار، فانصاع الأشتر، وقبل الرجوع تاركاً القتال.

وقد صوّر الأشتر بعد رجوعه موقف جبهة التحكيم، وكشف عن بوادر الهزيمة النفسية التي بدأت تظهر لانخداعهم بعملية رفع المصاحف، فقد خاطبهم قائلاً: <يا أهل الذلّ والوهن أحين علوتم القوم، وظنّوا أنّكم لهم قاهرون، رفعوا المصاحف بدعوتكم إلى ما فيها، وقد والله تركوا ما فيها، وقد والله تركوا ما أمر الله به فيها، وسنّة من أنزلت عليه، فلا تجيبوهم>.

وطلب منهم أن يمهلوه قليلاً فالفتح بات قريباً.

فرفضت جبهة التحكيم مطلب الأشتر بالرجوع إلى ميدان القتال مرّة أخرى: <دعنا منك فإنا لا نطيعك ولا صاحبك أبداً، ونحن قاتلنا هؤلاء في الله، وتركنا قتالهم لله> فأكّد لهم الأشتر: <خدعتم والله فانخدعتم، ودُعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم، يا أصحاب السوء كنّا نظنّ صلاتكم زهادة في الدنيا، وشوقاً إلى لقاء الله، فلا أرى فراركم إلّا إلى الدنيا من الموت، يا أشباه النيب (النوق) الجلالة، ما أنتم بربانيين بعدها، فابعدوا كما بعد القوم الظالمون>(١).

ومع إصرار جبهة التحكيم على ضرورة وقف القتال والجنوح إلى الصلح والمسالمة ومحاولتها فرض رؤيتها لم يجد الإمام علي عليه السلام مفراً من قبول عملية التحكيم نزولاً على إرادتهم ورغبتهم بالرغم من رفضه لهذا الموقف، مبرّراً أسباب قبوله التحكيم: <قد كنت بالأمس أميراً فأصبحت اليوم مأموراً، وكنت

١- ابن كثير (المرجع السابق): ص٣٢٨ ـ ٣٢٩

٧٦
ناهياً فأصبحت اليوم منهياً، فليس لي أن أحملكم على ما تكرهون>.

وهذا يؤكّد على تعرّض الإمام علي عليه السلام إلى مؤامرة أو انقلاب داخلي جاء في اتجاه مصلحة معاوية أوّلاً وأخيراً، فالأشعث بن قيس كان له دور مشبوه يوم صفين حيث خذّل الناس عن القتال، ونادى بضرورة الاستجابة لطلبات معاوية وجند الشام بشأن وقف القتال، واللجوء إلى التحكيم، وعمل على الحيلولة لاستمرار القتال الذي لو قدّر له أن يستمرّ لكان كافياً للقضاء على تمرّد معاوية وحزبه الباغي، وتهديده للإمام علي عليه السلام : <والله لئن لم تقبل هذا منهم لا وفاء معك، ولا نرمى معك بسهم ولا حجر، ولا نقف معك موقفاً>(١).

فهل عقد الأشعث بن قيس صفقة سياسية مع معاوية؟ وهل كان موقفة هذا بإيعاز من معاوية؟ هل دارت بينة وبين معاوية بعض المحادثات السرّية؟ هل كان عميلاً أو جاسوساً لمعاوية وانتظر اللحظة المناسبة للتحرّك؟ لا يوجد دليل على صدق هذه التساؤلات، وفي نفس الوقت لا يمكن استبعادها أو تجاهلها ؛ لأن كلّ الشواهد تؤكّد على الدور المشبوه للأشعث بن قيس، فقد كان من المفترض أن يحترم رأي الإمام علي عليه السلام بشأن استمرار القتال، ويؤيّده كما فعل الأشتر والآخرين المؤيدين لرأي الإمام علي عليه السلام .

ولكنّه خالفه وهدّده، كما أنّه قد حدث تقارب بين البيت الأموي وآل بيت الأشعث، وارتبطت مصالحهما ببعض بعد ذلك، ولا نعرف سرّ هذا التقارب إلّا إذا كان الرجل قد أسدى خدمة جليلة لمعاوية. فابنة الأشعث جعده يستميلها معاوية وتقوم بدسّ السمّ للإمام الحسن بن علي‘، وعبد الرحمن بن الأشعث

١- ابن قتبية، الإمامة والسياسة ( مرجع سبق ذكره): ص٢٠٥

٧٧
انطلق لدار الإمارة في الكوفة ليرشد السلطة الأموية عن مكان اختباء مسلم بن عقيل سفير الإمام الحسين عليه السلام في الكوفة، بل ويطلب من الإمام الحسين أن يعترف بشرعية يزيد بن معاوية، كما سنعرف لاحقاً.

ثمّ تأتي خيانة الخوارج فبعد أن وافق الإمام علي عليه السلام على عملية الصلح والتحكيم نزولاً على رغبتهم الأساسية ؛ إذ بهم يكفرونه ويدعون أنّه يحكم الرجال في دين الله(١)، واعتزله أكثر من ١٢٠٠٠ من جنوده .

ثمّ تأتي مؤامرة إرغام الإمام علي عليه السلام على قبول أبي موسى الأشعري للتحكيم، ورفضهم ترشيح الإمام علي عليه السلام لعبد الله بن عباس أو الأشتر النخعي لهذه المهمّة، ورفضهم لكافة التحذيرات بشأن اختيار أبي موسى الأشعري ؛ لأنّه لم يكن بالمؤهّل لعملية التحكيم، فهو عثماني، ولعب دوراً سلبياً وغريباً لتثبيط همّة الناس في قتال حزب الناكثين، وطلب من الناس عدم نصرة الإمام والابتعاد عن الفتنة بالرغم من أنّه بايع الإمام علي عليه السلام (٢).

كما أنّه ليس نِدّاً لعمرو بن العاص في دهائه ومكره، وقد وقع ما حذر منه الإمام علي عليه السلام فقد وقع في شرك خديعة عمرو بن العاص، فقد اتفقا معاً على أن يقوما بخلع كلّاً من معاوية والإمام علي عليه السلام وأن تكون الخلافة لعبد الله بن عمر بن الخطّاب، ولكن يوم التحكيم خدع عمرو بن العاص أبا موسى الأشعري، فقد طلب منه أن يتقدّم أوّلاً لإعلان الاتفاق وما أن تلا أبو موسى خلعة للإمام على بن أبي طالب عليه السلام ، ومعاوية بن أبي سفيان، وتنصيب عبد الله

١- ابن كثير، البداية والنهاية (مرجع سبق ذكره): جزء: ٧ص ٣٣٣

٢- محمّد أمين صالح، العرب والإسلام من البعثة النبوية إلى نهاية الخلافة الأموية، مكتبة نهضة الشرق، القاهرة، القاهرة: ١٩٨٤، ص٢٣٦.

٧٨
ابن عمر بن الخطّاب للخلافة إذا بعمرو بن العاص يعلن أنّه يثبت معاوية، ويحدث الهرج والمرج، ويتشاتمان ويتسابّان وينفض مؤتمر الصلح بلا نتائج محدّدة ويرجع الموقف السياسي إلى نقطة البداية مع مكاسب سياسية كثيرة لمعاوية وحزبه من الفئة الباغية، ولكن كيف وقع أبو موسى الأشعري في شرك الخداع الذي نصبه له عمرو بن العاص، بالرغم من التحذيرات العديدة؟

لماذا لم يتجنّب احتمال أن يخدعه عمرو بن العاص؟ ولماذا لم يكن حذراً في تعامله مع عمرو بن العاص بالرغم من تنبيهه بعدم الحديث أوّلاً في مؤتمر الصلح؟ هل يحقّ له أن يعزل خليفة وإماماً انتخبته الجماهير على رضاً منها ولم تطلب عزله؟ هل يحقّ له تنصيب أياً كان للخلافة بدون طلب منه أو بدون مبايعة مجلس الشورى المزعومة من المهاجرين والأنصار.

كان من الطبيعي بعد مهزلة التحكيم التي حدثت، أن يبدأ الإمام علي عليه السلام في استكمال زحفه إلى الشام بعد ما تبيّن خداع عمرو بن العاص وغدره، وأوضحت الأمور أنّ الأمر كلّه بات لعبة مكشوفة كان غرضها كسب الوقت للإفلات من الهزيمة التي كانت على وشك أن تحدث لمعاوية وجنوده، وهو موقف على كلّ حال لا يمكن اعتباره نكوثاً ورفضاً لحكم الحكمين كما صوّره البعض وخاصّة المستشرقون أمثال يوليوس فلهاوزن(١) ؛ لأنّ التحكيم في الأصل لم يتوصّل إلى اتفاق معيّن وملزم، ولكن موقف عمرو بن العاص بخداعه وتثبيت معاوية هو دليل شرعية موقف الإمام علي عليه السلام في الاستعداد لجولة

١- يوليوس فلهاوزن تاريخ الدولة العربية منذ ظهور الإسلام إلى نهاية الدولة الأموية، ترجمه محمّد عبد الهادي أبو ريدة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة: ٢٠٠٥ص٨٧ .

٧٩
أخرى من الحرب ضدّ معاوية، ويكشف في الوقت نفسه طمع معاوية في الخلافة، فلو حدث ما اتفقا عليه الحكمان لكان ذلك ملبّياً لكافة المطالب التي نادى بها معاوية ؛ لأنّه سيتحقّق ما أراده من إقالة الإمام علي عليه السلام ، وتعيين عبد الله بن عمر في الخلافة كتحقيق لمبدأ الشورى المزعومة، وتحقيقاً لرغبته هو شخصياً التي أكّد عليها في مراسلاته لعبد الله من عمر، ولكنّه الطمع في الخلافة.

وبعد مهزلة التحكيم ندم الفريق الذي طالب بعملية التحكيم أشدّ الندم، وأدركوا أنّهم أفسدوا على الإمام سياسته، ولكن بعد فوات الأوان، وبالرغم من ذلك لم يريدوا إصلاح ما أفسدوه، فاستسلموا لحياة الدعة والسكون، ولم ينهضوا إلى الحرب مرّة أخرى مع الإمام علي عليه السلام (١).

فجال معاوية وحزبه وصال حيث انتزعت مصر من أيدي جيش الإمام، وبدأ يشنّ غارات عديدة على الكوفة والمدينة، حتّى إذا استجمع أهل العراق همّتهم وقوّتهم أخيراً، وكانوا على أهبّة الاستعداد لملاقاة جيش الشام ؛ إذ حدث الأمر الجلل فقد قتل الإمام علي عليه السلام على يد ابن ملجم المرادي أثناء خروجه إلى صلاة الفجر في١٩ من شهر رمضان من عام ٤٠ هـ (٦٦١م) واستشهد بعد ذلك في٢١ من شهر رمضان، ليبايع الناس بعد ذلك للإمام الحسن بن على خليفة للمسلمين.

ثالثاً:حزب المحايدين:

ظهر فريق من المسلمين (منهم محمّد بن مسلمة الأنصاري, سعد بن مالك, سعد بن أبي وقاص, أسامة بن زيد بن حارثة, عبد الله بن عمر بن الخطّاب... وغيرهم) نأى بنفسه عن الصراع الدائر بين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام

١- يوليوس فلهاوزن، تاريخ الدولة العربية، (المرجع السابق): ص٥٧.

٨٠