×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

القيم الاجتماعية / الصفحات: ٨١ - ١٠٠

وبين خصومه من حزب الناكثين (طلحة والزبير) أو من الفئة الباغية (معاوية بن أبي سفيان وجنوده), فهم لم يقاتلوا مع أي من الفريقين، وأثروا السلامة, وكان شعارهم هو <اعتزلوا الفتنة أصلح لكم>.

وقام هذا الحزب باختراع الأحاديث المنسوبة إلى الرسول’ لتبرير مواقفهم، من هذه الأحاديث ما ذكره القاضي عبد الجبّار في أول كتاب المنية والأمل ونصّه: ستفترق أمّتي على بضع وسبعين فرقة, أتقاها وأبرّها, الفئة المعتزلة), وحجة هذه الفرقة في رفض القتال مع الإمام علي عليه السلام أو ضدّه هو أنّ الحقّ غير واضح مع أيّ من الفريقين المتصارعين، فكان سعد بن أبي وقاص يقول :لا أقاتل حتّى تأتوني بسيف يعقل, ويبصر, وينطق فيقول أصاب هذا وأخطأ هذا!(١).

والواقع إنّ أفكار هذا الحزب السلبية قد ألقت بظلالها على واقع المجتمع الإسلامي فأوهنته, وأدّت إلى نشوء بعض الظواهر السلبية في المجتمع أهمّها السلبية والانسحاب الاجتماعي من مواجهة المشكلات المجتمعية ولاسيّما المشكلة السياسية كالتي اعترضت المسلمين بعد وفاة الخليفة الثالث.

وكان دعاة هذا الحزب السياسي يؤكّدون على أنّهم يقفون على الحياد في الصراع الدائر، وهو بلا شكّ ادّعاء يكذّبه الواقع، ذلك أنّ الحياد عن الحقّ هو انتصار وقتي للباطل، ذلك أنّ إقصاء قطاع عريض من الناس عن القتال في صفّ الإمام علي عليه السلام الإمام الشرعي للأمّة بحجّة الوقوف على الحياد في الصراع من شأنه أن يزيد الباطل قوّة، ويزيد الحقّ ضعفا سواء بعلم أو عن

١- طه حسين، الفتنة الكبرى، دارة المعارف، القاهرة: ط١٤ ج١ ٢٠٠٦ص٥.

٨١
جهل، كما أن فكرة الوقوف على الحياد في الصراع الدائر فكرة غير منطقية طبقاً للمبرّرات التي ساقها أصحاب هذا الاتجاه، فأيّ صراع يحدث بين طرفين مختلفين يكون المحصّلة النهائية هو أنّ يكون أحد الطرفين معه الحقّ أو يقترب منه من الطرف الأخر، والعكس صحيح.

ولذا كان يحتم على أولئك أن يسترشدوا بعقولهم لاكتشاف أيّ الفريقين أقربهم للحقّ الواضح, فالواقع المعاش لم يكن عبارة عن الغاز أو لوغاريتمات يصعب حلها واكتشافها، وإنّما كان هناك إمام شرعي انتخبته الأمّة برضاها، ودون أن يفرضه أحد على الأمّة، ثمّ جاء حزب الناكثين والفئة الباغية يطلقون الدعايات المغرضة ضدّ الإمام وينقلبون ضدّه، رافعين قميص عثمان لتحقيق هدف معلن وهو القصاص من قتله عثمان إلّا أنّه في الحقيقة كانوا يريدون تقويض الإصلاحات الاجتماعية والسياسية التي بدأ الإمام علي عليه السلام في انتهاجها، وهي سياسات تقوم على المساواة والعدالة، كان أولئك يخشون على مناصبهم ونفوذهم وثرواتهم فرفعوا راية عثمان للنيل من الإمام علي عليه السلام وسياسته, فالحقّ هنا واضح كعين الشمس لا ينكر رؤيته إلّا مكابر أو معاند , كما أن بعض الذين ألزموا أنفسهم بالحياد قد تخلّوا عنه في ظروف مماثلة، ولم يصمد أمام هذا المبدأ، وأنضمّ إلى الطرف الأقوى، فبعضهم وقف بجانب السلطة الأموية أثناء ثورة المدينة على يزيد بعد أن هالها مقتل الإمام الحسين عليه السلام كما سنرى بعد.

فها هو عبد الله بن عمر يقف مؤيداً لخلافة يزيد محذّراً من الانقلاب ضدّه، فهل علم ابن عمر أنّ الحقّ مع يزيد؟ أم أنّ قتل الإمام الحسين أعطت بني أمية الشرعية السياسية فدافع عنها عبد الله بن عمر؟ لماذا لم ينصف الإمام

٨٢
الحسين عليه السلام ضدّ السلطة الأموية حتّى ولو بلسانه، وهو أضعف الأيمان؟ لماذا لم يطلب من معاوية عندما خرج على إمام زمانه ما طلبه من أهل المدينة؟ فلا شكّ إنّ هذا الاتجاه السلبي كان عاملاً مؤثّراً في ظهور الباطل على الحقّ، وخذلان الإمام الحسين في كربلاء.

رابعاًًًً: حزب الخوارج:

وهناك حزب سياسي لم يكن أقلّ خطورة من حزب الاعتزال السياسي ـ ظهرت أيضاً على سطح الأحداث السياسية عام ٣٩ﻫ حيث اعترض هذا الحزب على عملية التحكيم بين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ومعاوية بن أبي سفيان, ورفعوا شعار <لا حكم إلّا لله> ورفضوا أن يقوم الإمام علي عليه السلام بتحكيم رجل أو رجلين في الحقّ وتساءلوا متشكّكين, إذا كان الإمام علي عليه السلام هو صاحب الحقّ، فلماذا تراجع وقبل التحكيم؟ ولمّا جادلهم وحاورهم مبيّنا لهم أنّه كان يريد القتال ورفض التحكيم في بداية الأمر ؛ لأنّه خدعة سياسية ولكنّهم وافقوا على وقف الحرب وقبول التحكيم ؛ لأنّهم تراخوا وملّوا القتال، فقبل تحت إصرارهم على التحكيم، ولذا يستلزم احترام الاتفاق والمضي قدماً في عملية التحكيم, كما فنّد لهم دعواهم بأن لا حكم إلّا لله بأنّها دعوة حقّ يراد بها باطل ؛ لأنّ الحكم للرجال أيضاً، وأورد لهم الأدلّة العقلية والدينية على فساد ؛ مذهبهم لأنّه طبقاً لهذه المقولة لا يستلزم أن يكون هناك حاجة إلى زعيم سياسي في المجتمع الإسلامي(١). وهو قول مردود يخالف الشواهد الموضوعية والدينية، فالناس بحاجة إلى زعيم برّ, يقودهم ويسوسهم (ظهر

١- نظمي الجعبة، النظم والحركات الإسلامية في التاريخ الإسلامي، جامعة بيرزيت، فلسطين المحتلّة: د.ت ص١٦.

٨٣
تناقض الخوارج في هذه المقولة عندما خالفوها، وقاموا باختيار عبد الله بن وهب الراسي زعيما لهم في حر ب النهروان، وأسموه إمام الجهاد ) وأمام تفنيد الإمام علي عليه السلام لحججهم الواهية تراجع البعض عن أفكاره وعاد إلى معسكر الإمام علي عليه السلام , ورفضت الأغلبية الانصياع لصوت العقل والمنطق، وأصرّوا على مقاتلة الإمام عليه السلام ، فقاتلهم في النهروان وهزمهم شرّ هزيمة.

والتساؤل الذي يطرح نفسه, هل كان موقف الخوارج المفاجئ في إصرارهم على التحكيم ثمّ رفضه بعد ذلك في الوقت التي كانت جيوش الإمام علي عليه السلام وقائد جيشه الأشتر النخعي تتقدّم وتحرز انتصاراً تلو الآخر في صفّين حتّى أصبح معاوية وجنوده على قاب قوسين أو أدنى من التسليم, كان موقفاً مقصوداً من أجل تقوية موقف معاوية بن أبي سفيان على ساحة الحرب؟ أم أنّهم كانوا ينفّذون خطّة مرسومة تمّ تطبيقها في الوقت المناسب؟ هل كان منهم من كان مدسوساً على الإمام علي عليه السلام ومؤيّداً لمعاوية في الخفاء؟ الباحث لا يملك دليلاً على إثبات أو نفي هذه التساؤلات.

وإنّما لا يشكّ لحظة إنّ موقفهم هذا قد أدّى إلى تقوية موقف معاوية بن أبي سفيان في الوقت الذي تمّ فيه تعطيل القدرات العسكرية لجيش الإمام علي عليه السلام ، واستنزاف قوة الجيش في هذه الحرب بدلاً من أن توجّه هذه القوة إلى المتمرّد معاوية بن أبي سفيان.

لقد عمدت هذه الفئة الضالّة على تكفير الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام وتكفير المجتمع دون استناد إلى أدلّة منطقية يمكن قبولها، وهذا الفكر التكفيري الذي تبنّاه الخوارج يعتمد على أسس فكرية منحرفة منها:

الاستناد إلى الحقيقة المطلقة طبقا لرؤاهم الدينية.

٨٤
تسويغ مبدأ العنف والإرهاب في تحقيق أهدافهم، فهم قد سفكوا الدماء وعاثوا في الأرض فساداً فقد قتلوا عبد الله بن خباب صاحب رسول الله’ وأسروا امرأته وكانت حبلى فذبحوها وبقروا بطنها(١).

تحليل سوسيولوجي لثورة الإمام الحسين عليه السلام :

يعتبر تحقيق العدالّة في المجتمع واحترام حقوق الإنسان, والانتصار للمظلوم, وإرساء القواعد والقيم الأخلاقية (النظام الاجتماعي) , وضبط أفعال الأشخاص داخل المجتمع بدون قمع أو إرهاب من أهمّ وظائف الإمام في المجتمع (الدولة ـ السلطة) وإنّ أيّ سلطة أو دولة لا تطبّق هذه المعايير فهي سلطة ديكتاتورية, مستبدة تخدع شعوبها, وتعتدي على حقوقهم, وتعاملهم كخدم أو عبيد ... لا ينبغي لها البقاء، وعليها إن ترحل وتترك المسؤولية إلى من يقدرها ويستطيع القيام بواجباتها وأعبائها, إن كانت صورة الدولة الأموية في عهد معاوية قاتمة حيث شوّهت الإسلام من خلال سياسات الإرهاب والتجويع التي اتّبعتها ضدّ شيعة الإمام علي ابن أبي طالب عليه السلام , وقتلها للعديد من صحابة رسول الله’ أمثال عمرو بن الحمق الخزاعي، وحجر بن عدي، وتعطيل الحدود، وظهور الباطل على الحقّ, وتحريم الحلال, وتحليل الحرام.

كما ظهرت الأمراض الاجتماعية الخطيرة كانتشار الفساد والرشوة وشراء الذمم والنفوس بالأموال والمناصب ,كما أنّها شوّهت التركيب الاجتماعي للمجتمع، فقد عمد الأمويون إلى إشاعة روح الفرقة بين المسلمين ,والتمييز بين العرب والموالي (المسلمين الأجانب), وبثّ روح التناحر القبلي بتطبيقها سياسة

١- ابن كثير، البداية والنهاية (مرجع سبق ذكره): ج٨ ص ٢٣٣ ـ ٢٣٤

٨٥
<فرّق تسد> فقد عملت على التقرّب إلى قبائل بعينها تشملها بالرعاية والهبات والاقطاعات دون الأخرى، وذلك وفقاً لمصالحها وأهدافها السياسية.

وإن كانت السلطة الأموية قد هدمت مبدأ العدالة والمساواة الذي يقوم عليها الإسلام، فقد تكوّنت طبقة اجتماعية يمتلكون الضياع الفاخرة، ويكنزون الذهب والفضة ولهم من الثروات ما لا يعدّ ولا يحصى، وهذه الطبقة بدأت تنمو في عهد الخليفة الثاني الذي لم يطبّق مبدأ المساواة في العطاء ؛ حيث كانت سياسته المالية تقوم على <مبدأ التفضيل>، ثمّ اتّسعت هذه الطبقة في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفّان وازدادت اتّساعاً في زمن الدولة الأموية حيث أطلقت لأمرائها وأتباعها الهيمنة والعربدة داخل المجتمع الإسلامي في الوقت الذي عانت فيه أغلبية المجتمع من الفقر والحرمان، ولذا كانت ثورة الإمام الحسين عليه السلام من أجل الدفاع عن القيم والأخلاقيات التي دعمها الإسلام (المساواة ـ العدالة ـ الحرية) ومحاربة الاتجاه الهرقلي الكسروي الذي أراده معاوية بتحويل الإمامة (الخلافة) إلى نظام ملكي وراثي تأسيّاً بالدول الأجنبية التي فتحها الإسلام.

وتأتي الأزمة السياسية الشرعية في السلطة الحاكمة التي تمثّلت في نظر أغلبية المسلمين بعدم شرعية خلافة معاوية بن سفيان ؛ لأنّه اغتصب الخلافة بحدّ السيف والقهر، فهو لم يصل إلى الخلافة بالانتخاب أو بالشورى المزعومة, بل جاء عن طريق القوة وفي أعقاب حرب أهلية دامية(١). ولا يطبّق أحكام الشرع, ثمّ استحداث معاوية النظام السياسي القائم على <توريث الحكم>، فعمل معاوية على توريث ابنه يزيد الحكم ضارباً بالشورى عرض الحائط.

١- إبراهيم بيضون، تكوين الاتجاهات السياسية في الإسلام الأوّل، من دولة عمر إلى دولة عبد الملك، دار إقرأ، بيروت: ١٩٨٦ ص١٤٧

٨٦
وبدأ في شراء الذمم والنفوس واتّباع سياسة الترهيب, والترغيب, لتمرير مشروعه, فعملت الدولة الأموية من خلال إيديولوجيتها ورجالها التي تمّ شرائهم بالأموال والمناصب على الدعاية والترويج ليزيد بن معاوية، وتحسين صورته أمام الرأي العام في الوقت الذي توعدت فيه السلطة المعارضين السياسيين لخلافة يزيد، وعلى رأسهم الإمام الحسين عليه السلام وعبد الله بن الزبير ؛ لأنّ مثل هذا الوضع يرفضه أغلبية المجتمع، ذلك جعل الإمام يرفض هذا المشروع، ويثور عليه وبالتالي لم يكن بوسع الإمام الحسين عليه السلام أن يقف موقفاً سلبياً من الأحداث، ويدع بدعة توريث الحكم أن تمرّ بلا وقفة من عقلاء الأمّة وعلمائها، فصورة المجتمع يغلب عليها الطابع الفسيفسائي المتناقض مع ذاته، وإن كانت السمة العامة للأمّة باستثناء بعض عقلائها قد أصبحت في سبات عميق، بعضهم لا يستطيع التفريق بين الناقة والجمل, والبعض الآخر استكان لحياة الدعة والترف، وحليت الدنيا في أعينهم، ولسان حالهم يقول :مالي والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر, والبعض الآخر يعلم الحقّ وأهله، ولكنّه يتخاذل عنه في أقرب مواجهة مع الباطل, وإن كان بعض فقهاء وعلماء الأمّة لا يريدون المواجهة الصريحة مع الباطل وأهله.

وبعضهم يزعم أنّه يقف على الحياد، وهو لا يدري أو يدري أنّه يخدم الباطل، ويزيده قوّة على الحقّ, وإن كانت ارتفعت وتيرة المعارضة الرافضة لبيعة يزيد الصورية سواء المعارضة الخافتة أو الصريحة المعلنة، والتي قيل إنّها بلغت ١٨٠٠٠ معارض أرسلوا بخطابات احتجاج إلى الإمام الحسين عليه السلام يرفضون بيعة يزيد بن معاوية، ويطلبون منه المجيء إلى العراق, وحمّلوه المسؤولية التاريخية لقيادة الأمّة والنهوض, والمسؤولية الدينية إذا رفض

٨٧
الاستجابة إلى دعوتهم.

ومن هنا يرى الباحث أنّ الإمام الحسين عليه السلام قد وضع في موقف لا يمكنه أبداً النكوص منه أو حتّى الوقوف عنه, وإنّما يحتم عليه التقدّم دوماً إلى الأمام, فقد كانت دعوة أهل الكوفة وخطابتهم إلى الإمام الحسين عليه السلام ـ بصرف النظر عن مدى صدقها أو كذبها ـ هي أحد العوامل في خروج الإمام الحسين عليه السلام وبمثابة الغطاء السياسي الذي يعطي الشرعية لثورته, والتي لم تكن أبداً بوازع ذاتي أو مطمع شخصي, وإنّما بوازع ديني، أخلاقي، اجتماعي. فهو سليل بيت النبوة والوريث الشرعي للخلافة وأحقّ الناس وأولاهم بالمواجهة والتغيير.

كانت ثورة الإمام الحسين نتيجة منطقية لعدم قناعته بأهلية يزيد بن معاوية بالخلافة، ورفض الإمام الحسين عليه السلام مبايعة يزيد حيث كانت ليزيد من السمات الاجتماعية ما يجعله أبعد الناس عن تولّي منصب الخلافة، والتي لها شروط معيّنة يجب توافرها فيمن يتولّاها، فيزيد ليس من أهل الرأي, ولا من أهل الصلاح, ولا هو ممن تتفق عليه الآراء, فهو فتى عربيد يقضي ليلة ونهاره بين الخمور والطنابير, ولا يفرغ من مجالسة النساء,والندمان إلّا ليهرع إلى الصيد فيقضي فيه الأسبوع بعد الأسبوع بين الأديرة والبوادي, لا يبالي خلال ذلك تمهيداً لملك, ولا تدريباً على حكم، ولا استطلاعاً لأحوال الرعية الذي سيتولاهم بعد أبيه(١).

وتأكّده من أنّ السلطة الأموية سوف تفرض عليه المبايعة بالإكراه, ولن يتركوه إلّا بالقتل ففضّل الخروج إلى العراق على أن يقتل بالأرض الحرام.

١- عباس محمود العقّاد, الحسين أبو الشهداء – دار الهلال، القاهرة: د.ت ـ ص١٤.

٨٨
كانت ثورة الإمام الحسين عليه السلام دعوة لتنفيذ مبدأ <الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر> في كلّ جوانب المجتمع الإسلامي, وهي دعوة وقفت ضدّها السلطة الأموية وحالت بينها أن تسود في المجتمع, والأمر بالمعروف يقتضى مواجهة الحاكم الظالم, ومواجهة عملية التوريث وإجبار الحاكم على ترك الظلم والمنكر من خلال الثورة عليه.

إنّ الإمام الحسين عليه السلام استهدفت ثورته الحفاظ على الإمامة الدينية، والتي حوّلتها الدولة الأموية إلى وراثة ملكية على النمط الكسروي والهرقلي, وهو لم يكن بأيّ حال من الأحوال يريد الملك وأبّهته وإنّما يريد الإمامة التي راحت لغير مستحقّيها، فالصراع بين الإمام الحسين عليه السلام ويزيد بن معاوية لم يكن صراعاً شخصياً بين رجلين, أو عقليين وإنّما هو صراع بين الإمامة والملك الدنيوي(١).

كانت ثورة الإمام الحسين عليه السلام ثورة على السلوكيات السلبية في المجتمع والتي ساهم ساسة الدولة الأموية على انتشارها بين جوانب المجتمع (النفاق ـ الرشوة... العنصرية..العنف) ولاسيّما سلوكيات يزيد بن معاوية حيث كان دائم اللهو, شرّاب للخمر, يلعب مع القرود..., وكلّها أمور لا تليق بخليفة المسلمين, ولا مثل هذه السلوكيات ترقى بصاحبها أن يكون أماماً أو خليفة ؛ حيث لا تنطبق شروط الإمامة (الرئاسة) على صاحب تلك السلوكيات، فأراد الإمام الحسين عليه السلام أن يقضي على هذه السلوكيات السلبية من خلال الثورة التي تضمّن مبادئها انتشار السلوكيات الإيجابية والفاضلة في المجتمع.

١- عباس محمود العقّاد، الحسين أبو الشهداء (المرجع السابق): ص١٣.

٨٩
أيقن الإمام الحسين عليه السلام بما يمتلكه من خبرات سياسية وعلم لدنّي أنّ السلطة الأموية سوف تغدر به عاجلاً أم آجلا وأنّها لن تتركه حياً, فهو القائل: <والله لا يدعوني حتّى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي>.

فتحرّك هو وآل بيته وأنصاره من مكة قاصداً العراق لقيادة الثورة قبل أن يتمكّن جهاز السلطة من الفتك به وقتله مبكّراً.

تمثل ثورة الإمام الحسين عليه السلام فعل قصدي إرادي جاء بمحض إرادته, وقد اختار الإمام عليه السلام طريق الثورة بديلاً عن كلّ الحلول والمقترحات الجزئية التي فرضتها السلطة الأموية وأتباعها, مضحّياً بنفسه وآل بيته الذين قدّمهم ونفسه قرباناً إلى الله من أجل مبادئ الثورة المقدّسة التي ارتكزت على مبدأ الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وهي إحدى مرتكزات الإسلام ومن أجل المبادئ الاجتماعية التي تمثّلت في تحقيق العدالة والمساواة والحرّية.

والتخلّص من الحكّام الظالمين، وهذه المبادئ الاجتماعية لا تنفصل أبداً عن المبادئ الدينية التي نادت بها الثورة، وإنّما تعتبر انعكاساً لها نادى بها الإسلام وتجاهلته الأمّة. في تلك المرحلة التاريخية.

قام الحكم الأموي على أساس انتشار الظلم والقهر والعدوان والإكراه, فقد بغى معاوية على الإمام الشرعي (على بن أبي طالب) وأسرف في ممارسته الظالمة والعدوانية على الأمّة، حيث سفك دماء كثيرة، واستعمل شرار الخلق لإدارة أمور الحكم، فتحكّموا في الناس، وأخذوا يشيعون الإرهاب والخوف بين الناس، فكانوا في زمن زياد بن أبيه (زياد بن أبي سفيان) كان الناس يقولون أنج سعد فقد هلك سعيد(١) ؛ للدلالة على فقدان الأمن وانتشار الظلم، فقد كان

١- ابن كثير، البداية والنهاية (المرجع السابق): ص٣١٩.

٩٠
هذا الوالي يأخذ المظلوم بالظالم، وكما يقول المثل المعاصر <اضرب المربوط يخاف السايب> وبالتالي كانت ثورة الإمام الحسين عليه السلام ثورة ضدّ ظلم الحاكم.

كانت ثورة الإمام الحسين عليه السلام ثورة من أجل النداء الإلهي وتضحية من أجل إيقاظ الأمّة من سباتها ومن التباس الأمور عليها، وحجّة على من ينعت الحكم الأموي ومن قبله بالإسلامي، فهو أوّلاً خرج رغم أصوات الناصحين له بعدم الخروج بسبب الرؤية التي رأى فيها رسول الله’ وأكّد أنّ <أمرني رسول الله بأمر، وأنا ماض له>(١).

فهو خرج استجابة لله ولرسوله، وإنّ خروجه فيه من الرمز والدلالة على التضحية، فهو امتثل كما امتثل إسماعيل لأبيه إبراهيم عندما قال له: يا بني إني رأيت في المنام إنّي أذبحك؟ قال: يا أبت أفعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين.

والإمام الحسين عليه السلام أيضاً استجاب لأمر الله ورسوله، وجاهد وصبر حتّى شاهد آل بيته عليهم السلام يُقتلون الواحد تلو الآخر فصبر حتّى قتل عليه السلام وهو أسوة بالنبي إبراهيم عليه السلام الذي أراد أن يذبح ابنه لرؤية إلَهية، والإمام الحسين خرج للثورة، واستشهد وهو يعلم أنّ الأمور ليست في صالحه، وإنّما أيضاً استجابة وتلبية لرؤية إلهية أبلغه إياه جده’، ولم يغب عن الإمام الحسين عليه السلام طبيعة البناء الاجتماعي الذي تميّز بالتمفصل والتناقض بين وحداته الاجتماعية المختلفة وعلى كافة المستويات الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية, وهو لم ينشأ فجأة وبدون مقدّمات، وإنّما كان نتيجة لتطورات الأحداث بعد وفاة الرسول ص.

حيث شهد الواقع الاجتماعي السياسي في بعض جوانبه تمفصلاً وتناقضاً

١- ابن كثير، البداية والنهاية (المرجع السابق ): ص١٧٦.

٩١
القيم الاجتماعي » محمد احمد محمود ابراهيم » (ص ٩١ - ص ١٢٠)واضحاً بين المبادئ والقيم الاجتماعية التي أرساها الرسول’ والمستمدّة من الإسلام, وبين القيم الاجتماعية المستحدثة التي تم فرضها على الواقع الاجتماعي ـ مثل إحياء النزعة القبلية والعصبية, وارتداد بعض القبائل عن الدين, وظهور الفسق والخلاعة, والتهاون في تطبيق الحدود من بعض رموز المجتمع الإسلامي على أساس إنّ ذلك اجتهاد شخصي، وتأويلات مناقضة للنصّ الإلهي, وكذلك استيراد نظم حكم من الإمبراطوريات السياسة التي هزمها الإسلام.

وبدلاً من أن تسود ثقافة الغالب وحضارته ارتضت بنو أميّة وأشياعهم بسيادة ثقافة المغلوب باستعارتها نظم الحكم الملكية الوراثية عند الفرس والروم, وهي بالطبع نظم لها خصوصيتها الاجتماعية والسياسية، والتي تتعارض مع خصوصيات المجتمع الإسلامي فإن كانت هذه النظم صالحة لمجتمعاتها إلّا أنّها قد لا تكون كذلك بالنسبة للمجتمع العربي, كلّ ذلك بفعل التغيرات الاجتماعية الديموغرافية الناشئة عن انتقالات الأفراد في المجتمع الإسلامي إلى أقطار البلاد المفتوحة وخاصّة بلاد فارس والروم.

وأيضاً دخول أجناس وأعراق غير عربية في تركيبة المجتمع الإسلامي بفعل هذه الفتوحات، وهي عوامل خارجية في الأساس إلّا أنّ الأهمّ هو تلك العوامل الداخلية، والتي يمكن إجمالها في محاولة كثيرين إقصاء آل البيت عليهم السلام عن الخلافة (الإمامة) بزعم أنّ الله قد كره لهم أن يجمعوا بين النبوة والخلافة، وهو زعم مردود. وعليه يمكن أن نقول إنّ نموذج الحكم الكسروي الهرقلي الذي فرضه معاوية وتبنّته بعد ذلك الأسرة الأموية على المجتمع الإسلامي هو النتيجة الحتمية لمتغيّرات أساسية سادت البنية السياسية، ولم يكن الإمام الحسين عليه السلام غائباً عن

٩٢
تلك التغيرات والتمفصلات السياسية والاجتماعية، فقد عاش تناقضات هذه المرحلة، وخبر أحداثها ومأساتها، فهو كان واعياً بمعنى ومدلول كلماته للخليفة الثاني عندما قال له: <أنزل عن منبر أبي وأذهب إلى منبر أبيك>(١).

ولم يكن غائباً عن أحداث الفتنة، ولعب دوراً بارزاً في مواجهة حزب الناكثين، فقد شرح للناس طبيعة الموقف السياسي، وواجه الذين كانوا يخذّلون الناس عن الانضمام لجيش أبيه، وصوّب رأي أبيه في التصدّي للناكثين، وأقنع العديد منهم من الانضمام إلى جبهة الإمام علي عليه السلام ، وشارك في حروب الإمام علي عليه السلام في الجمل وصفّين، وتوسط لأبيه في الإفراج عن مروان بن الحكم بعد أسره في وقعة الجمل، فحارب ضدّ الخوارج في النهروان، وشارك قبل ذلك في الجيش الإسلامي الذي فتح إفريقيا، فهو سياسي وقائد عسكري لا يمكنه أن يترك أمور المسلمين دولة ين يدي بني أميّة يتلقفونها كالكرة، فكان لابدّ من القيام بمواجهة السلطة الأموية، لإصلاح التمفصل والتناقضات داخل المجتمع.

١- جلال الدين السيوطي، تاريخ الخلفاء، مكتبة مصر، القاهرة: ٢٠٠١ ص١٤٦.

٩٣

الفصل الرابع القيم الاجتماعية عند الإمام الحسين عليه السلام والسلطة الأموية

٩٤

٩٥

القيم الاجتماعية عند الإمام الحسين عليه السلام والسلطة الأموية

أولاً: القيم عند الإمام الحسين عليه السلام

قيم الثورة والتغيير الاجتماعي:

يؤكّد الإمام الحسين عليه السلام على قيم الثورة والتغيير الاجتماعي, كضرورة قصوى وملحّة في المجتمعات التقليدية التي تعانى من الاستغلال والاستبداد ؛ لأنّه بدون التأكيد على قيم التغيير الاجتماعي لن يكون هناك أيّ أمل في تطوّر هذه المجتمعات سواء على المستوى الروحي أو المادّي، ويطرح الإمام الحسين عليه السلام الأسباب الملحّة التي جعلته يقوم بالثورة من أجل التغيير الاجتماعي، والتي من أجلها ضحى بروحه وروح آل بيته، وضحّى معه أتباعه الشرفاء , فهو يقوم بتحليل الواقع الاجتماعي والسياسي في عصره، ويؤكّد على أنّ هذا الواقع كان متدنّياً, وزائفاً ولم يعد بحالة النقاء والصفاء التي كان عليها في زمن النبيّ’، فالقيم والأفكار الإيجابية التي دعمها الإسلام ولازالت محفورة في صفحات الكتاب الربّاني، قد نبذتها السلطة الأمويّة وجعلتها وراء ظهورها.

فقد أماتوا السنة وأحيوا البدع، والقيم والأفكار الجاهلية التي طالما حاربها الإسلام, فالمتحكّمين في أمور المسلمين ومصائرهم من بني أميّة قد دأبوا على نشر هذه البدع والقيم الجاهلية. والنتيجة أنّ عمّ الفساد والرشوة في المجتمع, وتعطّلت القوانين, (الحدود)، وأصبح الحقّ غريباً في بيته، لا يعمل به، والباطل لا يتناهى عنه، بل أصبح سمة مميزة في المجتمع, وأصبحت ثروة المجتمع دولة بين الأقليّة من السلطة الأموية وعائلاتها المحظوظة التي عاشت حياة الغنى والترف,

٩٦
بينما الأغلبية في المجتمع يعانون الفقر والحرمان والتهميش والقمع.

ورغم ذلك تطالبهم السلطة الأموية بضرورة مجاراة الواقع والتسليم له، خصوصاً بعد أن فرضت السلطة الأموية ـ تساندها الصفوة الأرستقراطية بما لها من نفوذ ديني وسياسي ـ على المجتمع يزيد بن معاوية خليفة لهم، وانتزعت من البعض المبايعة بحدّ السيف والقهر تارة، وبالرشوة والنفاق تارة أخرى، مستندة إلى أدواتها القمعية، ضاربة عرض الحائط بمبادئ الشورى التي هي باطلة أيضاً وحرّية الناس في اختيار خليفتهم, وغير مكترثة بالمعارضة الواسعة لتولّي يزيد الخلافة، فقد كانت الغالبية العظمى ترفض بيعة يزيد، وترى فيه أنّه شخص غير مؤهل للخلافة، ولا تنطبق عليه شروط تولّي الخلافة, فضلاً على أنّهم قد رأوا في وفاة معاوية أملاً في التخلّص من حكم البيت الأموي الذي استندت سياسته على القهر والديكتاتورية، والتجويع، وملاحقة المعارضين السياسيين, وتصفيتهم جسدياً، وقطع الأرزاق عنهم، ومصادرة أموالهم ولكنّهم صدموا مرّة أخرى بفرض يزيد بن معاوية عليهم.

تلك هي حالة البناء الاجتماعي المتدهور على كافّة المستويات، فعلى المستوى السياسي (إرهاب ـ ديكتاتورية وتغيير في نظام الحكم السائد إلى نظام ملكي وراثي)، وعلى المستوى الاجتماعي (تفاوت طبقي شديد أقلية تمتلك الثروات والقصور والضياع، وأغلبية مغلوبة على أمرها تعيش حالة الفقر والكفاف والتهميش، ولا يأخذ برأيها في أمور الدولة) ـ وعلى المستوى القيمي الثقافي (قيم اجتماعية مستحدثة ظهرت في المجتمع كانت قد اختفت أو قاربت على الاختفاء تم إحياءها من جديد كالعصبية, والأثرة, الترف, وحبّ السلطة وظهور أمراض اجتماعية خطيرة انتشرت كالرشوة والفساد وانتشار القيم

٩٧
السلبية والنفاق...) وانتشار البدع في الدين، ووضع الأحاديث الكاذبة المنسوبة إلى الرسول’ استخدمها البعض في صراعه على السلطة، وظهور اتجاهات دينية فسّرت الدين بما يتناسب مع هوى الحاكم (القدرية والجبرية).

ومن هنا كان من أهمّ أولويات الإمام الحسين عليه السلام أصلاح هذا البناء الاجتماعي المنهار, من خلال إحداث عملية تغيير شاملة في المجتمع, وذلك من خلال منهج تطبيقي، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد استخدمه من خلال أسلوبيين مختلفين الأوّل سلمى أقتصر على محاوراته مع السلطة الأموية، ورفضه لبيعة يزيد، ومحاولاته لإثناء هذه السلطة على فرض يزيد على المجتمع الإسلامي, والثاني ثوري عندما علم جدّية السلطة في فرض يزيد على المجتمع, انتزاع اعتراف الناس بشرعية يزيد بطرق غير شرعيه, وعلمه بأنّ السلطة الأموية لن تتركه حيّاً إلّا إذا اعترف بشرعية يزيد قهراً وقسراً, فكان من الضروري الثورة على يزيد بن معاوية باعتباره رئيس السلطة والحكم الأموي المسؤول عن انهيار المجتمع, ومخالفاً لسنّة الرسول’ وباعتباره هو أولى المسلمين بقيادة هذا التغيير، فواجبه الديني والاجتماعي يحتّمان عليه القيام بالثورة، والتي سوف تأتى بالتغيير الإيجابي في المجتمع, وانتشال الأمّة من حالة الانهيار الحضاري بعد أن تركت المنكر يعمل به وتراخت عن الأمر بالمعروف, وتخلت عن عقلها, وضميرها. فعملية التغيير الاجتماعي الشاملة التي حاول الإمام الحسين عليه السلام أن يحقّقها، والتي ترتكز على منهج (الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر) إنّما كان يهدف من ورائها إلى مجتمع يعيش فيه الإنسان بحرّية وبدون قهر ومجتمع يسوده العدل في كلّ مكان, يحقّق العدالة الاجتماعية، وتصان فيه حقوق الإنسان، ويسمح لأفراده في اتخاذ القرارات المصيرية, مجتمع لا مكان فيه للطغاة, ولا للجبارين، ولا للظالمين, ولا للجلادين.

٩٨
وعلى الرغم من أنّ الإمام الحسين عليه السلام كان على علم بأنّه يواجه سلطة غاشمة تمتلك من الإمكانات المادّية والنفوذ ما يمكنها من وأد عملية التغيير الاجتماعي إلّا أنّه أصرّ على القيام بها بصرف النظر عن نتائجها, وعواقبها الآنية والتي كان يعلم الإمام عليه السلام أنّها لن تجنى ثمارها في الوقت الأدنى, فقد تحول الأوضاع الاجتماعية المختلفة دون تحقيق الأهداف والقيم المرغوبة، ولكن ذلك لا قيمة له أمام الباعث الحقيقي لهذه الأهداف والقيم، ولهذا كانت كلمات الإمام الحسين عليه السلام الخالدة تجسيداً لقيمه على أرض الواقع المجتمعي:

<إنّ الدنيا قد تغيّرت ,وأدبر معروفها,ولم يبق منها إلّا صبابة كصبابة الإناء, وخسيس عيش كالمرعى الوبيل, ألا ترون أنّ الحقّ لا يعمل به, والباطل لا يتناهى عنه, ليرغب المؤمن في لقاء الله حقاً, فإني لا أرى الموت إلّا سعادة, والحياة مع الظالمين إلّا برماً>(١).

<إنّي لم أخرج أشراً, ولا بطراً ولا مفسداً, ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي’، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر>.

<من‌ رأى سلطاناً جائراً مستحّلاً لحرام‌ الله، ناكثاً لعهد الله، ‌مخالفاً لسنّة‌ رسول‌ الله، يعمل‌ في‌ عباد الله بالإثم‌ والعدوان‌، فلم‌ يغيّر عليه بفعل‌ ولا قول، ‌كان‌ حقّاً على الله أن‌ يدخله مدخله، ألا وإنّ‌ هؤلاء قد لزموا طاعة‌ الشيطان‌، وتركوا طاعة‌ الرحمن‌، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفي‌ء، وأحلّوا حرام‌ الله وحرّموا حلاله، وأنا أحق‌ من‌ غيري.

١- أحمد راسم النفيس، على خطى الحسين، الإيمان للنشر والتوزيع، المنصورة، د.ت، ص١٠٤ نقلاً عن ابن عبد ربّه ـ العقد الفريد ٢/ ٣١٢.

٩٩

قيم السلام والتسامح:

تعتبر قيم السلام والتسامح من أبرز القيم التي أكّد عليها الإمام الحسين عليه السلام في ثورة كربلاء، فقد دافع عن الخير في مواجهة الشرّ, ومناصرة المظلوم ضدّ الظالم, وكانت ثورته من أجل الفقراء والمساكين, في حين كانت السلطة الأموية يقتلون الناس ويشيعون الخوف, ويزيدون من آلام الناس, ويفضلوا المنفعة الخاصّة على مصالح الأمّة. فلم يكن الإمام الحسين عليه السلام يبتغي الفتنة, ويريد أن يضرب الناس بعضها ببعض, أو أن يقطع أواصر الأمّة كما صوّرته الدعاية الأموية, ولم يكن داعية حرب على الرغم من أنّه من أفضل المحاربين وأشجعهم, فهو لم يخرج إلى الكوفة بجيش لاحتلالها, ولكنّه خرج تحقيقاً لرغبة ومطالب أهل الكوفة الذين تعاهدوا على مبايعته, ونصره, وإيوائه، وبلغت رسائلهم حوالي ثمانية عشر ألف رسالة يطلبون فيها من الإمام الحسين عليه السلام سرعة المجيء إلى الكوفة.

إنّ صوت السلام نسمعه في صدى أفعاله النبيلة، فهو لم يبدأ بقتال جيش السلطة الأموية ورفض اقتراح زهير بن القين بمحاربة طلائع جيش يزيد الذي قابله وهو في طريقه إلى العراق، ولو كان حاربهم لأبادهم جميعاً، وكان جوابه: ما كنت لأبدأهم بقتال(١).

كما رفض محاولة مسلم بن عوسجة الذي أراد أن يرمي أحد قوّاد الجيش الأموي (شمر بن ذي الجوشن) بسهم عندما وقف أمام معسكر الإمام الحسين عليه السلام وأخذ يشتم ويسبّ الإمام الحسين عليه السلام ، فلم يأذن له الإمام بذلك

١- ابن العديم، الحسين بن علي سيّد شباب أهل الجنة، (مرجع سبق) ذكره ص٨٤ .

١٠٠